Indexed OCR Text
Pages 101-120
• وفيها أبو محمد بن عَتَّاب عبد الرحمن بن محمد بن عَتَّاب القرطبي، مسند الأندلس. أكثر عن أبيه، وعن حاتم الطرابلسي، وأجاز له مكي بن أبي طالب والكبار، وكان عارفاً بالقراءات، واقفاً على كثير من التفسير، واللغة، والعربية، والفقه، مع الحلم، والتواضع، والزهد، وكانت الرحلة إليه. توفي في جمادى الأولى عن سبع وثمانين سنة. • وفيها أبو الفتح أحمد بن علي بن بَرْهان - بفتح الباء - الشافعي(١). ولد ببغداد في شوال، سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وتفقه على الغزالي، والشَّاشي، وإلكيا(٢) الهَرَّاسي، وبَرَعَ في المذهب، وفي الأصول، وكان هو الغالب عليه، وله فيه التصانيف المشهورة، منها ((البسيط)) و((الوسيط)) و ((الوجيز)) وغيرها. درَّس بالنظامية شهراً واحداً، وكان ذكياً يضرب به المثل في حَلِّ(٣) الإِشكال. قال المبارك بن كامل: كان خارق الذكاء، لا يكاد يسمع شيئاً إلّ حفظه، ولم يزل يبالغ في الطلب، والتحقيق، وحَلِّ المشكلات، حتى صار يضرب به المثل في تبحره في الأصول والفروع، وصار علماً من أعلام الدِّين. قصده الطلاب من البلاد، حتّى صار جميع نهاره وقطعة من ليله يستوعب في الإِشتغال وإلقاء الدروس. توفي سنة عشرين وخمسمائة. كذا قاله ابن خَلِّكان(٤). والمعروف أنه توفي سنة ثمان عشرة، قيل: في ربيع الأول، وقيل: في (١) لفظة ((الشافعي)) لم ترد في ((آ)) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة. (٢) أقول: ضبطوه بهمزة مكسورة، ولام ساكنة، ثم كاف مكسورة بعدها ياء، ومعناه: الكبير القدر، بلغة الفرس، وهو علي بن محمد بن علي الطبري، الملقب بعماد الدين. كبير علماء الشافعية في عصره. (ع). (٣) لفظة ((حلِّ)) لم ترد في ((آ)). (٤) انظر ((وفيات الأعيان)) (٩٩/١). ١٠١ جمادى الأولى نقل عنه في ((الروضة)) (١) في كتاب القضاء أن العامي لا يلزمه التقيد بمذهب(٢) مُعَيَّن، ورجحه الإِمام(٣). قاله جميعه ابن قاضي شهبة (٤). • وفيها أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد المالكيّ، قاضي الجماعة بقرطبة ومفتيها. روى عن أبي علي الغسَّاني، وأبي مروان بن سرَّاج، وخلق، وكان من أوعية العلم. له تصانيف مشهورة، عاش سبعين سنة. قاله في ((العبر))(٥) . · وفيها أبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال الصَّعيدي المصري، النحوي اللغوي، البحر الحبر، وله مائة سنة وثلاثة أشهر. توفي في ربيع الآخر. روى عن عبد العزيز الضرَّاب، والقضاعي، وسمع ((البخاريَّ)) من كريمة بمكّة. قاله في ((العبر))(٦). • وفيها أبو بكر الطَّرْطُوشي - وطُرْطُوشة من نواحي الأندلس - محمد بن الوليد القرشي الفِهْري الأندلسي المالكي، المعروف بابن أبي زيد. نزيل الإِسكندرية، وأحد الأئمة الكبار. أخذ عن أبي الوليد الباجي، ورحل فأخذ ((السنن))(٧) عن أبي على التَّستَرِي، وسمع ببغداد من رزق الله التميمي وطبقته، وتفقه على أبي بكر الشَّاشي. (١) انظر ((روضة الطالبين)) للإمام النووي (١١٧/١١) بتحقيقي بالاشتراك مع زميلي الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، طبع المكتب الإسلامي بدمشق. (ع). (٢) في ((آ)) و((ط)) و((المنتخب)) (١٠٧/ب): ((التقليد لمذهب)) وما أثبته من ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة و((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٢٠٨/١). (٣) يعني الإِمام النووي. (٤) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٠٧/١ - ٣٠٩). (٥) (٤٧/٤). (٦) (٤ /٤٧). (٧) يعني ((سنن أبي داود)) كما جاء ذلك مبيناً في ((سير أعلام النبلاء)) (٤٩٠/١٩). ١٠٢ قال ابن بشكوال(١): كان إماماً، عالماً، زاهداً، ورعاً، [ديِّناً] متقشفاً، متقللا [من الدنيا] راضياً باليسير. وقال ابن خَلِّكان(٢): كان يقول: إذا عرض لك أمران، أمر دنيا وأمر أخرى، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى. وسكن الشام مدةً، ودَرَّسَ بها، وكان كثيراً ما ينشد: طَلَّقوا الدُّنيا وخافوا الفِتّنا إِنَّ اللهِ عَبَاداً فُطَنَا أنها ليست لحيٍّ وَطَنَا فَكَّرُوا فيها فلمَّا عَلِموا صالِحَ الأعْمَالِ فيها سُفُنَا جَعَلُوهَا لُجَّةً وَتَّخِذُوا ولما دخل على الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش، بسط مئزراً كان معه تحته، وجلس عليه، وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني، فوعظ الأفضلَ حتَّى بكى، وأنشده: وحقُّهُ مُفْتَرَضٌ واجبُ يَا ذَا الذي طاعتهُ قربة يزعُمُ هَذَا أَنَّه كاذِبُ إِنَّ الذي شُرِّفت من أَجلِهِ وأشار إلى النصراني، فأقامه الأفضل من موضعه. وكان الأفضل قد أنزل الشيخ في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد، وكان يكرهه، فلما طال مقامه [به] ضجر وقال لخادمه: إلى متى نصبر؟ اجمع لي المباح، فجمع له، فأكله ثلاثة أيام، فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه: رميته الساعة، فلما كان من الغد ركب الأفضل فقتل، وولي بعده المأمون ابن البطائحي، فأكرم الشيخ إكراماً كثيراً، وصنَّف له كتاب ((سراج الملوك)) وهو حسن في بابه. (١) انظر ((الصلة)) (٥٧٥/٢) وما بين حاصرتين مستدرك منه. (٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤ /٢٦٢ - ٢٦٤). ١٠٣ ٠ وله غيره. وله طريقة في الخلاف، ومن المنسوب إليه: وأنت بإنجازها مُغْرَمُ إذا كنتَ في حاجةٍ مُرسِلًاً به صممٌ أفطس(١) أبكمُ فأرسل بأكمة خلَّبة رسولٍ يقال لهُ الدِّرهمُ ودْ عنكَ کل رسولٍ سوى وقال الطُّرْطُوشي: كنت ليلة نائماً في بيت المقدس، فبينما أنا في جنح الليل، إذ سمعت صوتاً حزيناً(٢) ينشد: أَخَوْفٌ ونومٌ إنَّ ذَا لعجيبُ ثكلتكَ من قلبٍ فأنتَ كذوبُ لما كان للإغماض منك نصيبُ أما وجلالِ اللهِ لو كنتَ صَادِقَاً قال: فأيقظ النّام وأبكى العيون. وكانت ولادة الطَّرْطُوشي المذكور سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريباً، وتوفي ثلث الليل الآخر سادس عشري جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة بثغر الإِسكندرية، وصلى عليه ولده محمد. انتهى ما أورده ابن خَلِّكان ملخصاً. (١) في ((وفيات الأعيان)): ((أغطش)). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((صوت حزين)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)) مصدر المؤلف. ١٠٤ سنة إحدى وعشرين وخمسمائة • فيها توفي أبو السعادات أحمد بن أحمد بن عبد الواحد(١) الهاشمي العبّاسي المتوكلي. شريف صالحٌ خيِّرٌ. روى عن الخطيب، وابن المسلمة، وعاش ثمانين سنة. ختم التراويح ليلة سبع وعشرين في رمضان، ورجع إلى منزله فسقط من السطح فمات، رحمه الله تعالى. · وفيها أبو الحسن الدِّينَوَري علي بن عبد الواحد. روى عن القزويني، وأبي محمد الخلال وجماعة، وهو أقدم شيخ لابن الجوزي. توفي في جمادى الآخرة. ● وفيها أبو الحسن بن الفاعُوس علي بن المبارك بن علي البغدادي الحنبلي الإِسكاف الزاهد. كان يقصُّ يوم الجمعة، وللناس فيه عقيدةٌ لصلاحه وتقشَّفه وإخلاصه. روى عن القاضي أبي يعلى وغيره، وسمع منه أبو المعمر الأنصاري، وكان يأتي ساقي الماء في مجلس إملائه فيتناول منه ليوهم الحاضرين أنه مفطر وأنه يشرب، ويكون صائماً غالباً. توفي ابن الفاعوس ليلة السبت تاسع عشر شوال وصُلِّي عليه من الغد بجامع القصر، وكان يوماً مشهوداً، ودفن قريباً من قبر الإِمام أحمد، رضي الله (١) في ((آ)): ((ابن عبد الوهاب)) وهو خطأ. ١٠٥ عنه. وغُلِّقتِ في ذلك اليوم أسواق بغداد، وكان أهل بغداد يصيحون في جنازته: هذا يوم سنِّيٍّ حنبليٌّ، رحمه الله تعالى. · وفيها أبو العزّ القلانسيّ محمد بن الحسين بن بندار الواسطي، مقرئ العراق، وصاحب التصانيف في القراءات. أخذ عن أبي يعلى غُلام الهَرَّاس، وسمع من أبي جعفر بن المسلمة، وفيه ضعف وكلام. توفي في شوال عن خمس وثمانين سنة . • وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد البَطَلْيَوْسي - بفتحتين وسكون اللام نسبة إلى بَطَلْيوس مدينة بالأندلس - النحوي كان عالماً بالآداب واللغات، متبحراً فيها متبحراً في معرفتها وإتقانها، سكن مدينة بلنسية، وكان الناس يجتمعون إليه، ويقرؤون عليه، ويقتبسون منه، وكان حسن التعليم، جيد التفهيم، ثقةً، ضابطاً، ألّف كتباً نافعةً ممتعةً، منها كتاب ((المثلث)) في مجلدين أتى فيه بالعجائب، ودلَّ على اطلاع عظيم(١) - فإن مثلثة قطرب في كراسة واحدة، واستعمل فيها الضرورة وما لا يجوز وغلط في بعضها - وله كتاب ((الاقتضاب في شرح أدب الكتاب)) وشرح ((سقط الزند)) لأبي العلاء [المعري شرحاً استوفى فيه المقاصد، وهو أحسن من شرح أبي العلاء](٢) صاحب ((الديوان)) وله كتاب في الحروف الخمسة(٣) وهي السين والصاد والضاد والظاء والدال، جمع فيه كل غريب، وله كتاب ((الحلل في شرح أبيات الجمل)) و((الخلل في أغاليط الجمل)) أيضاً وكتاب ((التنبيه على (١) وقد طبع القسم الأول منه في وزارة الثقافة والإعلام في العراق بتحقيق الدكتور صلاح مهدي الفرطوسي . (٢) ما بين حاصرتين سقط من ((آ)) وأثبته من ((ط)). (٣) واسمه ((الفرق بين الحروف الخمسة)) وقد نشر أول مرة في مكتبة المتنبي في القاهرة عام ١٤٠٢ هـ بتحقيق الدكتور حمزة عبد الله النشرتي، وهي نشرة سقيمة كثيرة الخطأ، ثم نشر نشرة جيدة في دار المأمون للتراث بدمشق بتحقيق الأستاذ عبد الله الناصير. ١٠٦ الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة)) وكتاب ((شرح الموطأ)) وغير ذلك. وقيل: إنه لم يخرج من المغرب. وبالجملة فكل شيءٍ تكلم فيه ففي غاية الجودة، وله نظم حسن، فمن ذلك قوله: وأوصالُهُ تحتَ التُّرابِ رَمِيمُ أَخُو العِلم حَيُّ خالدٌ بعد مَوتِهِ يُظَنُّ مِنَ الأحياءِ وهو عديمُ وذُو الجهل ميت وهو ماشٍ على الثرى وله في طول الليل: كما شِبتُ أم في الجوِّ روضُ بَهَارِ أرى(١) ليلنا شابت نواصيهِ كبرةً(٢) ولا فَصْل فيما بينها لِنَّهَارِ كأنَّ الليالي السَّبْعِ في الجوِّ جُمِّعَتْ ومولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بَطَلْيَوس، وتوفي في منتصف رجب بمدينة بلنسية. (١) في ((وفيات الأعيان)) (٩٧/٣): ((تُرى)). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((كرة)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)) (٩٧/٣). ١٠٧ سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة · فيها توفي طُغْتِكِين أتابك ظهير الدِّين، وكان من أمراء تُتُش السلجوقي بدمشق، فزوَّجه بأم ولده دُقاق ثم إنه صار أَتابك دُقاق، ثم تملّك دمشق، وكان شهماً، شجاعاً، مهيباً، مدبراً، سائساً، له مواقف مشهورة(١) مع الفرنج توفي في صفر، ودفن بتربته قِبَلَ المُصلَّى. وملك بعده ابنه تاج الملوك بوري، فعدل ثم ظلم. قاله في ((العبر))(٢). • وفيها أبو محمد الشَّنْتَرِيني الإِشبيلي الحافظ، عبد الله بن أحمد. روى (الصحيح)) (٣) عن ابن منظور(٤)، عن أبي ذرِّ. وسمع من حاتم بن محمد وجماعة . قال ابن بشكوال(٥): كان حافظاً للحديث وعلله، عارفاً برجاله، وبالجرح والتعديل، ثقةً، كتب الكثير، واختص بأبي علي الغسَّاني، وله تصانيف في الرجال. توفي في صفر، عن ثمان وسبعين سنة. (١) كذا في (ط)) و((العبر)): ((مشهورة)) وفي ((آ)): ((مشهودة)) بالدال. (٢) (٥١/٤). (٣) يعني ((صحيح البخاري)) كما جاء ذلك مبيناً في ((سير أعلام النبلاء)) (٥٧٨/١٩). (٤) تحرف في ((ط)) إلى ((ابن منصور)). (٥) انظر ((الصلة)) (٢٩٣/١). ١٠٨ • وفيها الوزير أبو علي الحسن بن علي بن صَدَقَة جلال الدِّين، وزير المسترشد، كان ذا حزمٍ وعقلٍ ودهاءٍ ورأيٍ وأدبٍ وفضلٍ . ● وفيها أبو القاسم النشادري(١) موسى بن أحمد بن محمد النشادري(١)، الفقيه الحنبلي. كان يذكر أنه من أولاد أبي ذرّ الغفاري، رضي الله عنه. سمع الحديث الكثير، وقرأ بالروايات، وتفقَّه على أبي الحسن بن الزّاغوني وناظر. قال ابن الجوزي(٢): رأيته يتكلم كلاماً حسناً. توفي رابع رجب، ودفن بمقبرة الإِمام أحمد. (١) في ((ط)): ((النشاوري)) وفي ((المنتظم) لابن الجوزي: ((السَّامري)) وما جاء في ((آ)) موافق لما في ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٧٦/١) و((المنهج الأحمد)) (٢٧٤/٢). (٢) انظر ((المنتظم)) (١٠/١٠). ١٠٩ سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة فيها قتل بدمشق نحو ستة آلاف ممن كان يُرمى بعقيدة الإِسماعيلية، • وكان قد دخل الشام بهرام الأسد اباذي وأضل خلقاً، ثم إن طُغْتِكِين ولّه بانياس، فكان سيئةً من سيئات طُغْتِكِين، وأقام بهرام له داعياً بدمشق، فكثر أتباعه بدمشق، وملك هو عدة حصون بالشام، منها القَدْمُوس. وسلَّم بهرامُ بانياس للفرنج. · وفيها توفي جعفر بن عبد الواحد أبو الفضل الثقفي الأصبهاني، الرئيس. روى عن ابن رِيذة(١) وطائفة، وعاش تسعاً وثمانين سنة. · وفيها المَرْدَغَاني، الوزير كمال الدِّين طاهر بن سعد، وزير تاج الملوك بوري بن طُغْتِكِين، قتله وعلَّق رأسه على القلعة. • وفيها أبو سعد النَّسفي عبد الله بن أبي المُظفَّر بن أبي نُعَيْم بن أبي تَمَّام بن الحارث، القاضي الحافظ. أحد حفَّاظ سمرقند وما والاه. قاله ابن ناصر الدِّين(٢). · وفيها أبو الحسن عُبيد الله بن محمد بن الإِمام أبي بكر البيهقي. (١) تحرفت في ((آ)) إلى ((ابن زيدة)) وفي ((العبر)) بطبعتيه إلى ((ابن مندة)) والصواب ما جاء في ((ط)) وانظر ((التحبير في المعجم الكبير)) (١٦٠/١) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٢٧/١٩). (٢) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٦٠ / ب) وقد ترجم له هناك بأطول مما هنا. ١١٠ سمع الكتب من جدّه، ومن أبي يعلى الصابوني، وجماعة، وحَدَّث ببغداد، وكان قليل الفضيلة، توفي في جمادى الأولى، وله أربع وسبعون سنة. • وفيها يوسف بن عبد العزيز أبو الحجّاجِ المُيُورْقِيّ(١)، الفقيه العلاّمة. نزيل الإِسكندرية، وأحد الأئمة الكبار، تفقّه ببغداد على إلكيا الهرَّاسي، وأحكم الأصول والفروع، وروى ((البخاري)) عن واحد عن أبي ذرّ، و((مسلماً)) عن أبي عبد الله الطبري، وله ((تعليقةٌ)) في الخلاف. توفي في آخر السنة . قال السِّلفي: حَدَّث بـ ((الترمذي)) وخَلَّطَ في إسناده. (١) تحرفت نسبته في ((آ)) و((ط)) إلى ((المنورقي)) والتصحيح من ((العبر)) (٥٤/٤) و((النجوم الزاهرة» (٢٣٥/٥). ١١١ سنة أربع وعشرين وخمسمائة : ● فيها كما قال في ((العبر))(١): ظهرت ببغداد عقارب طيَّارة، قتلت جماعة أطفال. · وفيها أبو إسحاق الغزّيّ إبراهيم بن عثمان، شاعر العصر، وحامل لواء القريض، وشعره كثيرٌ سائرٌ متنقلٌ في بلد الجبال، وخراسان. وتوفي بناحية بلخ، وله ثلاث وثمانون سنة. قاله في ((العبر))(٢). • وقال ابن النجّار في ((تاريخ بغداد))(٣): هو إبراهيم بن عثمان بن عَيَّش بن محمد بن عمر بن عبد الله الأشهبي الغزّي الكلبي، الشاعر المشهور، شاعر محسن. وذكره الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤) فقال: دخل دمشق (٥) (١) (٥٥/٤). (٢) (٥٥/٤). (٣) هو ((ذيل تاريخ بغداد) طبعت منه بعض الأجزاء في حيدر أباد الدكن بالهند تضم تراجم من (حرف العين) فقط. (٤) نقل المؤلف كلام الحافظ ابن عساكر عن ((وفيات الأعيان)) (٥٧/١ -٦٢) وهو في ((تاريخ دمشق)) (٤٦٩/٢ - ٤٧٠) مصورة دار البشير بعَمَّان مختصراً ولعل ابن خلِّكان قد اطلع على نسخة أخرى من ((تاريخ دمشق)) والله أعلم. (٥) قوله: ((فقال: دخل دمشق)) سقط من ((آ)). ١١٢ وسمع بها من الفقيه نصر المقدسي، سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، ورحل إلى بغداد، وأقام بالمدرسة النظامية سنين كثيرة، ومدح ورثى غير واحد من المدرسين بها وغيرهم، ثم رحل إلى خُراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها، وانتشر شعره هناك، وذكر له عدة مقاطيع من الشعر، وأثنى عليه. انتھی . وله ديوان شعر اختاره بنفسه وذكر في خطبته أنه ألف بيت. وقال العماد الكاتب: جاب(١) البلاد، وأكثر النُّقَلَ والحركات، وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان، ولقي الناس، ومدح ناصر الدِّين مكرم بن العلاء، وزير كرمان بقصيدته البائية التي يقول فيها، ولقد أبدع: حَمَلْنَا من الأيامِ مَا لَاَ نطيقُه كما حمْلَ العظمُ الكسيرُ العَصائبا ومنها في قصر الليل وهو معنى لطيف: ولَيلِ رَجَوْنًا أن يَدِبّ عِذَارُهُ فما اختطَّ حَتَّى صَارَ بالفجر شَائِبًا ومن جيد شعره المشهور قوله: باب الدَّواعي والبواعثِ مغلَقُ منهُ النَّوَالُ ولا مليحٌ يعشقُ ويُخان فيه معَ الكسادِ ويُسْرِقُ(٢) قَالُوا هَجَرْتَ الشِّعر قلت ضرُورةٌ خَلَتِ الدِّيارُ فَلَ كَرِيمٌ يُرتجى ومن العَجَائبِ أنه لا يُشترى ومن شعره وفيه صناعة حسنة: وَخْزُ الأسنَّةِ والخضُوعُ لناقصٍ أَمْرَانِ في ذَوْقِ النُّهىْ مُرَّانِ :: (١) في ((آ)): ((جال)). (٢) رواية البيت في ((مختصر تاريخ دمشق)) (٨٢/٤) اختصار وتحقيق الأستاذ الفاضل إبراهيم الصالح، طبع دار الفكر بدمشق : ومع الكساد يخان فيه ويسرق ومن العجائب أنه لا يشترى ١١٣ والرَّأي أن يُختار فيما دُونهُ الـ ـمرَّانِ وخْزُ أسنَّة المرَّانِ وله : تعذَّرَ ما تُبَلّ بهِ الجفُونُ وجفَّ النَّاسُ حتَّى لو بَكْنَا . ولا يَنْدَى لِمَهْجُوِّ جَبِينُ فَمَا يَنْدِىَ لِمَمْدُوحٍ بنانٌ ولد الغزِّيُّ هذا بغزة هاشم سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وتوفي ما بين مرو وبَلْخ من بلاد خراسان، ونقل إلى بَلْخ ودفن بها، ونقل عنه أنه كان يقول لما حضرته الوفاة: أرجو أن يغفر لي ربي لثلاثة أشياء: كَوْنِي من بلد الإِمام الشافعي، وأني شيخ كبير، وأني غريب، رحمه الله تعالى وحقَّق رجاءه . · وفيها الإِخشيذ إسماعيل بن الفضل الأصبهاني السرّاج التاجر. قرأ القرآن على جماعة وروى الكثير عن ابن عبد الرحيم، وأبي القاسم بن أبي بكر الذكواني، وطائفة، وعمّر ثمانياً وثمانين سنة. · وفيها البّارع، وهو أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب البغدادي الدبّاس، المقرئ الأديب الشاعر، وهو من ذريّة أبي القاسم بن عبيد الله (١) وزير المعتضد. قرأ القرآن على أبي بكر محمد بن علي الخيّاط وغيره، وروى عن أبي جعفر بن المسلمة، وله مصنفات وشعر فائق. قال ابن خَلِّكان(٢): كان نحويّاً لغوياً مقرئاً، حسن المعرفة بصنوف من الآداب، وأفاد خلقاً كثيراً، خصوصاً بإقراء القرآن الكريم. وهو من بيت الوزارة، فإن جدّه القاسم كان وزير المعتضد والمكتفي (١) تحرفت في ((العبر)) بطبعتيه إلى ((عبد الله)) فتصحح، وانظر ((معرفة القراء الكبار)) (١ / ٤٧٦) طبع مؤسسة الرسالة. (٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٨١/٢ - ١٨٤). ١١٤ بعده، وهو الذي سَمَّ ابن الرُّومي الشاعر، وعبيد الله كان وزير المعتضد أيضاً قبل ابنه القاسم، وسليمان بن وهب الوزير تغني شهرته عن ذكره. والبارع المذكور من أرباب الفضائل، وله مؤلفات حسان وتأليف غريبة، وديوان شعر جيد. وكان بينه وبين ابن الهَبَّارية مداعبات لطيفة، فإنهما كانا رفيقين ومُتَّحدَينِ في الصحبة. ومن شعر البارع: أسأل مَنْ لا مَاءَ في وجههِ أفنيتُ ماءَ الوجهِ من طُول ما يا ليتني مُتُّ ولم أُنْههِ أُنهي إليه شرح حالي الذي ولم أكد أسلم من جَبْههِ فلم يَنَلني كرماً رِفْدُهُ ممتدةُ الأيدي إلى بُلْههِ والموتُ من دهرٍ نَحاريرُهُ وكانت ولادته في عاشر صفر سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ببغداد. وتوفي يوم الثلاثاء سابع جمادى الآخرة، وقيل: الأولى، وكان قد عمي في آخر عمره، رحمه الله . • وفيها ابن الغَزَال أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن الغَزَال المصري(١) المجاور، شيخ صالح مقرئ ، قد سمع السِّلفيّ في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة من إسماعيل الحافظ عنه. سمع القضاعي، وكريمة (٢)، وعمّر دَهراً. • وفيها فاطمة الجُوزدَانية أم إبراهيم بنت عبد الله بن أحمد بن القاسم ابن عقيل الأصبهانية. سمعت من ابن ريزة ((معجمي)) الطبراني(٣) سنة خمس (١) انظر ((العقد الثمين)) (٢٤٢/٥ - ٢٤٣). (٢) سمع منها ((صحيح البخاري)) كما جاء ذلك مبيناً في ((العقد الثمين)). (٣) وهما ((المعجم الكبير)) و((المعجم الصغير)) ذكر ذلك الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (١٩/ ٥٠٤). ١١٥ وثلاثين، وعاشت تسعاً وتسعين سنة، وتوفيت في شعبان. وفيها أبو الأعزّ قَرَاتِكِين بن الأسعد الأزجي. روى عن الجوهري وجماعة، وکان عاميًّاً، توفي في رجب ببغداد. • وفيها أبو عامر العَبْدَرِي(١) محمد بن سعدون بن مرجّى المُيُوْرقي، الحافظ الفقيه الظاهري. نزيل بغداد. أدرك أبا عبد الله البَانياسي، والحميدي، وهذه الطبقة. قال ابن عساكر: كان فقيهاً على مذهب داود، وكان أحفظ شيخ لقيته . وقال القاضي أبو بكر بن العربي: هو أنبلُ من لقيتُه. وقال ابن ناصر: كان فهماً، عالماً، متعففاً مع فقره. وقال السِّلفيّ: كان من أعيان علماء الإِسلام، متصرفاً في فنون من العلوم . وقال ابن عساكر: بلغني أنه قال: أهل البدع يحتجُون بقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشورى: ١١] أي في الإلهية، فأما في الصُورة، فمثلنا. ثم يحتج بقوله تعالى: ﴿[يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ] لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِن اتَّقَيْتُنَّ ﴾ أي في الحرمة . وقال ابن ناصر الدِّين(٢): كان من أعيان الحفّاظ، لكن تكلم في مذهبه في القرآن ابن ناصر، وحطَّ عليه بما لا يَتْبُت عنه(٣) ابن عساكر. (١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((العبدوي)) والتصحيح من ((العبر)) (٥٧/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٥٧٩/١٩) وانظر تتمة ترجمته فيه. (٢) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٦١ / آ) وتمام قوله فيه: ((كان فقيهاً ظاهرياً من أعيان الحفاظ والأئمة العلماء المتقنين الأيقاظ. (٣) لفظة ((عنه)) سقطت من ((آ)). ١١٦ · وفيها محمد بن عبد الله بن تُومرت المَصْمُودي البربري، المدعي أنه عَلويٌّ، حسنيٌّ، وأنه المهدي. رحل إلى المشرق، ولقي الغزالي وطائفة، وحَصَّل فنوناً(١) من العلم، والأصول، والكلام، وكان رجلاً ورعاً ساكناً ناسكاً في الجملة. زاهداً متقشفاً شجاعاً جلداً عاقلاً، عميق الفكر، بعيد الغور، فصيحاً مهيباً، لذته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ولكن جَرَّه إقدامه وجرأته على حب الرئاسة والظهور وارتكاب المحظور، ودعوى الكذب والزور، من أنه حسنيٌّ، وهو هَرْغيُّ (٢) بربريٍّ وأنَّه إمامٌ(٣) معصوم، وهو بالإِجماع مخصوم. فبدأ أولاً في الإِنكار بمكّة، فآذوه، فقدم مصر وأنكر، فطردوه، فأقام بالثغر مُدَّةً فنفوه، وركب البحر، فشرع يُنكر على أهل المركب ويأْمُر وينهى، ويُلزمهم بالصلاة. وكان مهيباً وقوراً بزيق الفقر، فنزل بالمهديَّة في غرفة، فكان لا يرى منكراً أو لهواً إلّ غيره بيده ولسانه، فاشتهر وصار له زبون وشباب يقرؤون عليه في الأصول، فطلبه أمير البلد يحيى بن باديس وجلس له، فلما رأى حسن سمته وسمع كلامه احترمه وسأله الدعاء. فتحول إلى بجايَة، وأنكر بها، فأخرجوه، فلقي بقرية مَلّلة عبد المؤمن بن علي شاباً مختطاً مليحاً. فربطه عليه، وأفضى إليه بسرّه وأفاده جملةً من العلم، وصار معه نحو خمسة (٤) أنفس، فدخل مرَّاكش، وأنكر كعادته، فأشار مالك بن وهيب الفقيه على علي بن يوسف بن تاشفين بالقبض عليهم سدًّاً للذريعة، وخوفاً من الغائلة، وكانوا بمسجد دائرٍ بظاهر مرَّاكش، (١) في ((العبر)) بطبعتيه: ((فناً)). (٢) قال ابن خلِّكان في ((وفيات الأعيان)) (٥٥/٥): الهَرْغيُّ: بفتح الهاء وسكون الراء، وبعدها غين معجمة، هذه النسبة إلى هَرْغة، وهي قبيلة كبيرة من المصامدة في جبل السوس في أقصى المغرب تنسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، يقال: إنها نزلت في ذلك المكان عندما فتح المسلمون البلاد على يد موسى بن نصير. (٣) لفظة ((إمام)) سقطت من ((ط)). (٤) في ((ط)): ((خمس)). ١١٧ فأحضرهم وعقد لهم مجلساً حافلاً، فواجهه ابن تُومرت بالحقِّ المحضِ ولم يحابه(١)، ووبَّخه ببيع الخمر جهاراً وبمشي الخنازير التي للفرنج بين أظهر المسلمين، وبنحو ذلك من الذنوب، وخاطبه بكيفية ووعظ، فذرفت عينا الملك وأطرق، فقويت التهمة عند ابن وهيب وأشباهه من العقلاء، وفهموا مرام ابن تُومرت. فقيل للملك: إن لم تسجنهم وتنفق عليهم كل يوم ديناراً وإلّ أنفقت عليهم خزائنك(٢)، فهوَّن الوزير أمرهم ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]. فصرفه الملك وطلب منه الدعاء، واشتهر اسمه وتطلعت النفوس إليه، وسار إلى أَغمات، وانقطع بجبل تِيْنمَلَّ(٣)، وتسارع إليه أهل الجبل يتبرَّكون به. فأخذ يستميلُ الشباب الأَغْتَام(٤) والجهلة الشجعان، ويلقي إليهم ما في نفسه، وطالت مدته، وأصحابه يكثرون، وهو يأخذهم بالديانة والتقوى، ويحضهم على الجهاد وبذل النفوس في الحق، وورد أنه كان حاذقاً في ضرب الرَّمل، قد وقع بجَفْرٍ فيما قيل، واتفق العبد المؤمن أنَّه كان قد رأى أنه يأكل في صحفة مع ابن تاشفين ثم اختطف(٥) الصحفة منه، فقال له المعبِّرُ: هذه الرؤيا لا ينبغي أن تكون لك، (١) في ((العبر)) بطبعتيه: ((يجابه)) بالجيم، ومعنى ((ولم يحابه)) من المحاباة، والله تعالى أعلم. (٢) في ((العبر)) بطبعتيه: ((خزانتك)). (٣) في ((العبر)) بطبعتيه: ((اتينمل)) وقد جاءت عند المؤلف بلام واحدة كما هي عند ابن خلِّكان في ((وفيات الأعيان)) (٤٨/٥) وقد ضبطها فيه (٥٥/٥) بكسر التاء المثناة من فوقها، وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة. وفي ((معجم البلدان)» (٦٩/٢) وعند المقري في ((نفح الطيب)) (٦١٥/١): ((تينملل)) بلامين، وقال ياقوت: الميم مفتوحة، واللام الأولى مشددة مفتوحة. (٤) في ((آ) و((ط)): ((الأغنام)) وهو تصحيف، والأغتام، جمع غُتْمي. جاء في ((لسان العرب)) (غتم): الغتمة عُجْمة في المنطق، ورجل أغتم وغتمي: لا يفصح شيئاً، وامرأة غتماء، وقوم غتم وأغتام، وانظر ((أساس البلاغة)) للزمخشري (غتم). وقد تفضّل بكتابة هذا التعليق صديقي الفاضل الأستاذ المحقق يحيى مير علم حفظه الله تعالى وزاده توفيقاً. (٥) في ((العبر)) بطبعتيه: ((ثم اختطفت)). ١١٨ بل هي لرجل يخرج على ابن تاشفين، ثم يغلب على الأمر. وكانت تهمة ابن تُومَرْت في إظهار العقيدة والدعاء إليها، وكان أهل المغرب على طريقة السلف ينافرون الكلام وأهله. ولما كثرت أصحابه أخذ يذكر المهديَّ ويشوِّقُ إليه، ويروي الأحاديث التي وردت فيه. فتلهفوا على لقائه، ثم روى ظمأهم وقال: أنا هو، وساق لهم نسباً ادَّعاه وصرَّح بالعصمة، وكان على طريقةٍ مُثلى لا تُنكر(١) معها العصمة، فبادروا إلى متابعته، وصنّف لهم مصنفات مختصرات، وقوي أمره في سنة خمس عشرة وخمسمائة. فلما كان في [سنة] سبع عشرة جهّز عسكراً من المصامدة أكثرهم من أهلِ تِيْنمَلَّ، والسُّوس، وقال: اقصدوا هؤلاء المارقين [من] المرابطين، فادعوهم إلى إزالة البِدَع والإِقرار بالإِمام المعصوم، فإن أجابوكم وإِلّ فقاتلوهم . وقدم عليهم عبد المؤمن، فالتقاهم الزُّبير ولدُ أمير المسلمين، فانهزمت المصامدة(٢) ونجا عبد المؤمن، ثم التقَوهم مرَّةً أخرى فنُصرت المصامدة واستفحل أمرُهم، وأخذوا في شنِّ الإِغارات على بلاد ابن تاشفين، وكثُر الداخلون في دعوتهم، وانضم إليهم كل مفسدٍ ومُريبٍ، واتّسَعَتْ عليهم الدُّنيا، وابن تُومرت في ذلك كله لون واحد من الزهد، والتقلل، والعبادة، وإقامة السُّنن والشعائر، لولا ما أفسد القضية بالقول بنفي الصفات كالمعتزلة، وبأَنَّه المهدي، وبتسرعه في الدماء، وكان ربما كاشف أصحابه ووعدهم بأمور فتوافق، فيُفتنون به، وكان كهلاً أسمر عظيم الهامة ربعةً حديد النظر، مهيباً، طويل الصمت، حسنَ الخشوع والسمت، وقبره مشهورٌ معظّمٌ، ولم (١) في ((العبر)) بطبعتيه: ((لا يُنكر)). (٢) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((المصادمة)) والتصحيح من ((العبر)) (٦١/٤). ١١٩ يملك شيئاً من المدائن، إنما مهَّد الأمور وقرَّر القواعد فبغته الموتُ، وكانت الفتوحاتُ والممالكُ لعبد المؤمن. قاله في ((العبر)(١). · وفيها الآمر بأحكام الله أبو علي منصور بن المستعلي بالله أحمد بن المستنصر بالله معد بن الظاهر بن الحاكم العُبيدي الرافضي، صاحب مصر. كان فاسقاً مشتهراً ظالماً، امتدت دولته، ولما كبُر وتمكَّن قَتَلَ وزيره الأفضل، وأقام في الوزارة البطائحيّ المأمونَ، ثم صادره وقتله. ولي الخلافة سنة خمس وتسعين، وهو ابن خمس سنين فانظر إلى هذه الخلافة الباطلة من وجوه : أحدها: السنُّ. الثاني: عدم النسب، فإن جدّهم دَعِيٌّ في بني فاطمة بلا خلاف. الثالث: أنهم خوارجُ على الإِمام. الرابع: خُبث المعتقد الدائر بين الرفض والزندقة. الخامس : تظاهره بالفسق. وكانت أيامه ثلاثين سنة(٢). خرج في ذي القعدة إلى الجيزة فكمن له قومٌ بالسلاح، فلما مر على الجسر نزلوا عليه بالسيوف، ولم يُعقّب، وبايعوا بعده ابن عمّه الحافظ عبد المجيد ابن الأمير محمد بن المستنصر، فبقي إلى عام أربعة وأربعين، وكان الآمر ربعة شديدَ الأدمة، جاحظ العينين، عاقلاً، ماكراً(٣) مليح الخطّ. ولقد ابتهج الناس بقتله لفسقه وجوره وسفكه الدماء، وإدمان الفواحش. • وفيها أبو محمد بن الأكْفَاني هبة الله بن أحمد بن محمد الأنصاري (١) (٥٧/٤ - ٦٢). (٢) لفظة ((سنة)) سقطت من ((آ)). (٣) لفظة ((ماكراً)) سقطت من ((العبر)) طبع الكويت، واستدركت في ((العبر)) طبع بيروت. ١٢٠