Indexed OCR Text

Pages 481-500

الفَرَضي من أعيان المُحَدِّثين بدمشق وبها ولد. تفقّه على جمال الإِسلام بن
المسلم وغيره، وسمع من هبة الله بن الأكفاني وطبقته، ورحل إلى بغداد،
فسمع أبا علي بن البَاقَّرْحِي، وابن مَرْزُوق الزَّعْفَرَاني والكبار، وكتب الكثير،
وكان بصيراً بعقد الوثائق والسجلات، وتوفي في جمادى الأولى عن تسعين
سنة .
● وفيها موفق الدِّين خالد بن الأديب(١) البارع محمد بن نصر
القَيْسَرَاني أبو البقاء(٢) الكاتب، صاحب الخط المنسوب. كان صدراً نبيلاً
وافِرَ الحشمة، وزَرَ للسلطان نور الدِّين الشهيد، وسمع بمصر من عبد الله بن
رِفَاعة، وتوفي بحلب.
· وفيها أبو جعفر بن السّمين عبيد الله بن أحمد بن علي البغدادي
الورَّاق (٣) الحنبلي المقرىء المُحَدِّث الزاهد، نزيل الموصل.
ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وسمع الكثير من أبي منصور القزَّاز
وغيره، وتفقّه على أبي الحسن، وأبي بكر ابني الزَّاغوني، وغيرهما، وحَدَّث
بالكثير ببغداد والموصل، وكان صالحاً ثقةً ديِّناً صدوقاً، من أهل التقشف
والصلاح والنسك، يأكل من كسب يده، توفي في العشر الأخير من شهر
رمضان بالموصل، ودفن بتل توبه.
· وفيها أبو ياسر عبد الوهاب بن هبة الله بن أبي حَبَّة البغدادي
الطّحَّان(٤). روى عن ابن الحصين، وزاهر، وقَدِمَ حَرَّان، فورى بها ((المسند))
= في نسبته: ((الجَنْزي)) أيضاً نسبة إلى ((جَنْزَة)) بلدة من العجم، بين أذربيجان وإرمينية، وهي التي
يقال لها ((كنجة)).
(١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الوليد)) والتصحيح من ((العبر)).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٦٦/٤).
(٣) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (١٧٥/١).
(٤) انظر ((العبر)) (٢٦٦/٤ -٢٦٧) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٧/٢١ - ٢٢٩).
٤٨١

وكان فقيراً صبوراً، توفي في ربيع الأول عن اثنتين وسبعين سنة.
وحَبَّة : بياء موحدة.
• وفيها علي بن مكِّي بن جرَّاح بن علي البغدادي(١) الفقيه الحنبلي
الزاهد، أبو الحسن، تفقّه على أبي الفتح بن المنّي وأبي يعلى بن أبي
خازم، وبرع في الفقه، وأفتى وناظر، وكان زاهداً عابداً، توفي في حادي
عشري صفر ببغداد ودفن بمقبرة باب حرب.
· وفيها أبو الحسن علي بن أبي العزّ بن عبد الله البَاجَرّائي - بفتح
الموحدة والجيم، وتشديد الراء، نسبة إلى باجرًا قرية بالجزيرة(٢) - الفقيه
الحنبلي الزاهد.
كان يسكن بمدرسة الشيخ عبد القادر، وسمع الكثير من أبي الوقت،
وابن البطي، وغيرهما، وحَدَّث باليسير، وسمع منه جماعة من الفقهاء، وكان
صالحاً ورعاً متديناً، ذا عبادةٍ وزهدٍ، وجمعَ كِتَاباً في تفسير القرآن الكريم في
أربع مجلدات، وتوفي ليلة الخميس حادي عشر ذي القعدة، ودفن بباب
حرب .
• وفيها الأمير سيف الدِّين المشطوب، مقدَّم الجيوش، علي بن أحمد
ابن صاحب قلاع الهكّارية أبي الهيجاء الهكّاري(٣)، نائب عكا. لما أخذت
الفرنج عكا أسروه، ثم اشتُرِي بمبلغٍ عظيمٍ، وكان شجاعاً صابراً في
الحرب، مطاعاً في قبيلته، دخل مع أسد الدِّين شيركوه إلى مصر، وشهد
فتحها، وأقطعه السلطان نابلس، فجار نوابه على أهلها فشكوا إلى السلطان
(١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٧٨/١).
(٢) وفي ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((الباجسرائي)) وهي نسبة إلى ((باجسرا)) قرية كبيرة بنواحي
بغداد. انظر ((الأنساب)) (١٧/٢).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٦٧/٤).
٤٨٢

وهو مارٌ بهم واستغاثوا، فقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: يتظلمون من ابن المشطوب
وأصحابه، وهو راكب بين يديه، فقال له السلطان: لو كان هؤلاء يدعون لك
هيهات أن يسمع الله، فكيف وهم يدعون عليك؟ ثم أقطعه صلاح الدِّين
القدس، فتوفي بها في شوال، وكان ابنه عماد الدِّين بن المشطوب من كبراء
الأمراء بمصر.
● وفيها راشد الدِّين أبو الحسن سِنَان بن سَلْمَان(١)، مُقَدَّم
الإِسماعيلية، وصاحب الدعوة بقلاع الشام، وأصله من البصرة.
قدم إلى الشام في أيام نور الدِّين الشهيد، وأقام في القلاع ثلاثين
سنة، وجرت له مع السلطان صلاح الدِّين وقائع وقصص، ولم يعط طاعة
قطّ، وعزم السلطان على قصده بعد صلح الفرنج، وكان قد قرأكتب الفلسفة والجدل.
قال المنتجب: أرسلني السلطان إلى سِنَان مقدَّم الإِسماعيلية ومعي
القطب النيسابوري، وأرسل معنا تخويفاً وتهديداً فلم يجبه، بل كتب على
طُرَّة كتاب السلطان :
لا قَامَ مَصْرَعُ جنبي حين تَصْرَعُهُ
يَا ذَا الذي بِقِرَاعِ السيفِ هَدَّدني
وكَشَّرَتْ لأسودِ الغَابِ أَضبُعُهُ
قام الحَمَامُ على البازي يُهدِّدُهُ(٢)
فَإِنْ رَضِيْتَ وإلّ سوفَ نَنْزِعُهُ
إنّا مَنَحْنَاكَ عُمراً كي تعيشَ بِهِ
يكفيهِ مَاذا تلاقي منهُ أصبعهُ
أضحى يسدُّ فم الأفعى بأصبعهِ
(١) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٨٢/٢١ - ١٩٠) و((دول الإِسلام)) (١٠٠/٢) وفيهما مات سنة
(٥٨٩) وراجع ما كتبه العلامة الزركلي في هامش ترجمته من كتابه ((الأعلام)) (١٤١/٣) فهو
مفيد نافع.
(٢) رواية هذه الشطرة في ((سير أعلام النبلاء)):
جاء الغُرابُ إلى البازي يهدده
ولكنها أدرجت في سياق الكلام النثري والأصح أن تفصل في سطر مستقلٍ وأن تثبت نقط
مكان الشطرة الثانية من البيت ويثبت قول المؤلف: ((وذكر الأبيات)) في سطر مستقل، ثم
يثبت قوله: «وقال: هذا جوابه الخ)» في سطر جديد.
٤٨٣

ثم كتب بعد الأبيات خطبة بليغة مضمونها عدم الخوف والطاعة، فلما
يئس صلاح الدِّين منه، جنح إلى صلحه فصالحه، ودخل في مرضاته.
قال اليونيني في ((تاريخه)): إن سناناً سيََّ رَسُولاً وأمره أن لا يؤدي
رسالته إلّ خلوة، ففتشه السلطان صلاح الدِّين فلم يجد معه ما يخافه، فأخلى
له المجلس إلّ نفراً يسيراً، فامتنع من أداء الرسالة حتّى يخرجوا، فخرجوا
كلهم غير مملوكين صغيرين، فقال: هات رسالتك، فقال: أُمِرْتُ أن لا أقولها
إلّ في خلوة، فقال: هذان ما يخرجان، قال: ولم؟ قال: لأنهما مثل
أولادي، فالتفت الرسول إليهما وقال: إذا أمرتكما عن مخدومي بقتل هذا
السلطان تقتلانه؟ قالا: نعم. وجذبا سيفهما، فبهت السلطان، وخرج الرسول
وأخذهما معه، فجنح صلاح الدِّين إلى الصلح وصالحه ودخل في مرضاته.
انتهى .
• وفيها قِلج أرسلان بن مسعود بن قِلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش
ابن إسرائيل بن سلجوق بن دُقَّاق التُّركي السلجوقي(١) صاحب الرُّوم، وحمو
الناصر لدين الله. امتدت أيامه وشاخ وقويت(٢) عليه أولاده وتصرفوا في
ممالكه في حياته، وهي قُونية، وأَقسر، وسِيوَاس، وملطية، وعاش سلطاناً
أكثر من ثلاثين سنة، وتملّك بعده ابنه غياث الدِّين.
• وفيها ابن مُجْبَر (٣) الشاعر أبو بكر بن يحيى بن عبد الجليل الفِهْرِي
ثم الإِشبيلي، صاحب الأندلس في عصره، وهو كثير القول في يعقوب بن
يوسف بن عبد المؤمن.
(١) انظر ((العبر)) (٢٦٧/٤) و((دول الإِسلام)) (١٠٠/٢) و((النجوم الزاهرة)) (١١٧/٦).
(٢) في ((العبر)) بطبعتيه: ((وقوي)).
(٣) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((ابن مجير)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) (٢١٥/٢١)
و «فوات الوفيات)) (٢٧٥/٤) و((نفح الطيب)) (٢٣٧/٣).
٤٨٤

· وفيها أبو المُرْهَف وأبو الفتح أيضاً، نصر بن منصور بن الحسن
النُّمَيْري(١) الأديب الشاعر الحنبلي .
ولد يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة
بالرافقة بقرب رقَّة الشام، وكان من أولاد أمراء العرب. نشأ بالشام وخالط
أهل الأدب، وقال الشعر الفائق وهو مراهق، وأصابه جدري، وله أربع عشرة
سنة فضعف بصره حتَّى كان لا يبصر إلّ ما قرب منه، ثم قدم بغداد لمعالجة
بصره، فأيس(٢) الأطباء منه، فعمي، وأقام ببغداد، وسكن باب الأزج،
فحفظ القرآن العظيم، وسمع الحديث من أبي الحصين، والقاضي أبي بكر،
وابن ناصر، وغيرهم، وتفقّه وقرأ العربية والأدب على ابن الجواليقي،
وصحب العلماء والصالحين، كالشيخ عبد القادر وغيره، ومدح الخلفاء
والوزراء، وله ديوان شعر حَدَّث به، وكان فصيح القول، حسن المعاني، ذا
دينٍ وصلاح وتصلب في السُّنَّة، وسمع منه القطيعي وغيره، وروى عنه
جماعة .
ومن شعره - وقد سئل عن مذهبه واعتقاده -:
ولا أَجْحَدُ الشيخينِ حَقَّ الَّقَدُّمِ
أُحِبُّ علياً والبَّتُولَ وَوُلْدَهَا
كَمَا كُنْتُ أَبْرا مِنْ وَلاءِ ابنِ مُلْجَمِ
وَأَبْرَأُ مِمَّنْ نَالَ عُثْمَانَ بَالأَذَّى
فَلَسْتُ إلى قومٍ سِوَاهم بمنتمِي(٣)
ويُعْجِبُني أهلُ الحَدِيثِ بِصِدْقِهِم
(١) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢١٣/٢١ - ٢١٤) و((البداية والنهاية)) (٣٥٣/١٢) و((النجوم
الزاهرة)» (١١٨/٦) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٧٤/١) - ٣٧٦).
(٢) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((فآيسه)).
(٣) كذا هي الشطرة الثانية من البيت في ((أ)) و((ط)) و((البداية والنهاية)) و((ذيل طبقات الحنابلة)).
وفي ((سير أعلام النبلاء)):
مدى الدهر في أفعالهم والتكلّمِ
٤٨٥

ومن شعره أيضاً:
فلَمْ أَرَ كاعتقادِ الحَنْبَليِّ
سَبَرْتُ شَرَائِعَ العُلماءِ طُرَّاً
تَكُن أبداً على النهج السَّوِيِّ
سِوىُ القُرآنِ والنَّصِ الجَليِّ
فَكُن مِنْ أَهْلِهِ سِرًّا وجهراً
هُمُ أَهْلُ الحديثِ وَمَا عَرَفْنَا
ومنه أيضاً:
م قِلَّةُ إنصافٍ مَنْ يُصْحَبُ
وزَهَّدني في جميعِ الأنا
وطُلسُ الذئابِ إذا جُرِّبُوا
هُمُ النَّاسُ ما لم تجرِّبهم
دِ منهم، فَكيفَ إذا قُرِّبوا (١)
وَلَمْ تَكُ تَسلَمُ عِنْدَ البِعَا
توفي يوم الثلاثاء ثامن عشري ربيع الآخر، ودفن من الغد بمقبرة الإِمام
احمد .
(١) في ((آ)) و((ط)): ((إذا تقرَّبوا)) وما أثبته من ((سير أعلام النبلاء)).
٤٨٦

سنة تسع وثمانين وخمسمائة
وتسمى سنة الملوك.
· فيها توفي بُكتمر السلطان سيف الدِّين صاحب خِلاط، توفي في
جمادى الأولى، وكان فيه دينٌ وإحسان إلى الرَّعية، وله همَّة عالية، ضرب
لنفسه الطبل في أوقات الصلوات الخمس، قتله بعض الإِسماعيلية. قاله في
((العبر))(١).
• وفيها صاحب مَّة داود بن عيسى بن فُلَيْتَة بن أبي هاشم العَلَوي
الحَسني(٢)، وكانت مكّة تكون له تارة ولأخيه مُكَثِّر تارة.
• وفيها محمود سُلطان شاه أخو الملك علاء الدِّين خوارزم شاه ابنا
أرسلان بن محمد الخوارزمي(٣). تملّك بعد أبيه سنة ثمان وسبعين، ثم
قوي عليه(٤) أخوه وحاربه، وتنقّلت به الأحوال، ثم وثب على مدينة مَرو،
وكان نظيراً لأخيه في الجلالة والشجاعة، دفع الغُزّ عن مَرو، ثم تجمعوا له
وحاربوه وقتلوا رجاله ونهبوا خزائنه، فاستعان على حربهم بالخِطَا، وجاء
(١) (٢٦٨/٤) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٧٧/٢١ - ٢٧٨).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٦٨/٤) و((العقد الثمين)) (٣٥٤/٤ - ٣٥٦).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٦٨/٤ - ٢٦٩) و((سير أعلام النبلاء)) (٢١٨/٢١ - ٢١٩).
(٤) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((على)) والتصحيح من ((العبر)) بطبعتيه.
٤٨٧

بجيشٍ عرمرمٍ، واستولى على مملكة مرو، وسرخس، ونسا، وأبيورد،
ووردت الخِطًا بمكاسب عظيمة من مال المسلمين، ثم أغار على بلاد
الغوري، وظلم وعسف، ثم التقى هو والغوريّة فهزموه، ووصل إلى مرو في
عشرين فارساً، وجرت له أمور طويلة، وتوفي في سلخ رمضان.
• وفيها الحَضْرَمي قاضي الإِسكندرية أبو عبد الله محمد بن
عبد الرحمن بن محمد(١) المالكي(٢). روى عن محمد بن أحمد الرَّازي
وغيره.
· وفيها صاحب الموصل السلطان عز الدِّين مسعود بن مودود بن أتابك
زنكي بنِ آق سُنْقُر.
قال ابن الأثير(٣): بقي عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وبالتلاوة،
ورزق خاتمة خير، وكان كثير الخير والإِحسان، يزور الصالحين ويقرِّبهم
ويُشَفِّعَهُم، وفيه حلمٌ وحياءٌ ودینٌ. انتهى .
ودفن بمدرسته التي أنشأها بالموصل تجاه دار السلطنة، وتمكن بعده
ولده نور الدِّين.
• وفيها السلطان صلاح الدِّين الملك الناصر أبو المظفّر يوسف بن أيوب بن
شاذي بن مروان بن يعقوب الدُّوِيني الأصل (٤) أول دولة الأكراد وملوكهم.
قال ابن خَلِّكان(٥): اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من دُوِيْن
(١) قوله: ((ابن محمد)) سقط من ((آ)).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٦٩/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٢١٦/٢١ - ٢١٧).
(٣) انظر ((الكامل)) لابن الأثير (١٠١/١٢ - ١٠٢).
(٤) انظر ((الكامل)) لابن الأثير (٩٥/١٢ -٩٧) و((العبر)) (٢٧٠/٤) و((سير أعلام النبلاء))
(٢٧٨/٢١ - ٢٩١).
(٥) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٣٩/٧).
٤٨٨
٠٠٩

- بضم الدال المهملة وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون،
وهي بلدة في آخر عمل أذربيجان من جهة أرَّان وبلاد الكَرَج(١) - وإنهم أكْرَادٌ
رَوَاديّة - بفتح الراء والواو وبعد الألف دال مهملة ثم ياء مثناة من تحتها مشددة
وبعدها هاء، والرَوَادِيه بطن من الفَذَّانِّهِ(٢) بفتح الفاء والذال المعجمة، وبعد
الألف نون مكسورة ثم ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء(٣)، قبيلة كبيرة
من الأكراد- انتهى .
وقال الذهبي: هو تكريتيُّ المولد. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة،
وكان أبوه شحنة تكريت، ملك البلاد ودانت له العباد، وأكثر من الغزو
وأطاب، وكسر الفرنج مرَّات، وكان خليقاً بالملك، شديد الهيبة، محبباً إلى
الأمة، عالي الهِمَّة، كامل السؤدد، جمَّ المناقب، ولي السلطنة عشرين سنة،
وتوفي بقلعة دمشق في السابع والعشرين من صفر، وارتفعت الأصوات في
البلد بالبكاء، وعظم الضجيج، حتَّى إن العاقل يتخيل أن الدُّنيا كلها تصيح
صوتاً واحداً، وكان أمراً عجيباً، فرحمه الله ورضي عنه. انتهى.
وقال ابن شهبة في ((تاريخ الإِسلام)): كان شجاعاً، سمحاً، جواداً،
مجاهداً في سبيل الله، يجود بالمال قبل الوصول إليه، وكان مغرماً بالإِنفاق
في سبيل الله، وما كان يلبس إلّ ما يحل له لبسه، ومن جَالَسَهُ لا يعلم أنه
جليسُ سلطانٍ، وكان شديد الرغبة في سماع الحديث. ادعى رجل عليه أن
سنقر الخِلاطي مملوكه مات على رِقُّه، فتزحزح عن طرَّاحته وساواه في
(١) تحرفت في ((آ)) و((ط) إلى ((الكرد)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) والكرج: مدينة بين
همذان وأصبهان. انظر («معجم البلدان)».
(٢) كذا في ((آ) و((ط)) وفي هامش ((ط)) علّق الأستاذ حسام الدِّين القدسي رحمه الله بقوله: في
ابن خلكان: ((الهذانية)) وأما في ((وفيات الأعيان)) الذي بين يدي فاللفظة طبعت على هذا
النحو: ((الهذبانية)) فلتحرر.
(٣) لفظة ((هاء)) سقطت من ((آ)).
٤٨٩

و
الجلوس، وادعى الرجل، فرفع السلطان رأسه وقال: لمن تعرفون سنقر؟
قالوا: نشهد أنه مملوكك مات على رِقُّكَ، ولم يكن للرجل بيَّةٌ فأسقط في
يده، ثم إن السلطان وهب له خِلْعَةً ونفقةً وبغلةً.
وما شتم أحداً قطُّ، ولا كتب بيده ما فيه أذى مسلم، وكان الحُجَّاب
يزدحمون على طرَّاحته، فجاء سنقر الخِلاطي وقدَّم له رُفْعَةً (١) يُعَلّم عليها،
وكان السلطان قد مَدّ يده اليمنى على الأرض ليستريح، فداس عليها سنقر
ولم يعلم، وقال له: عَلَّم لي على هذه القصة، وكرر القول، والسلطان لا يرد
عليه، فقال له السلطان: أُعلِّمُ بيدي أو برجلي؟ فنظر سنقر فرأى يد السلطان
تحت رجله، فخجل، وتعجب الحاضرون من حلمه.
وأول ما فتح الدِّيار المصرية، والحجاز، ومكَّة، والمدينة، واليمن من
زَبِيد إلى حضرموت، متصلاً بالهند، ومن الشام: دمشق، وبعلبك، وحمص،
وبانياس، وحلب، وحماة. ومن الساحل: بلاد القدس، وغزة، وتل الصافية،
وعسقلان، ويافا، وقيسارية، وحيفا، وعكا، وطبرية، والشَّقِيفَ، وصفد،
وكوكب، والكرك، والشَّوبَك، وصيدا، وبيروت، وجَبَلَة، واللّذقية، والشُّغْر،
وصِهْيَوْن، وبلاطُنُسَ، ومن الشرق حَرَّان، والرُّهَا، والرَّقَّة، ورأس عين،
وسِنْجَار، ونَصِيْبِين، وسُرُوج، وديار بكر، ومَيَّفَارِقين، وآمد، وحصونها،
وشهرزور، ويقال: إنه فتح ستين حصناً، وزاد على نور الدِّين بمصر،
والمغرب، والحجاز، واليمن، والقدس، والساحل، وبلاد الفرنج،
وديار بكر، ولو عاش لفتح الدُّنيا شرقاً وغرباً، وبُعداً وقُرباً، ولم يبلغ ستين
سنة، وكذا نور الدِّين، وكان له ستة عشر ولداً ذكراً وبنت واحدة، وأكبرهم
الأفضل علي، وابنته مؤنسة خاتون، تَزَوَّج بها الكامل بن العادل، وبنى
الملك الأفضل قبةً شمالي الجامع الأموي في جواره شباك إلى الجامع ونقله
(١) لفظة ((رقعة)) سقطت من ((آ)).
٤٩٠

إليها في يوم عاشوراء، سنة اثنتين وتسعين، ومشى الأفضل بين يدي تابوته،
وأراد العلماء والفقهاء حمله على أعناقهم، فقال الأفضل: تكفي أدعيتكم
الصالحة، وحمله مماليكه وأُخرج من القلعةِ وأُدخل إلى (١) الجامع، ووضِعَ
قُدَّام باب النسر، وصلَّى عليه القاضي محيي الدِّين بن الزَّكي، ثم حمل على
الرؤوس إلى بطن ملحده، ثم لحده الأفضل وجلس ثلاثة أيام للعزاء،
وأنفقت ستَّ الشام أخت السلطان في هذه الأيام أموالاً عظيمة، وقد رأى
بعض الصالحين النّبِيَّ - رَّ ـ في جماعة من أصحابه رضي الله عنهم وقد
زاروا قبر صلاح الدِّين، ولما مات اختلفت أخوته، وطمع الفرنج فأخذوا
جُبيلا حاصروها وبها جماعة من الأكراد فباعوها للفرنج. انتهى ما أورده ابن
شهبة ملخصاً.
• وفيها أبو المُظَفَّر مَنْصُور بن المُبَارَك الواعظ، الملقب جَرَادَةٍ(٢). كان
ظريفاً كَيِّساً. ذكر يوماً في وعظه حديث: ((مَنْ قَتَلَ حَيَّةٌ كَانَ لَهُ قِيْرَاطَانٍ مِنَ
الأَجْر، وَمَنْ قَتَلَ عَقْرَبَا كَانَ لَهُ قِيْرَاطُ)) (٣) فقام رجل فقال: يا سيدي، ومن قتل
جَرَادَة؟ قال: صُلِبَ عَلى باب المسجد.
١
(١) لفظة ((إلى)) سقطت من ((آ)).
(٢) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (١٩٧/١).
(٣) ذكره سبط ابن الجوزي في ((مرآة الزمان)) (٢٧٢/٨) في معرض ترجمته ولم يعزه لأحد، ولم
أجده بهذا اللفظ، وفي معناه حديث ((من قتل حيةً فكأنما قتل كافراً)) ذكره الخطيب البغدادي
في ((تاريخ بغداد)) (٢٣٤/٢) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وإسناده ضعيف،
وانظر ((ميزان الاعتدال)) للحافظ الذهبي (٤٩٢/٤ و٤٩٣).
٤٩١

سنة تسعين وخمسمائة
● فيها سار بنارس أكبر ملوك الهند، وقصد الإِسلام، فطلبه
شهاب الدِّين الغُوري، فالتقى الجمعان على نهر ماحون(١).
قال ابن الأثير(٢): وكان مع الهنديّ سبعمائة فيلٍ، ومن العسكر على
ما قيل ألف ألف نفسٍ ، فصبر الفريقان، وكان النصر لشهاب الدِّين، وكثر
القتل في الهنود، حتّى جافت منهم الأرض، وأخذ شهاب الدِّين تسعين فيلاً
وقتل بنارس ملك الهند، وكان قد شدَّ أسنانه بالذهب، فما عرف إلّ بذلك،
ودخل شهاب الدِّين بلاد بنارس وأخذ من خزانته ألفاً وأربعمائة حملٍ ، ومن
جملة الفيلة فيل أبيض حَدَّثني من رآه.
· وفيها توفي القَزْوِيني العَلَّمة رضي الدِّين أبو الخير أحمد بن
إسماعيل بن يوسف الطَّالْقَاني، الفقيه الشافعي الواعظ.
ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وتفقّه على الفقيه ملكداذ
العُمَرَكِيّ (٣)، وقرأ بالرِّوايات على إبراهيم بن عبد الملك القَزْوِيني، وفاق
(١) كذا في ((آ)) و((ط)) و((العبر)) (٢٧٠/٤) وفي ((الكامل)) لابن الأثير (١٠٥/١٢): ((نهر ماجون))
وفي ((سير أعلام النبلاء)) (٢١٥/٢٢): ((نهر ماخون)).
(٢) انظر ((الكامل في التاريخ)) (١٠٥/١٢ - ١٠٦) وقد نقل المؤلف عنه بتصرف تبعاً للذهبي في
((العبر)).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((ملكدار القزويني)) وهو خطأ، وتحرفت ((ملكداذ)) في ((العبر)) بطبعتيه إلى
((ملكدار)) وما أثبته من ((سير أعلام النبلاء)) (١٩١/٢١).
٤٩٢

الأقران، وسمع من الفُرَاوي، وزاهر [الشّحَاميّ](١) وخلق، ثم قدم بغداد قبل
الستين ودرَّس بها ووعظ، ثم قدمها قبل السبعين، ودرَّس بالنظامية، وكان
إماماً في المذهب، والخِلاف، والأصول، والتفسير، والوعظ، وروى كتباً
كباراً، ونفق كلامه على الناس لحسن سمته، وحلاوة منطقه، وكثر
محفوظاته، وكان صاحب قدمٍ راسخ في العبادة، عديم النظير، كبير الشأن،
رجع إلى قَزْوِين سنة ثمانين ولزم العبادة إلى أن مات في المحرم.
قال ابن شهبة(٢): صنَّف كتاب ((البيان في مسائل القرآن)) رداً على
الحلولية(٣) والجهمية، وصار رئيس الأصحاب، وكان يتكلم يوماً وابن
الجوزي يوماً، ويحضر الخليفة من وراء الأستار، وتحضر الخلائق والأمم.
انتھی .
• وفيها طُغْرل بك شَاه بن أرسلان شاه بن طُغْرُل بك بن محمد شاه
السَّلجوقي (٤) السلطان، صاحب أذربيجان. طلب السلطنة من الخليفة، وأن
يأتي بغداد ويكون على قاعدة الملوك السلجوقية سوى صاحب الرُّوم، وكان
سفاكاً للدماء، قتل خلقاً كثيراً.
قال السبط: رأيته وكأن وجهه القمر، ولم يُرَ في زمانه أحسن صورةً
منه، قصده خوارزم شاه والتقيا على الرَّيِّ، فجاءته نشّابة في عينه فضربه
مملوك له بالسيف فقتله وقطع رأسه، وحمله إلى خوارزم شاه، وهو آخر
[الملوك](٥) السلجوقية، وعدتهم نيف وعشرون ملكاً، ومدة ملكهم مائة وستون
سنة .
(١) زيادة من ((سير أعلام النبلاء)).
(٢) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢٨/٢ - ٢٩).
(٣) تحرفت في ((آ)) إلى ((الحولية)).
(٤) انظر ((العبر)) (٢٧٢/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٧/٢١ -٢٦٨).
(٥) ما بين حاصرتين تكملة من ((مرآة الزمان)) (٢٨٤/٨) و((سير أعلام النبلاء)).
٤٩٣

● وفيها عبد الخالق بن فيروز الجَوْهَري الهَمَذَاني الواعظ، أكثر
الترحال، وروى عن زاهر والفراوي وطائفة، ولم يكن ثقةً ولا مأموناً. قاله في
((العبر))(١).
• وفيها عبد الوهّاب بن علي القرشي الزّبيري الدمشقي الشّروطي،
ويعرف بالحَبَقْبَق، والد كريمة. روى عن جمال الإِسلام أبي الحسن السّلمي
وجماعة، وتوفي في صفر.
• وفيها الشَّاطبي أبو محمد القاسم بن فِيْرُه - بكسر الفاء وسكون
التحتية وتشديد الراء المضمومة، معناه بالعربي الحديد - بن أبي القاسم
خلف بن أحمد الرُّعَيْني - بضم الراء وفتح العين المهملة وسكون المثناة
التحتية وبعدها نون، نسبة إلى ذي رُعين، أحد أقيال اليمن - الشَّاطبي الضرير
المقرىء، صاحب القصيدة التي سمّاها ((حرز الأماني ووجه التهاني)) في
القراءات وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتاً، ولقد أبدع فيها كل الإِبداع،
وهي عمدة قرّاء هذا الزمان في نقلهم، ولم يسبق إلى أسلوبها. رُوي عنه أنه
كان يقول: لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلّ وينفعه الله عزَّ وجل، لأنني نظمتها
لله تعالى مخلصاً في ذلك، ونظم قصيدة دالية خمسمائة بيت، من حفظها
أحاط علماً بكتاب ((التمهيد)) لابن عبد البرّ، وكان عالماً بكتاب الله تعالى،
قراءةً، وتفسيراً، وبحديث رسول الله - وَّ - مبرزاً فيه، وكان إذا قُرىء عليه
((صحيح)) البخاري ومسلم، و((الموطأ)) يصحح النسخ من حفظه ويملي
النُّكَت على المواضع المُحْتَاج إليها، وكان أوحد في علم النحو واللغة، عارفاً
بعلم الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصاً فيما يقول ويفعل. قرأ القرآن العظيم
بالروايات على ابن هُذَيل الأندلسي وغيره، وسمع الحديث من ابن سعادة
(١) (٢٧٢/٤) وانظر ((ميزان الاعتدال)) (٥٤٣/٢) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٤٣/٢١).
٤٩٤

وغيره، وانتفع به خلق كثير، وكان يتجنب فضول الكلام، ولا ينطق في سائر
أوقاته إلّ بما تدعو إليه ضرورة، ولا يجلس للإِقراء إلّ على طهارة في هيئة
حسنةٍ، وتَخَشِّعٍ واستكانةٍ، وكان يعتل العلّة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه،
وإذا سئل عن حاله قال: العافية، لا يزيد على ذلك، وكان كثيراً ما ينشد هذا
اللغز في نعش الموتى :
إذا سار صاحَ النَّاسِ حيثُ يسيرُ
أَتَعْرِفُ شيئاً في السماءِ نظيرهُ
وَكلُّ أميرٍ يعتليهِ أسيرُ
فَتَلقاهُ مَركوباً وتلقاه رَاكباً
وتنفِر منهُ النفسُ وهو نذيرُ
يحضُّ على التَّقوىُ ويكره قُربهُ
ولكن على رغم المزورِ يَزورُ
ولم يُستزر عن رغبةٍ في زيارةٍ
وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وكان ثقةً في نفسه، وتوفي
في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة، ودفن بتربة القاضي الفاضل
بالقرافة، وقبره مشهورٌ مَزور، وكان شافعي المذهب كما ذكره ابن شهبة في
(طبقاته))(١).
• وفيها أبو مَذْيَن الأندلسيّ (٢) الزاهد العارف شيخ أهل المغرب،
شُعَيب بن الحسين، سكن تِلِمْسان، وكان من أهل العمل والاجتهاد، منقطع
القرين في العبادة والنسك، بعيد الصيت، ويسميه الشيخ محبي الدِّين بن
عربي بشيخ الشيوخ، ونشر الله ذكره، وتخرَّج به جماعة من الفضلاء، كأبي
عبد الله القُرشي وغيره، وانتهى إليه كثير من العلماء المحقّقين وفضلاء
الصالحين، كابن عربي، وله في الحقائق كلام واسع.
ومن شعره:
يَا مَنْ علا فَرَأَىْ مَا في الغيوب وما تحت الثَّرى وظلامُ الليل منسدلُ
(١) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٤٣/٢ - ٤٥).
(٢) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢١٩/٢١ - ٢٢٠).
٤٩٥

أَنتَ الدَّليلُ لمن حَارَتْ بِهِ الحِيَلُ
أَنْتَ الغِيَاثُ لمن ضَاقَتْ مَذَاهبهُ
والكُلُّ يدعوكَ ملهوفٌ ومبتهلٌ
إنَّا قصدناكَ والآمالُ واثقةٌ
وإنْ سَطَوْتَ فَأنتَ الحَاكِمُ العَدْلُ
فإن عفوتَ فذُو فضلٍ وذُو كرمٍ
طلبه سلطان المغرب، فلما وصل إلى تِلِمْسان قال: ما لنا وللسلطان،
نزور الإِخوان، ثم نزل واستقبل القِبْلَةَ وتَشَهَّدَ وقال: ها قد جئت ها قد جئت
﴿وَعَجِلتُ إليكَ رَبّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] فمات، ودفن في جَبَّانة العُبَّاد،
وقد قارب الثمانين، وقبره بها مشهور مزور.
• وفيها ابن الفَخَّار أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن خلف الأنصاري
المالِقي (١) الحافظ، صاحب أبي بكر بن العربي. أكثر عنه، وعن شريح
وخلق، وكان إماماً ثقةً مأموناً معروفاً يسرد المتون والأسانيد، عارفاً بالرجال
واللغة، جليل القدر، طلبه السلطان ليسمع منه بمرَّاكش فمات بها في شعبان
وله ثمانون سنة.
● وفيها محمد بن عبد الملك بن بُوْنَة العَبْدَري(٢) المَالِقِي، ابن البيطار
نزيل غَرْنَاطة، وآخر من روى بالإِجازة عن أبي علي بن سُكّرة. سمع أبا
محمد بن عَتَّاب، وأبا بحر بن العاص، وعاش أربعاً وثمانين سنة .
• وفيها فخر الدِّين بن الدَّهَّان محمد بن علي بن شعيب البغدادي
الفرضي (٣) الحاسب الأديب، النحوي الشاعر، جال في الجزيرة، والشام،
ومصر، وصنّف الفرائض على شكل المنبر، فكان أول من اخترع ذلك، وله
((تاريخ)) (٤) وألَّفَ كتاب ((غريب الحديث)) في مجلدات، وصنّف في النجوم،
(١) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٢٠٩/١ - ٢١٠) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٤١/٢١ - ٢٤٣).
(٢) في ((آ)) و((ط)) ((ابن بويه الغندري)) وهو تصحيف والتصحيح من ((العبر)) (٢٧٤/٤).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٧٤/٤).
(٤) تحرفت في ((آ)) إلى ((تاريخاً)).
٤٩٦

والزيج، وكان أحد أذكياء العالم، مات فجأة بالحلّة.
· وفيها مصلح الدِّين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن محمد
ابن عبد الله ابن عبد الملك الأصبهاني الحَمّامي (١) الحنبلي العابد الأديب
الجورتاني - نسبة إلى جُورتان(٢) من قرى أصبهان -.
ولد سنة خمسمائة في رجب، وسمع من أبي علي الحداد وغيره.
قال ابن النجّار: كان فقيهاً فاضلاً كامل المعرفة بالأدب، وأكثر أدباء
أصبهان من تلامذته، وكان متديناً حسن الطريقة صدوقاً. انتهى.
وكان يقول لما بلغ عقد الثمانين: أسأل الله تعالى أن يمهلني إلى
التسعين، وأن يوفقني كل يوم لختمة، فاستجيبت دعوته.
وقال ابن النجار: سمعت أبا البركات الرُّوَيْدَشتيّ(٣) بأصبهان يقول: توفي
محمد بن أحمد الحنبلي - يعرف بالحمامي - أستاذ الأئمة يوم الأربعاء ثالث
عشر شهر ربيع الآخر.
وقال ابن رجب: توفي قبله بيسير ولده أبو بكر أحمد، وكان سمع سعيد
ابن أبي الرجاء وغيره، وكان يلقب أمين الدِّين. انتهى.
• وفيها أبو عبد الله، ويقال أبو الفتح، محمد بن عبد الله بن الحسين
ابن علي بن أبي طلحة نصر بن أحمد بن محمد بن جعفر البَرْمَكي الهَرَوي
الإِشْكِيذبَاني - بكسر الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وكسر الكاف،
وسكون الياء التحتية، وفتح الذال المعجمة وبعدها باء موحدة مفتوحة، وبعد
(١) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٢٠٤/١ - ٢٠٥) و((ذيل تاريخ بغداد)) لابن الدبيثي
(١٢٩/١ - ١٣١) و((الوافي بالوفيات)) (١٠٨/٢) و((ذيل طبقات الحنابلة))
(٣٨٠/١ -٣٨١).
(٢) انظر ((معجم البلدان)) (١٨٠/٢).
(٣) تحرفت في ((آ)) إلى ((الدويسي)) وفي ((ط)) إلى ((الدويدسي)) والتصحيح من ((ذيل طبقات
الحنابلة)) و ((معجم البلدان)) (١٠٥/٣).
٤٩٧

الألف نون. قاله المنذري(١) - كان حنبلياً مُحَدِّثاً، نزل مكَّة، فكان عظيم
الحنابلة بها.
ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وسمع بهمذان من أبي الوقت،
وأبي الفضل بن حمَّان(٢) وغيرهما، وببغداد من ابن النحّاس وغيره، وبمصر
من أبي الطاهر الزيّات، وبالإِسكندرية من الحافظ السِّلفي، وحَدَّث بمكة،
ومصر، والإِسكندرية، وأقام بمكة في آخر عمره وأَمَّ بها في موضع الحنابلة.
قال ابن الحنبلي ناصح الدِّين: سمعت منه بقراءته جزءاً بمكة، وكان
في عزمي أنني أدخل اليمن، وقد هيأت هديةً لصاحبها من طرف دمشق،
فاستشرته فقال: أنت أعلم. ثم قال: قرأنا ها هنا جزءاً من أيامٍ فجاء فيه عن
بعض السلف عَلَامَةُ قَبُولِ الحَجِّ: أن الإِنسان لا ينصرف عن مكّة طالباً
للدُّنيا، فزهدت في اليمن ورجعت عن ذلك العزم.
· وفيها الشيخ الأجل إمام الحرم مكيّ بن نَابِت - بالنون - بن أبي زُهْرَة
الحنبلي [الغَضَاري](٣)، بمصر ليلة السادس من شهر ربيع الآخر. ذكره
المنذري ولم یزد علیه.
• وفيها أبو الكَرَم علي بن عَبْد الكريم بن أبي العَلاَءِ العَطّارِ العَبَّاسي
الهَمَذَاني (٤) مسند هَمَذَان. حَدّث سنة خمس وثمانين عن أبي غالب العدل،
وفَيْد الشعراني(٥).
(١) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٢١٣/١ -٢١٥) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٨١/١ -٣٨٢).
(٢) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((حماز)) والتصحيح من ((التكملة لوفيات النقلة)) و((ذيل طبقات
الحنابلة)».
(٣) انظر ((التكملة لوفيات النقلة)) (٢٠٣/١ - ٢٠٤) وما بين حاصرتين زيادة منه.
(٤) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (١١٠/٢١).
(٥) في ((آ)) و((ط)): ((وقيل الشعراني)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) وخبر وفاته فيه
(٢٠٨/١٩ - ٢٠٩).
٤٩٨

• وفيها جاكير الزاهد القدوة، أحد شيوخ العراق، واسمه محمد بن رستم(١)
الكردي الحنبلي، له أصحاب وأتباع وأحوال وكرامات. قاله في ((العبر)).
وقال السخاوي: له كرامات ولم يتزوج، وله زاوية وضريح بَرَاذَان،
وهي على بريد من سامرا(٢) وأن أخاه الشيخ أحمد قعد بعده في المشيخة.
وقال ابن الأهدل: لما شاع ذكره بعث إليه تاج العارفين أبو الوفاء طاقيته
من الشيخ علي الهيتي ولم يكلفه الحضور، فقال الشيخ علي الهيتي: سألت
الله أن يكون جاكير من مريديّ فوهبه لي، وكان يفتخر به وينوه بذكره، وكان
ربما عرف ما في بطون البهائم المنذورة له ومن يذبحها ومن يأكلها. سكن
صحراء من صحاري العراق على يومٍ من سامرا ومات بها، فبني إلى جانبه
قرية بنيت للتبرك به. انتهى.
(١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى (دشتم)) والتصحيح من ((العبر)) (٢٧٥/٤) و((المنهج الأحمد))
(٢٢٠/٢).
(٢) انظر ((معجم البلدان)) (١٣/٣).
٤٩٩

سنة إحدى وتسعين وخمسمائة
● فيها كانت وقعة الزلاقة بالأندلس [بين يعقوب بن يوسف بن
عبد المؤمن وبين الْفَنَش(١) المتغلب على أكثر جزيرة الأندلس](٢) فدخل
يعقوب وعديّ من زقاق سَبْتَه في مائة ألف وأما المُطَوّعة فقل ما شئت، وأقبل
الْفَنَش(١) في مائتي ألف وأربعين ألفاً، فانتصر الإِسلام وانهزم الكلب في عدد
يسير، وقتل من الفرنج كما أرخ أبو شامة (٣) وغيره مائة ألف وستة وأربعون
ألفاً، وأسر ثلاثون ألفاً، وغنم المسلمون غنيمة لم يسمع بمثلها، حتّى أَبْعَ
السَّيفُ بنصف درهمٍ ، والحصانُ بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وذلك في
شعبان .
· وفيها توفي أبو الحسن إسماعيل بن أبي سعد بن علي بن إبراهيم بن
محمد الأصبهاني المُحَدِّث، ويعرف بطاهريته(٤) الحنبلي. سمع الكثير،
وحصّل الأصول، وحَدَّث ببغداد، قدمها حَاجًاً عن فاطمة الجوزدانية، وفاطمة
(١) في (آ)) و((ط)): ((الفيش)) وما أثبته من ((العبر)) (٢٧٥/٤) و((دول الإِسلام)) (١٠٢/٢)
و((النجوم الزاهرة)) (١٣٧/٦) والضبط عنهما.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من ((آ)).
(٣) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (٧ - ٨).
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((ويعرف بطاهرنية)) والتصحيح من ((التكملة لوفيات النقلة)) (٢١٩/١) و((ذيل
طبقات الحنابلة)) (٣٨٣/١).
٥٠٠