Indexed OCR Text

Pages 101-120

أعوام، وهذا ما لا نعلمه تهيأ لأحدٍ سواه. اعتنى به سبط الخَيَّاط، فأقرأه
وحرص عليه، وجهّزه إلى أبي القاسم هبة الله بن الطَّبَر، فقرأ عليه بست(١)
روايات، وإلى أبي منصور ابن خَيْرُون، وأبي بكر خطيب الموصل، وأبي
الفضل بن المُهتدي بالله. فقرأ عليهم بالروايات الكثيرة. وسمع من ابن
الطَّر، وقاضي المارستان، وأبي منصور القَزَّاز، وخلق، وأتقن العربية على
جماعة، وقال الشعر الجيد، ونال الجاه الوافر، فإن الملك المعظم كان مُديماً
للاشتغال عليه، وكان ينزل إليه من القلعة.
توفي في سادس شوال، ونزل الناس بموته درجة في القراءات وفي
الحديث، لأنه آخر من سمع من القاضي أبي بكر، والقاضي أبو بكر آخر من
سمع من أبي محمد الجوهري، والجوهري آخر من روى عن القطيعي،
والقطيعي آخر من روى عن الكريمي وجماعة. قاله في ((العبر)).
قلت ومن شعره(٢):
أُعَمَّرُ والأعمارُ لا شكَّ أَرْزَاقُ (٤)
تَمَنِيْتُ فِي عَصْرِ(٣) الشَّبِيْبَةِ أَنَّني
من العُمْر ما قَدْ كنتُ أَهْوِى وأشتاقُ
فَلَّمَّا أتاني ما تمنَِّتُ(٥) سَاءَني
لها فِيَّ إِرْعَادٌ مَخُوفٌ وإبراقُ
وهَا أنا في إحدى وتسعينَ حَجَّةٌ
وما ليَ إلاَّ رَحْمَةُ اللهِ تِرياقُ
يَقُولُونَ تِرْياقٌ لمثلِك نافِعٌ
• وفيها عبد الرحمن بن علي الزُّهْري الإِشبيلي(٦) أبو محمد، مسند
الأندلس في زمانه. روى ((صحيح البخاري)) سماعاً من أبي الحسن شريح،
(١) في ((ط)): ((ست)).
(٢) انظر ((الأبيات في وفيات الأعيان)) (٣٤١/٢ - ٣٤٢) و((تاريخ الإسلام)) (١٣٩/٦٢).
(٣) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((عشر)) والتصحيح من ((تاريخ الإسلام)).
(٤) في ((آ): ((رُزاق)).
(٥) في ((تاريخ الإِسلام)): ((فلما أتى ما قد تمنيت)).
(٦) انظر ((العبر)) (٤٦/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٥/٢٢).
١٠١

وعاش بعدما سمعه ثمانين سنة، وهذا شيءٌ لا نعلمه وقع لأحد بالأندلس
غيره. توفي في آخر هذا العام.
• وفيها الملك الظاهر غازي [بن يوسف](١)، صاحب حلب، ولد
السلطان صلاح الدِّين يوسف بن أيوب.
ولد بمصر سنة ثمان وستين وخمسمائة، وحَدَّث عن عبد الله بن برِّي
وجماعة، وكان بديع الحسن، كامل الملاحة، ذا غورٍ ودهاءٍ ورأيٍ ومصادقةٍ
لملوك النواحي، فيوهمهم أنه لولا هو لقصدهم عمه العادل، ويوهم عمه أنَّه
لولا هو لاتفق عليه الملوك وشاقوه، وكان سمحاً جواداً، تزوَّج بابنتي عمّه.
قال ابن خَلِّكان(٢): كان ملكاً، مهيباً، حازماً، متيقظاً، كثير الاطلاع
على أحوال رعيته وأخبار الملوك، عالي الهمَّةِ، حسن التدبير والسياسة،
باسط العدل، محباً للعلماء، مجيزاً للشعراء. أعطاه والده مملكة حلب في
سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بعد أن كانت لعمّه الملك العادل، فنزل عنها
وتعوّض غيرها.
ويحكى عن سرعة إدراكه أشياء حسنة، منها: أنه جلس يوماً لعرض
العسكر، وديوانيّ(٣) الجيش بين يديه، فكان كلما حضر واحد من الأجناد
سأله الديوانيُّ (٣) عن اسمه لينزلوه حتَّى حضر واحد فسألوه، فقبّل
الأرض، فلم يفطن أحد من أرباب الديوان لما أراد، فعاودوا سؤاله (٤)، فقال
الملك الظاهر: اسمه غازي، وكان كذلك، وتأدب الجندي أن يذكر اسمه
لما كان موافقاً اسم السلطان، وعرف هو مقصوده، وله من هذا الجنس شيءٌ
(١) انظر ((العبر)) (٤٦/٥) و((تاريخ الإسلام)) (١٥١/٦٢ - ١٥٥) وما بين الحاصرتين زيادة منه.
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٦/٤).
(٣) في ((وفيات الأعيان)): ((وديوان)) و((الديوان)) وما جاء في كتابنا هو الصواب.
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((فعاود وسأله)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
١٠٢

كثير، وتوفي بقلعة حلب ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة، ودفن
بالقلعة .
ثم بنى الطواشيّ شهابُ الدِّين أتابك ولده الملك العزيز مدرسةٌ تحت
القلعة، وعمر فيها تربةً ونقله إليها. والعجب أنه دخل حلب مالكاً لها في
الشهر بعينه واليوم سنة اثنتين وثمانين [وخمسمائة]. انتهى ملخصاً.
وكانت وفاته بالإسهال، وتسلطن بعده ولده الملك العزيز وله ثلاثة
أعوام.
• وفيها الجَاجَرْمي، مؤلّف ((الكفاية)) في الفقه، الإِمام معين الدِّين أبو
حامد محمد بن إبراهيم الفقيه الشافعي.
قال ابن خَلِّكان (١): كان إماماً، فاضلاً، متقناً، مبرزاً. سكن نيسابور،
ودرَّس بها، وصنَّفَ في الفقه كتاب ((الكفاية)) وهو في غاية الإِيجاز، مع
اشتماله على أكثر المسائل (٢) التي تقع في الفتاوى، وهو في مجلد واحد.
وله كتاب ((إيضاح الوجيز)) أحسن فيه، وهو مجلدين، وله طريقة مشهورة في
الخلاف والفوائد(٣) المشهورة منسوبة إليه. واشتغل عليه الناس وانتفعوا به
وبكتبه من بعده، خصوصاً ((القواعد)) فإن الناس أكبوا على الاشتغال بها.
وتوفي بكرة نهار الجمعة عاشر رجب بنيسابور.
والجَاجَرْمي: بفتح الجيمين وسكون الراء، نسبة إلى جَاجَرْم، بلدة بين
نيسابور وجُرجان خرج منها جماعة من العلماء (٤). انتهى.
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٦٥/٤).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((على كثير المسائل)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)).
(٣) في ((وفيات الأعيان)): ((والقواعد)).
(٤) انظر ((معجم البلدان)) (٩٢/٢).
١٠٣

• وفيها العزّ (١) محمد بن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي
الحافظ ابن الحافظ أبو الفتح.
ولد سنة ست وستين وخمسمائة، ورحل إلى بغداد، وهو مراهق،
فسمع من ابن شّاتيل (٢) وطبقته، وسمع بدمشق من أبي الفَهْم عبد الرحمن بن
أبي العجائز وطائفة، وكتب الكثير، وعُني بالحديث. وارتحل إلى أصبهان
وغيرها، وكان موصوفاً بحسن القراءة وجودة الحفظ والفهم.
قال الضياء: كان حافظاً، فقيهاً، حنبلياً، ذا فنون. ثم وصفه بالديانة
المتينة، والمروءة التّامة.
وقال أبو شامة (٣): صحب الملك المعظّم عيسى، وسمع بقراءته (٤)
الكثير، وكان حافظاً، ديِّاً، زاهداً، ورعاً.
وقال الذهبي: روى عنه ابنا تقي الدِّين أحمد، وعز الدِّين
عبد الرحمن، والحافظ ضياء الدِّين، والشهاب القُوصي، والشيخ
شمس الدِّين عبد الرحمن بن أبي عمر، وابن البخاري، وآخرون.
توفي - رحمه الله - ليلة الاثنين، تاسع عشر شوال، ودفن بسفح قاسيون.
قال الحافظ الضياء: قال بعضهم: كنا نقرأ عنده ليلة مات، فرأيت على
بطنه نوراً مثل السِّراج.
(١) في ((العبر)) (٤٧/٥) طبع الكويت: ((العزيز)) وهو خلاف لما في المصادر الأخرى، وأبعد
محقق (العبر)) طبع بيروت فبدَّل ((العز)) إلى ((العزيز))، ولقبه ((عز الدين)) كما في ((تاريخ
الإِسلام)» (١٥٨/٦٢) واختصر إلى ((العز)) في بعض المصادر.
(٢) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى (ابن شامل)) والتصحيح من ((العبر)) و((تاريخ الإِسلام)).
(٣) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (٩٩).
(٤) في ((آ)): ((بقراءة)).
١٠٤

سنة أربع عشرة وستمائة
● فيها توفي أبو الخطّاب بن واجب أحمد بن محمد بن عمر القَيسي
البَلَنْسي، الإِمام المالكي.
ولد سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. وأكثر عن جدِّه أبي حفص بن
واجب، وابن هُذيل، وابن قزمان صاحب ابن الطلّع، وطائفة. وأجاز له
أبو بكر بن العربي.
قال [ابن] الأبَّار: هو حامل راية الرواية بشرق الأندلس، وكان متقناً،
ضابطاً، نحوياً، عالي الإِسناد، ورعاً، قانتاً، له عناية كاملة بصناعة الحديث.
ولي القضاء ببلنسية وشاطبة غير مرة، ومعظم روايتي عنه. انتهى.
وفيها الشيخ العماد أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد المُقْدِسي(١)
الحنبلي، أخو الحافظ عبد الغني.
ولد بجمًّاعيل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وهاجر سنة إحدى
وخمسین مع أقاربه، وسمع من عبد الواحد بن هلال وجماعة، وببغداد من
شُهْدَة، وصالح بن الرّحلة، وبالموصل من خطيبها، وحفظ ((الخِرَقي))(٢)
(١) انظر (العبر)) (٤٩/٥ - ٥٥) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٩٣/٢ - ١٠٦) و((تاريخ الإسلام))
(١٧٣/٦٢ - ١٨٣).
(٢) يعني ((مختصر الخرقي)).
١٠٥

و((الغريب)) للعزيزي. وألقى الدروس، وناظر، واشتغل، وقرأ القراءات على
أبي الحسن البطائحي، وكان متصدياً لإِقراء القرآن والفقه، ورعاً، تقياً،
متواضعاً، سمحاً، مِفضالاً، صوَّاماً، قوَّاماً، صاحب أحوال وكرامات،
موصوفاً بطول الصلاة.
قال الشيخ الموفق: ما فارقتُه إلّا أن يسافر، فما عرفته أنه عصى الله
معصيةً.
وقال الحافظ الضياء: كان عالماً بالقرآن، والنحو، والفرائض، وغير
ذلك من العلوم. وصنّف كتاب ((الفروق)) في المسائل الفقهية. وكان من كثرة
اشتغاله وإشغاله لا يتفرغ للتصنيف والكتابة، وكان يشغل بالجبل إذا كان
الشيخ موفق الدِّين في المدينة، فإذا صعد الموفق نزل هو فأشغل بالمدينة.
وكان يشغل بجامع دمشق من الفجر إلى العشاء لا يخرج إلّ لما لا بد له منه.
يقرىء القرآن والعلم، فإذا لم يبق له من يشتغل عليه اشتغل بالصلاة، وكان
داعيةً إلى السُّنَّةِ، وتعلّم العلم والدِّين، وما عُلم أنه أدخل نفسه في شيءٍ من
أمر الدنيا، ولا تعرض له، ولا نافس فيها. وكان يحترز في الفتاوى احترازاً
كثيراً. وكان كثير الورع والصدق، سمعته يقول لرجل: كيف ولدك؟ فقال:
يُقَبِّلُ يدكَ، فقال: لا تكذب. وكان كثير الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، خرج مرَّةً إلى قوم من الفُسَّاق فكسر ما معهم، فضربوه ونالوا منه،
حتَّى غشي عليه، فأراد الوالي ضرب الذين نالوا منه، فقال: إن تابوا ولزموا
الصلاة فلا تؤذهم(١)، وهم في حِلِّ من قِبَلي، فتابوا ورجعوا عما كانوا عليه.
وسمعت الإِمام أبا إبراهيم محاسن بن عبد الملك التنوخي يقول: كان
الشيخ العماد جوهرة العصر، وكان كثير التواضع، يَذُمُّ نفسه ويقول: ايش
(١) في ((ا)) و((ط)): ((فلا تؤذيهم)) والصواب ما أثبتناه.
١٠٦

يجيء مني، وكان يكثر في دعائه من قول: اللهم اجعل عملنا صالحاً واجعله
لوجهك الكريم خالصاً ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئاً.
اللهم خلِّصني من مظالم نفسي، ومظالم كل شيءٍ قبل الموت، ولا
تمتني ولأحدٍ عليَّ مظلمة يطلبني بها بعد الموت. ولا بد من الموت فاجعله
على توبة نصوح بعد الإِخلاص من مظالم نفسي ومظالم العباد قتلاً في
سبيلك على سنتك وسنة رسولك، شهادة يغبطني بها الأولون والآخرون،
واجعل النّقلة إلى روح وريحان [ومستراحٍ] في جنات النعيم، ولا تجعلها
إلى نُزُلٍ من حميم وتصلية جحيم.
قال الضياء: توفي - رحمه الله - ليلة الخميس وقت عشاء الآخرة، وكان
صلى تلك الليلة المغرب بالجامع ثم مضى إلى البيت، وكان صائماً فأفطر
على شيءٍ يسيرٍ، ولما جاءه الموت جعل يقول: يا حيُّ يا قيوم برحمتك
أستغيث، واستقبل القِبْلَةَ وتشهَّد ومات.
وقال سبط ابن الجوزي: غُسِّلَ وقت السحر، وأُخرجت جنازته إلى
جامع دمشق، فما وسع الناس الجامع، وصلى عليه الموفق بحلقة الحنابلة
بعد جهد جهيد، وكان يوماً لم يُرَ في الإِسلام مثله. كان أول الناس عند
مغارة الدّم ورأس الجبل إلى الكهف، وآخرهم بباب الفراديس. وما وصل
إلى الجبل إلى آخر النهار. قال: وتأملت الناس من أعلى قاسيون إلى الكهف
إلى قريب المَيْطُور(١)، لو رمى الإِنسان عليهم إبرة لما ضاعت.
فلما كان في الليل نمت وأنا متفكر في جنازته، وذكرت أبيات سُفیان
الثوري التي أنشدها في المنام:
(١) تصحفت في ((آ) و((ط)) إلى ((الميظور)) وتحرفت في ((ذيل طبقات الحنابلة)) إلى ((المنظور))
والتصحيح من ((غوطة دمشق)) ص (١٨١) للعلامة الأستاذ محمد كرد علي، طَيِّبَ الله ثراه،
وقال فيه: الميطور: في أرض الصالحية آخر حدودها تحت نهر یزید.
١٠٧

هَنيئاً رِضائي عنك يا بن سَعيدٍ
نَظَرتُ إلى ربِّي كِفَاحاً فقال لي
بِعَبرةِ مشتاقٍ وقلب عميدٍ
فَقَدْ كُنتَ قوَّاماً إذا أقبل الدُّجى
وزُرْني فإني مِنْكَ غيرُ بَعيدٍ
فَدُونَكَ فَاخْتَر أيَّ قصرٍ تريدُه
وقلت: أرجو أن العماد یری ربَّه کما رآه سفیان عند نزول حفرته،
ونمت فرأيت العماد في النوم وعليه حُلَّة خضراء، وعِمامة خضراء، وهو في
مكان متسعٍ كأنه روضةٌ، وهو يرقى في درج مرتفعةٍ، فقلت: يا عماد الدِّين،
كيف بت؟ فإني والله متفكرٌ(١) فيك، فنظر إليَّ وتبسم على عادته، وقال:
وفَارِقْتُ أصحابي وأهلي وجِيرَتي
رأيتُ إلَهي حينَ أُنزلتُ حفرتي
رَضِيتُ فها عَفْوِي لدَيكَ وَرَحْمتي
فقال: جُزِيتَ الخَيْرَ عَنِّي فَإِنني
فوُقِّتَ نيراني ولُقِّيت جَنَّتي
دَأَبْتَ (٢) زماناً تأمُلُ الفَوْزَ والرِّضى
قال: فانتبهت مرعوباً وكتبت الأبيات.
وتوفي - رحمه الله ورضي عنه - فجأة في سابع عشر ذي القعدة.
· وفيها عبد الله بن عبد الجبّار العثماني أبو محمد الاسكندراني(٣)
التاجر المُحَدِّثُ. سمع من السِّلَفي فأكثر، وتوفي في ذي الحجة عن سبعين
سنة .
• وفيها ابن الحَرَسْتَاني، قاضي القضاة جمال الدِّين أبو القاسم
عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري الخَزْرَجي الدمشقي (٤)
الشافعي .
(١) في ((آ)) و((ط)): ((مفكر)) وما أثبته من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٢) تحرفت في ((ذيل طبقات الحنابلة)) إلى ((رأيت)) فتصحح.
(٣) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (١٠٦ - ١٠٨) و((تاريخ الإسلام)) (١٨٩/٦٢ - ١٩٠) و((النجوم
الزاهرة)» (٢٢١/٦).
(٤) انظر ((العبر)) (٥٠/٥ - ٥١) و((تاريخ الإسلام)) (١٩٣/٦٢ -١٩٧) و«سير أعلام النبلاء))
(٨٠/٢٢ -٨٤) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٧١/٢ - ٧٣).
١٠٨

ولد سنة عشرين وخمسمائة، وسمع سنة خمس وعشرين من
عبد الكريم بن حمزة، وجمال الإِسلام(١)، وطاهر بن سهل الإِسفراييني
والكبار. ودرَّس وأفتى، وبرع في المذهب، وانتهى إليه علو الإِسناد، وكان
صالحاً عابداً من قضاة العدل.
قال ابن شهبة: تفرَّد بالروايات عن أكثر شيوخه، ورحل إلى حلب
وتفقّه بها على المُحَدِّث الفقيه أبي الحسن المُرَادي(٢)، وناب في القضاء عن
ابن أبي عصرون، ثم ولي قضاء الشام في آخر عمره سنة اثنتي عشرة، ودرَّس
بالعزيزية، وكان يجلس للحكم بالمجاهدية. وكان إماماً عارفاً بالمذهب،
ورعاً، صالحاً، محمود الأحكام، حسن السيرة، كبير القدر.
وقال أبو شامة: حدثني الشيخ عز الدِّين بن عبد السَّلام أنه لم يَرَ أفقه
منه، وعليه كان ابتداء اشتغاله، ثم صحب فخر الدِّين بن عساكر، فسألته
عنهما فرجح ابن الحرستاني وقال: إنه كان يحفظ كتاب ((الوسيط)) للغزالي.
قال: ولما طُلب للقضاء امتنع من الولاية حتى ألحوا عليه فيها، وكان
صارماً عادلاً على طريقة السلف في لباسه وعفته، بقي في القضاء سنتين
وسبعة أشهر.
وقال سبط ابن الجوزي: كان زاهداً عفيفاً عابداً ورعاً نزهاً، لا تأخذه في
الله لومة لائم، اتفق أهل دمشق على أنه ما فاتته صلاة بجامع دمشق في
جماعة إلّ إذا كان مريضاً.
توفي في رابع ذي الحجة، وهو ابن خمس وتسعين سنة.
(١) هو علي بن المُسَلَّم السّلمي الدمشقي. انظر ترجمته في ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة
(٣٤٥/١ - ٣٤٦).
(٢) تحرفت في ((آ) و((ط)) إلى ((المراري)) والتصحيح من ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة.
١٠٩

● وفيها علي بن محمد بن علي المَوْصلي (١) أبو الحسن، أخو
سليمان. سمع من الحسين سبط الخيَّاط، وأبي البدر الكَرْخي، وجماعة.
وتوفي في جمادى الآخرة.
• وفيها ابن جُبير الكِنَاني، الإِمام الرئيس محمد بن أحمد بن جُبَير
البَلَنْسي(٢). نزيل شاطبة.
ولد سنة أربعين وخمسمائة، وسمع من أبيه، وعلي بن أبي العيش
المقرىء، وأجاز له أبو الوليد بن الدبًّاغ، وحجَّ فَحَدَّث في طريقه.
قال [ابن] الأبَّار: عُني بالآداب فبلغ فيها الغاية، وتقدم في صناعة
النظم والنثر، ونال بذلك دنيا عريضة، ثم زهد ورحل مرتين إلى المشرق،
وفي الثالثة توفي بالإِسكندرية في شعبان.
• وفيها أبو عبد الله بن سعادة الشَّاطِبي (٣) المُعَمّر محمد بن عبد العزيز
ابن سعادة. أخذ قراءة نافع عن أبي عبد الله بن غلام الفَرَس، والقراءات عن
ابن هُذَيل، وأبي بكر محمد بن أحمد بن عمران. وسمع من ابن النِّعْمَة،
وابن عاشر، وأبي عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة. أكثر عنه [ابن] الأبَّار،
وكان مولده سنة ست عشرة وخمسمائة أو قبل ذلك، وتوفي بشاطبة في
شوال.
• وفيها الشجاع محمود الدِّمَاغ(٤): كانت له ثروة عظيمة، وقف مدرسةً
للشافعية والحنفية داخل باب الفرج، تُعرف بالدِّماغية.
(١) انظر ((العبر)) (٥١/٥).
(٢) انظر ((العبر)) (٥١/٥) وهو صاحب ((الرّحلة)) الشهيرة. وقال العلّامة الزركلي رحمه الله في
(الأعلام)) (٣٢٠/٥): يقال: إنه لم يصنّف كتاب ((الرّحلة)) وإنما قيَّد معاني ما تضمنته،
فتولى ترتيبها بعض الآخذين عنه.
(٣) انظر (معرفة القراء الكبار)) (٦٠٥/٢) و((العبر» (٥١/٥ - ٥٢).
(٤) انظر «تاريخ الإسلام)) (٢٠٩/٦٢).
١١٠

سنة خمس عشرة وستمائة
• فيها جاءت رسل جنكزخان ملك التتار محمود الخوارزمي، وعلي
البخاري بتقدمةٍ مستظرفةٍ إلى خوارزم شاه، وتطلب(١) منه المسالمة والهدنة،
فاستمال خوارزم شاه محموداً الخوارزمي وقال: أنت منا وإلينا، وأعطاه
معضدة جوهرٍ، وقرَّر(٢) معه أن يكون عيناً للمسلمين. ثم قال له: أصدقني،
أيملك جنكزخان طمغاج الصين؟ قال: نعم. قال: فما ترى؟ قال: الهُدنة.
فأجابَ، وسُرَّ جنكزخان بإِجابته. واستقرَّ الحال إلى أن جاء من بلاده تُجَّارٌ
إلى ما وراء النهر وعليها خال خوارزم شاه، فقبض عليهم وأخذ أموالهم شَرَهاً
منه. ثم كاتب خوارزم شاه يقول: إنهم تتار في زيّ التجار، وقصدهم يجسّوا
البلاد، ثم جاءت رسل جنكزخان إلى خوارزم شاه تقول: إن كان ما فعله
خالك بأمره فَسَلَّمْهُ إلينا، وإن كان بأمرك فالعذرُ قبيحٌ، وستُشاهد ما تعرفني
به، فندم خوارزم شاه وتجلّد، وأمر بالرُّسل فقُتلوا ﴿لَيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ
مَفْعُولاً﴾ [الأنفال: ٤٢]. فيا لها من حركة عظيمة الشؤم أجرت بكل قطرة
بحراً من الدماء.
• وفيها توفي مُحَدِّثُ بغداد أبو العَبَّاس البَنْدَنِيجي - بفتح الباء الموحدة
والمهملة وسكون النون الأولى وكسر الثانية ثم تحتية وجيم، نسبة إلى
(١) في ((العبر)) بطبعتيه: ((ويطلب)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((وقدّر)) والتصحيح من ((العبر)) بطبعتيه.
١١١

بَنْدَنِيجَين(١) بلفظ المثنى بلد قرب بغداد - أحمد بن أحمد بن أحمد بن
كَرَم(٢) بن غالب البغدادي الأَزَجي، الحافظ المُحَدِّثُ المُعَدَّل الحنبلي.
ولد في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وتلقّن القرآن من
أبي حكيم النّهرواني، وقرأه(٣) بالروايات على أبي الحسن البطائحي وغيره.
وسمع الحديث الكثير من أبي بكر بن الزَّاغُوني، وأبي الوقت، وخلق.
قال الدُّبَيثي: كان وافر السماع، كثير الشيوخ، حسن الأصول، حَدَّثَ
بالکثیر وسمع منه جماعة .
وقال ابن ناصر الدِّين(٤): هو مُحَدِّثُ بغداد. كان حافظاً مكثراً، لكنه
غير عمدة، رماه ابن الأخضر وكذَّبه وقبله غيره.
• وقال ابن رجب في ((طبقاته))(٦): توفي معه في ثالث عشر(٥) رمضان
أبو محمد عبد الكافي بن بدر بن حسَّان الأنصاري الشّامي الأصل المصري
النجَّار الحنبلي، وكان صالحاً كثير الصيام والتعبد. سمع من البُوصِيري،
والأرتاحي، وعبد الغني الحافظ(٧)، وربيعة بن نزار، وغيرهم، وعلَّق عنه
المُنْذِري شيئاً. توفي وله نحو الستين سنة. انتهى.
(١) انظر («معجم البلدان)) (٤٩٩/١) قال ياقوت: موضع يسمَّى وَنْدَنيكان وعُرِّب على البندنيجين
ولم يفسر معناه ... وحدثني العماد بن كامل البندنيجي الفقيه قال: البندنيجين اسم يطلق
على عدة محال متفرقة غير متصلة البنيان، بل كل واحدة منفردة لا ترى الأخرى، لكن نخل
الجميع متّصلة، وأكبر محلّة فيها يقال لها باقُطنايا ... وقد خرج منها خلق من العلماء،
مُحَدِّثون وشعراء وفقهاءُ وكُتّابٌ.
(٢) تحرف في ((آ)) و((ط)) إلى ((ابن كر)) والتصحيح من ((العبر)) (٥٥/٥) و((تاريخ الإسلام))
(٢١٦/٦٢) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٠٨/٢).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((وقرأ)) وما أثبته من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٤) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٧٣ / ب).
(٥) في ((ط)): ((عشري)).
(٦) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٠٩/٢).
(٧) يعني الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى.
١١٢

أي ودفن الأول بباب حرب من بغداد والثاني بالمقطّم من مصر.
• وفيها الشمس العطّار أبو القاسم أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد
السّلمي البغدادي الصيدلاني(١)، نزيل دمشق.
ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة، وسمع الناس منه ((صحيح البخاري))
غير مرَّة. وكان ثقةً. توفي في شعبان.
• وفيها صاحب الموصل السلطان الملك القاهر عز الدِّين أبو الفتح
مسعود بن السلطان نور الدِّين أرسلان شاه بن مسعود الأتابكي (٢).
ولد سنة تسعين وخمسمائة، وتملّك بعد أبيه، وله سبع عشرة سنة،
وكان موصوفاً بالملاحة والعدل والسماحة، قيل: إنه سُمَّ ومات في ربيع الآخر
وله خمس وعشرون سنة، وعَظُمَ [على] الرَّعية فقده.
• وولي بعده بعهدٍ منه ولده نور الدِّين أرسلان شاه، ويسمَّى أيضاً
عليَّاً، وله عشر سنين، فمات في أواخر السنة أيضاً.
• وفيها زينب الشَّعْرِيَّة الحُرَّةِ أُمُّ الْمُؤْيِّد(٣) بنت أبي القاسم
عبد الرحمن بن الحسين بن أحمد بن سهل الجُرْجَاني ثم النيسابوري
الشعري (٤) الصُّوفي.
ولدت سنة أربع وعشرين [وخمسمائة]، وسمعت من ابن الفُرَاوي
(١) انظر ((العبر)) (٥٥/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٢١٨/٦٢ - ٢١٩).
(٢) انظر ((العبر)) (٥٥/٥ -٥٦) ولفظة ((على)) مستدركة منه و((تاريخ الإسلام))
(٢٤٤/٦٢ - ٢٤٥).
(٣) تصحفت في ((ط)) إلى ((المؤبد)) بالباء.
(٤) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٤٤/٢ - ٣٤٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٨٥/٢٢ - ٨٦) و((العبر))
(٥٦/٥) و((الأعلام)) (٦٦/٣).
١١٣

عبد الله لا من أبيه، ومن زاهر الشّحّامي، وعبد المنعم بن القُشَيري(١)،
وطائفة .
توفيت في جمادى الآخرة وانقطع بموتها إسنادُ عالٍ .
· وفيها أبو القاسم الدَّامْغَاني (٢). قاضي القضاة، عبد الله بن الحسين
ابن أحمد بن علي بن قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، الفقيه الحنفي (٣)
العلّامة عماد الدِّين. سمع من تجنّي الوهبانية، وولي القضاء بالعراق سنة
ثلاث وستمائة إلى أن عُزل سنة إحدى عشرة، وتوفي في ذي القعدة.
· وفيها القاضي شرف الدِّين بن الزَّكي القُرَشي أبو طالب، عبد الله بن
زين القضاة عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى بن علي الدِّمشقي الشافعي.
قال ابن شهبة(٤): ناب في القضاء عن ابن عَمِّه القاضي مُحيي الدِّين
ابن الزَّكي، وعن أبيه زكي الدِّين الطاهر، ودرَّس بالرواحية، فكان أول من
درَّس بها. ودرَّس بالشامية البرانية.
وقال ابن كثير(٥): إنه أول من درَّس بها أيضاً.
(١) تحرفت في ((آ)) إلى ((القيري)).
(٢) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٤٤٨/٢) و((ذيل الروضتين)) ص (١١٠) و((تاريخ الإسلام))
(٢٢٥/٦٢ - ٢٢٦) و((العبر)) (٥٦/٥) و(«البداية والنهاية)) (٨٢/١٣) و(«الجواهر المضية في
طبقات الحنفية)) (٣٠١/٢ - ٣٠٣).
(٣) قلت: وهو الصواب، ولكن وصفه المنذري في ((التكملة)) والذهبي في ((تاريخ الإسلام)) بأنه
شافعي المذهب. وعقب الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف على ذلك في المصدرين بقوله:
والمعروف عن بيت الدامغاني أنهم من رؤساء الحنفية المشهورين.
(٤) لم أجد ترجمته في ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة الذي بين يدي، وأظن المؤلف
- رحمه الله - قد وهم فأحال عليه، والصواب أنه نقل عن ((العبر)) فالكلام بتمامه فيه (٥٦/٥)
وهو مترجم أيضاً في ((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٥٣٥/١).
(٥) نقل المؤلف هذا الكلام عن ((طبقات الشافعية)) لابن كثير، وهو غير متوفر بين أيدينا، وترجم
له في ((البداية والنهاية)) (٨١/١٣).
١١٤

وقال سبط ابن الجوزي: كان فقيهاً نزهاً لطيفاً عفيفاً.
وقال الشهاب القوصي: كان ممن زاده الله بَسْطَّةً في العلم والجسم.
توفي في شعبان.
• وفيها الشُّهَاب فِئْيَان بن علي بن فِتْيَان بن ثمال الأسدي الحنفي
الدمشقي المعروف بالشَّاغوري .
قال ابن خَلِّكان(١): كان فاضلاً شاعراً ماهراً، خدم الملوك ومدحهم
وعَلَّم أولادهم. وله ديوان شعر فيه مقاطيع حسان، وأقام مدةً بالزَّبَدَاني(٢) وله
فيها أشعار لطيفة، فمن ذلك قوله في جهة الزَّبَدَاني - وهي أرض فيحاء جميلة
المنظر، تتراكم عليها الثلوج في زمن الشتاء، وتنبت أنواع الأزهار في أيام
الربيع، ولقد أحسن فيها كل الإِحسان وهي -:
وأُخْمِدَ الجَمْرُ فِي الْكَانُونِ حِينَ قَدَحْ
قَدْ أَجْمَدَ الخمرَ كَانونٌ بكل قَدَحْ
عن كُلِّ حُسْنِ إِذَا وَجْهُ الزَّمَانِ كَلَحْ
يا جَنَّةِ الزَّبَدَاني أَنتِ مُسفرة
والجوُّ يحلِجةُ والقوسُ قَوْسُ قُزَحْ
فَالثَّلْجُ قُطْنُ عليه السُّحْبُ تَنْدِفُهُ(٣)
وله وقد دخل إلى حمّام ماؤها شديد الحرارة، وكان قد شاخ:
نُكابدُ مِنْهُ عَنَاءً ويُؤْسَا
أَری مَاء حَمَّامِكُم کالحَمِیمِ
فما بالكم تَسْمِطُون التُّيُوسَا
وَعَهْدي بكم تَسْمِطُونَ الجِداء(٤)
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٤/٤ - ٢٦) و«تاريخ الإسلام)) (٢٣٧/٦٢ -٢٣٨).
(٢) الزَّبَداني: بلدة كبيرة تقع إلى الشمال الغربي من دمشق، تبعد عنها قرابة (٤٥) كيلومتراً،
ذات طبيعة جميلة ومناخٍ معتدل، تنتج أصنافاً مختلفة من أجود أنواع الفواكه، ويقصدها
أغنياء أهل دمشق وغيرها من حواضر العرب للاصطياف. وانظر ((معجم البلدان)) (١٣٠/٣).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((مندفة)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)).
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((الجدي)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)).
١١٥

وله :
وَمَا نَهْنَهْتُ في طَلَبٍ ولكنْ
عَلَمَ تَحَرُّكي والحَظُّ سَاكِنْ
على حُرِّ تُؤخَّرهُ المَحَاسِنْ
أرى نَذْلاً تقدِّمهُ المساوي
توفي بدمشق ودفن بمقابر باب الصغير.
، وفيها صاحب الرُّوم الملك الغالب عز الدِّين كَيْكَاوُس بن كيخسرو
ابن قلج أرسلان السَّلْجُوقي، سلطان قُونية، وأَقْصرا، ومَلَطْيَة، وأخو السلطان
علاء الدِّين كَيْقُباذ(١). كان ظلوماً غشوماً سفَّاكاً للدماء، قيل: إنه مات فجأة
مخموراً فأخرجوا أخاه علاء الدِّين وملّكوه بعده، وذلك في شوال. قاله في
((العبر))(٢).
• وفيها ركن الدِّين أبو حامد محمد بن العميد الفقيه الحنفي
السمر قندي (٣)، مصنّف الطريقة العَمِيدية المشهورة. كان إماماً في الخلاف،
وشرح ((الإِرشاد)) وصنف كتاب ((النفائس)) وكان حسن الأخلاق، كثير
التواضع. توفي في جمادى الآخرة ببخاری.
· وفيها شهاب الدِّين عبد الرحمن بن عمر بن أبي نصر بن علي بن
عبد الدَّائم بن الغَزّالي البغدادي (٤) الحنبلي الواعظ أبو محمد.
ولد في جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وسمع الكثير
بإفادة أبيه وبنفسه من الحافظ ابن ناصر، وسعد بن البنا، وأبي بكر بن
الزَّاغوني، وأبي الوقت، وغيرهم. وعُني بهذا الشأن، وله في الخطّ طريقة
(١) في ((آ)) و((ط): ((كبعباد)) هكذا مهملة من دون تنقيط، والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام.
النبلاء)) (١٣٨/٢٢).
(٢) (٥٧/٥).
(٣) انظر ((العبر)) (٥٧/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٧٦/٢٢ - ٧٧ ٩٧ -٩٨).
(٤) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٠٦/٢).
١١٦

حسنة معروفة، ووعظ مدة، ومال إلى مدح الحلّج وتعظيمه، ولقد أخطأ في
ذلك.
قال ابن النجّار: سمعت بقراءته كثيراً وسمعت منه، وكان سريع القراءة
والكتابة، إلاّ أنه قليل المعرفة بأسماء المُحَدِّثينَ، وحَدَّثَ وسمع منه جماعة،
وأجاز المنذريَّ (١) وغيره، وروى عنه ابن الصَّيرفي، وتوفي يوم(٢) الثلاثاء
نصف شعبان ودفن بباب حرب.
● وفيها السلطان الملك العادل سيف الدِّين أبو بكر محمد بن الأمير
نجم الدِّين أيوب بن شاذي(٣).
ولد ببعلبك حال ولاية أبيه عليها، ونشأ في خدمة نور الدِّين مع أبيه،
وكان أخوه صلاح الدِّين يستشيره ويعتمد على رأيه وعقله ودهائه، ولم يكن
أحد يتقدم عليه عنده، ثم تنقلت به الأحوال واستولى على الممالك، وسلطن
ابنه الكامل على الدِّيار المصرية، وابنه المعظّم على الشام، وابنه الأشرف
على الجزيرة، وابنه الأوحد على خِلاَط، وابن ابنه المسعود على اليمن،
وكان ملكاً جليلاً سعيداً، طويل العمر، عميق الفكر، بعيد الغَوْر، جَمَّاعاً
للمال، ذا حِلْمٍ وسؤدد وبرِّ كثير، وكان يضرب المثل بكثرة أكله، وله نصيب
من صومٍ وصلاةٍ، ولم يكن محيّباً إلى الرّعية لمجيئه بعد الدولتين النَّورية
والصلاحية. وقد حَدَّث عن السِّلَفي، وخلّف سبعة عشر ابناً، تسلطن منهم
الكامل، والمعظّم، والأشرف، والصالح، وشهاب الدِّين غازي صاحب
مَيَّافَارقين، وتوفي في سابع جمادى الآخرة وله بضع وسبعون سنة.
(١) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((للمنذريِّ)).
(٢) لفظة ((يوم)) سقطت من ((ط)) وفي ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((ليلة)).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٧٤/٥ - ٧٩) و((العبر)) (٥٨/٥).
١١٧

سنة ست عشرة وستمائة
• فيها تحركت النَّار - وهم نوع من التُّرك مساكنهم جبال طغماج(١) من
نحو الصين، يسجدون للشمس عند طلوعها ولا يحرِّمُون شيئاً، ولا يُحْصَوْنَ
كثرةً - فخارت قوى السلطان خوارزم شاه، وتقهقر بين أيديهم ببلاد ما وراء
النهر، وانجفل الناسُ بخوارزم شاه وأمرت أُمُّه بقتل من كان محبوساً من
الملوك بخوارزم، وكانوا بضعة عشر نفساً، ثم سارت بالخزائن إلى قلعة ايلال
بمازَنْدَران، ووصل خوارزم شاه إلى همذان في نحو عشرين ألفاً، وتقوضت
أيامه .
· وفي أول العام خرَّب الملك المعظّم سور بيت المقدس خوفاً وعجزاً
من الفرنج أن تملكه، فشرعوا في هدم السور في أول يوم من المحرَّم، وضج
الناس، وخرج النساء المخدرات، والبنات، والشيوخ، والعجائز، والشباب
إلى الصخرة والأقصى، فقطعوا شعورهم وخرجوا هاربين، وتركوا أموالهم وما
شكّوا أن الفرنج يصبحوهم، فهرب بعضهم إلى مصر، وبعضهم إلى الكَرَك،
وبعضهم إلى دمشق، ومات خلق من الجوع والعطش، ونهبت الأموال التي
كانت لهم بالقدس، وأُبيع القنطار الزيت بعشرة دراهم، والرطل النحاس
بنصف درهم، وذم الناس الملك المعظم، فقال بعضهم:
(١) مدينة مشهورة كبيرة من بلاد النرك. انظر ((آثار البلاد وأخبار العباد)) ص (٤١١)
١١٨

فِي رَجَبِ حُلِّلَ المُحَرَّمُ (١)
واسْتَخْدَمَ القِبْطَ والنصَارى
وَأُخْرِبَ القُدْسُ فِي الْمُحَرِّمِ
وَبَعْدَ ذَا وزر المكرَّمِ
وقال مجد الدِّين قاضي الطّور:
على ما تَبَقِّى من رُبُوعٍ وأنجمٍ (٢)
مررتُ على القدسِ الشَّريفِ مُسَلِّماً
عَلى ما مضى من عصره (٣) المُتَقدِّمِ
فَفَاضَتْ دموعُ العَيْنِ مِنِّ صَبَابَةٌ
وشَمِّرَ عَنْ كَفِّيْ لئيمٍ مُذَمَّمِ
وقَدْ رَامَ عِلْجٌ أن يُعَنِّي رسُومهُ
فقلتُ لهُ شُلَّت يمينُكِ خَلِّها
المُعْتَبِرٍ أو سَائِلٍ أو مُسلِّمٍ
بنفسي وَهَذا الظُّنُّ فِي كُلِّ مُسلمٍ (٤)
فَلَوْ كَانَ يُفْدى بالنَّفوسِ فَدَيْتُهُ
· وفي شعبان أخذت الفرنج دِمْيَاط بعدما حُصِرَ أهلها ووقع فيهم
الوباء، وعجز الكامل عن نصرهم، فطلبوا من الفرنج الأمان وأن يخرجوا منها
بأهلهم وأموالهم في القَساقِسَة(٥) وحلفوا لهم على ذلك، ففتحوا لهم
الأبواب، فدخلوا وغدروا بأهلها، ووضعوا فيهم السيف، قتلاً وأسراً، وباتوا
في الجامع يَفْجُرُونَ بالنساء ويَفْتَضُّونَ البنات، وأخذوا المنبر والمصحف
وبعثوا بهما إلى الجزائر.
● وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن محمد بن سيّدهم الأنصاري
الدمشقي، المعروف بابن الهَرَّاس(٦). سمع من نصر الله المِصْيصي وغيره،
وتوفي في شعبان.
(١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى الحميا)) والتصحيح من ((تاريخ الإسلام)) (٢٤/٦٢).
(٢) في ((تاريخ الإسلام)): ((كأنجم)).
(٣) في ((تاريخ الإسلام)): ((عصرنا)).
(٤) رواية الشطرة الثانية في ((تاريخ الإسلام)):
وهذا صحيح الظَّنِّ في كلِّ مُسلم
(٥) جمع قَس، وهو رئيس من رؤساء النصارى في الدِّين والعلم، وكذا القسيس بكسر القاف.
انظر (مختار الصحاح)) (قسس).
(٦) انظر ((العبر)) (٦٠/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٢٦٠/٦٢).
١١٩

● وفيها أبو البشائر إسحاق بن هبة الله بن صالح(١) قاضي خِلاَط. كان
فقيهاً شافعياً عالماً، حسن الكلام في الوعظ والتذكير، من محاسن القضاة،
پرجع إلی دیْنٍ. قدم إربل وتوفي بها.
ومن شعره:
بدرٌ بوجهٍ على شمس الضُّحى سَادًا
قَالَ الهلالُ وعندي في مجالستي
وإن حبيناه أحياناً وأعيادا
ليس الهلالُ بمحبوبٍ لذي أُربٍ
وذَاكَ يُنْقِصُ عمري كُلّمَا زَادَا
هَذَا يَزِيدُ حياتي في مجالستي
• وفيها ابن مُلاعب زين الدِّين أبو البركات داود بن أحمد بن محمد
ابن منصور بن ثابت بن مُلاعب الأزَجي (٢) وكيل القضاة. روى عن الأرموي،
وابن ناصر، وطائفة. توفي في جمادى الآخرة بدمشق.
● وفيها رَيْحانُ بن ◌ِيْكان بن موسك الحَرْبي (٣) الضرير. مات في
صفر وله بضع وتسعون سنة. روى عن أحمد بن الطَّلَّية، والمبارك بن أحمد
الكندي.
• وفيها ستُّ الشام الخاتون أخت الملك العادل بنت أيوب (٤). كانت
عاقلة، كثيرة البرِّ والصدقة، بابها ملجأ للقاصدين، وهي أم حسام الدِّين،
وتزوّجها محمد بن شِيْركُوه صاحب حمص، وبنت لها مدرسةً وتربةً بالعونية
على الشرف الشمالي من دمشق، وأوقفت دارها قُبيل موتها مدرسة، وهي
التي إلى جانب المارستان النّوري، وأوقفت عليها أوقافاً كثيرةً، وتوفيت في
(١) انظر ((تاريخ الإِسلام)) (٢٦٢/٦٢).
(٢) انظر ((العبر)) (٦٠/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٢٦٥/٦٢ - ٢٦٦).
(٣) انظر ((العبر)) (٦٠/٥) و((تاريخ الإِسلام)) (٢٦٧/٦٢).
(٤) انظر ((العبر)) (٦١/٥) و((تاريخ الإسلام)) (٢٦٧/٦٢ - ٢٦٨).
١٢٠