Indexed OCR Text

Pages 241-260

● وفيها العَلَّمَة عُبيد الله بن إبراهيم جمال الدِّينِ العُبَادِي المَحْبُوبي
البُخاري(١)، شيخ الحنفية بما وراء النهر، وأحد من انتهى إليه معرفة
المذهب. أخذ عن أبي العُلَاءِ عُمر بن أبي بكر بن محمد الزَّرَنْجري، عن
أبيه شمس الأئمة. وبرهان الأمة(٢) عبد العزيز بن عُمر بن مَازة. وتفقه أيضاً
على قاضي خان فخر الدِّين حسن بن منصور الأوزجندي. وتوفي ببخارى في
جمادى الأولى عن أربعٍ وثمانين سنة.
• وفيها علي [بن عبد الرحمن] بن الجوزي أبو الحسن(٣). ولد
العلامة جمال الدِّين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي البغدادي الناسخ. نسخ
الكثير بالأجرة، وكان معاشراً لعّاباً. روى عن ابن البَطِّي، وأبي زُرْعَة،
وجماعة، وتوفي في رمضان.
· وفيها ابن الأثير الإِمام عز الدِّين أبو الحسن علي بن محمد بن محمد
ابن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجَزَري (٤) المؤرخ الشافعي، أخو
مجد الدِّين صاحب (النهاية))(٥).
ولد صاحب الترجمة سنة خمس وخمسين وخمسمائة، واشتغل في بلادٍ
متعددةٍ، وكان إماماً، نسَّابةً، مؤرخاً، أَخْبَارِيّاً، أديباً، نبيلاً، محتشماً. وصنَّف
التاريخ المشهور بـ ((الكامل)) على الحوادث والسنين في عشر مجلدات، وهو
(١) انظر ((العبر)) (١٢٠/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٤٥/٢٢ - ٣٤٦) و((تاريخ الإسلام))
(٣٦٦/٦٣ -٣٦٧) و((الجواهر المضية)) (٤٩٠/٢) و((الفوائد البهية)) ص (١٠٨) وتصحفت
((البخاري)) في ((تاريخ الإسلام)) إلى ((النجاري)) فتصحح.
(٢) في ((ط)) و((تاريخ الإِسلام)): ((وبرهان الأئمة)).
(٣) انظر ((العبر)) (١٢٠/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٢/٢٢ -٣٥٣).
(٤) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٤٨/٣ - ٣٥٠) و((العبر» (١٢٠/٥ -١٢١) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٥٣/٢٢ -٣٥٦) و((تاريخ الإسلام)) (٣٦٩/٦٣).
(٥) وصاحب ((جامع الأصول)) أيضاً.
٢٤١

من خيار التواريخ، ابتدأ فيه من أول الزَّمان إلى سنة تسع وعشرين وستمائة.
واختصر ((الأنساب)) لأبي سعد السمعاني، وهذَّبه وأفاد فيه أشياء، وهو في
مقدار نصف أصله وأقل(١)، وصنَّف كتاباً حافلاً في معرفة الصحابة، جمع فيه
بين كتاب ابن مَنْدَة، وكتاب أبي نُعَيم، وكتاب ابن عبد البرِّ، وكتاب أبي
موسى، وزاد وأفاد، وسماه ((أسد الغابة في معرفة الصحابة))(٢) وشرع في
((تاريخ الموصل)).
قال ابن خَلِّكان: كان بيته بالموصل مجمع الفضلاء. اجتمعت به
بحلب فوجدته مكمّل الفضائل والتواضع وكرم الأخلاق، فترددت إليه.
وقال في ((العبر)): كان صَدْراً، مُعظّماً، كثير الفضائل، وبيته مجمع
الفضلاء. روى عن خَطِيب المَوْصِل أبي الفضل(٣) وغيره، وتوفي في
(١) وسمَّاه (اللباب في تهذيب الأنساب)) وهو مطبوع متداول. قال ابن خلَّكان: استدرك فيه على
· السمعاني في مواضع، ونبّه على أغلاط، وزاد أشياء أهملها السمعاني، وهو مفيد جداً.
(٢) قلت: ولأخيه مجد الدِّين المبارك بن محمد بن الأثير الجزري المتوفى سنة (٦٠٦ هـ) كلام
في غاية النفاسة والإتقان عن رجال ((الموطأ) للإمام مالك، و((الصحيحين)) و ((سنن أبي داود))
و((سنن الترمذي)) و((المجتبى - أو المجتنى - من السنن)) للنسائي، بدأ فيه بالكلام عن سيرة
النّيِّ ◌َ﴾، وسير الأنبياء عليهم السلام، وسير العشرة المبشرين بالجنة، ثم الصحابة والتابعين
وأتباعهم ممن ورد ذكرهم في الكتب المذكورة، وذلك في القسم الأخير من كتابه الفذ ((جامع
الأصول في أحاديث الرسول (#)) وهو القسم الذي لم يطبع بعد من الكتاب، وقد اقتسمت
تحقيقه مع الأستاذين الفاضلين رياض عبد الحميد مراد، ومحمد أديب الجادر، ويقوم والدي
الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط بالإشراف على تحقيقه وتخريج الأحاديث الواردة فيه،
وسوف يصدر هذا القسم قريباً في أربع مجلدات يتبعها مجلد لفهارس هذا القسم.
وقد وهم الإمام محمد بن إبراهيم الوزير في ((العواصم والقواصم)) (٤١٢/١) فنسب هذا
القسم من ((جامع الأصول)) للإمام عز الدِّينِ ابن الأثير - صاحب الترجمة - ولم ينتبه لذلك
محققه الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، وعلّق تعليقاً أشار فيه إلى القسم المذكور من ((جامع
الأصول)) دون التنبيه على وهم ابن الوزير !.
(٣) هو الإمام العالم الفقيه المُحَدِّث، أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطُّوسي ثم
البغدادي، ثم الموصلي، المتوفى سنة (٥٧٨ هـ) وقد تقدمت ترجمته في المجلد السادس
صفحة (٤٣٠).
٢٤٢

الخامس والعشرين من شعبان عن خمس وسبعين سنة.
• وفيها الحافظ ابن الحاجب الرحَّال عز الدِّين أبو الفتح عُمر بن
محمد بن منصور الأميني الدِّمشقي(١). سمع سنة ست عشرة بدمشق، ورحل
إلى بغداد، فأدرك الفتح بن عبد السلام، وخَرَّج لنفسه معجماً في بضع
وستين جزءاً. توفي في شعبان وقد قارب الأربعين، وكان فيه دينّ وخيرٌ، وله
حفظً وذكاءُ وهِمّةً عاليةً في طلب الحديث؛ قَلَّ من أنجب مثله في زمانه.
• وفيها الملك مظفَّر الدِّين، صاحب إربل، الملك المعظم أبو سعيد
كُوْكُبُوْري (٢) بن الأمير زين الدِّين علي كُوجَك التركماني(٣)، وكُوجك بالعربي
اللَّطِيف القدر. ولي مظفّر الدِّين مملكة إربل بعد موت أبيه في سنة ثلاث
وستين؛ وله أربع عشرة سنة، فتعصّب عليه أتابکه مجاهدُ الدِّین قیماز وكتب
محضراً أنه لا يصلُح للملك لصغره، وأقام أخاه يوسف، ثم سكن حَرَّان
مدة، ثم اتصل بخدمة السلطان صلاح الدِّين، وتمكّن منه، وتزوَّج بأُخته
ربيعة واقفة مدرسة الصاحبة (٤) بشرقي الصالحية، وشهد معه عدة مواقف أبان
فيها عن شجاعة وإقدام، وكان حينئذٍ على إمرَة حَرَّان والرُّها، فقدم أخوه
يوسف مُنْجِداً لصلاح الدِّين، فاتفق موته على عَكّا، فأعطى السلطان
صلاح الدِّين لمظفَّر الدِّين إربل وشهرزور، وأخذ منه حَرَّان والرّها، ودامت
(١) انظر (العبر) (١٢١/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٧٠/٢٢ - ٣٧١) و((تاريخ الإسلام))
(٣٧٣/٦٣ - ٣٧٥).
(٢) قال ابن خلُّكان في ((وفيات الأعيان)) (١٢١/٤): وكُوْكُبُوْري: بضم الكافين، بينهما واو
ساكنة، ثم باء موحدة مضمومة، وواو ساكنة، بعدها راء، وهو اسم تركي معناه بالعربي ذئب
أزرق.
قلت: وضبطها محققو ((العبر)) بطبعتيه و((سير أعلام النبلاء)) بسكون الكاف فتصحح.
(٣) انظر (وفيات الأعيان)) (١١٣/٤ - ١٢١) و((العبر)) (١٢١/٥-١٢٢) و((سير أعلام النبلاء)»
(٣٣٤/٢٢ - ٣٣٧) و(«تاريخ الإسلام)) (٣٧٥/٦٣ - ٣٨٠) و((الإعلام بوفيات الأعلام»
ص (٢٦٠) و(النجوم الزاهرة)) (٢٨٢/٦).
(٤) انظر ((غوطة دمشق)) للعلامة الأستاذ محمد كرد علي ص (١٢٧ - ١٢٨).
٢٤٣

أيامه إلى هذا العام. وكان من أَدْيَنِ الملوك وأجودهم وأكثرهم برّاً ومعروفاً
على صِغَر مملكته.
قال ابن خَلِّكان: وأما سيرته، فكان له في فعل الخير(١) عجائب، ولم
نسمع أن أحداً فعل في ذلك مثل ما فعله، لم يكن شيء في الدنيا أحب إليه
من الصَّدَقَةِ، وكان له في كل يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرِّقها على
المَحَاويج في عدة مواضع من البلد، وإذا نزل من الركوب يكون قد اجتمع
جمع كثير عند الدَّار فيدخلهم إليه، ويدفع لكل واحدٍ كسوةً على قدر الفصل
من الصيف والشتاء وغير ذلك، ومع الكسوة شيء من الذهب، وكان قد بنی
أربع خانقاهات(٢) للزَّمْنى والعُميان، وملأها من هذين الصِّنفين، وقرَّرا لهم
ما يحتاجون إليه كل يوم وليلةٍ(٣)، وكان يأتيهم بنفسه كل عصرية اثنين وخميس
ويدخل إلى كل واحدٍ في بيته ويسأله عن حاله؛ ويتفقده بشيءٍ من النفقة،
وينتقل إلى الآخر حتّى يدور عليهم جميعهم؛ وهو يباسطهم ويمزح معهم
ويجبر قلوبهم. وبنى داراً للنساء الأرامل، وداراً للضعفاء، وداراً للأيتام،
وداراً للملاقيط، ورتّب بها جماعةً من المراضع، وكل مولود يلتقط يحمل
إليهنَّ فيرضعنه. وأجرى على أهل كل دارٍ ما يحتاجون إليه في كل يومٍ،
وكان يدخل إليهم في كل يوم ويتفقد أحوالهم ويعطيهم النفقات زيادة على
المقرّر لهم، وكان يدخل إلى البيمارستان ويقف على مريضٍ مريضٍ ويسأله
عن مَبِيته وكيفية حاله وما يشتهيه، وكان له دار مضيف يدخل إليها كل قادم
على البلد من فقيه وفقير وغيرهما، وإذا عزم الإِنسان على السفر أعطاه نفقة
تليق بمثله، ولم تكن له للَّةٌ بسوى السماع، فإنه كان لا يتعاطى المُنكر ولا
يمكِّن من إدخاله البلد، وكان إذا طُرب في السماع خلع شيئاً من ثيابه وأعطاه
(١) في ((وفيات الأعيان)): ((في فعل الخيرات)).
(٢) في ((آ) و((ط)): ((خانقات)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
(٣) لفظة ((وليلة)) لم ترد في ((ط)) و((وفيات الأعيان)).
٢٤٤

للناشد ونحوه. وكان يُسَيِّرُ في كل سنة دفعتين، جماعة من أصحابه وأمنائه
إلى بلاد الساحل ومعهم جملة مستكثرة من المال يفتكُ(١) بها أسرى
المسلمين من أيدي الكُفَّار، فإذا وصلوا إليه أعطى كلَّ واحدٍ شيئاً، وإن لم
يصلوا فالأمناء يعطوهم بوصية منه.
وكان يقيم في كل سنة سبيلاً للحاج ويُسَيِّر معهم جميع ما تدعو إليه
حاجة المسافر في الطريق، ويُسَيِّر أميناً معه خمسة آلاف دينارٍ ينفقها في
الحرمين على المَحَاوِيج وأرباب الرواتب، وله بمكَّة - حرسها الله تعالى - آثار
جميلة، وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات [ليلة الوقوف](٢) وغَرِمَ(٣)
عليه جملةً كثيرةً، وعمل (٤) بالجبل مصانع للماء.
وأما احتفاله بمولد النّبِيِّ وََّ، فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به(٥). كان
يعمله سنة في الثامن من شهر ربيع الأول، وسنة في الثاني عشر لأجل
الاختلاف الذي فيه، فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإِبل، والبقر،
والغنم شيئاً كثيراً، يزيد على الوصف، وزفّها بجميع ما عنده من الطّبول
والمغاني والملاهي، حتى يأتي بها [إلى] الميدان، ثم يشرعون في نحرها،
وينصبون القدور ويطبخون الألوان المختلفة، فإذا كان ليلة المولد عمل
السماعات بعد أن يُصلي المغرب في القلعة، ثم ينزل وبين يديه من الشموع
الموكبية التي تحمل كل واحدة على بغلٍ، ومن ورائها رجل يسندها، وهي
مربوطة على ظهر البغل، فإذا كان صبيحة يوم المولد أنزل الخِلَعَ والبقج
ويخلع على كل واحدٍ من الفقهاء، والوعاظ، والقرّاء، والشعراء، ويدفع لكل
(١) في ((آ)) و((ط)): ((يفك)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)).
(٢) زيادة من ((وفيات الأعيان)).
(٣) تصحفت في ((آ) و((ط)) إلى ((عرم)). وغَرِمَ: استدان. انظر ((لسان العرب)) (غرم).
(٤) في ((وفيات الأعيان)): ((وعمّر)).
(٥) لفظة (به)) سقطت من ((ط)).
٢٤٥

واحدٍ نفقة وهدية وما يوصله إلى وطنه. انتهى ما أورده ابن خَلُّكان ملخصاً.
وقال ابن شهبة في ((تاريخ الإسلام)» بعد كلام طويل وثناء جميل: قال
جماعة من أهل إربل: كانت نفقته على المولد في كل سنة ثلثمائة ألف
دينار، وعلى الأسرى مائتين ألف دينار، وعلى دار المضيف مائة ألف دينار،
وعلى الخانقاه مائة ألف، وعلى الحرمين والسَّبيل وعَرَفات ثلاثين ألف دينار،
غير صَدَقةِ السِّرِّ.
مات في رمضان بقلعة إربل، وأوصى أن يحمل إلى مكّة فيدفن في
حرم الله تعالى، وقال أستجير به فحمل في تابوت إلى الكوفة، ولم يتفق
خروج الحاج في هذه السنة من التتار، فدفن عند أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب، رضي الله عنه. انتهى.
• وفيها ابن سَلَّم المُحَدِّث الزّكي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن
سالم بن سَلَّم الدِّمشقي(١). سمع من داود بن مُلاعِب، وابن البُنّ وطبقتهما،
وكان إماماً، فاضلاً، يقظاً، متقناً، صالحاً، ناسكاً على صغره. كتب الكثير،
وحفظ ((علوم الحديث)) للحاكم. مات في صفر عن إحدى وعشرين عاماً،
وفجع(٢) به أبوه.
• وفيها ابن عُنَيْنِ الصّدرُ شرف الدِّين أبو المَحَاسن محمد بن نصر الله
ابن مكارم بن حسن بن عُنَين الأنصاري الدِّمشقي(٣) الأديب. له ((ديوان))
مشهور وهجوّ مؤلمٌ، وكان بارعاً في معرفة اللغة، كثير الفضائل، يشتعِلُ
ذكاءً، ولم يكن في دينه بذاك. توفي في ربيع الأول وله إحدى وثمانون
سنة. اتُّهم بالزّندقة. قاله في ((العبر)).
(١) انظر ((العبر)) (١٢٢/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٣٨١/٦٣).
(٢) في ((آ)) و ((فجَ) وهو تحريف.
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٤/٥ -١٩) و((العبر)) (١٢٢/٥ -١٢٣) و((تاريخ الإسلام))
(٣٨٥/٦٣ -٣٨٨).
٢٤٦

وقال ابن خَلِّكان: الكوفي الأصل الدِّمشقي المولد، الشاعر المشهور،
خاتمة الشعراء، لم يأت بعده مثله، ولا كان في أواخر عصره من يُقاس به،
ولم يكن شعره مع جودته مقصوراً على أسلوبٍ واحدٍ، بل تفنن فيه، وكان
غَزِيرَ المادة من الأدب، مطلعاً على معظم أشعار العرب، ويكفي أنه كان
يستحضر كتاب ((الجمهرة)) لابن دُريد في اللغة. وكان مولعاً بالهجاء وثَلب
أعراض الناس، وله قصيدة طويلة جمع فيها خَلْقاً من رؤساء دمشق، سمَّاها
(مِقْرَاضُ الأعراض)).
أقول(١) منها :
ذو عَمَشٍ والوَزِيرُ مُنْحَدِبُ
سُلْطَانُنَا أعرجُ وكَاتِبهُ
ونَاظِرُ الجيشِ دَاؤُهُ عَجَبُ
وصاحبُ الأمر خُلْقُهُ شَرِسٌ
وَهو على قَشْرِ بَيْضَةٍ ثَلَبُ
والدَّوْلَعيُّ الخطيبُ مُنْعَكِفٌ
ـاسَ وعبدُ اللطيفِ مُحتسِبُ
ولا بن بَاقَا وَعْظُ يَغُرُّ بِهِ النـ
في غير غُرُمُولِ جُرجُسٍ أَرَبُ
وحَاكِمُ المسلمينَ ليسَ لهُ
فِي فَلَكِ مَا سَارَتْ بِهِ الشُّهُبُ
عُيوبُ قومٍ لَو أَنَّها جُمِعَت
ثم قال ابن خَلِّكان: وكان قد نفاه السلطان صلاح الدِّين من دمشق
بسبب وقوعه في الناس، فلما خرج منها عمل:
لم يجتّرِمْ ذَنباً ولا سَرَقًا؟
فَعَلَامَ أَبْعَدْتُمْ أخا ثِقَةٍ
·إن كان يُنْفَى كُلُّ مَنْ صَدَقَا؟
أَنْفُوا المؤذِّنَ مِنْ بلادكمُ
وطاف البلاد، من الشام، والعراق، والجزيرة، وأذربيجان، وخُراسان،
وغزْنَة، وخوارزم، وما وراء النهر، ثم دخل الهند والیمن ۔ ومَلِكُهَا يومئذٍ سيف
(١) القائل هنا المؤلف ابن العماد، ولم أجد الأبيات في ((ديوانه)) المطبوع بتحقيق الأستاذ خليل
مردم بك في دار صادر ببيروت.
٢٤٧

الإِسلام طُغْتِكِين بن أيوب، أخو السلطان صلاح الدِّين - وأقام بها مدة ثم
رجع إلى الحجاز والدِّيار المصرية.
ثم قال: ولما مات السلطان صلاح الدِّين وملك الملك العادل دمشق،
كتب إلى الملك العادل قصيدته الرائية يستأذنه في الدخول إليها ويصف
دمشق ويذكر ما قاساه في الغُربة، ولقد أحسن فيها كل الإِحسان، واستعطفه
بها أبلغ الاستعاطف، وأولها(١):
مَاذَا عَلى طيفِ الأحبَّةِ لو سَرى وعليهمُ لو سامحوني بالكَرى
ومنها بعد وصف محاسن دمشق قوله(٢):
فَارَقْتُهَا لا عن رِضَأْ وَهَجَرْتُهَا لا عن قِلِىّ ورحلتُ لا متخَيِّرا
ومن العجائب(٤) أن يكون مُقَتَّرا
أسعى لرزقٍ في البلاد مشتَّتٍ(٣)
٠٠٠
وأصون وَجْهَ مدائحي متقنِّعاً وأكفُّ ذيلَ مَطامِعي مُتستِّرًا
ومنها يشكو الغُربة وما قاساه(٥):
حتَّى حَسِبْتُ اليومَ مِنْهَا أَشْهُرا
أشكو إليك نویَّ تمادى عُمْرُهَا
يعفو، ولا جَفْني يصافحهُ الکری
لا عيشتي تَصْفو ولا رَسْمُ الھوی
وأبيتُ عن وِرْدِ النّمير مُنَفِّرا
أضحى عن الأحوى المَريع مُحَلِّقاً (٦)
كُلَّ الورى ونُبذتُ وحدي بالعَرَا
ومن العَجَائبِ أن يَقِيلَ بِظِلُّكُمْ
(١)انظر «دیوانه) ص (٣).
(٢) انظر ((ديوانه)) ص (٥).
(٣) في ((ديوانه)): (مُفَرِّقٍ)).
(٤) في ((ديوانه)): ((ومن البلية)).
(٥) انظر («ديوانه)) ص (٨).
(٦) في ((آ)) و((ط)): ((محولاً) وأثبت لفظ ((يوانه).
٢٤٨

وهذه القصيدة من أحسن الشعر، وهي عندي خير من قصيدة ابن عَمَّار
الأندلسي التي أولها:
أدِرِ الزُّجَاجَةَ فالنِّسِيمُ قَدِ انْبَرَىْ (١)
فلما وقف عليها الملك العادل أذن له في الدخول إلى دمشق، فلما
دخلها قال (٢):
وَرُعْتُ الوضِيعِ بِسَبِّ الرَّفِيعِ
هَجَوتُ الأكابرَ في جِلِّقٍ
رَجَعْتُ عَلَى رَغْم أَنْفِ الجميعِ
وَأُخْرِجْتُ مِنْهَا ولكِنَّني
وكان له في عمل الألغاز وحَلُّها اليد الطُّولى، ومتى كُتب إليه شيءٌ منها
حَلَّهُ في وقته، وكتب الجواب أحسن من السؤال نظماً، ولم يكن له غرضٌ
في جمع شعره، فلهذا لم يدوِّنه، فهو يوجد مقاطيع بأيدي الناس، وقد جمع
له بعض أهل دمشق ديواناً صغيراً لا يبلغ عُشْر ماله من النظم(٣)، ومع هذا
ففيه أشياء ليست له، وكان من أظرف الناس وأخفُّهم روحاً، وأحسنهم
مُجُوناً، وله بيت عجيب من جملة قصيدة يصف فيها توجهه إلى المشرق
وهو (٤):
أُفَتِّشُ فِي سَوْدَائِهِ عَنْ سَنَا الفَجْرِ
أُشَقُّقُ قَلْبَ الشَّرْقِ حَتَّى كَأَنَّني
(١) صدر بیت له، عجزه:
والنَّجْمُ قَدْ صَرَف العِنَانَ عنِ السُّرى
وقد تقدم البيت في المجلد الخامس صفحة (٣٣٥).
(٢) انظر ((ديوانه)) ص (٩٤).
(٣) وهو الذي بين يدي، وقد قام بتحقيقه الأستاذ خليل مردم بك في دمشق سنة
: ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م معتمداً على عدد كبير من النسخ الخطية، وأضاف إليه مستدركاً صغيراً
في آخره.
(٤) انظر ((ديوانه)) ص (٢٩).
٢٤٩

وكان وافر الحُرِمَةِ عند الملوك، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة
الملك المعظّم، ومدة ولاية الملك النَّاصر بن المعظّم، وانفصل منها لمًّا
ملكها الملك الأشرف، ولم يباشر بعدها خدمة، وتوفي عشية نهار الاثنين
العشرين من شهر ربيع الأول، ودُفن من الغد بمسجده الذي أنشأه بأرض
المِزَّة، وقيل: بتربة باب الصغير. انتهى ملخصاً.
• وفيها أبو محمد المُعَافى بن إسماعيل بن الحُسين المَوْصِلي،
ويعرف أيضاً بابن الحَدَوْسِ الشّافعي(١). كان إماماً، فقيهاً، بارعاً، جيداً،
صالحاً، ديِّناً(٢) أديباً.
ولد بالموصل، وتفقه بها على ابن مُهَاجر ثم على القاضي الفخر
السّهروردي، ثم على العماد بن يُونس. وسمع، وحَدَّث، وأفتى، وصنَّف،
وناظر.
ومن تصانيفه كتاب ((الكامل في الفقه)) كتاب مطوّل، و((أُنس
المنقطعين)) وهو مشهور، وتفسير يسمى ((البيان))، وكتاب ((الموجز في
الذكر)). وكان حسن الشكل والملبس. توفي بالموصل في شعبان أو في
رمضان. قاله الإِسنوي.
(١) انظر ((تاريخ الإسلام)) (٣٨٩/٦٣) و((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (٣٧٤/٨) و((طبقات
الشافعية)) للإسنوي (٤٥٠/٢ -٤٥١) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة
(١١٦/٢ - ١١٧).
(٢) لفظة (ديناً)) لم ترد في (ط)) و((طبقات الشافعية)) للإِسنوي.
٢٥٠

سنة إحدى وثلاثين وستمائة
· فيها تسلطن بدر الدِّين لؤلؤ بالموصل، وانقرض البيت الأتابكي.
• وفيها تكامل بناءُ المُسْتَنْصِرِيَّةِ ببغداد، وهي على المذاهب الأربعة،
على يد أُستاذ الدَّار ابن العَلْقَمي الذي وزر، ولا نظير لها في الدُّنيا فيما
أعلم. قاله الذهبي (١).
● وفيها توفي صلاح الدِّين أحمد بن عبد السّيد بن شعبان الإِربلي (٢).
كان حاجباً لمظفّر الدِّين صاحب إربل، فتغيَّر عليه واعتقله، فلما خرج؛ خرج
إلى الشام ودخل مصر، فعظُمت منزلته عند الكامل، ثم تغيّر عليه واعتقله،
وكان ذَا فضيلةٍ تامَّةٍ ونظمٍ حسنٍ، فعمل دُوبيت وأملاه لبعض القيان فغنت(٣)
به، فقال: هذا لمن؟ فقيل للصلاح الإِربلي، فأطلقه وعادت منزلته أحسن ما
کانت، والگوبيت:
أَفنيتُ زماني بالأسى والأسفِ
مَا أمرُ تجنِّكَ على الصبّ خفي
بالغتَ فما قَصْدُكَ إلّ تَلَفي
مَا ذَاك بقدرٍ ذَنبي (٤) ولَّقَد
(١) انظر ((العبر)) (٥/ ١٢٣).
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٨٤/١ - ١٨٧) و((الوافي بالوفيات)) (٦٢/٧ - ٦٤) و((المختصر في
أخبار البشر)) (١٥٦/٢).
(٣) كذا في ((آ)) و((ط)) و((الوافي بالوفيات)): ((فغنت)) وفي ((وفيات الأعيان)): ((فغناه)) فليحرر.
(٤) في ((وفيات الأعيان)) و((الوافي بالوفيات)): (ماذا عضبٌ بقدر ذنبي)) وفي الشطرة الثانية بعض
الخلاف عندهما.
٢٥١

وكان الكامل قد تغيَّر على بعض إخوته وهو الفائز إبراهيم، فأصلح
قضيته الصلاح، وكتب إلى الكامل:
قَدْ كَانَ يُوسُفُ في الحُسنىْ لإِخوَتِ
وشَرْطُ صاحب مِصْر أن يكونَ كَمَا
فَبَرَّهُمْ وَتَوَلَّهُمْ بِرَحْمَتِهِ
أُسَوْا فقابَلَهُمُ بالعَفْوِ وافتقرُوا
وله:
قَطَّعُوا إِليكَ مَسَافَةَ الآجالِ
وإِذَا رَأَيْتَ بَنِيْكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ
وتجهّزَ(١) الآباءُ لِلتِّرْحَالِ
وَصَلَ البِنُون إلى مَحِلِّ أبيهمُ
● وفيها أبو محمد إسماعيل بن علي بن إسماعيل البغدادي
الجَوْهَري(٢) عن ثمانين سنة. روى عن هبة الله الدقّاق، وابن البطِّي،
وطائفة. وتفرَّد بأشياء، وكان صالحاً ثقةً، توفي في ذي القعدة. قاله في
(((العبر)).
• وفيها ابن الزَّبِيدي سِرَاجُ الدِّين أبو عبد الله الحسين بن المُبَارك بن
محمد بن يحيى بن مسلم بن موسى بن عِمْرَان الرّبعي الزَّبِيدي الأصل
البغدادي البَابَصْري الحنبلي(٣). مدرس مدرسة عون الدِّين بن هُبِيرة.
ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة، وروى عن أبي الوقت [السِّجْزِي]،
وأبي زُرْعَة [المَقْدِسي]، وأبي زيد الحَمَوي، وغيرهم. وقرأ القرآن
بالرِّوَايات. وتفقه في المذهب وأفتى، وكانت له معرفة حسنة بالأدب، وصنَّف
تصانيف، منها كتاب ((البلغة)) في الفقه. وله منظومات في اللغة، والقراءات،
(١) في ((ط)): ((وتجهزوا)) وهو تحريف.
(٢) انظر ((العبر)) (١٢٣/٥ - ١٢٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٦/٢٢ - ٣٥٧).
(٣) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٣٦١/٣) و((العبر)) (١٢٤/٥) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٥٧/٢٢-٣٥٩) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٨٨/٢ -١٨٩) و((المنهج الأحمد)) الورقة
(٣٦٦) .
٢٥٢

وكان فقيهاً، فاضلاً، ديَّاً، خَيِّراً، حَسَنَ الأخلاق، متواضعاً. وحَدَّث ببغداد،
ودمشق، وحلب، وغيرها من البلاد. وسمع منه أُمَمٌّ، وروى عنه خَلْقٌ كثير
من الحفّاظ وغيرهم، منهم الدَّبيثي، والضياء. وآخر من حَدَّث عنه أبو
العبّاس الحجّار الصَّالحي. سمع منه «صحيح البخاري» وغيره، وتوفي ثالث
عشري صفر ببغداد.
• وفيها العُلَّي زكريا بن علي بن حَسَّان بن علي أبو يحيى البغدادي
الصُّوفي(١). روى عن أبي الوقت [السِّجْزي] وغيره، وكان عَامِّيّاً. مات في
ربيع الأول.
• وفيها السَّيف الآمدي أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد
الحنبلي ثم الشافعي (٢) المتكلم العلّامة، صاحب التصانيف العقلية.
ولد بعد الخمسين بآمد، وقرأ القراءات والفقه، ودَرَسَ على ابن
المَنِّي، وسمع من ابن شَاتِيل، ثم تفقه للشافعي على ابن فَضْلآن، وبرع في
الخِلاف، وحفظ طريقة أسعد المِيْهَني، وقيل: إنه حفظ ((الوسيط)) للغزالي،
وتفنن في علم النظر، والكلام، والحكمة، وكان [ذكياً](٣) من أذكياء العالم.
أقرأ بمصر مدةً، فنسبوه إلى دين الأوائل، وكتبوا محضراً بإباحة دمه، فلما
رأى بعضهم ذلك الإِفراط وقد حُمِلَ المحضر إليه ليكتب كما كتبوا، كتب:
حَسَدُوا الفَتَّى إِذْ لَمْ يَنَالُوا سَعْيَهُ وَالقَوْمُ أَعْدَاءٌ لَهُ وَخُصُومُ
(١) انظر (العبر)) (١٢٤/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٩/٢٢ - ٣٦٠).
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٩٣/٣ - ٢٩٤) و((العبر)) (١٢٤/٥ -١٢٥) و((المختصر في أخبار
البشر)) (١٥٥/٢ - ١٥٦) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (٣٠٦/٨ -٣٠٧) و((طبقات الشافعية))
للإسنوي (١٣٧/١ - ١٣٩) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٩٩/٢ -١٠١) و((النجوم
الزاهرة» (٢٨٥/٦).
(٣) لفظة ((ذكياً) لم ترد في ((ط)) وانفردت بها ((آ).
٢٥٣

قال ابن خَلُّكان: وضعوا خطوطهم بما يستباح به الدّم، فخرج مستخفياً
إلى الشام، فنزل حماة مدةً، وصنّف في الأصلين، والحكمة، والمنطق،
والخِلَاف، وكُلّ ذلك مفيدٌ، ثم قدم دمشق في سنة اثنتين وثمانين فأقام بها
مدة، ثم ولاء الملك المعظّم بن العادل تدريس العَزِيزية، فلما ولي أخوه
الأشرف موسى عزل عنها (١) ونادى في المدارس: من ذكر غير التفسير،
والحديث، والفقه، أو تعرّض لكلام الفلاسفة؛ نفيته. فأقام السيف الآمدي
خافياً في بيته إلى أن توفي في صفر، ودفن بتربته بقاسيون.
ويحكى عن ابن عبد السلام أنه قال: ما تَعَلّمنا قواعد البحث إلاّ منه،
وأنه قال: ما سمعت أحداً يُلقي الدَّرس أحسن منه، كأنه يخطب، وأنه قال:
لو ورد على الإِسلام متزندق يشكك(٢) ما تعيّن لمناظرته غيره [لاجتماع آلات
ذلك فیه].
وقال سبط ابن الجوزي: لم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين،
وعلم الكلام. ومن تصانيفه المشهورة ((الإحكام في أصول الأحكام))
مجلدين، و((إيكار الأفكار)) في أصول الدِّين، في خمس مجلدات، واختصره
في مجلد.
قال الذهبي: وله نحو من عشرينَ تصنيفاً.
وقال السّبكي: وتصانيفه كُلّها حسنةً منقّحة.
• وفيها القُرْطُبيُّ أبو عبد الله محمد بن عمر المقرىء المالكي(٣)،
الرجل الصالح. حجَّ. وسمع من عبد المُنعم بن الفُرَاوي وطائفة. وقرأ
(١) كذا في ((ط)) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة مصدر المؤلف، وفي ((آ)): ((عزل منها)).
(٢) في ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة: ((يستشكل، وما بين الحاصرتين زيادة منه.
(٣) انظر ((العبر)) (١٢٥/٥) و((معرفة القراء الكبار)) (٦٣٩/٢ - ٦٤٠) و((العقد الثمين))
(٢٣٧/٢ -٢٤٢) و((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٢١٩/٢ - ٢٢٠).
٢٥٤

القراءات على أبي القاسم الشّاطبي، وكان إماماً، زَاهِداً، متقناً، بارعاً في
عدة علوم، كالفقه، والقراءات، والعربية، طويل الباع في التفسير. توفي
بالمدينة المنورة في صفر. قاله في ((العبر)).
• وفيها طُغْرِيل (١) شِهَابُ الدِّين، الخادم أتابك صاحب حلب، الملك
العزيز، ومُدَبِّرُ دولته. كان صالحاً، خَيِّراً، متعبِّداً، كثير المعروف، ذا رأيٍ،
وعقلٍ، وسياسةٍ، وعدلٍ.
· وفيها الشيخ عبد الله بن يُونس الأَرْمَني (٢) الزَّاهد القدوة، صاحب
الزَّاوية بجبل قاسيون. كان صالحاً، متواضعاً، مطّرحاً للتكلف، يمشي
وحده، ويشتري الحاجة. وله أحوالٌ، ومجاهداتٌ، وقدمٌ في الفقر. سافر
[إلى] الأقطار، ولقي الأبدال والأبرار. كان في بدايته لا يأوي إلّ [إلى
الْبَرَاري](٣) القِفَّار. قرأ القرآن، وتفقه لأبي حنيفة، وحفظ ((القُّدُورِي))(٤)
وصحب رجلاً من الأولياء، فَدَلَّه على الطريق.
بعث إليه الأمجد صاحب بعلبك أربعين ديناراً يقضي بها دينه وهو
بالقدس، فأخذها الرَّسول. ثم إن الأمجدَ زاره وقال له: بعثت إليك أربعين
(١) في (آ) و((ط)): ((طغربك)) وفي ((وفيات الأعيان((: ((طُغْرُل)) والتصحيح من ((مرآة الزمان))
(٤٥٣/٨) و((العبر)) (١٢٥/٥) مصدر المؤلف. و«النجوم الزاهرة)) (٢٨٦/٦).
(٢) نحرفت نسبته في ((آ)) و((ط)) و((العبر)) بطبعتيه إلى (الأرموي)) والتصحيح من ((مرآة الزمان))
(٤٥٤/٨) وقال عنه: ((وكان أرمنيّاً بل رُوميًا)) و((التكملة لوفيات النقلة)) (٣٧٣/٣) و((المختار
من تاريخ ابن الجزري)) ص (١٥٣) وقال عنه: ((من إرمينية)) و((مرآة الجنان)) (٧٥/٤)
و «النجوم الزاهرة» (٢٨٦/٦).
(٣) زيادة من ((مرآة الزمان)).
(٤) يعني ((مختصر القدوري)) وهو في فروع الحنفية، وهو للإِمام أبي الحسين أحمد بن محمد بن
أحمد القُدُوري، وهو الذي يطلق عليه لفظ ((الكتاب)) في المذهب، وهو متن متين معتبر،
متداول بين الأئمة الأعيان. انظر ((اللباب في تهذيب الأنساب)) (١٩/٣ - ٢٠) و((كشف
الظنون)» (١٦٣١/٢ - ١٦٣٤).
٢٥٥

ديناراً، فقال الشيخ: وصلت، وشكره، فجاء الرسول يستغفر، فقال: قد قلت
له : إنها وصلت.
وحكى عن نفسه غير أنه لم يصرح. قال: كان فقيراً يدور في جبل
لبنان، فوقع عليه حراميَّةُ الفرنج، فعذَّبوه وربطوه، وبات في أشدِّ ما يكون.
فلما أصبحوا ناموا، وإذا حراميَّة المسلمين يطلبون حراميَّة الفرنج، فأيقظهم
وقال: اقعدوا جاءتكم حراميَّةُ المسلمين. فدخلوا مغارةً ودخل معهم، ولم
يَرَهُمْ حَرامِيَّة المسلمين، فلما بَعُدُوا قال الفرنج له: هَلّ دَلَلْتَ علينا
وتخلّصت؟ فقال(١) لهم: إني صحبتكم وأكلتُ خبزكم. وفي طريقنا أن
الصحبة عزيزة، فما رأيت خلاص نفسي بهَلَاكِكُمْ. فشكروه على ذلك،
وسألوه أن يقبل منهم شيئاً من الدَّنيا، فأبى فأطلقوه.
• وفيها أبو نصر عبد الرحیم بن محمد بن الحسن بن عَسَاکر(٢). روى
عن عَمَّيه الصَّائن، والحافظ، وطائفة. وكان قليل الفضيلة. توفي في شعبان
قاله في ((العبر)).
• وفيها أبو رشيد الغَزّال(٣) محمد بن أبي بكر محمد بن عبد الله
الأصبهاني (٤) المُحَدِّثُ التَّاجر. سمع من خليل الرَّارَانيّ(٥) وطبقته. وكان
عالماً، ثقة. توفي ببخارى في شوال.
(١) في ((آ)) و((ط)): ((فقلت)) والتصحيح من ((مرآة الزمان)).
(٢ انظر (العبر)) (١٢٦/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٦٧/٦٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦١).
(٣) في (النجوم الزاهرة)): ((الغَزّاليّ)).
(٤) انظر ((العبر)) (١٢٦/٥) و((النجوم الزاهرة)) (٢٨٦/٦ - ٢٨٧).
(٥) تصحفت نسبته في ((آ)) و((ط)) إلى ((الرازاني)) بالزاي، والتصحيح من ترجمته في المجلد
السادس من كتابنا هذا ص (٥٢٨) و(سير أعلام النبلاء)) (٢٦٩/٢١) و((الإعلام بوفيات
الأعلام) ص (٢٤٥).
٢٥٦

• وفيها محبي الدِّين بن فَضْلَان، قاضي القضاة، أبو عبد الله محمد
ابن يحيى بن علي بن الفضل البغدادي الشافعي(١)، مدرس المُسْتَنْصِرِيَّة.
تفقه على والده العلامة أبي القاسم، وبرع في المذهب، والأصول،
والخِلاف، والنظر. وولي القضاء في آخر أيام الناصر، فلما استُخْلِفَ الظاهر
عزله بعد شهرين من خلافته.
قال ابن شُهْبَة في (طبقاته)): رحل إلى خُرَاسَان، وناظر علماءها، وولي
تدريس النِّظَامِيَّة ببغداد، ثم ولي قضاء القضاة (٢)، ثم عُزِلَ. ودرَّس
بالمُسْتنصِرِيَّة عند کمالٍ عِمَارَتها في رجب، سنة إحدى وثلاثين، وهو أوّل
من درَّسٍ بها. وتوفي بعد أَشْهُرٍ في شوال - أي عن بضع وستين سنة - وكان
موصوفاً بحُسْنِ المناظرة، سَمْحَاً، جَوَاداً(٣)، نبيلاً، لا يكاد يدَّخِرُ شيئاً.
• وفيها المُسَلَّم بن أحمد بن علي أبو الغَنَائم المَازِنيّ النَّصِيبي ثم
الدمشقي (٤). روى عن عبد الرحمن بن أبي الحسن الدَّارَاني، والحافظ أبي
القاسم بن عساكر، وأخیه الصائن. ودخل في المَكْسِ مُدَّةً، ثم تركه. وروى
الكثير. توفي في ربيع الأول، وآخر من روى عنه فاطمة بنت سُليمان. قاله
في ((العبر)).
· وفيها الأمير رُكْنُ الدِّينِ مَنْكَورس(٥)، مملوك فلك الدِّين أخي العادل.
(١) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٠٧/٨ -١٠٨) وعنده: ((محمد بن واثق بن علي ... ))
و((العبر)) (١٢٦/٥) و((مرآة الجنان)) (٧٥/٤) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة
(١١٤/٢ - ١١٥).
(٢) في ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة: ((ثم ولي قضاء القاهرة، ثم عزل ... )).
(٣) تحرفت في ((ط)) إلى ((جوداً)).
(٤) انظر ((العبر)) (١٢٦/٥ - ١٢٧) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٦٢/٢٢ -٣٦٣) و ((تاريخ الإسلام))
(٧٢/٦٤).
(٥) انظر «تاريخ الإسلام)) (٧٣/٦٤ - ٧٤).
٢٥٧

كان دَيِّناً، صالحاً، عفيفاً، ملازماً لجامع بني أُميّة، وله بقاسيون مدرسةً وتربةٌ
أوقف عليها شيئاً كثيراً، وداخل دمشق مدرسة كبيرة للشافعية، وقرية جَرُوْد(١)
وقف عليهما. توفي بجَرُوْد، وحُمِلَ فدفن في تربته بقاسيون.
• وفيها أبو الفُتُوحِ الأَغْمَاتي ثم الإسكندراني ناصر بن عبد العزيز بن
ناصر(٢). روى عن السِّلَفي، وتوفي في ذي القعدة.
• وفيها الرَّضِيُّ الرُّخِيُّ - بتشديد الخاء المعجمة نسبة إلى الرُّخ ناحية
بنيسابور(٣) - أبو الحجّاج يوسف بن حَيْدَرَة (٤)، شيخ الطب بالشام، وأحد من
انتهت إليه معرفة الفَنَّ. قَدِمَ دمشق مع أبيه حَيْدَرَةِ الكَخَّال في سنة خمس
وخمسين وخمسمائة، ولَزَمَ الاشتغال على المُهذّب ابن النقّاش فَنَوَّه باسمه،
ونَبِّهَ على [محلٌّ] عِلْمِهِ، وصار من أطباء صَلَاح الدِّين، وامتدت أَيَّامه، وصارت أطباء
البلد تلامذته، حتّى إِنَّ من جملة أصحابه المُهذّب الدّخوار، وعاش سبعاً
وتسعين سنة، ممتعاً بالسمع والبصر. توفي يوم عاشوراء. قاله في ((العبر)).
(١) جَرُوْد: قرية من قرى بلدة معلولا من أعمال دمشق من جهة الشمال. انظر (معجم البلدان))
(١٣٠/٢) و((وفيات الأعيان)) (٣٥٤/٦) ويقال لها في أيامنا جَيْرُود.
(٢) انظر ((العبر» (١٢٧/٥) و«تاريخ الإسلام)) (٧٤/٦٤).
(٣) انظر (معجم البلدان)) (٣٨/٣).
(٤) انظر ((العبر)) (١٢٧/٥) وما بين الحاصرتين مستدرك منه وفي ((تاريخ الإسلام)) (٧٦/٦٤ -
٧٧) ((الرَّحَبي)).
٢٥٨

سنة اثنتين وثلاثين وستمائة
● فيها ضُربت ببغداد دراهم وفرِّقت في البلد، وتعاملوا بها، وإنما
كانوا يتعاملون بقُرَاضةِ الذَّهب، القيراط، والحَبَّة، ونحو ذلك، فاستراحوا.
قاله في ((العبر)).
● وفيها شرع الأشرف في بنائه خان الزّنجَاري جامعاً، وهو جامع التَّوْبَة
بالعُقَيْبَةِ(١) وكان خَاناً معروفاً بالفُجور، والخواطىء، والخمور، وسمَّاه ((جامع
التوبة)» ووقف عليه أوقافاً كثيرةٌ. وجرى في خطابته نكتةً غريبة وهي، أنه كان
بمدرسة الشاميَّة إمام يُعرف بالجَمَال السَّبْتي(٢) وكان شيخاً حسناً صالحاً (٣)
وكان في صباه يلعب بملهاة تسمّى الجَغَانَة (٤)، ثم حسنت طريقته، وصار
معدوداً في عداد الأخيار، فولّاه الأشرف خطيباً، فلما توفي تولى مكانه
العِمَاد الواسطي الواعظ، وكان متَّهماً بشرب الشراب، وكان ملك دمشق في
(١) أحد أحياء مدينة دمشق القديمة إلى الشمال من مسجد بني أمية الكبير خارج السور القديم،
ولا زال هذا الجامع عامراً بفضل الله عزّ وجل وتقام فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة
وصلاة العيدين، وقد تعاقب على الخطابة والإمامة فيه عدد كبير من علماء دمشق الأفاضل،
وقد نقل المؤلّف عن ((وفيات الأعيان)) (٣٣٤/٥ - ٣٣٥) و «تاريخ الإسلام)» (١٠/٦٤-١١)
وانظر «المختار من تاريخ ابن الجزري» ص (١٥٦ - ١٥٧).
(٢) وكذا سمّاه ابن خلِّكان، وكان يعرفه معرفة شخصية.
(٣) ولفظة ((صالحاً) لم ترد في ((وفيات الأعيان)).
(٤) في ((آ) و((ط)): ((الجفانة)) بالفاء، وفي ((وفيات الأعيان)) و((المختار من تاريخ ابن الجزري)):
((الجغانة)) وهو ما أثبته. وانظر التعليق عليهما فهو مفيد.
٢٥٩

ذلك الوقت الملك الصالح أبو الجيش، فكتب إليه الجمال عبد الرحيم بن
الزّويتينة(١):
يا مَلِيكاً أَوْضَحَ الحَقِّ لَدَينَا وَأَبَانّهْ
جَامِعُ التَّوْبَةِ قَدْ قَلْدَني مِنْهُ الأمانهْ
قَال قُل للملكِ الصَّا لحِ أَعْلَى اللهُ شَانَهْ
حَمِدَ النَّاسُ زَمَانَهْ
يا عِمَاد الدِّينِ يَا مَنْ
كُمْ إلى کَم أَنا في ضُرِّ ويُؤْسٍ وإِهَانَةْ
لي خطيبُ واسطيَّ يَعْشَقُ الشُّربَ(٢) دِيَانهْ
والذي قَدْ كَانَ مِنَ قَبْلُ يُغَنِّيِ بالجَغَانَهْ(٣)
فَكَمَا كُنْتُ كَذَا صِرْ تُ فَلَ أَبْرَحُ حَانَهْ
رُدّني للَّمطِ الأَوَّ لِ واسْتَبِقَ ضَمَانَهْ (٤)
• وفيها توفي أبو صَادِقِ الحسن بن صَبَّاحِ المَخْزُومِي المِصْري(٥)
الكاتب، عن نيِّفٍ وتسعين سنة. وكان آخر من حَدَّث عن ابن رِفَاعَة. توفي
[في] سادس عشر رجب، وكان أديباً، ديِّناً، صالحاً، جليلاً.
• وفيها الملك الزّاهرُ دَاوُد ابن الملك الناصر صَلاح الدِّين يوسف بن
أيوب (٦). كان صاحب إِلْبِيرة (٧) بلد من تُغُور الرُّوم بقرب سُمَيْسَاط. وكان
(١) هو عبد الرحيم بن علي الرّحبي، ابن الزّويتينة. انظر ((فوات الوفيات)) (٣١٨/٢ -٣١٩).
(٢) في ((آ)): ((الشراب)) وفي ((فوات الوفيات)): ((الخمر)).
(٣) ((آ)) و((ط)): ((بالجفانة)) وفي ((المختار من تاريخ ابن الجزري)) و((فوات الوفيات)): ((بالجغانة))
وهو ما أثبته، وفي ((وفيات الأعيان)): ((بجغانة)).
(٤) انظر رواية البيت في ((وفيات الأعيان)) و((فوات الوفيات)) ففيه بعض الخلاف عندهما.
(٥) انظر ((العبر)) (١٢٨/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٨١/٦٤-٨٢) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٧٢/٢٢ - ٣٧٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦١).
(٦) انظر ((العبر)) (١٢٨/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٨٤/٦٤).
(٧) انظر ((معجم البلدان)) (٢٤٤/١).
٢٦٠