Indexed OCR Text
Pages 321-340
قال ابن السُّبكي في ((طبقاته الكبرى)): وقرأ الفقه على الرّافعي، وعِلْمَ الجَدَلِ على علاء الدِّين الطَّاووسي(١). وسمع الحديث من جماعة، وولي قضاء القضاة بالشام، وله كتاب في الأصول، وكتاب فيه رموز حكمية، وكتاب في النحو، وكتاب في العَرُوض، وفيه يقول أبو شامة: أحمدُ بن الخَليل أرشدَه اللــهُ لِمَا أَرْشَدَ(٢) الخليل بن أحمدْ مُظْهِرُ السِّرِّ منه والعَوْدُ أَحْمَدْ ذَاكَ مُسْتَخْرِجُ العَرُوضِ وَهَذَا وقال الذهبي: كان فقيهاً، إماماً، مناظراً، خبيراً بعلم الكلام، أستاذاً في الطبِّ والحِكْمة، دَيِّناً، كثير الصلاة والصيام. توفي في شعبان، ودفن بسفح قاسیون. • وفيها الصَّدْرُ علاء الدِّين أبو سعد ثابت بن محمد بن أبي بكر الخُجَنْدي (٣) - بضم الخاء المعجمة وفتح الجيم وسكون النون ومهملة، نسبة إلى خُجَنْدَة مدينة بطرف سيحون - ثم الأصبهاني سمع ((الصحيح)) (٤) حضوراً في الرابعة من أبي الوقت [السِّجْزِي]، وبقي إلى هذا الوقت بشيراز. · وفيها أبو العبّاس بن الرُّومِيَّة أحمد بن محمد بن مفرِّج بن عبد الله الأموي مولاهم الأندلسي الإِشبيلي الزَّهْرِي النَّبَاتي(٥) الحافظ. كان حافظاً (١) تحرفت في (آ)) و((ط) إلى (الطُوسي)) والتصحيح من ((طبقات الشافعية الكبرى)) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (١٧٧/٢). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((كما أرشد)) وما أثبته من ((ذيل الرَّوْضَتين)) ص (١٦٩) و((طبقات الشافعية الكبرى)» (١٧/٨). (٣) انظر (العبر)) (١٥٣/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٩/٢٣ - ٦٠) و((تاريخ الإسلام)) (٣٠٢/٦٤ - ٣٠٣). (٤) يعني ((صحيح البخاري)). (٥) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٥٨/٢٣ - ٥٩) و((الدِّيباج المُذْهَب)) (١٩١/١ -١٩٢) و((التبيان شرح بديعة البيان)) لابن ناصر الدِّين (١٧٧ / آ). ٣٢١ صالحاً مصنَّفاً، من الأثبات، ظاهريَّ المذهب، مع ورعٍ. وكان يحترف من الصيدلة لمعرفته الجيدة بالنبات. قاله ابن ناصر الدِّين. • وفيها أمين الدِّين أبو الغَنَائم، سالم بن الحسن بن هبة الله الشَّافعي التَّغْلبي الدمشقي(١). رحل به أبوه، وسمّعه من ابن شَاتيل وطبقته، وسمع هو بنفسه. وولي المارستان، والمواريث، والأيتام، وتوفي في جمادى الآخرة وله ستون سنة، ودفن بتربته بقاسيون، وخَلَّف ذريةً صالحة أبقت ذكره. • وفيها الملك المجاهد أسد الدِّين شِيركُوه بن محمد بن شيركوه بن شادي(٢)، صاحب حمص. توفي بها في رجب. قال ابن خَلِّكان: مولده سنة تسع وستين وخمسمائة، وتوفي يوم الثلاثاء تاسع رجب بحمص، ودفن بتربة(٣) داخل البلد، وكانت له أيضاً الرَّحْبَةُ، وتدمر، وماكِسِين من بلد الخابور. وخلّف جماعةٌ من الأولاد، فقام مقامه في المُلك ولده الملك المنصور ناصر الدِّين إبراهيم. انتهى. · وفيها أبو القاسم عبد الرحيم بن يوسف بن هبة الله بن الطّفيل الدمشقي (٤). توفي بمصر في ذي الحجّة، وروى عن السِّلَفي. • وفيها أبو محمد وأبو الفضل عفيف الدِّين عبد العزيز بن دُلَف(٥) بن (١) انظر (العبر)) (١٥٣/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٦٠/٢٣ -٦١) و((تاريخ الإسلام)) (٣٠٦/٦٤ - ٣٠٧). (٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٧٩/٢ - ٤٨٠) و((المختصر في أخبار البشر)) (١٦٥/٢) و((العبر)) (١٥٣/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٢١/٢٣) و«تاريخ الإسلام)) (٣٠٧/٦٤ -٣٠٨). (٣) في ((وفيات الأعيان)): ((بتربته)). (٤) انظر ((العبر)) (١٥٣/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٣/٢٣ - ٤٤) و((النجوم الزاهرة)) (٣١٧/٦). (٥) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((دنف)). ٣٢٢ أبي طالب بن دُلَف بن القاسم البغدادي(١) الحنبلي، المقرىء الناسخ الخازن . ولد سنة إحدى أو اثنتين وخمسين وخمسمائة. وقرأ بالرِّوايات الكثيرة على أبي الحارث أحمد بن سعيد العسكري وغيره، وسمع الحديث من أبي علي الرَّحْبي وغيره، وكتب الكثير بخطّه الحسن لنفسه وللناس، وشهد عند الرِّيحاني زمن الناصر، وكان الخليفة الناصر أذن لولده الظَّاهر برواية ((مسند الإِمام أحمد)) عنه بالإِجازة، وأذن لأربعة من الحنابلة بالدخول إليه للسماع، عبد العزيز هذا منهم، فحصل له به أُنْسٌ، فلما أفضت إليه الخلافة ولّه النظر في ديوان التركات الحشرية، فسار فيها أحسن سيرة، وردّ تركات كثيرة على الناس. قال النَّاصح بن الحنبلي(٢): كان إماماً في القراءة، وفي علم الحديث. سمع الكثير، وكتب بخطه الكثير، وهو يصوم الدَّهر، لقيته ببغداد في المرتین. وقال ابن النجار: كان كثير العبادة، دائم الصوم والصلاة وقراءة القرآن مذ كان شاباً؛ وإلى حين وفاته. وكان مسارعاً إلى قضاء حوائج الناس والسعي بنفسه إلى دور الأكابر في الشفاعات وفكُّ العناة، وإطلاق المعتقلين بصدر منشرح وقلب طيب، وكان محباً لإيصال الخير إلى الناس ودفع الضرِّ عنهم، كثير الصدقة والمعروف، والمواساة بماله حال فقره وقلّة ذات يده وبعد يساره وسَعَة ذات يده. وكان على قانون واحد في ملبسه لم يغيره، وكان ثقةً، (١) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٥٢٦٥٣) و«تاريخ الإسلام)) (٣١٣/٦٤ -٣١٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٤/٢٣ -٤٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٤). (٢) في ((الاستسعاد بمن لقيته من صالحي العباد في البلاد)) وترجمته في القسم المنشور منه ضمن كتاب ((شذرات من كتب مفقودة في التاريخ)) ص (١٩٠) استخراج وتحقيق الدكتور إحسان عبَّاس. ٣٢٣ صدوقاً، نبيلاً، غزير الفضل، أحسن الناس تلاوةٌ للقرآن، وأطيبهم نغمةً. وكذلك في قراءة الحديث. وتوفي ليلة الاثنين السادس والعشرين من صفر ببغداد، ودفن بجانب معروف الكرخي . ● وفيها - وجزم ابن ناصر الدِّين(١) أنه في التي قبلها - أبو بكر محمد ابن إسماعيل بن محمد بن خلفون الحافظ(٢) الأزدي الأندلسي الأوْنَبي (٣). كان حافظاً متقناً للأسانيد والأخبار، مصنّفاً. • وفيها ابن الكريم الكاتب شمس الدِّين محمد بن الحسن بن محمد ابن علي البغدادي (٤) المُحَدِّث الأديب الماسحُ المتفنن. روى عن ابن بَوْش، وابن كُلَیب، وخلق. وسكن دمشق، وكتب الكثير بخطّه. توفي في رجب عن سبع وخمسين سنة. • وفيها ابن الدُّبَيثي - بضم الدال المهملة وفتح الموحدة التحتية وسكون المثناة التحتية ومثلثة، نسبة إلى دُبَيثا قرية بواسط - الحافظ المؤرخ المقرىء الحاذق أبو عبد الله محمد بن سعيد بن يحيى الواسطي (٥) الشافعي. ولد سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وسمع من أبي طالب الكِنَاني، وابن شَاتيل، وعبد المنعم بن الفُرَاوي، وطبقتهم. وقرأ القراءات على (١) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٧٦ / ب). (٢) لفظة ((الحافظ)) لم ترد في ((ط)). (٣) تصحفت نسبته في (آ)) و((ط)) و((التبيان شرح بديعة البيان)) إلى ((الأوْبَني)) والتصحيح من (تذكرة الحفاظ)) (١٤٠٠/٣) و((سير أعلام النبلاء)) (٧١/٢٣) و((تاريخ الإِسلام)) (٢٨٤/٦٤). (٤) انظر ((العبر» (١٥٣/٥ - ١٥٤) و((تاريخ الإسلام)) (٣١٩/٦٤ - ٣٢٠). (٥) انظر ((العبر)) (١٥٤/٥) و(سير أعلام النبلاء)) (٦٨/٢٣ - ٧٠) و((الإِعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٤) و((مرآة الجنان)) (٩٥/٤ - ٩٧). ٣٢٤ جماعة، وتفقه على أبي الحسن هبة الله بن البُوقي، وأتقن العربية، وتقدم وساد، وعلَّق الأصول والخلاف، وعُني بالحديث ورجاله، وصنّف كتاباً في تاريخ واسط، و((ذيلاً))(١) على ((مُذَيِّل)) ابن السمعاني وأسمعهما، وله معرفة بالأدب والشعر. وله شعر جيد، وقد أثنى على حفظه وذهنه واستحضاره الحافظ الضياء المقدسي، وابن نُقْطَة، وابن النجار. وقال: هو شيخي، وهو آخر الحفّاظ المكثرين، ما رأت عيناي مثله في حفظ التواريخ، والسير، وأيام الناس، وأضرِّ في آخر عمره. وقال ابن الأهدل: وأنشد لنفسه: صَدِيقاً صَدُوقَاً مُسْعِداً في النوائبِ خبرتُ بني الأيامِ طُرّأ فلم أَجِدْ صَفَاءَ وداديَ بالعِدَا والشّوَائِبِ وأصْفَيْتُهم مِنِّي الودَادَ فَقَّابَلوا فَأحمدهُ فِي فِعْلِهِ والعَوَاقِبِ ومَا اخْتَرْتُ مِنْهُم صَاحِباً وارْتَضَيْتُهُ وقال في ((العبر)): توفي في ثامن ربيع الآخر ببغداد. • وفيها تقي الدِّين محمد بن طَرْخَان بن أبي الحسن السُّلمي الدِّمشقي الصَّالحي الحنبلي (٢). ولد بقاسيون سنة إحدى وستين وخمسمائة، وروى عن ابن صَابر، وأبي المجد البَانْيَاسي، وطائفة. وخرَّج لنفسه ((مشيخةً))، وكان فقيهاً، جليلاً، متودِّداً. وسمع بمكّة، والمدينة، واليمن، وحَدَّث، وتوفي في تاسع المحرَّم بالجبل. • وفيها أبو طالب بن صَابر الدِّمشقي محمد بن أبي المَعَالي عبد الله ابن عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن صَابر السّلمي الصُّوفي (٣) الزاهد. روى (١) حقق الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف الجزء الأول منه ونشرته وزارة الإعلام العراقية سنة (١٣٩٤) هـ. (٢) انظر ((العبر)) (١٥٤/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٤). (٣) انظر (العبر)) (١٥٤/٥ - ١٥٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٢٣/٦٤ - ٣٢٤) و((الإعلام بوفيات الأعلام» ص (٢٦٤). ٣٢٥ عن أبيه وجماعة، وصار شيخ الحديث بالعِزِّيَّة(١). " قال ابن النجار: لم أَرَ إنساناً كاملاً غيره، زاهداً، عابداً، ورعاً، كثير الصلاة والصيام. توفي في سابع المحرم. • وفيها ابن الهادي مُحتسب دمشق، رشيد الدِّين أبو الفضل محمد بن عبد الكريم بن يحيى القَّيْسي الدمشقي(٢). شيخٌ وقورٌ مَهِيبٌ عفيفٌ. سمع! ابن عساكر، وأبا المعالي بن صابر، وتوفي في جمادى الآخرة عن سبع وثمانين سنة . • وفيها الرَّشيد النيسابوري محمد بن أبي بكر بن علي الحنفي(٣) الفقيه. سمع بمصر من أبي الجيوش عساكر [بن علي]، والتّاج المسعودي، وجماعة. ودرَّس، وناظر، وعاش سبعاً وسبعين سنة. وولي قضاء الكرك والشوبك، ثم درَّس بالمعينية (٤)، وتوفي في خامس ذي القعدة. • وفيها شرف الدِّين أبو البركات بن المُسْتَوفي المُبَارك بن أحمد بن أبي البركات اللَّخْمي الإِربلي(٥) وزير إربل وفاضلها ومؤرخها. ولد سنة أربع وستين وخمسمائة، وسمع من عبد الوهاب ابن حَبَّة، وحنبل [بن عبد الله]، وابن طَبَّرْزَد، وخلق. وكان بيته مجمع الفضلاء، وله يدٌ (١) هي المدرسة العزّية البرانية. انظر ((الدارس في تاريخ المدارس)) (٥٥٥/١). (٢) انظر ((العبر)) (١٥٥/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٢٤/٦٤). (٣) انظر ((العبر)) (١٥٥/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٢٨/٦٤) وما بين الحاصرتين زيادة منه، و((الجواهر المضية)) (٣٥/٢ - ٣٦) طبع حيدر أباد. (٤) انظر ((الدارس في تاريخ المدارس)) (٥٨٩/١). (٥) انظر (وفيات الأعيان)) (١٤٧/٤ -١٥٢) و((العبر)) (١٥٥/٥ -١٥٦) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٩/٢٣ - ٥٣) و((تاريخ الإسلام)) (٣٢٩/٦٤ - ٣٣١) و((الإعلام بوفيات الأعلام)» ص (٢٦٤) و((المختار من تاريخ ابن الجزري)) ص (١٧٥) و((مرآة الجنان)) (٤ /٩٥ - ٩٧) و(«البداية والنهاية)) (١٣٩/١٣). ٣٢٦ طولى في النثر والنظم، ونفس كريمة كبيرة، وهِمَّ عَلِيَّةٌ. شرح ديواني أبي تمام والمُتنبي في عشر مجلدات، وله غير ذلك. وديوان شعر منه في تفضيل الْبَيَاض على السُّمْرَة: لا تخدَعنَّكَ سُمْرَةٌ غَرَّارَةِ ما الحُسْنُ إلّ للبياضِ وجِنْسِهِ والسيفُ يُقتل كلُّه من نفسهِ فالرُّمْحُ يُقتل بعضُهُ مِنْ غَيرِهِ وله: وعَتَا بِمَا أَبْدَاهُ مِنْ أَنْوَارِهِ يا ربّ قد عَظُمَتْ جِنَايَةُ عينهِ واسْتُر مَحَاسنَ وجْهِهِ بِعِذَارِهِ فاشفِ السَّقَامَ المُسْتَكِنّ بطرفهِ سَلِمَ بقلعة إربل من التتار، ثم سكن الموصل وبها مات في المحرم. قال ابن الأهدل: جمع لإِربل ((تاريخاً)) في أربع مجلدات، وله ((الْمُحَصَّل)) على أبيات المفصَّل في مجلدين. وله كتاب ((سرُّ الصنعة)) وكتاب سمّاه(١) ((أبا قماش (٢) جمع فيه آداباً ونوادر، وأرسل ديناراً إلى شاعر على يد رجل يقال له الكمال، وكان الدينار مثلوماً، فتوهم الشاعر أن الكمال نقّصَهُ، فكتب : في الجُود حقّاً تُضربُ الأمثالُ يا أيُّها المولى الوزير ومن بهِ حُسناً فوافى العبدَ وهو هلالُ أرسلت بدر التمّ عند كمالهِ بلغَ الكَمَالَ كذلكَ الآجال ما عابه(٣) النُّقْصَانُ إلاّ أنّه فأجاز الشاعر وأحسن إليه . (١) تحرفت في ((ط)) إلى ((سماد)). (٢) تحرفت في ((مرآة الجنان)) إلى ((حماش)). (٣) في ((وفيات الأعيان)) و(«مرآة الجنان)): ((ما غاله)). ٣٢٧ ورثاه بعضهم فقال: بأنّكَ فَرْدُ عصركَ لم تُصِبكًا أبا البَرَكَّات لو دَرَتِ المَنَايَا عليهِ بأعيُنِ الثقلينِ يُبكى كفى الإِسلامَ رُزْءاً فقدُ شخصٍ انتھی . • وفيها ضياء الدِّين بن الأثير الصَّاحب العلامة أبو الفتح، نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري(١)، الكاتب البليغ، صاحب ((المثل السائر))(٢). انتهت إليه كتابة الإنشاء والتّرسل، ومن جملة محفوظاته شعر أبي تمَّام، والبُحتري، والمُتنبي. وَزَرَ بدمشق للملك الأفضل فأساء وظلم، ثم هرب، ثم كان معه بسُمَيْسَاط سنوات. ثم خدم الظّاهر صاحبَ حَلب، فلم يقبل عليه. فتحوّل إلى الموصل، وكتب الإنشاء لصاحبها محمود بن عزّ الدِّين مسعود، ولأتابکه لؤلؤ، وذهب رسولاً في آخر أيامه إلى الخليفة فمات ببغداد في ربيع الآخر، وكان بينه وبين أخيه عزّ الدِّين مقاطعةٌ كُلِّيَّة. قاله في ((العبر)). قلت: ومن شعره: ثَلَاثَةٌ (٣) تُعطي الفَرَحْ كَأْسٌ وَكُوزٌ وَقَدَحْ ما ذُبحَ الزّقُّ لها إِلّ وللهِمِّ ذَبحْ وقال ابن خَلُّكان: ولما كملت (٤) له الأدوات قصد جناب الملك النَّاصر (١) انظر (المستفاد من ذيل تاريخ بغداد)) للدمياطي ص (٤٠٥ - ٤٠٦) و((وفيات الأعيان)) (٣٨٩/٥ - ٣٩٧) و((العبر)) (١٥٦/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٧٢/٢٣ - ٧٣) و«تاريخ الإِسلام)» (٣٣٢/٦٤) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٤). (٢) وهو من مصادر كتابنا هذا، وقد طبع طبعة جيدة متقنة مفهرسة في دار نهضة مصر بالقاهرة في أربع مجلدات بتحقيق الدكتور أحمد الحُوفي، والدكتور بدوي طبَانة . (٣) في ((آ)) و(ط)): ((ثلاث)) وما أثبته من «وفيات الأعيان)). (٤) في ((آ): ((وكملت)) وهو خطأ. ٣٢٨ صلاح الدِّين. وكان يومئذٍ شاباً، فاستوزره ولده الملك الأفضل نور الدِّين على، وحسنت حاله عنده. ولما توفي صلاح الدِّين، واستقلَّ ولده الأفضل بمملكة دمشق، استقلّ ضياء الدِّين بالوزارة ورُدَّت إليه أمور الناس، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه، ولما أُخذت دمشق من الملك الأفضل وانتقل إلى صرخد، وكان ضياء الدِّين قد أساء العِشْرَة على أهلها، فهمُّوا بقتله، فأخرجه الحاجب محاسن بن عجم [مستخفياً] (١) في صندوق. ولما استقرَّ الأفضل في سُمَيْسَاط عاد إلى خدمته، وأقام عنده مدة، ثم فارقه واتصل بخدمة أخيه الملك الظاهر صاحب حلب؛ فلم يطل مقامه عنده، فخرج مغاضباً(٢) وعاد إلى الموصل، فلم يستقر حاله، فورد إرْبِلَ فلم يستقم حاله، فسافر إلى سِنْجَار ثم عاد إلى الموصل واتخذها دار إقامته(٣). ولقد ترددت إلى الموصل من إرْبِلّ أكثر من عشر مرّات، وهو مقيم بها، وكنت أودُّ الاجتماع به لآخذ عنه شيئاً، لما (٤) كان بينه وبين الوالد من المودة الأكيدة، فلم يتفق ذلك. ولضياء الدِّين من التصانيف الدَّالة على غزارة فضله وتحقيق نبله، كتابه الذي سمّاه ((المثل السائر)) في أدب الكاتب والشاعر، وهو في مجلدين. جمع فيه فَأوعب(٥)، ولم يترك شيئاً يتعلق بفنٌّ الكتابة إلّ ذكره. ولما فرغ من تصنيفه كتبه الناس عنه، ومحاسنه كثيرة. (١) مستدركة من ((وفيات الأعيان)). (٢) في ((وفيات الأعيان)): ((مغضباً)). (٣) كذا في ((ط)) و((وفيات الأعيان)): ((دار إقامته)) وفي (آ): ((دار إقامة)). (٤) في ((وفيات الأعيان)): ((ولمّا) والصواب ما في كتابنا. (٥) في ((آ)) و((ط)): ((فأوعى)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)). ٣٢٩ وكانت ولادته بجزيرة ابن عمر، انتهى ملخصاً. وقال ابن الأهدل: كان هو وأخواه أبو السعادات، وعزّ الدِّين كلّهم نُجباء رؤساء، لكل منهم تصانيف، وتوفي في ربيع الآخر. • وفيها أبو محمد عبد العزيز بن بركات بن إبراهيم الخُشُوعي الدِّمشقي(١)، إمام الرّبوة. روى عن أبيه، وأبي القاسم ابن عساكر، وتوفي في ثامن ربيع الآخر. ● وفيها أبو الحسن الحَرَالّي(٢) علي بن أحمد بن الحسن التَّجيبي المُرْسي(٣). كان عارفاً، متقناً للنحو والكلام والمنطق. سكن حَمَاة، وله تفسير عجيب(٤). قاله في ((العبر)). • وفيها قَشْتَمُر(٥) [سلطان بغداد] ومُقَدَّمُ العساكر، جمال الدِّين الخليفتي النَّاصري. توفي في ذي القعدة. (١) انظر ((العبر)) (١٥٧/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣١٢/٦٤ -٣١٣). (٢) تحرفت في ((ا)) و((ط)) إلى ((الحرّاني)) والتصحيح من مصادر الترجمة. (٣) انظر ((العبر)) (١٥٧/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٧/٢٣) و((عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية)، ص (١٤٣ - ١٥٥) بتحقيق الأستاذ عادل نويهض، طبع دار الآفاق الجديدة ببيروت. (٤) قال صاحب (عنوان الدراية)): سلك فيه سبيل التحرير، وتكلم عليه لفظةً لفظةً، وحرفاً حرفاً. (٥) تصحفت في (آ) و((ط)) إلى ((قستمر)) بالسين المهملة والتصحيح من ((العبر)) وما بين الحاصرتين مستدرك منه (١٥٧/٥) و«تاريخ الإسلام)) (٣١٧/٦٤). ٣٣٠ سنة ثمان وثلاثين وستمائة · فيها سلَّم الملك الصالح إسماعيل قلعة الشَّقيف للفرنجِ لغرضٍ في نفسه، فمقته المسلمون، وأنكر عليه ابنُ عبد السلام، وأبو عمرو بن الحاجب، فسجنهما، وَعَزَل ابن عبد السلام من خطابة دمشق. قاله في ((العبر))(١). • وفيها توفي أبو علي أحمد بن محمد بن محمود بن المعزّ الحَرَّاني ثم البغدادي الصُّوفي(٢). روى عن ابن البطّ، وأحمد بن المقرّب، وجماعة. وتوفي في المحرّم. • وفيها نجم الدِّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن خَلَف بن رَاجِح المَقْدسي الحنبلي(٣) ثم الشافعي (٤)، صاحب التصانيف. روى عن ابن صَدَقَة الحَرَّانِي وجماعة، وسافر إلى همَذان، فلزم الرُّكن الطّاووسي، حتَّى (١) (١٥٧/٥ - ١٥٨). (٢) انظر ((العبر)) (١٥٨/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٧٣/٢٣ -٧٤) و((الإِعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٥). (٣) قال الإِسنوي: ويعرف بالحنبلي لأنه كان في صباه كذلك. قلت: لكن ما جاء في ترجمته حول هذا الموضوع عند ابن قاضي شهبة يشير إلى أن تحوله إلى المذهب الشافعي قد تأخر إلى أن بلغ منزلة رفيعة بين أهل العلم. (٤) انظر ((العبره (١٥٨/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٧٥/٢٣ -٧٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٥) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٤٤٨/١ - ٤٤٩) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٨٩/٢ - ٩٠). ٣٣١ صار معيده، ثم سافر إلى بخارى، وبرع في علم الخلاف، وطار اسمه وبَعُدَ صيته، وكان يتوقّد ذكاءً، ومن جملة محفوظاته ((الجمع بين الصحيحين)) (١). وکان صاحب أورادٍ وتهجدٍ . توفي في خامس شوال. • وفيها جمال الملك أبو الحسن علي بن مختار بن نصر بن طُغان العَامِرِي المَحَلِّي ثم الإِسكندراني، المعروف بابن الجَمَل(٢). روى عن السِّلَفي وغيره، وتوفي في شعبان. • وفيها أبو بكر محبي الدِّين محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطّائي الأندلسي (٣)، العارف الكبير، ابن عربي، ويقال: ابن العربي. قال الشعراوي في كتاب «نسب الخرقة)): كان مجموع الفضائل، مطبوع الكرم والشمائل، قد فَضَّ له فضلُه خِتَامَ كُلِّ فَنٍّ وَبَلَّ لَهُ وَبْلُهُ رياضَ ما شَرَدَ من العلوم وعنَّ، ونظمه عقود العقول وفصوص الفصول، وحسبك بقول زَرُوق وغيره من الفحول، ذاكرين بعض فضله: هو أعرف بكل فنٍّ من أهله، وإذا أُطلق الشيخ الأكبر في عرف القوم فهو المُراد. ولد بمُرْسِيَة، سنة ستين وخمسمائة، ونشأ بها، وانتقل إلى إشبيلية سنة ثمان وسبعين، ثم ارتحل وطاف البلدان، فطَرَق بلاد الشام والرُّوم والمشرق، ودخل بغداد وحَدَّث بها بشيءٍ من مصنَّفاته، وأخذ عنه بعض الحفّاظ، كذا ذكره ابن النجار في ((الذيل)). (١) وهو للإِمام الحُميدي كما جاء مبيناً في ((تاريخ الإِسلام)) (٣٣٨/٦٤). (٢) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى (الجبل)) والتصحيح من ((العبر)) (١٥٨/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٧٧/٢٣). (٣) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٤٨/٢٣ - ٤٩) و((تاريخ الإسلام)» (٣٥٢/٦٤ -٣٥٩) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٥) و((طبقات الأولياء)) لابن الملقن ص (٤٦٩ - ٤٧٠). ٣٣٢ وقال الشيخ عبد الرؤوف المُنَاوي في ((طبقات الأولياء)) له: وقال الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان))(١) - وهو ممن كان يحطّ عليه ويسيء الاعتقاد فيه -: كان عارفاً(٢) بالآثار والسُّنن، قويَّ المشاركة في العلوم. أخذ الحديث عن جمعٍ ، وكان يكتب الإنشاء لبعض ملوك المغرب، ثم تزهّد وساح، ودخل الحرمين والشام، وله في كل بلد دخلها مآثر. انتهى. وقال بعضهم: برز منفرداً مؤثراً للتخلِّي والانعزال عن الناس ما أمكنه، حتى إنه لم يكن يجتمع به إلّ الأفراد، ثم آثر التآليف، فبرزت عنه مؤلّفات لا نهاية لها، تدلُّ على سَعَة باعه، وتبخُره في العلوم الظّاهرة والباطنة، وأنه بلغ مبلغ الاجتهاد في الاختراع والاستنباط، وتأسيس القواعد والمقاصد التي لا يدريها ولا يحيط بها إلّ من طالعها بحقِّها، غير أنه وقع له في بعض تضاعيف تلك الكتب كلمات كثيرة أشكلت ظواهرها، وكانت سبباً لإِعراض كثيرين لم يحسنوا الظنَّ به، ولم يقولوا كما قال غيرهم من الجهابذة المحقّقين، والعلماء العاملين، والأئمة الوارثين: إن ما أوهمته تلك الظواهر ليس هو المراد، وإنما المراد أمور اصطلح عليها متأخرو أهل الطريق غيرةً عليها، حتّى لا يدَّعيها الكذَّابُون، فاصطلحوا على الكناية عنها بتلك الألفاظ الموهمة خلاف المراد، غير مبالين بذلك، لأنه لا يمكن التعبير عنها بغيرها. قال المناوي: وقد تفرَّق الناس في شأنه شيعاً، وسلكوا في أمره طرائق قِدَدَاً(٣) فذهبت طائفة إلى أنه زِنديق لا صِدِّيق، وقال قوم: إنه واسطة عقد. الأولياء، ورئيس الأصفياء، وصار آخرون إلى اعتقاد ولايته وتحريم النظر في کتبه . (١) انظر ((لسان الميزان)) (٣١١/٥ -٣١٥). (٢) في ((لسان الميزان)): ((عالماً)). (٣) أي سلكوا في أمره طرائق مقطوعة. انظر ((لسان العرب)) (قدد). ٣٣٣ أقول: منهم الشيخ جلال الدِّين السيوطي، قال في مصنّفه ((تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي)): والقول الفيصل في ابن العربي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه، فقد نُقل عنه هو أنه قال: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا. قال السيوطي: وذلك لأن الصوفية تواضعوا على ألفاظ اصطلحوا عليها، وأرادوا بها معانٍ غير المعاني المتعارفة منها، فمن حمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كَفّرَ، نصَّ على ذلك الغزّالي في بعضه كتبه، وقال: إنه شبيه بالمتشابه من القرآن والسُّنَّة، مَن حمله على ظاهره كفر. وقال السيوطي أيضاً في الكتاب المذكور: وقد سأل بعض أكابر العلماء بعض الصوفية في عصره: ما حملكم على أن اصطلحتم على هذه الألفاظ التي يستشنع ظاهرها؟ فقال: غيرة على طريقنا هذا أن يدعيه من لا يحسنه ويدخل فيه من ليس من أهله، إلى أن قال: وليس من طريق القوم إقراء المريدين كتب التصوف؛ ولا يُؤْخَذُ هذا العلم من الكتب، وما أحسن قول بعض العلماء لرجل قد سأله أن يقرأ عليه ((تائية ابن الفَارِض)» فقال له: دع عنك هذا، من جاع جوع القوم، وسهر سهرهم، رأى ما رأوا، ثم قال في آخر هذا التصنيف: إن الشيخ برهان الدِّين البُقاعي قال في ((معجمه)): حكى لي الشيخ تقي الدِّين أبو بكر بن أبي الوفاء المقدسي الشافعي، قال - وهو أمثل الصوفية في زماننا - قال: كان بعض الأصدقاء يشير عليَّ بقراءة كتب ابن عربي، وبعضّ يمنع من ذلك، فاستشرت الشيخ يوسف الإِمام الصَّفَدي في ذلك، فقال: اعلم يا ولدي - وفقك الله - أن هذا العلم المنسوب إلى ابن عربي ليس بمخترع له، وإنما هو كان ماهراً فيه، وقد ادعى أهله أنه لا تمكن معرفته إلّ بالكشف، فإذا فهم المُريدُ مرماهم فلا فائدة في تفسيره، لأنه إن كان المقرِّر والمقرَّر له مطلعين على ذلك، فالتقرير تحصيل الحاصل، وإن ٣٣٤ كان المطلع أحدهما، فتقريره لا ينفع الآخر، وإلّ فهما يخبطان خَبْطَ عشواء، فسبيل العارف عدم البحث عن هذا العلم، وعليه السلوك فيما يوصل إلى الكشوف عن الحقائق، ومتى كشف له عن شيءٍ علمه. ثم قال: استشرت الشيخ زين الدِّين الخافي، بعد أن ذكرت له كلام الشيخ يوسف، فقال: كلام الشيخ يوسف حسن، وأَزِيدُك أن العبد إذا تخلّق ثم تحقّق ثم جُذِبَ؛ اضمحلت ذاته، وذهبت صفاته، وتخلّص من السوى، فعند ذلك تلوح له بروق الحقِّ بالحقِّ، فيطلع على كل شيءٍ، ويرى الله عند كل شيءٍ، فيغيب(١) باللّه عن كل شيءٍ ولا شيءَ (٢) سواه، فيظن أن الله عينُ كل شيءٍ، وهذا أول المقامات، فإذا ترقى عن هذا المقام وأشرف على مقام أعلى منه، وعضده التأييد الإِلْهي، رأى أن الأشياء كلها فيضُ وجوده تعالى لا عينُ وجوده، فالناطق حينئذٍ بما ظنّه في أول مقام، إما محروم ساقط، وإما نادم تائب، وربُّك يفعل ما يشاء. انتهى . ولقد بالغ ابن المقري في ((روضته)) فحكم بكفر من شكَّ في كفر طائفة ابن عربي، فحكمه على طائفته بذلك دونه(٣)، يشير إلى أنه إنما قصد التنفير عن كتبه، وإن من لم يفهم كلامه ربما وقع في الكفر باعتقاده خلاف المراد، إذ للقوم اصطلاحات أرادوا بها معاني غير المعاني المتعارفة، فمن حمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظّاهر ربما كفر كما قاله الغزالي . ثم قال المناوي: وعوَّل جمع على الوقف والتسليم، قائلين: الاعتقاد صبغة، والانتقاد حِرْمَان، وإمام هذه الطائفة شيخ الإِسلام النووي، فإنه استفتي - (١) كذا في ((ط)) و((المنتخب)) (١٦٣/ ب): ((فيغيب)) وفي ((آ)): ((فيغضب)). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((ولا شيئاً)) والتصحيح من ((المنتخب)). (٣) في ((المنتخب)) (١٦٣/ ب): ((فحكمه على طائفته دون، بذلك يشير ... )). ٣٣٥ فيه فكتب: ﴿تَلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ﴾ الآية [البقرة: ١٣٤]، وتبعه على ذلك كثيرون، سالكين سبيل السَّلَامة، وقد حكى العارف زَرُّوق عن شيخه النوري، أنه سئل عنه فقال: اختلف فيه من الكفر إلى القُطبانية، والتسليم واجب، ومن لم يذق ما ذَافَه القوم ويجاهد مجاهداتهم لا يسعه من الله الإِنكار عليهم. انتهى. وأقول: وممن صرَّح بذلك من المتأخرين الشيخ أحمد المقري المغربي، قال في كتابه ((زهر الرِّياض في أخبار عياض))(١): والذي عند كثير من الأخيار في أهل هذه الطريقة التسليم، ففيه السَّلَامة، وهي أحوط من إرسال العِنَان وقولٍ يعود على صاحبه بالمَلامة، وما وقع لابن حجر، وأبي حَيَّن في ((تفسيره)) من إطلاق اللُّسان في هذا الصِّدِّيق وأنظاره، فذلك من غَلَس الشيطان، والذي أعتقده ولا يصح غيره، أن الإِمام ابن عربي وليِّ صالحٌ، وعالمٌ ناصحٌ، وإنما فَوَّق إليه سهامَ المَلَامة من لم يفهم كلامه، على أنه دُسَّتْ في كتبه مقالات قَدْرُهُ يجل عنها، وقد تعرض من المتأخرين ولي الله الرَّباني سيدي عبد الوهاب الشَّعْرَاني(٢) - نفعنا الله به - لتفسير كلام الشيخ على وجهٍ يليق، وذكر من البراهين على ولايته ما يثلج صدور أهل التحقيق، فليطالع ذلك من أراده، والله وليُّ التوفيق. انتهى كلام المقري. ثم قال المُنّاوي: وفريق قصد بالإِنكار عليه وعلى أتباعه الانتصار لحظ نفسه، لكونه وجد قرينه وعصريّه يعتقده وينتصر له، فحملته حميَّةُ الجاهلية على معاكسته، فبالغ في خذلانه وخذلان أتباعه ومعتقديه، وقد شوهد عود الخذلان والخمول على هذا الفريق وعدم الانتفاع بعلومهم وتصانيفهم على (١) ليس بين يدي. (٢) سترد ترجمته في حوادث سنة (٩٧٣) من المجلد العاشر إن شاء الله تعالى. ٣٣٦ حسنها. قال: وممن كان(١) يعتقده سلطان العلماء ابن عبد السلام، فإنه سئل عنه أولاً فقال: شيخ سوءٍ كذَّاب لا يحرِّم فرجاً، ثم وصفه بعد ذلك بالولاية؛ بل بالقطبانية، وتكرر ذلك منه. وحكي عن اليافعيِّ أنه كان يطعن فيه ويقول: هو زنديق، فقال له بعض أصحابه يوماً: أريد أن تريني القطب، فقيل: هو هذا، فقيل له: فأنت تطعن فيه، فقال: أصون ظاهر الشرع، ووصفه في ((إرشاده)) بالمعرفة والتحقيق، فقال: اجتمع الشيخان الإِمامان العَارفان المحقِّقان الربَّائِيَّان السُّهْرَ وَرْدي، وابن عربي، فأطرق كلّ منهما ساعة، ثم افترقا من غير كلام، فقيل لابن عربي: ما تقول في السُّهْرَ وَرْدي؟ فقال: مملوءٌ سُنّةً من فَرْقِهِ إلى قدمه، وقيل للسُّهْرَ وَرْدي، ما تقول فيه؟ قال: بحر الحقائق. ثم قال المُنَاوي: وأقوى ما احتجَ به المنكرون، أنه لا يُؤَوَّلُ (٢) إلَّ كلام المعصوم، ويردُّه قول النّوويّ في ((بستان العارفين)) (٣) بعد نقله عن أبي الخير التِّينَاتي (٤) واقعة ظاهرها الإِنكار: قد يتوهم من يتشبه بالفقهاء ولا فقه عنده، أن ينكر هذا، وهذا جهالة وغباوة، ومن يتوهم ذلك فهو جسارة منه على إرسال الظنون في أولياء الرحمن. فليحذر العاقل من التعرض لشيءٍ من ذلك، بل حقّه إذا لم يفهم حِكّمهم المستفادة، ولطائفهم المستجادة، أن يتفهمها ممن يعرفها، وربما رأيت من هذا النوع مما يتوهم فيه من لا تحقيق عنده أنه مخالف، ليس مخالفاً، بل يجب تأويل أفعال أولياء الله [تعالى]. إلى هنا كلامه. (١) لفظة ((كان)) سقطت من ((آ)) وأثبتها من ((ط)). (٢) في ((ط)): ((لا يأول)). (٣) ص (١٨١) من طبعة الشيخ محمد الحجّار، وقد نقل المؤلف عنه بتصرف. (٤) نحرفت نسبته في (آ)) و((ط)) إلى (التبياني)) والتصحيح من ((اللباب في تهذيب الأنساب)) (٢٣٤/١) وقال ابن الأثير: ويعرف بالأقطع. ٣٣٧ وإذا وجب تأويل أفعالهم وجب تأويل أقوالهم، إذ لا فرق، وكان المَجْدُ صاحب ((القاموس)) عظيم الاعتقاد في ابن عربي، ويحمل كلامه على المحامل الحسنة، وطرِّز شرحه لـ ((البخاريِّ)) بكثير من كلامه. انتهى. وأقول: ومما يشهد بذلك؛ ما أجاب به على سؤال رفع إليه، لفظه: ما تقول العلماء - شدَّ الله بهم أزر الدِّين ولمَّ بهم شعث المسلمين - في الشيخ محبي الدِّين بن العربي، وفي كتبه المنسوبة إليه، كـ ((الفتوحات)) و ((الفُصوص)» وغيرهما، هل تحلُّ قراءتها وإقراؤها للناس أم لا؟ أفتونا مأجورين. فأجاب - رحمه الله رحمة واسعة -: اللهم أنطقنا بما فيه رضاك، الذي أقوله في حال المسؤول عنه، وأعتقده وأدين الله سبحانه وتعالى به، أنه كان شيخ الطريقة حالاً وعلماً، وإمام الحقيقة حدًّاً ورسماً، ومحبي رسول المعارف فعلاً واسماً، إذا تغلغل فكر المرء في طرفٍ من بحره (١) غرقت فيه خواطره في عُبَابٍ لا تدركه الدِّلاء، وسحابٍ تتقاصر عنه الأنواء، وأما دعواته فإنها تخرق السبع الطباق، وتفترق بركاته فتملأ الآفاق، وإني أصفه، وهو يقيناً فوق ما وصفته، وغالب ظني أني ما أنصفته: دَعِ الجَهولَ يَظُنَ الجَهْلَ عُدْوَانًا ومَا عَليَّ إذا ما قلتُ معتَقدي أَقَامَهُ حُجَّةٌ للَّهِ بُرْهَانًا والله تاللهِ باللهِ العظيم ومَنْ مَا زِدتُ إلّ لَعَلِّي زِدْتُ نُقْصَانًا إنَّ الذي قُلتُ بعضٌ من مَنَاقِبِهِ وأما كتبه فإنها البحار الزَّواخِر، جواهرها لا يُعْرَفُ لها أولٌ مِن آخر، ما وضع الواضعون مثلها، وإنما خصَّ الله بمعرفتها أهلها، فمن خواص كتبه أنه من لازم مطالعتها والنظر فيها انحلِّ فهمه لحلِّ المشكلات وفهم المعضلات، وهذا ما وصلت إليه طاقتي في مدحه، والحمد لله رب العالمين. (١) كذا في (ط)): ((بحره)) وفي (آ)): ((مجده). ٣٣٨ وكذلك أجاب ابن كمال باشا(١) بما صورته: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لمن جعل من عباده العلماء المصلحين، وورثة الأنبياء والمرسلين، والصلاة والسلام على محمد المبعوث لإِصلاح الضَّالين والمُضلِّين، وآله وأصحابه المُجدِّين لإِجراء الشرع المبين. وبعد: أيُّها النَّاس! اعلموا أن الشيخ الأعظم، المقتدى الأكرم، قطب العَارفين، وإمام الموحدين، محمد بن علي بن العربي الطائي الأندلسي، مجتهد كامل، ومرشد فاضل، له مناقب عجيبة، وخَوَارق غريبة، وتلامذة كثيرة، مقبولة عند العلماء والفضلاء، فمن أنكره فقد أخطأ، وإن أصرَّ في إنكاره فقد ضلَّ، يجب على السلطان تأديبه، وعن هذا الاعتقاد تحويله، إذ السلطان مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله مصنّفات كثيرة، منها: ((فصوص حكمية)) و ((فتوحات مكّية)) وبعض مسائلها معلوم اللفظ والمعنى، وموافق للأمر الإِلهيّ والشرع النبوي، وبعضها خفي عن إدْرَاك أهل (٢) الظّاهر دون أهل الكشف والباطن، فمن لم يطّلع على المعنى المرام يجب عليه السكوت في هذا المقام، لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، والله الهادي إلى سبيل الصواب، وإليه المرجع والمآب. انتهى . وكلا الجوابين مكتوب في ضريح المترجم فوق رأسه، والله أعلم. ثم قال المُنَاوي: وأخبر الشَّعراوي عن بعض إخوانه أنه شاهد رجلاً أتى ليلًا بنارٍ ليحرق تابوته فخُسف به وغاب بالأرض، فأحس أهله، فحفروا فوجدوا رأسه، فكلما حفروا نزل في الأرض، فعجزوا وأهالوا عليه التراب. (١) لعله نقل هذا الكلام عن كتابه ((طبقات المجتهدين)) وهو مخطوط لم يطبع بعد كما ذكر الزركلي في ترجمته من كتابه ((الإعلام)) (١٣٣/١). (٢) لفظة ((أهل)) سقطت من ((آ)) وأثبتها من ((ط)). ٣٣٩ قال(١): ومن تأمل سيرة ابن عربي (٢) وأخلاقه الحسنة وانسلاحه من حظوظ نفسه وترك العصبية، حمله ذلك على محبته واعتقاده، ومما وقع له أن رجلاً من دمشق فرض على نفسه أن يلعنه كل يوم عشر مرات، فمات، وحضر ابن عربي جنازته ثم رجع فجلس ببيته وتوجه للقبلة، فلما جاء وقت الغداء أُحضر إليه فلم يأكل، ولم يزل على حاله إلى بعد العَشَاء، فالتفت مسروراً وطلب العَشَاءَ وأكل، فقيل له في ذلك، فقال: التزمت مع الله أني لا آكل ولا أشرب حتَّى يغفر لهذا الذي يلعني، وذكرت له سبعين ألف لا إلّه إلا الله، فغفر له . وقد أُوذي الشيخ كثيراً في حياته وبعد مماته بما لم يقع نظيره لغيره، وقد أخبر هو عن نفسه بذلك، وذلك من غرر كراماته، فقد قال في ((الفتوحات)) كنت نائماً في مقام إبراهيم، وإذا بقائلٍ من الأرواح - أرواح الملأ الأعلى - يقول لي عن الله: ادخل مقام إبراهيم، إنه كان أوَّاهاً حليماً (٣)، فعلمت أنه لا بد أن يبتليني بكلام في عرضي من قومٍ، فأعاملهم بالحلم. قال: ويكون أذىًّ كثيراً، فإنه جاء بحليم بصيغة المبالغة، ثم وصفه بالأوَّاه، وهو من يكثر منه التأوُّه لما يشاهد من جلال الله. انتهى. وقال الصَّفي بن أبي منصور: جمع ابن عربي بين العلوم الكسبية والعلوم الوهبية، وكان غلب عليه التوحيد علماً وخَلْقَاً وخُلُقَاً، لا يكترث بالوجود مقبلاً كان أو معرضاً. وقال تلميذه الصَّدر القُونَوي الرُّومي(٤): أكان شيخنا ابن عربي متمكناً من (١) القائل المناوي . (٢) تحرفت في ((ط)) إلى ((ابن عرابي)). (٣) وذلك محاكاة لقوله تعالى: ﴿إن إبراهيم لأواهٌ حليمٌ﴾ [التَّوبة: ١١٤]. (٤) هو محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف بن علي القونوي الرُّومِي، صدر الدِّين، صوفي من كبار تلامذة الشيخ محبي الدِّين بن العربي، تزوّج ابن عربي أُمَّه، وربَّاه، له مصنّفات في ٣٤٠