Indexed OCR Text

Pages 401-420

الدِّيباجي، مُحَدِّثُ الإِسكندرية بعد السِّلفي في الرتبة. روى عن أبي القاسم
ابن الفحّام وغيره، ويعرف بابن أبي اليابس. كان ثقةً صالحاً يقرىء النحو
واللغة، وكان السِّلفيُّ يؤذيه ويرميه بالكذب، فكان يقول: كل من بيني وبينه
شيء فهو في حِلُّ إلّ السِّلَفي، فبيني وبينه وقفة بين يدي الله تعالى. توفي
في شوال عن ثمان وثمانين سنة. قاله في ((العبر))(١).
١
· وفيها أبو الحسن علي بن عساكر بن المرحّب بن العوَّام البطائحي(٢)
الضرير المقرىء الحنبلي الأستاذ. قرأ القراءات على أبي العز القلانسي،
وأبي عبد الله البارع، وطائفة، وتصدّر للإِقراء، وأتقن الفنَّ، وحَدَّث عن أبي
طالب بن يوسف وطائفة.
قال الشيخ موفق الدِّين بن قدامة: كان مقرىء(٣) أهل بغداد في وقته،
وكان عالماً بالعربية، إماماً في السُّنّة.
قرأ عليه القراءات جماعة من الكبار، منهم: عبد العزيز بن دلف، وابن
الحميري .
وحَدَّث عنه جماعة، منهم ابن الأخضر، وعبد الغني المقدسي،
وعبد القادر الرّهاوي، وغيرهم.
توفي ليلة الثلاثاء ثامن عشري شعبان، وصلّى عليه من الغد
الجوالیقي، ودفن بباب حرب.
● وفيها محمد بن أحمد بن ماشاذه(٤) أبو بكر الأصبهاني، المقرىء
(١) (٢١٣/٤ - ٢١٤).
(٢) انظر ((العبر)) (٢١٥/٤) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٣٥/١ - ٣٣٧).
(٣) تحرفت في (أ)) إلى ((يقرىء)).
(٤) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((ماساده)) والتصحيح من ((العبر)) (٢١٥/٤).
٤٠١

المحقّق. قرأ القراءات، وتفرَّد بالسماع من سليمان بن إبراهيم الحافظ،
ومات في عشر المائة.
• وفيها الأديب الرَّفَّاء أبو عبد الله محمد بن غالب الأندلسي (١) الشاعر
المشهور، دیوانه کله ملح.
ومن شعره في غلامٍ نسَّاج:
لم ذا تَهيمَ بمُذَّالٍ ومُبْتَذَلٍ (٢)
قَالوا وَقد أكثروا في حُبّه عَذَلِي
فَقُلْتُ لو كان(٣) أمري في الصَّبابة لي
أحببته (٤) حَبِيِّ الثَّغْرِ عَاطِرَهُ
غُزَيّلٌ لم تَزَل فِي الغَزْل جائلةٌ
جَذْلانُ تلعب بالمِحْوَاكِ (٥) أَنْمُلُهُ
جذبا(٧) بكفَّيه أو فحصاً بأخْمَصِهِ
لاخْتَرْتُ ذاكَ ولكن ليس ذلكَ لي
حُلو اللّمىْ ساحِر الأجفانِ والمُقَلِ
بَنَانُهُ جوَلانِ الفِكر في الغَزَلِ
على السّدى لعبَ الأيام بالدُّولِ (٦)
تَخَبُّطَ الظَّبي في أشراكِ مُحتَّبِلٍ
• وفيها أبو المعالي محمد بن مسعود(٨). خرج إلى الحجّ فمات.
ومن شعره:
وفاضَ الجَوْرُ من كَفَّيِكَ فَيضاً
ولمّا أنْ تَولَّيتَ القَضَايَا
لأرْجُو الذّبح بالسِكُّينِ أيضاً
ذُبحتُ بغير سِكِّيٍ وإنّي
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٣٢/٤ -٤٣٣) و((رايات المبرزين)) ص (٢١١ - ٢١٣) بتحقيق
الأستاذ الدكتور محمد رضوان الداية، و((سير أعلام النبلاء)) (٧٤/٢١).
(٢) رواية البيت في ((وفيات الأعيان)» و«رايات المبرزين)):
قالوا وقد أكثروا في حبه عذلي
لو لم تهم بمذال القدر مبتذل
(٣) في ((رايات المبرزين)): ((لو أن)).
(٤) في ((رايات المبرزين)): ((غلقته)).
(٥) في ((ط)): ((المحراك)).
(٦) في ((رايات المبرزين)): ((بالأمل)).
(٧) في ((رايات المبرزين)): ((ضما).
(٨) انظر ((النجوم الزاهرة)) (٧٩/٦).
٤٠٢

● وفيها أبو الفضل بن الشهر زوري(١) قاضي القضاة كمال الدِّين محمد
ابن عبد الله بن القاسم بن المظفّر الموصلي الشافعي.
ولد سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وتفقّه ببغداد على أسعد المِيهَني،
وسمع من نور الهدى الزَّينبي، وبالموصل من جَدِّه لأمه علي بن طوق. وولي
قضاء بلده لأتابك زنكي، ثم وفد على نور الدِّين فبالغ في تبجيله، وركن إليه
وصار قاضيه ووزيره ومشيره، ومن جلالته أن السلطان صلاح الدِّين لما أخذ
دمشق وتمنَّعت عليه القلعة أياماً، مشى إلى دار القاضي كمال الدِّين فانزعج
وخرج لتلقّيه، فدخل وجلس. وقال: طِبْ نَفْساً فالأمر أمرُك والبلد بلدك.
قال ابن قاضي شهبة(٢): ولّه نور الدِّين قضاء دمشق سنة خمس
وخمسين، وهو الذي أحدث الشبّاك الكمالي الذي يصلي فيه نواب السلطنة
اليوم، وبنى مدرسةً بالموصل، ومدرستين بنصيبين، ورِبَاطاً بالمدينة المنورة،
ووقف الهَامَة(٣) على الحنابلة، وحكم في البلاد الشامية، واستناب ولده
محبي الدِّين بحلب، وابن أخيه أبي القاسم في قضاء حماة، وابن أخيه الآخر
في قضاء حمص.
قال ابن عساكر: وكان يتكلم في الأصول كلاماً حسناً، وكان أديباً
شاعراً، فكه المجالسة.
وقال صاحب ((المرآة))(٤): لما قدم أحمد بن قُدامة والد الشيخ أبي عمر
(١) انظر ((العبر)) (٢١٥/٤ -٢١٦) و((النجوم الزاهرة)) (٧٩/٦ - ٨٠).
(٢) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٦/٢).
(٣) الهَامَة: قرية صغيرة إلى الشمال الغربي من دمشق، ذات مناخ معتدل، يخترق أراضيها نهر
بردى، يقصد بساتينها أهل دمشق في فصل الصيف للتنزه والاستجمام، وقد شهدت في
السنوات العشر الأخيرة توسعاً في العمران أتى على خيرة أراضيها الزراعية الخصبة. ولم أقف على
ذکر لها فيما بين يدي من كتب البلدان.
(٤) يعني ((مرآة الزمان)) وهو مترجم فيه (٢١٥/٨ - ٢١٦).
٤٠٣

إلى دمشق، خرج إليه القاضي كمال الدِّين ومعه ألف دينار، فعرضها عليه
فلم يقبلها، فاشترى بها قرية الهَامَة، ووقف نصفها على الشيخ أحمد
والمقادسة، ونصفها [الآخر] على الأنباري(١). انتهى.
ومن شعر الشهرزوري :
بجِسْمِيَ مِن داءِ الصَّبَابَةِ أَلْوَانُ
وجَاؤُوا عِشَاءً يَهْرَعُونَ وَقَدْ بَدَا
أَصَابَتْكَ عَينٌ قُلتُ عَينٌ(٢) وأَجْفَانُ
فَقَالُوا وَكُلِّ مُعْظِمٌ بَعْضَ مَا يَرى
· وفيها مسلم بن ثابت بن زيد بن القاسم بن أحمد بن النحّاس البزَّار
البغدادي المأموني (٣) الفقيه الحنبلي، أبو عبد الله بن أبي البركات، ويعرف
بابن جُوَالق - بضم الجيم -.
ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وسمع من أبي علي بن نبهان، وتفقّه
على أبي الخطّاب الكلوذاني، وناظر وروى عنه ابن الأخضر. توفي يوم الأحد
عشري ذي الحجة، ودفن بمقبرة باب حرب.
• وفيها أبو الفتح نصر بن سَيَّار(٤) بن صاعد بن سَيَّار الكَتَّاني الهَرَوي
الحنفي (٥) القاضي شرف الدِّين. كان بصيراً بالمذهب، مناظراً، ديِّناً
متواضعاً. سمع الكثير من جَدِّه القاضي أبي العلاء، والقاضي أبي عامر
الأزدي، ومحمد بن علي العُمَيري، والكبار، وتفرَّد في زمانه، وعاش سبعاً
وتسعين سنة، وتوفي يوم عاشوراء، وهو آخر من روى ((جامع الترمذي)) عن
أبي عامر. قاله في ((العبر)).
(١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الأساري)) والتصحيح من ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة.
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((قل أن)) والتصحيح من ((النجوم الزاهرة)).
(٣) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٣٧/١).
(٤) تحرفت في ((آ)) إلى (يسار)).
(٥) انظر ((العبر)) (٢٦١/٤) و((الجواهر المضية)) (١٩٥/٣).
٤٠٤

سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
• فيها كانت وقعة الرَّملة، سار صلاح الدِّين من مصر، فسبى وغنم
ببلاد عسقلان، وسار إلى الرَّملة فالتقى الفرنج، فحملوا على المسلمين
وهزموهم وثبت(١) السلطان وابن أخيه تقي الدِّين عمر، ودخل الليل، واحتوت
الفرنج على المعسكر بما فيه، وتمزَّق العسكر وعطشوا في الرمال، واستشهد
جماعة [وتحيَّز صلاح الدِّين](٢) ونجا، ولله الحمد. وقتل ولدٌ لتقيِّ الدِّين
عمر، وله عشرون سنة، وأُسر الأمير الفقيه عيسى الهَكَّاري، وكانت نوبة
صعبة، ونزلت الفرنج على حماة وحاصرتها أربعة أشهر لاشتغال السلطان بلم
شعث العسكر.
• وفيها توفي أرسلان [شاه] بن طُغْرُل(٣) بن محمد بن ملكشاه
السلجوقي، سلطان أذربيجان. كان له السكّة والخطبة، والقائم بدولته زوج
أُمه إلدكز(٤)، ثم ابنه البهلوان، فلما توفي خطبوا لولده طُغْرُل(٥) الذي قتله
خوارزم شاه.
(١) كذا في ((آ)) و((ط): ((وثبت)) وفي ((العبر)) بطبعتيه: ((وبيت)) وانظر ((الكامل في التاريخ))
(١١/ ٤٤٢ - ٤٤٣).
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من ((العبر)) بطبعتيه.
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((ابن طغربك)) وفي ((العبر)) بطبعتيه: ((ابن طغريل)) وما أثبته من ((الكامل في
التاريخ)) (٤٤٦/١١) وعند ابن خلّكان في ((وفيات الأعيان)) (٢٠٨/٥): ((ابن طُغْرُلْبَك)).
(٤) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى: ((الزكر)) والتصحيح من ((العبر)) بطبعتيه.
(٥) في ((آ)) و((ط)): (طغربك)) وفي ((العبر)) بطبعتيه: ((طغربل)) وما أثبته من ((الكامل في التاريخ))
(١١/ ٤٤٦).
٤٠٥

· وفيها أبو العباس أحمد بن محمد بن المبارك بن أحمد بن بكروس
ابن سيف الدِّينوري ثم البغدادي ويعرف بابن أبي العز، وبابن الحَمّامي(١)
الفقيه الحنبلي، الزاهد العابد، قرأ بالروايات على جماعة، وسمع من ابن
كادش وغيره، وتفقّه على أبي بكر الدِّينوري، وكان رفيق ناصح الإِسلام بن
المنيّ(٢) وبنى مدرسة ببغداد ودرّس بها، وتفقّه عليه جماعة، منهم: الشيخ
فخر الدِّين بن تيمية.
وروى عنه الشيخ موفق الدِّين، وكان متزوجاً بابنة ابن الجوزي. وتوفي
يوم الثلاثاء خامس صفر، وكان له يوم مشهود وتوفي شاباً.
• وفيها صَدَقَةُ بن الحسين بن بختيار بن الحداد البغدادي (٣) الفقيه
الحنبلي، الأديب الشاعر المتكلم الكاتب المؤرخ، أبو الفرج.
ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقرأ بالروايات، وسمع الحديث من
أبي السعادات المتوكل وغيره، وتفقّه على ابن عقيل وابن الزَّاغوني، وبَرَع
في الفقه وفروعه وأصوله، وقرأ علم الكلام والمنطق والفلسفة والحساب
ومتعلقاته من الفرائض وغيرها، وكتب خطاً حسناً صحيحاً، وقال الشعر
الحسن، وأفتى، وتردد إليه الطلبة في فنون العلم، وروى عنه ابن شافع،
وابن ريحان، وغيرهما.
قال ابن النجار: وله مصنفات حسنة في الأصول، وجمع تاريخاً على
السنين، بدأ فيه من وفاة شيخه ابن الزاغوني سنة سبع وعشرين وخمسمائة،
مذيلاً به على تاريخ شيخه، ولم يزل يكتب فيه إلى قريب وفاته، وكان قُوته
(١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٣٨/١).
(٢) في ((أ)): ((ابن المثنى)).
(٣) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٣٩/١ - ٣٤٢).
٤٠٦

من أجرة نسخه، ولم يزل قليل الحظُّ منغَّصَ العيش، وحطَّ عليه ابن الجوزي
في ((تاريخه))(١) ونسبه إلى الحيرة والشك.
· وفيها الوزير أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفّر بن
رئيس الرؤساء الوزير أبي القاسم علي بن المسلمة (٢). روى عن ابن
الحصين وجماعة، وَوَزَرَ للمستضيء، ولُقِّب عضد الدِّين. وكان جواداً سَريّاً
معظَّماً مهيباً، خرج للحجِّ في تجملٍ عظيم، فوثب عليه واحد من الباطنية
فقتله في أوائل ذي القعدة عن تسع وخمسين سنة.
• وفيها أبو محمد بن المأمون الأديب، صاحب ((التاريخ)) هارون بن
العبَّاس بن محمد العبّاسي المأموني البغدادي(٣) الأديب. روى عن قاضي
المارستان وشرح ((مقامات الحريري)). توفي في ذي الحجّة كهلاً.
• وفيها لاحقُ بن علي بن كاره، أخو دهبل البغدادي (٤). روى عن
أبي القاسم بن بَيّان وغيره، وتوفي في نصف شعبان عن ثمان وسبعين سنة.
• وفيها أبو شاكر السَّفْلاطوني يحيى بن يوسف بن بالان الخباز(٥). روى
عن ثابت بن بندار، والحسين بن البُسري وجماعة، وتوفي في شعبان.
(١) انظر ((المنتظم)) (٢٧٦/١٠).
(٢) انظر ((العبر)) (٢١٧/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٧٥/٢١ - ٧٧).
(٣) انظر ((العبر)) (٢١٧/٤ - ٢١٨) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٢/٢١ - ٥٣).
(٤) انظر ((العبر)) (٢١٨/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٧٧/٢١).
(٥) انظر ((العبر)) (٢١٨/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٦٤/٢١).
٤٠٧

سنة أربع وسبعين وخمسمائة
• فيها أُخِذَ ابن قَرَايا الرافضي، الذي ينشد في الأسواق ببغداد،
فوجدوا في بيته سبَّ الصحابة، فقطعت يده ولسانه، ورجمته العامة، فهرب
وسبح، فأَلجُّوا عليه بالآجُرِ فغرق فأخرجوه وحرقوه(١)، ثم وقع التقبح على
الرافضة وأُحرقت كتبهم وانقمعوا حتَّى صاروا في ذلة اليهود، وهذا شيء لم
يتهيأ ببغداد من نحو مائتين وخمسين سنة .
● وفيها خرج نائب دمشق فرخ شاه ابن أخي السلطان، فالتقى الفرنج
فهزمهم، وقتل مقدمهم هَنْفَري (٢) الذي كان يضرب به المثل في الشجاعة.
• وفيها توفي أبو أحمد أسعد بن بلدرك البغدادي البواب المُعَمَّر(٣) في
ربيع الأول، عن مائة وأربع سنين، ولو سمع في صغره لبقي مسند العالم.
سمع من أبي الخطّاب بن الجرّاح، وأبي الحسين بن العلّف.
، وفيها أبو العباس أحمد بن أبي غالب بن أبي عيسى بن شيخون
الأبرودي الجبابيني - نسبة إلى الجبابين بكسر الموحدة الثانية وتحتية ونون،
(١) انظر رواية مقتله عند ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (١٢ /٣٠٠) فقد توسع في الكلام عليه
هناك.
(٢) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((هنقري)) بالقاف، والتصحيح من ((الكامل في التاريخ))
(٥٣٧/١١) و((وفيات الأعيان)) (١٧٦/٧) و((العبر)) (٢١٩/٤).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((أحمد بن أسعد بن بلدرك)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) (٥٧٨/٢٠).
٤٠٨

قرية ببغداد(١) - الفقيه الحنبلي الضرير. دخل بغداد في صباه، وحفظ
القرآن، وقرأ بالروايات على أبي محمد سبط الخيّاط، وسمع منه الحديث،
ومن سعد الخير الأنصاري، ومن جماعة دونهما، وقرأ الفقه وحصَّل منه طرفاً
صالحاً، وكان صالحاً صدوقاً، توفي يوم الجمعة عاشر رجب، وصُلّي عليه
يومئذ ودفن بمقبرة الإِمام أحمد عن نيف وأربعين سنة.
· وفيها الحَيْصِ بَيْص شهاب الدِّين أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد
ابن صيفي التَّميمي (٢) الشاعر المشهور، وله ديوان معروف. كان وافِرَ الأدب،
متضلعاً من اللغة، بصيراً بفقه الشافعية والمناظرة.
قال ابن خَلِّكان: كان لا يخاطب أحداً إلّ باللغة العربية، ويلبس على
زي العرب، ويتقلد سيفاً، فرأى الناس في حركة مزعجة فقال: ما للناس
حَيْصَ بَيْصِ، فَلُقِّب بذلك.
وقال: تفقّه بالرَّيِّ على القاضي محمد بن عبد الكريم المعروف
بالوزَّان، وتميَّز فيه، وتكلّم في الخلاف، إلّ أنه غلب عليه [الأدب،
ونظم](٣) الشعر. سمع الحديث، وحَدَّث. وقال: توفي في سادس شعبان
ودفن من الغد غربي بغداد بمقابر(٤) قريش. انتهى.
وقال ابن شهبة في ((تاريخ الإِسلام)): وسموا ابنه هَرَجَ مَرَجْ، وابنته
دَخَلَ خَرَجَ.
حكى نصرُ بن مُجَلّي - وكان من أهل السُّنَّة - أنه رأى عليَّ بن أبي
طالب - كرّم الله وجهه - في النوم، فقال له: يا أمير المؤمنين! تفتحون مكَّة
(١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٤٣/١).
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٦٢/٢ - ٣٦٥) و((العبر)) (٢١٩/٤) و((سير أعلام النبلاء))
(٦١/٢١ -٦٢) و(«البداية والنهاية)) (٣٠١/١٢ -٣٠٢).
(٣) زيادة من ((وفيات الأعيان)) (٢٦٣/٢).
(٤) في ((أ)): ((بمقبرة)).
٤٠٩

فتقولون من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين يوم
الطفّ ما تمَّ؟ فقال: أما سمعت أبيات ابن صيفي في هذا المعنى؟ فقلت:
لا. قال: اسمعها منه. فاستيقظت، فأتيت إلى دار الخَيْصَ بَيْص فذكرت له
المنام، فشهق وبكى، وحلف أنها ما خرجت من فمه لأحدٍ، ولم ينظمها إلّ
في ليلته، ثم أنشدني :
فَلَمّا مَلَكْتُمْ سَالَ بالدَّمِ أَبْطَحُ
مَلَكْنَا فَكَانَ العَفْوِ مِنَّا سَجِيةً
غَدَوْنَا عَلَى الأسرىْ نَمُنُّ(١) ونَصْفَحُ
وحَلَّلْتُمُ قَتْلَ الأسَارىْ وطَالَمَا
وَكَلُّ وِعَاءٍ بالذي فيهِ يَنْضَحُ
وحَسْبُكُمُ هَذَا النَّفَاوتُ بَيْنَنَا
وقال غيره: خرج خَيْصَ بَيْص ليلة ثملاً، فرأى في طريقه جَرْوَ كَلبٍ،
فضربه بسيفه فقتله، فعمد بعض الظرفاء إلى أبيات وعلقها في عنق أمه،
وأدخلها ديوان الوزير هيئة مشتكية، فَفُضَّتِ الورقة، فإذا فيها:
بِخِزِيَةٍ أَكْسَبَتْهُ العَارَ فِي الْبَلَّدِ
يَا أَهْلَ بَغْدَادَ إن الحَيْصَ بَيْصَ أتى
عَلَى جُرَيٍّ ضَعِيفِ البْشِ والجَلَدِ
أبدى شَجَاعَتَهُ في اللّيلِ مُجْتَرِثاً
دَمَ الْأُبَيلِقِ عِنْدَ الواحدِ الصَّمْدِ
فَأَنْشَدَتْ أُمُّه من بعدٍ ما احتَسَبَتْ
كِلْنَا يَدِيَّ أصابتني ولَمْ أَرِدِ
لا أعتب الدَّهْرَ والأيام مَا صَنَعَتْ
هَذَا أَخِي حِينَ أَدْعُوهُ وَذَا وَلَدي
كِلَاهُمَا خَلَفٌ مِنْ فَقْدِ صَاحِبِهِ
يشير إلى قول (٢) أعرابية قتلَ أخوها ولدَها، والله أعلم.
، وفيها شُهْدَة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج الدِّينوري ثم البغدادي(٣)
الكاتبة المسندة، فخر النساء. كانت ديّنةً عابدةً صالحة. سَمَّعَهَا أبوها الكثير،
وصارت مسندة العراق، وروت عن طِرَاد، وابن البَطِر، وطائفة، وكانت ذات
(١) في (وفيات الأعيان)): ((نعفُّ)).
(٢) تحرفت في ((آ)) إلى ((قتل)).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٢٠/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٤٢/٢٠ - ٥٤٣).
٤١٠

برِّ وخير، توفيت في رابع عشر المحرم، عن نيف وتسعين سنة.
• وفيها أبو رشيد عبد الله بن عمر الأصبهاني(١)، آخر من بقي بأصبهان
من أصحاب الرئيس الثَّقفي .
• وفيها أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي(٢) أخو
عبد الحق. روى عن ابن بَيَان وجماعة، وكان خيَّطاً ديِّناً، توفي بمكّة وله
سبعون سنة .
، وفيها أبو الخطّاب العُلَيْمِيّ عمر بن محمد بن عبد الله الدمشقي (٣)
التَّاجر السفَّار. طلب بنفسه، وكتب الكثير في تجارته بالشام، ومصر،
والعراق، وما وراء النهر. روى عن نصر الله المصِّيصي، وعبد الله بن
الفُراوي، وطبقتهما، وتوفي في شوال عن أربعٍ وخمسين سنة.
• وفيها أبو عبد الله بن المجاهد، الزاهد القدوة، محمد بن أحمد بن
عبد الله الأنصاري الأندلسي (٤) عن بضع وثمانين سنة. قرأ العربية، ولزم
أبا بكر بن العربي مدة.
قال [ابن] الأَبَّار: كان المشار إليه في زمانه بالصلاح، والورع،
والعبادة، وإجابة الدعوة، وكان أحد أولياء الله الذين تُذكر به رؤيتهم. آثاره
مشهورة وكراماته معروفة، مع الحظّ الوافر من الفقه والقراءات.
• وفيها محمد بن عبد نَسيم العَيْشُوني(٥). روى عن ابن العلَّاف، وابن
نبهان، وقع من سُلَّمٍ فمات في الحال في جمادى الآخرة. قاله في ((العبر)).
(١) انظر ((العبر)) (٢٢٠/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٧٦/٢٠).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٢٠/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٨/٢١ - ٤٩).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٢٠/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٤٩/٢١ - ٥٠).
(٤) انظر ((العبر)) (٢٢٠/٤ - ٢٢١).
(٥) انظر ((العبر)) (٢٢١/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٤٣/٢٠).
٤١١

سنة خمس وسبعين وخمسمائة
• فيها كما قال في ((الشذور)) وقعت زلزلة فوق بلاد إربل فتصادمت
منها الجبال، وكان هناك نهر أحمر ماؤه من دماء الهالكين.
• وفيها نزل صلاح الدِّين على بانياس، وأغارت سراياه على الفرنج،
ثم أُخبر بمجيء الفرنج، فبادر في الحال وكبسهم، فإذا هم في ألف قنطارية
وعشرة آلاف راجل، فحملوا على المسلمين فَثَبَتُوا لهم(١) ثم حمل المسلمون
فهزموهم ووضعوا فيهم السيف، ثم أسروا مائتين وسبعين أسيراً، منهم مقدَّم
الدَّيويّة(٢) فاستفكَّ نفسه بألفِ أسيرٍ وبجملةٍ من المال، وأما ملكهم فانهزم
جريحاً.
• وفيها توفي أحمد بن أبي الوفاء عبد الله بن عبد الرحمن بن
عبد الصمد بن محمد بن الصائغ البغدادي (٣) الفقيه الحنبلي الإِمام، أبو
الفتح، نزیل حَرَّان.
ولد ببغداد سنة تسعين وأربعمائة، ولزم أبا الخطّاب الكلوذاني وخدمه
وتفقّه عليه، وسمع منه ومن ابن بَيَان، وسافر إلى حلب وسكنها، ثم استوطن
(١) في ((العبر)) بطبعتيه: ((فبيتوا لهم)).
(٢) قال الأستاذ الدكتور صلاح الدِّين المنجد في تعليقه على ((العبر)): ويسمون أيضاً ((الداوية))
وهم المسلمون بالفرنسية.
(٣) انظر ((العبر)) (٢٢٢/٤) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٤٧/١ - ٣٤٨).
٤١٢

حَرَّان إلى حين وفاته، وكان هو المفتي والمدرّس بها، وقرأ عليه الفقه
جماعة، منهم: الشيخ فخر الدِّين بن تيمية، وسمع منه جماعة، منهم: ابن
عبدوس، والعماد المقدسي، وأبو الحسن ابن القطيعي، وروى عنه في
«تاريخه)) .
قال: وأنشدني أبو الخطّاب الكلوذاني لنفسه:
داب عِلمٌ يخفى على الشُّبَّانِ
أَنَا شيخٌ وللمشايخِ بالاً
فَهُو فرضٌ يُردُّ بالميزانِ
فَإذا مَا ذكرتني فتأدَّب
● وفيها إسماعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن
الحسن بن محمد بن الجواليقي(١) الأديب بن الأديب أبو محمد بن أبي
منصور الحنبلي .
ولد في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وسمع من أبي الحصين،
وأبي الحسين بن الفرَّاء وغيرهما، وقرأ القرآن والأدب على أبيه، وكان عالماً
باللغة، والعربية، والأدب، وله سمت حسن، وقام مقام أبيه في دار الخلافة.
قال ابن الجوزي: ما رأينا ولداً أشبه أباه مثله، حتَّى في مشيه وأفعاله،
وتوفي يوم الجمعة منتصف شوال ودفن بمقبرة الإِمام أحمد.
وقال ابن النجار: كان من أعيان العلماء بالأدب، صحيح النقل، كثير
المحفوظ، حجَّةً ثقةً نبيلاً، مليح الخطِّ.
• وفيها أبو يحيى إليسع بن عيسى بن حَزْم الغافِي (٢) المقرىء. أخذ
القراءات عن أبيه، وأبي الحسن شُرَيح، وطائفة، وأقرأ بالإِسكندرية،
والقاهرة، واستملى عليه السلطان صلاح الدِّين، وقرَّبه واحترمه، وكان فقيهاً
(١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٤٦/١ - ٣٤٧) و((سير أعلام النبلاء)) (٩١/٢٠).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٢٢/٤) و((معرفة القراء الكبار)) (٥٤٤/٢ - ٥٤٥).
٤١٣

مفتياً مُحَدِّثاً مقرئاً نسابةً أخبارياً، بديع الخطِّ، وقيل: هو أول من خطب
بالدعوة العباسية بمصر، توفي في رجب.
• وفيها تَجَنِّي الوَهْبَانية(١) أم عَتْب(٢). آخر من روى في الدُّنيا بالسماع
عن طِرَاد، والنِّعالي. توفيت في شوال.
· وفيها المستضيء بأمر الله، أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله
يوسف بن المقتفي محمد بن المستظهر أحمد بن المقتدي العَبَّسي (٣) بويع
بعد أبيه في ربيع الآخر سنة ست وستين، ونهض بخلافته الوزير عضد الدِّين
ابن رئيس الرؤساء فاستوزره، وكان ذا دينٍ وحلمٍ وأناةٍ ورأفةٍ ومعروفٍ زائدٍ،
وأمه أرمنية، عاش خمساً وأربعين سنة، وخلّف ولدين أحمد الناصر وهاشماً.
قال ابن الجوزي في ((المنتظم)): أظهر من العدل والكرم ما لم نره في
أعمارنا، وفرَّق مالاً عظيماً في الهاشميين وفي المدارس، وكان ليس للمال
عنده وقع.
وقال الذهبي: كان يطلب ابن الجوزي ويأمر بعقد مجلس الوعظ،
ويجلس بحيث يُسمع ولا يُرى، وفي أيامه اختفى الرفض [ببغداد ووهى، وأما
بمصر والشام فتلاشى، وزالت دولة العُبيديين أُولي الرفض](٤) وخُطب له
بديار مصر وبعض المغرب واليمن.
وقال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)): ولما استخلف خلع على أرباب
الدولة وغيرهم فحكى خيَّاط المخزن أنه فصل ألفاً وثلثمائة قباء إبريسم،
(١) انظر ((العبر) (٢٢٣/٤) - وقد تحرفت ((الوهبانية)) فيه وفي طبعة بيروت منه إلى ((الوهّابية)) -
و ((سير أعلام النبلاء)) (٥٥٠/٢٠ - ٥٥١).
(٢) في ((مشتبه النسبة)) للذهبي (١١٠/١): ((ويقال: أم الحباء)).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٢٣/٤ - ٢٢٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٦٨/٢١ -٧٢) و((تاريخ الخلفاء))
للسيوطي ص (٤٤٤ - ٤٤٨).
(٤) ما بين حاصرتين سقط من ((آ)).
٤١٤

وخطب له على منابر بغداد، ونثرت الدنانير كما جرت العادة، وولّی روح
الحديثي القضاء، وأمر سبعة عشر مملوكاً.
وللحَيْص بَيْص فيه:
دِ بمالٍ وفِضَّةٍ ونضَارٍ
يا إمامَ الهُدىْ عَلَوتَ عَنِ الجُو
ـدان في سَاعَةٍ مَضَتْ مِنْ نَهَارِ
فَوَهَبْتَ الأَعْمَارَ والأَمْنَ والبد
وَزْتَ فَضْلِ الْبُحُورِ وَالأَمْطَارِ (١)
فبماذَا نُثني عَلَيكَ وَقَدْ جَا
خَارِقٌ للعُقُولِ والأَفْكَارِ
إِنمَا أَنْتَ مُعجزٌ مستقلٌّ
سٍ وبالجُودِ بينَ مَاءِ وَنَارٍ
جَمَعْتَ نَفْسَكَ الشريفَةَ بالبأ
قال ابن الجوزي: واحتجب المستضيء عن أكثر الناس فلم يركب إلّ
مع الخدم، ولم يدخل عليه غير قيماز، وفي خلافته انقضت، دولة بني عُبيد،
وخطب له بمصر وضربت السكة باسمه، وجاء البشير بذلك، فغلّقت الأسواق
ببغداد، وعُملت القباب، وصنَّفْتُ كتاباً سميته ((النصر على مصر)). هذا كلام
ابن الجوزي .
وللعماد الكاتب قصيدة في ذلك منها:
نائب المُصطفى إمام العَصْرِ
قَدْ خَطَبَنَا للمستضيءِ بمصر
ضِدَ والقَاصِرَ الذي بالقَصْرِ
وخَذَلَنَا لِنَصْرِهِ العَضُدَ العَا
وَهْوَ بالدُّل تحت حَجْر وحَصْر
وتركنا الدَّعِيَّ(٢) يدعو ثُبُوراً
وتوفي المستضيءُ في ذي القعدة عن ست وثلاثين سنة.
· وفيها أبو الحسين عبد الحقّ بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفيّ (٣)
الشيخ الثقة، عن إحدى وثمانين سنة. أسمعه أبوه الكثير من أبي القاسم
(١) في ((آ)): ((والأقطار)).
(٢) في ((١)): ((المدعي)) وهو تحريف، وأثبت لفظ ((ط)) و((تاريخ الخلفاء)).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٢٤/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٥٢/٢٠ - ٥٥٤) و((دول الإِسلام))
(٨٨/٢).
٤١٥

الرَّبَعي، وابن الطَّيوري، وجعفر السرَّاج، وطائفة، ولم يُحَدِّث بما سمعه
حضوراً تورعاً، وكان فقيراً، صالحاً، متعففاً، كثير التلاوة جداً، توفي في
جمادى الأولى.
• وفيها أبو الفضل عبد المحسن بن تُرَيْك(١) الأزَجي البيع. روى عن
ابن بَيّان وجماعة. توفي يوم عرفة.
وفيها أبو المحاسن عُمر بن علي بن الخضر بن عبد الله بن علي
القُرشي الزّبيري الدمشقي (٢) القاضي الحافظ، نزيل بغداد، وسمع من أبي
الدُّرِّ ياقوت الرُّومي وطائفة بدمشق، ومن أبي الوقت والناس ببغداد، وصحب
أبا النجيب السُّهْرَ وَرْدِي، وولي قضاء الحريم. توفي في ذي الحجّة وله
خمسون سنة .
قال ابن ناصر الدِّين (٣): هو حافظٌ رحالٌ ثقةٌ مأمونٌ.
· وفيها أبو هاشم الدُّوشابي - بضم الدال المهملة ومعجمة وباء
موحدة، نسبة إلى الدُّوشاب وهو الدِّبس - عيسى بن أحمد الهاشمي العبّاسي
البغدادي الهَرَّاس(٤). روى عن الحسين بن البُسري وغيره، وتوفي في رجب.
● وفيها أبو بكر محمد بن خَيْر بن عمر بن خليفة اللّمتوني
الإِشبيلي(٥)، المقرىء الحافظ، صاحب شريح. فاق الأقران في ضبط
القراءات، وسمع الكثير من أبي مروان الباجي، وابن العربي، وخلق، وبَرَع
(١) في ((آ)) و((ط)): ((ابن نزيك)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((العبر)) (٢٢٤/٤) و((النجوم
الزاهرة)» (٨٦/٦).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٢٤/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٠٥/٢١ -١٠٦) و((النجوم الزاهرة))
(٨٦/٦).
(٣) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٦٨ / آ).
(٤) انظر ((العبر)) (٢٢٥/٤) و((النجوم الزاهرة)) (٨٦/٦).
(٥) انظر ((العبر)) (٢٢٥/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٨٥/٢١ - ٨٦).
٤١٦

أيضاً في الحديث، واشتهر بالإِتقان وسَعَة المعرفة بالعربية. توفي في ربيع
الأول عن ثلاث وسبعين سنة.
قال ابن ناصر الدِّين(١): لم يكن له نظير في الإتقان.
· وفيها أبو بكر البَاقِدَاري - بكسر القاف بعد الموحدة والألف وبإهمال
الدال والراء، نسبة إلى باقِدَارَى بالقصر من قرى بغداد(٢) - محمد بن أبي غالب
ابن أحمد بن أحمد بن مرزوق بن أحمد الضرير(٣) الحافظُ. سمع أبا محمد
سبط الخيّاط فمن بعده، وبرع في الحدیث حتّی صار ابن ناصر يسأله ويرجع
إلى قوله، وكان حنبليّ المذهب.
قال ابن الدُّبَيْئي (٤): انتهى إليه معرفةُ رجال الحديث وحفظه، وعليه
كان المعتمد فيه، توفي كهلاً لخمس بقين من ذي الحجّة ببغداد.
، وفيها أبو عبد الله الوَهْرَاني محمد بن مُحرِز ركن الدِّين وقيل
جمال الدِّين(٥) المقرىء الأديب الكاتب، صاحب المزاح والدعابة والمنام
الطويل، الذي جمع أنواعاً من المجون والأدب. مات في رجب بدمشق . قاله
في ((العبر)).
وقال ابن خَلِّكان: هو أحد الفضلاء الظرفاء، قدم من بلاده إلى البلاد
المصرية في أيام السلطان صلاح الدِّين - رحمه الله تعالى - وفنّه الذي يمتّ به
صناعة الإِنشاء، فلما دخل البلاد رأى بها القاضي الفاضل، وعماد الدِّين
الأصبهاني الكاتب، وتلك الحلبة علم من نفسه أنه ليس في طبقتهم ولا تنفق
سلعته مع وجودهم، فعدل عن طريق الجدّ وسلك طريق الهزل، وعمل
(١) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٦٧ / ب).
(٢) انظر ((معجم البلدان)) (٣٢٧/١) وهو مترجم فيه.
(٣) انظر ((العبر)) (٢٢٥/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (١٤٦/٢١).
(٤) في ((آ)) و((ط): ((ابن الزَّينبي)) وهو تحريف، والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)).
(٥) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٨٥/٤ - ٣٨٦) و((العبر)) (٢٢٥/٤ - ٢٢٦).
٤١٧

المنامات والرسائل المشهورة والمنسوبة إليه، وهي كثيرة بأيدي الناس، وفيها
دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه، ولو لم يكن فيها إلّ المنام
الكبير لكفاه، فإنه أتى فيه بكل حلاوة، ولولا طوله لذكرته، ثم إن الوَهْرَاني
المذكور تنقل في البلاد وأقام بدمشق زماناً، وتوفي في رجب.
ونقلت من خطّ القاضي الفاضل: وردت الأخبار من دمشق في
سابع عشر رجب بوفاة الوهراني، رحمه الله تعالى.
والوَهْرَاني: بفتح الواو وسكون الهاء وفتح الراء وبعد الألف نون، هذه
النسبة إلى وَهْرَان مدينة كبيرة على أرض القيروان، بينها وبين تِلِمْسَان مسافة
يوم وهي على البحر الشامي(١)، خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم.
وفي بعض نسخ ابن خَلِّكان، ثم إن الوَهْرَانيَّ المذكور تنقل في البلاد
وأقام بدمشق زماناً، وتولى الخطابة بدارَيًّا، وهي قرية على باب دمشق في
الغوطة، وتوفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة بداريًا، ودفن على باب تربة
الشيخ أبي سليمان الدَّاراني، رحمه الله تعالى. انتهى ما أورده ابن خَلِّكان.
وفيها أبو محمد بن الطبّاخ المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله
ابن محمد الطبّاخ البغدادي (٢) نزيل مكّة وإمام الحنابلة بالحرم، المُحَدِّثُ
الحافظ. سمع الكثير ببغداد من ابن الطّيوري، وابن كادش وغيرهما، وتفقّه
بالقاضي أبي الحسين، وابن الزَّاغوني، وكان صالحاً ديناً ثقةً، حافظ مكّة في
زمانه والمشار إليه بالعلم بها، وأخذ عنه ابن عَبْدُوس وغيره، وتوفي في ثاني
شوال بمكّة، وكان يوم جنازته مشهوداً، رحمه الله تعالى.
· وفيها أبو الفضل متوجهر بن محمد بن تركانشاه (٣) الكاتب. كان أديباً
(١) قلت: وهي الآن في الجزائر المعاصرة إلى الشمال الغربي منها على شاطىء البحر الأبيض
المتوسط .
(٢) انظر ((العبر)) (٢٢٦/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٥٤/٢٠).
(٣) في ((العبر)) (٢٢٦/٤): ((ابن تركشاه)) ولم يرد للفظة ذكر في ((مرآة الجنان)) (٤٠٢/٣).
٤١٨

فاضلاً، مليح الإِنشاء، حسن الطريقة، كتب للأمير قايماز المستنجدي،
وروى ((المقامات)) عن الحريري مراراً، وروى عن هبة الله بن أحمد الموصلي
وجماعة، وتوفي في جمادى الأولى، وله ست وثمانون سنة.
· وفيها أبو منصور المظفَّر بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين
ابن محمد بن خلف بن الفرّاء(١).
ولد سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وسمع الحديث، وبَرَعَ في مذهب
الحنابلة أصولاً وفروعاً، وناظر وتأدب، وقال الشعر الجيد.
ومن شعره:
يوم جَدَّ البين مني وبَكَتْ
لَستُ أَنسى مِنْ سُليمىْ قَوْلَهَا
قَرْطَسَتْ إذْ بِالَّنَّوى شَملِي رَمَتْ
قَطَعَ اللهُ يَدَ الذَّهرِ لَقَدْ
وَوَعَتْ أُذْنَايَ مِنْهَا مَا وَعَتْ
فَجَرِىْ دَمْعِيَ لَّمَّا سَمِعَتْ(٢)
نومة طُولَ حَياتِي قَدْ نَفَتْ
يا لها مِنْ قَوْلَةٍ عن نَاظري
توفي في عُنفوان شبابه يوم الجمعة، لخمس عشرة خلت من شوال،
ودفن بمقبرة الإِمام أحمد.
· وفيها أبو عمر بن عَيَّد الأستاذ المقرىء المحقّق، يوسف بن عبد الله
ابن سعيد(٣) الأندلسي الحافظ. قدم بلنسية وأخذ القراءات عن أبي مروان بن
الصَّيْقَل(٤)، وابن هُذَيل، وسمع من طارق بن يعيش وجماعة، وعُني بصناعة
الحديث، وكتب العالي والنازل، وبرع في معرفة الرجال، وصنَّف التصانيف
الكثيرة، وعاش سبعين سنة .
(١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣٤٣/١ - ٣٤٤).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((لما قد سمعت)) وأثبت لفظ ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((ابن سعد)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) (١٨١/٢١).
(٤) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((الصقيل)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)).
٤١٩

سنة ست وسبعين وخمسمائة
• فيها نزل السلطان صلاح الدِّين على حصنٍ من بلاد الأرمن فافتتحه
وهدمه، ثم رجع فوافاه التقليدُ وخِلَعُ السلطنة بحمصَ من النَّاصر لدِّين الله،
فركب بها هناك، وكان يوماً مشهوداً.
وفيها أبو طاهر السِّلَفِيّ الحافظ العلَّمة الكبير، مسند الدُّنيا، ومعمّرُ
الحفّاظ أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني الجرْوَاني
- وجَرْ وَاآن(١) محلّة بأصبهان. وسِلَفَة، بكسر المهملة لقب جَدّه أحمد، ومعناه
غليظ الشفة - سمع من أبي عبد الله الثقفي، وأحمد بن عبد الغفَّار بن أشته،
ومكِّي السلَّر، وخلق كثير بأصبهان، خرَّج عنهم في ((معجم))(٢) وحَدَّث
بأصبهان في سنة اثنتين وتسعين. قال: وكنتُ ابن سبع عشرة سنة، أكثر أو
أقل، ورحل سنة ثلاث فأدرك أبا الخطاب بن البطر ببغداد، وتفقه بها بإلكيا
الهَرَّاسي، وأبي بكر الشَّاشي، وغيرهما، وعمل ((معجماً)) لشيوخ بغداد،
(١) وكذا ضبطها السمعاني في ((الأنساب)) (٢٣٦/٣) وضبطها ياقوت في ((معجم البلدان))
(١٣٠/٢): ((جُرْواءان)) بالضم ثم السكون، وواو، وألفين بينهما همزة وآخره نون.
(٢) واسمه الكامل ((معجم السَّفَر)) وقد نشره - أو نشر قسماً منه فيما أعلم - المكتب الإِسلامي
ببيروت بتحقيق الدكتور حسن عبد الحميد رحمه الله تعالى.
٤٢٠