Indexed OCR Text

Pages 21-40

والنظر في الأحاديث، خصوصاً البخاري، وإدامة الصيام، والتهجّد، ومجالسة
أهل القلوب، إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى، وهو قطب الوجود، والبركة
الشاملة لكل موجود، وروح خلاصة أهل الإِيمان، والطريق الموصلة إلى رضا
الرحمن، يتقرب إلى الله تعالى به كل صديق، ولا يبغضه إلاّ ملحد أو زنديق،
قد انفرد في ذلك العصر عن أعلام الزمان كما انفرد في هذا الفصل، فلم
يترجم فيه معه في الأصل لإِنسان. انتهى كلام الإِسنوي(١).
وقال ابن قاضي شهبة(٢): ومن تصانيفه ((البسيط)) وهو كالمختصر
للنهاية، و((الوسيط)) ملخص منه، وزاد فيه أموراً من ((الإِبانة)) للفُوْرَاني، ومنها
أخذ هذا الترتيب الحسن الواقع في كتبه، وتعليق القاضي حسين،
و((المهذّب)) واستمداده منه كثير، كما نبّه عليه في المطلب، ومن تصانيفه
أيضاً ((الوجيز)) و((الخلاصة)) مجلد دون ((التنبيه)) وكتاب ((الفتاوى)) له مشتمل
على مائة وتسعين مسألة، وهي غير مرتبة وله فتاوى أخرى غير مشهورة، أقل
من تلك، وصنّف في الخلاف المآخذ جمع مأخذ(٣)، ثم صنّف كتاباً آخر في
الخلاف سماه ((تحصيل المأخذ))(٤) وصنَّف في المسألة السريجية مصنفين،
اختار في أحدهما عدم وقوع الطلاق وفي الآخر الوقوع، وكتاب ((الإِحياء))
وهو الأعجوبة العظيم الشأن، و((بداية الهداية)) في التصوف، و((المستصفى))
في أصول الفقه، و((إلجام العوام عن علم الكلام))، و((الرد على الباطنية))،
و ((مقاصد الفلاسفة))، و((تهافت الفلاسفة)» و«جواهر القرآن)» و«شرح الأسماء
(١) أقول: كلام الإِسنوي في مدح الإِمام الغزالي فيه مبالغات لا يرضاها الشرع، ولا يقرها
الغزالي نفسه. (ع).
(٢) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٢٧/١ -٣٢٨).
(٣) في ((آ): ((الماجد جمع ماجد)) وأثبت لفظ ((ط)) وهو موافق لما في ((طبقات الشافعية)) لابن
قاضي شهبة.
(٤) في ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة: ((تحصين المأخذ)).
٢١

الحسنى))، و((مشكاة الأنوار)) و((المنقذ من الضلال)) وغير ذلك. انتهى.
وذكر الشيخ علاء الدِّين علي بن الصيرفي في كتابه (زاد السالكين)) أن
القاضي أبا بكر بن العربي قال: رأيت الإِمام الغزالي في البريَّة وبيده عكازة،
وعليه مرقعة، وعلى عاتقه ركوة، وقد كنت رأيته ببغداد يحضر مجلس درسه
نحو أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم، يأخذون عنه العلم. قال:
فدنوت منه وسلّمت علیه، وقلت له: يا إمام! أليس تدريس العلم ببغداد خير
من هذا؟ قال: فنظر إلي شَزْراً (١) وقال: لما طلع بدر السعادة في فلك الإِرادة
- أو قال سماء الإِرادة - وجنحت شمس الوصول في مغارب الأصول:
وعُدتُ إلى تصحيح أول منزلٍ
ترکْتُ هوی لیلی وسعدی(٢) بمعزلٍ
مُنَازِلُ مَنْ تَهوىُ رُوَيْدَك فانزلٍ
ونَادَتْ بِيَ الأشواقُ مَهلًا فهذهِ
لِغَزْلِيَ نَسَّاجَاً فَكَسَّرْتُ مِغْزَلي
غَزَلْتُ لَهُم غَزْلا دَقِيقَاً فَلَم أجد
انتھی .
(١) قال في ((مختار الصحاح)) (شزر): نظر إليه شزراً، وهو نظر الغضبان بمؤخر عينيه.
(٢) في ((آ)): ((وشعري)).
٢٢

سنة ست وخمسمائة
• فيها توفي أبو غالب أحمد بن محمد بن أحمد الهَمَذَاني العدل.
روى عن أبي سعيد عبد الرحمن بن شُبانة(١) وجماعة، أو توفي في العام
الآتي. قاله في ((العبر))(٢).
● وفيها أبو القاسم إسماعيل بن الحسن السَّنْجَبَسْتي - بفتح السين(٣)
المهملة والجيم والموحدة، وسكون النون والمهملة الثانية وفوقية، نسبة إلى
سَنْجَبَسْت، منزل بين نيسابور وسرخس - الفرائضي. توفي في صفر
بسَنْجَبَسْت. روى عن أبي بكر الحِيري، وأبي سعيد الصيرفي، وعاش خمساً
وتسعين سنة .
· وفيها الفضل بن محمد بن عُبيد القُشَيْري النيسابوريُّ الصُّوفيُّ
العدل. روى عن أبي حَسَّان المُزَكِّي، وعبد الرحمن بن النَّصْرُوبِي(٤)، وطائفة،
وعاش خمساً وثمانين سنة، وهو أخو عُبيد القشيري.
• وفيها أبو سعد المُعَمّرُ بن علي بن المُعَمَّر بن أبي عِمَامَةِ (٥) البقّال
(١) في (آ)) و((ط)): ((شبابة)) وهو تصحيف، والتصحيح من (العبر)) مصدر المؤلف، و((سير أعلام
النبلاء)» (٢٧٢/١٩).
(٢) (٤ / ١١).
(٣) وكذا في ((الأنساب)) (١٦٢/٧) و((اللباب)) (١٤٦/٢) وضبطها ياقوت في (معجم البلدان))
(٢٦٣/٣) بكسر السين.
(٤) في ((آ)) و((ط)) و((العبر)) بطبعتيه و((سير أعلام النبلاء)) (٢٩٣/١٩): ((النصروي)) وهو خطأ،
والتصحيح من ((الأنساب)) (٩١/١٢) و((اللباب)) (٣١١/٣).
(٥) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((عمارة)) والتصحيح من ((العبر)) (١١/٤) و((سير أعلام النبلاء)) =
٢٣

البغدادي، الحنبلي، الفقيه، الواعظ، ريحانة البغداديين.
ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وسمع من ابن غيلان، والخلّل،
والجوهري، والأزجي، وغيرهم.
وكان فقيهاً مفتياً واعظاً بليغاً فصيحاً، له قبول تام، وجواب سريع،
وخاطر حاد، وذهن بغداديٌّ، وكان يضرب به المثل في حدة الخاطر، وسرعة
الجواب بالمجون، وطيب الخلق، وله كلمات في الوعظ حسنة، ورسائل
مستحسنة، وجمهور وعظه(١) حكايات السلف، وكان يحصل بوعظه نفع
كثير(٢)، وكان في زمن أبي علي بن الوليد شيخ المعتزلة، يجلس في
مجلسه، ويلعن المعتزلة.
وخرج مرة فلقي مغنيةً قد خرجت من عند تركي، فقبض على عودها،
وقطّع أوتاره، فعادت إلى التَّركي فأخبرته، فبعث من كَبَسَ دار أبي سعد
وأفلت هو، فاجتمع بسبب ذلك الحنابلة، وطلبوا من الخليفة إزالة المنكرات
كلها، فأذن لهم في ذلك.
وكان أبو سعد يعظ بحضرة الخليفة [المستظهر] والملوك، ووعظ يوماً
نظام الملك الوزير بجامع المهدي، فقال من جملة ما قال: لما تقلدت أمور
البلاد وملكتَ أزِمّة العباد، اتخذت الأبواب والبواب، والحجاب والحُجَّاب،
ليصُدُّوا عنك القاصد، ويردُّوا عنك الوافد؟ فاعمر قبرك كما عمّرت قصرك،
وانتهز الفرصة ما دام الدهر [أمّرك، فلا تعتذر، فما ثمَّ من] يقبل عذرك.
وهذا ملك الهند، وهو عابدُ صنمٍ، ذَهبَ سمعُه، فقال: ما حسرتي
= (٤٥١/١٩) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٠٧/١).
(١) يعني ومعظم وعظه.
(٢) في (()) و(ط)): ((كبير)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)) مصدر المؤلف، وقد نقل عنه
بتصرف، وما بين حاصرتين في الترجمة مستدرك منه.
٢٤

الذهاب هذه الجارحة من بدني، ولكن تأسفي لصوت المظلوم لا أسمعه
فأُغيثه(١) ثم قال: إن كان ذهب سمعي فما ذهب بصري، فليُؤمر كل ذي
ظُلامة أن يلبس الأحمر حتَّى، إذا رأيته عرفته فأنصفته(٢). وهذا أنُو شُروان،
قال له رسول الرُّوم: لقد أقدرتَ عدوك عليك بتسهيل الوصول إليك، فقال:
إنما أجلس هذا المجلس لأكشف ظُلَامَةً، وأقضي حاجةً. وأنت يا صدر
الإِسلام أحق بهذه المأثرة، وأولى بهذه وأحرى، فأعِدَّ جواباً(٣) لتلك
المسألة، فإن السائل اللّه تعالى، الذي ﴿تَكَادُ السَّمْوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾
[مريم: ٩٠] في موقف ما فيه إلّ خاشع، أو خاضع، أو مقنع، فينخلع فيه
القلب، ويحكم فيه الرَّبُّ، ويعظم فيه الكرب، ويشيب فيه الصغير، ويعزل
فيه الملك والوزير، يوم ﴿ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣]
﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرِ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ
بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَأَ بَعِيْداً﴾ [آل عِمْران: ٣٠]. وقد استجلبتُ لك الدعاء،
وخلدتُ لك الثناء، مع براءتي من التهمة، فليس لي - بحمد الله تعالى - في
أرض الله ضيعة ولا قرية، ولا بيني وبين أحد خُصومة، ولا بي بحمد الله فقر
ولا فاقة.
فلما سمع، نظام الملك هذه الموعظة بكى بكاء شديداً، وأمر له بمائة
دينار، فأبى أن يأخذها، [ وقال: أنا في ضيافة أمير المؤمنين، ومن يكن في
ضيافة أمير المؤمنين يقبح عليه أن يأخذ عطاء غيره]، فقال [له]: فصلها (٤)
إلى الفقراء، فقال هم على بابك أكثر منهم على بابي، ولم يأخذ شيئاً.
(١) في ((أ)) و((ط)): ((فأعينه)) وما أثبته من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٢) في ((آ)) و(ط)): ((فأنصفه)) وأثبت لفظ ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٣) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((وأحرى، من أعدَّ)).
(٤) كذا في ((آ)) و((ط)): ((فصلها)) وفي ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((فضها)).
٢٥

وتوفي أبو سعد يوم الاثنين ثامن عشري ربيع الأول، ودفن من الغد
بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالی.
· وفيها جعفر بن الحسن الدَّرْزِيْجاني - بفتح الدال المهملة وسكون
الراء وكسر الزاي، وتحتية ساكنة، وجيم، نسبةً إلى دَرْزِيْجان، قرية بغداد -
المقرئ الفقيه الزاهد.
ذكره القاضي أبو الحسين(١) فيمن تفقه على أبيه، وسمع الحديث.
وقال ابن شافع: هو الأمَّار بالمعروف، والنَّّاء على المُنكر، ذو
المقامات المشهودة في ذلك، والمهيب بنور الإِيمان واليقين لدى الملوك
والمتصرفین .
صحب القاضي أبا يعلى، وتفقه عليه، ثم تمّم على صاحبه الشريف
أبي جعفر، وختم عليه القرآن خلقٌ لا يحصون كثرةً.
وكان من عباد الله الصالحين، لا تأخذه في الله لومة لائمٍ ، مهيباً، وقوراً،
له حرمةٌ عند الملوك والسلاطين، ولا يتجاسر أحد أن يقدم عليه إذا أنكر منكراً.
وله المقامات المشهودة في ذلك، مداوماً للصيام والتهجد والقيام، وله
ختمات كثيرة جداً، كل ختمة منها في ركعة واحدة. وسمع الحديث من أبي
علي بن البناء، وتوفي في الصلاة ساجداً في شهر ربيع الآخر بدَرْزِيْجان،
رحمه الله تعالى.
(١) انظر ((طبقات الحنابلة)) (٢٥٧/٢).
٢٦

سنة سبع وخمسمائة
• فيها توفي أبو بكر الحلواني أحمد بن علي بن بدران، ويعرف
بخالَوْه(١). ثقةٌ زاهدٌ متعبدٌ. روى عن القاضي أبي الطّب الطبري وطائفة.
• وفيها رِضْوَان، صاحب حلب ابن تاج الدولة تُتُش بن ألب أرسلان
السلجوقي، ومنه أخذت الفرنج أنطاكية، وملك بعده ابنه ألب أرسلان
الأخرس.
· وفيها الحافظ شجاع بن فارس أبو غالب الذُّهلي السُّهْرَ وَرْدي - بضم
السين المهملة وسكون الهاء وفتح الراء والواو وسكون الراء ومهملة، نسبة إلى
سهرورد بلد عند زنجان(٢) - ثم البغدادي، وله تسع وسبعون سنة. نسخ ما لا
يدخل تحت الحصر من التفسير، والحديث، والفقه، لنفسه وللناس، حتّى
إنه كتب شعر ابن الحجّاج سبع مرَّات، وروى عن ابن غيلان، وعبد العزيز
الأَزَجي، وخلق، وتوفي في جمادى الأولى.
قال ابن ناصر الدِّين(٣): هو حافظ عمدة إمام.
(١) في ((آ)) و((ط)): ((بحالويه)) وهو تحريف. والتصحيح من ((العبر)) (١٣/٤) مصدر المؤلف،
و «سير أعلام النبلاء)) (٣٨٠/١٩).
(٢) انظر («معجم البلدان)) (٢٨٩/٣ - ٢٩٠).
(٣) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٥٧ / ب) وقد نقل المؤلف عنه بتصرف.
٢٧

• وفيها عبد الله بن مرزوق أبو الخير الأصم الهَرَوي، مولى شيخ
الإِسلام أبي إسماعيل الأنصاري. كان من الحفّاظ الزُّهَّاد المتقنين. قاله ابن
ناصر الدِّين(١).
• وفيها الشَّاشي المعروف بالمستظهري، فخر الإِسلام أبو بكر محمد
ابن أحمد بن الحسين، شيخ الشافعية. ولد بميَّفارقين سنة تسع وعشرين،
وتفقه على محمد بن بيان الكازَرُوني، ثم لزم ببغداد الشيخ أبا إسحاق(٢)،
وابن الصباغ، وصنّف وأفتى، وولي تدريس النظامية، وتوفي في شوال، ودفن
عند الشيخ أبي إسحاق، وقيل: معه في قبر واحد. ومن تصانيفه ((حلية
العلماء)) وسماه ((المستظهري)) وغيره، وانتهت إليه رئاسة الشافعية بعد
انقراض مشایخه، فکان ینشد:
خَلَتِ الدِّيارُ فسُدْتُ غَيَرَ مُسَوَّدٍ ومِنَ العَنَاءِ تَفَرُّدي بالسؤدُدِ (٣)
ذكره في بعض دروسه ووضع المنديل على عينيه وبكى بكاء شديداً.
قال ابن شهبة (٤): كان مهيباً، وقوراً، متواضعاً، ورِعاً، وكان يلقب بين
الطلبة في حداثته بالجُنيد، لشدة ورعه، وله شعر حسن. وقع بينه وبين
الدامغاني، فأنشأ فيه الشاشي :
ومدُّ يدٍ نحوَ العُلا بتكلُّفِ
حِجَابٌ (٥) وإِعْجَابٌ وفَرْطُ تَصَلُفٍ
لِهَانَ وَلكنْ مِنْ وَرَاءِ تَخَلُّفِ
وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ وَرَاءِ كِفَايةٍ
(١) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٥٨ / آ).
(٢) يعني الشيرازي.
(٣) البيت في ((الوافي بالوفيات)) (٧٣/٢).
(٤) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٢٤/١).
(٥) كذا في ((آ)) و((ط)) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة، وفي ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي:
«عجاب)).
٢٨

ومن تصانيفه ((الشافي في شرح الشامل)) في عشرين مجدداً، ومات وقد
بقي منه نحو الخمس(١) وكتاب ((الحلية)) في مجلدين، وذكر فيه خلافاً كثيراً
للعلماء، صنفه للخليفة المستظهر بالله، ولذلك يلقب بالمستظهري، وتصنيف
لطيف في [المسألة] السريجية واختار فيه عدم الوقوع. انتهى ملخصاً.
· وفيها أبو منصور علي بن محمد بن علي بن إسماعيل الأنباري،
القاضي الفقيه الحنبلي الواعظ.
ولد يوم الخميس خامس عشري ذي الحجة، سنة خمس وعشرين
وأربعمائة، وقرأ القرآن على ابن الشِّرْمَقَاني(٢).
وسمع الحديث من أبي طالب بن غيلان، والجوهري وأبي إسحاق
البرمكي، وأبي بكر بن بشران، وغيرهم.
وسمع من القاضي أبي يعلى، وتفقه عليه حتّى برع في الفقه، وأفتى
ووعظ، وكان مظهراً للسُّنَّة في مجالسه.
وشهد عند ابن(٣) الدامغاني، وأبي بكر السَّامي، وغيرهما. وولي
القضاء بباب الطاق ، وحَدَّث وانتشرت الرواية عنه. روى عنه عبد الوهاب
الأنماطي، والسُّلفي، وغيرهما، وتوفي يوم السبت رابع عشري جمادى
الآخرة، ودفن من الغد بمقبرة باب حرب، وتبعه من الخلق ما لا يُحصى
كثرةً، ولا يَعُدُّهم إلَّ أسرع الحاسبين. قاله ابن رجب (٤).
(١) في (آ)): ((نحو الخسمين)).
(٢) هو أبو علي الحسن بن أبي الفضل الشَرْمَقَاني، المقرئ المؤدِّب، المتوفى سنة (٤٥١) هـ.
انظر ((الأنساب)) (٣٢٦/٧ -٣٢٧) ووقع اسمه في ((معرفة القراء الكبار)» للذهبي (٤١٢/١)
طبع مؤسسة الرسالة: ((الحسن بن الفضل)) وانظر التعليق عليه.
(٣) لفظة ((ابن)) لم ترد في ((آ)) وأثبتها من ((ط)) وفي ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((عند أبي عبد الله بن
الدامغاني)».
(٤) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١١٠/١ -١١١).
٢٩
=

وفيها أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد الشيباني
المقدسي الحافظ القَيْسَرَاني، ذو الرحلة الواسعة، والتصانيف والتعاليق،
عاش ستين سنة، وسمع بالقدس أولاً من ابن ورقاء، وببغداد من أبي محمد
الصَّرِيفِيني، وبنيسابور من الفضل بن المحب، وبهَرَاة من بِيْبَى(١)،
وبأصبهان، وشيراز، والرّي، ودمشق، ومصر، من هذه الطبقة، وكان من
أسرع الناس كتابةً، وأذكاهم وأعرفهم بالحديث، والله يرحمه ويسامحه. قاله
الذهبي (٢).
وقال إسماعيل محمد بن الفضل الحافظ: أحفظ من رأيت محمد بن
طاهر.
وقال السِّلفي: سمعت ابن طاهر يقول: كتبت البخاريّ، ومسلم،
وأبا داود، وابن ماجه سبع مراتٍ بالوراقة.
وقال الحافظ ابن ناصر الدِّين (٣): كان حافظاً، مكثراً، جوَّالاً في
البلاد، كثير الكتابة، جيد المعرفة، ثقة في نفسه، حسن الانتقاد ولولا
ما ذهب إليه من إباحة السماع لانعقد على ثقته الإجماع.
· وفيها أبو المظفَّر الْأَبِيْوَرْدي - بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة وسكون
الياء التحتية وفتح الواو وسكون الراء وبعدها دال مهملة، نسبة إلى أبیورد،
ويقال لها: أبا ورد وباوَرْد، وهي بلدة بخراسان (٤) - محمد بن أبي العبّاس
أحمد بن إسحاق الأموي المُعَاوِي اللَّغوي الشاعر الأخباري النسابة، صاحب
(١) جاء في ((تاج العروس)) (بيب) (٥٤/٢) طبع الكويت: بيبى كضِيزى، أم الفضل بيبى بنت
عبد الصمد بن علي بن محمد الهرثميّة، ذكرها الذهبي في ((التاريخ الكبير)) يعني ((تاريخ
الإِسلام».
(٢) انظر ((العبر)) (١٤/٤).
(٣) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٥٧ / ب).
(٤) انظر ((معجم البلدان)) (٨٦/١ و٣٣٣).
٣٠

التصانيف والبلاغة والفصاحة، وكان رئيساً عالي الهمة، ذا بأُوٍ وِيْهٍ وصَلَف،
توفي(١) بأصبهان مسموماً. قاله في ((العبر))(٢).
وقال ابن خَلِّكان(٣): كان من الأدباء المشاهير، راويةً، نسابةً، شاعراً
ظريفاً، قسم ديوانه إلى أقسام، منها: ((العراقيات)) ومنها ((الوجديات))، ومنها
((النجديات)) وغير ذلك، وكان من أخبر الناس بعلم الأنساب، نقل عنه
الحفاظ الأثبات الثقات.
وقد روى عنه أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في غير
موضع من كتابه الذي وضعه في ((الأنساب)) (٤) وقال في حقه في
ترجمة المعاوي(٥): إنه كان أوحد أهل زمانه في علومٍ عِدَّةٍ، وقد أوردنا عنه
في غير موضع من هذا الكتاب أشياءَ، وكان يكتب في نسبه(٦) المُعَاوِي،
وأليقُ ما وصف به بيت أبي العَلاء المعري:
وإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ الأخيرَ زَمَانه
لآتٍّ بما لم تَسْتَطِعْهُ الأوائِلُ
انتهى كلام المقدسي .
وذكره أبو زكريا بن مندة في ((تاريخ أصبهان)) فقال: فخر الرؤساء أفضل
الدولة، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، يتصرف(٧) في فنون جمة من العلوم،
عارف بأنساب العرب، فصيح الكلام، حاذق في تصنيف الكتب، وافر
العقل، كامل الفضل، فريد دهره ووحيد عصره. وكان فيه تيه وكبر وعزة
(١) في (ط)): ((وتوفي)).
(٢) (١٤/٤).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٤٥/٤ - ٤٤٩) وما بين حاصرتين في الترجمة مستدرك منه.
(٤) وهو المعروف بـ ((الأنساب المتفقة)).
(٥) انظر ((الأنساب المتفقة)) ص (١٥١).
(٦) في ((الأنساب المتفقة)): ((في نسبته)).
(٧) في ((وفيات الأعيان)): ((متصرف)).
٣١

نفس، وكان إذا صلى يقول: اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها.
وذكر عنه ابن السمعاني أنه كتب رقعة إلى أمير المؤمنين المستظهر
بالله، وعلى رأسها الخادم المعاوي، فكره الخليفة النسبة إلى معاوية، فحكَّ
الميم ورد الرقعة إليه، فصار العاوي.
ومن محاسن شعره:
لنا رغبةً أو رهبةً عُظماؤُها
مَلَكْنَا أَقَالِيمَ البلادِ فِأَذْعَنَتْ
شدائِدُ أيامٍ قليل رَخَاؤُها(١)
فلما انتهت أيامُنا علقتْ بَنَا
فصار علينا في الهمومِ بُكاؤُها
وكان إلينا في السُّرور ابتسامُها
رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤُها
علينا الليالي لم يدعنا حياؤها
وصرنا نلاقي النائبات بأوجُهٍ
إذا ما هممنا أن نبوحَ بما جنت
وقوله أيضاً:
تنكّر بي دَهري ولم يدر أنني
فبات يُريني الخطبَ كيف اعتداؤه
أعزُّ وأحداث الزَّمان تَهونُ
وبتُّ أُريه الصَّبرَ كيف يَكونُ
ومن شعره:
عليها ويُغريني بها أن أَعيِبَهَا
وهيفاء لا أُصغي إلى من يلُومُني
إليها وبالأخرى أُراعي رقيبَها
أميلُ بإحدى مقلتيَّ إذا بدت
أخذتُ لعيني من سُليمیْ نصيبَهَا
وقد غَفَلَ الواشي فلم يدر أنني
ومن معانيه البديعة قوله من جملة أبيات في وصف الخمرة:
ولَهَا مِن ذَاتِهَا طربٌ فلهذا يرقُص الحببُ
وله من قصيدة:
(١) في ((آ)) و((ط)): ((قليل رجاؤها) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)).
٣٢

راجٍ (١) يُنَافِقُ أو مُداجٍ خَاشي
فَسَدَ الزمانُ فكلُّ من صاحبتَهُ
مُتَجَهِّم(٢) وبظاهرٍ هشَّاش
وإذا اختبرتَهُمُ ظفرتَ بباطن
وله تصانيف كثيرة، منها ((تاريخ أبيورد ونَسا)) و((المختلف والمؤتلف))
[و ((طبقات كل فنٍّ)) و((ما اختلف وائتلف] في أنساب العرب)).
وله في اللغة مصنفات لم يُسبق إلى مثلها، وكان حسن السيرة، جميل
الأثر(٣).
وكانت وفاته يوم الخميس بين الظهر والعصر عشري ربيع الأول مسموماً
بأصبهان. انتهى ما أورده ابن خَلِّكان ملخصاً.
• وفيها ابن اللَّانة، أبو بكر محمد بن عيسى اللّخمي الأندلسي
الأديب، من جلّة (٤) الأدباء وفحول الشعراء، له تصانيف عديدة في الآداب،
وكان من شعراء دولة المعتمد بن عَبَّاد. قاله في ((العبر))(٥).
· وفيها المُؤْتَمَنُ بن أحمد بن علي بن نصر الرَّبَعي البغدادي الحافظ،
ويعرف بالسَّاجي، حافظ محقِّق، واسع الرحلة، كثير الكتابة، متين الورع
والديانة. روى عن أبي الحسين بن النّقور، وأبي بكر الخطيب، وطبقتهما
بالشام، والعراق، وأصبهان، وخراسان، وتفقه وكتب ((الشامل)) عن مؤلِّفه ابن
الصبَّاغ، وتوفي في صفر عن اثنتين وستين سنة، وكان قانعاً متعففاً.
• وفيها كما قال السيوطيُّ في ((تاريخ الخلفاء)) (٦): جاء صاحب الأندلس
(١) في (١)) و((ط)): ((داج)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((متهجم)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((جميل الأمر)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((من جملة)) وما أثبته من ((العبر)).
(٥) (١٥/٤).
(٦) انظر ((تاريخ الخلفاء)) ص (٤٣٠).
٣٣

مُودُود بعسكر ليقاتل ملك الفرنج، الذي بالقدس، فوقع بينهم معركة هائلة،
ثم رجع مودود إلى دمشق، فصلى الجمعة يوماً في الجامع، وإذا بباطني وثب
عليه فجرحه فمات من يومه، فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتاباً
فيه: وإنّ أُمَّةً قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لَحَقِيقٌ على الله
أن يُبِيدَهَا. انتهى كلام السيوطي .
ومودود هذا غير مودود الأعرج صاحب الموصل أيضاً، فإن ذاك توفي
سنة خمس وستين وخمسمائة، كما يأتي إن شاء الله تعالى(١).
(١) انظر ص (٣٥٨).
٣٤

سنة ثمان وخمسمائة
• فيها كما قال في ((الشذور)) ورد كتاب أنه حَدَث زلزلة، فوقع من
سور الرُّها ثلاثة عشر برجاً وبعض سور حَرَّان، وخسف بسُمَيْساط، وتساقط
في بالس نحو مائة دار، وقلب نصف القلعة.
• وفيها هلك بغدوين صاحب القدس من جراحة أصابته يوم مصافّ
طبريَّة .
• وفيها مات أَحْمَدِيل(١)، صاحب مَرَاغَة، وكان شجاعاً جواداً،
وعسكره خمسة آلافٍ، فتكت به الباطنية .
• وفيها أحمد بن محمد بن غَلْبُون، أبو عبد الله، الخولاني القرطبي
ثم الإِشبيلي، وله تسعون سنة. سمَّعه أبوه معه من عثمان بن أحمد
القَيْشاطي(٢) وطائفة، وأجاز له يونس بن عبد الله بن مُغيث، وأبو عمر
(١) في ((ط)): ((أحمد بك)) وهو كذلك في ((المنتظم)) (١٨٥/٩) وما جاء في (آ)) موافق لما في
((تاريخ دمشق)) لابن القلانسي ص (٣١٥) وقد جعله من وفيات سنة (٥١٠) و((الكامل في
التاريخ)) (٤٨٧/١٠) و((العبر)) (١٥/٤) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٨٣/١٩) و((النجوم
الزاهرة)» (٢٠٨/٥).
(٢) في ((آ)): ((القسطالي)) وقال ناشر ((ط)) الأستاذ حسام الدِّين القدسي رحمه الله تعالى: والذي
حرره العلامة المحقق الشيخ أحمد رافع الطَّهْطَاوي(*) في ((ثبته)) أنه ((القيشاطي)) نسبة إلى
قَيْشاطة، بفتح القاف، وسكون المثناة التحتية، بعدها شين معجمة، وهي مدينة بالأندلس من
أعمال جيَّان، ويقال لها قيجاطة، بالجيم بدل الشين، وعلى الأول اقتصر الصاغاني في =
(*) كان من أفاضل علماء عصره في مصر، صنَّف مصنفات عدة تدل على فضله وسَعَة علمه في الفقه،
والتفسير، والأدب. مات سنة (١٣٥٥ هـ). انظر ((الأعلام للزركلي)) (١٢٤/١).
٣٥

الطَّلمنكي، وأبو ذرِّ الهَرَوي، والكبار(١)، وكان صالحاً خيِّراً، عالي الإِسناد،
منفرداً.
وفيها أبو حازم إسماعيل بن المبارك (٢) بن أحمد بن محمد بن
وصيف البغدادي(٣)، الفقيه الحنبلي.
ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. وقرأ الفقه على القاضي أبي يعلى،
وسمع من ابن العُشَاري(٤) والجَوْهَري، وروى عنه أبو معمر(٥) الأنصاري
وبالإِجازة ابن كليب، وتوفي في رجب.
، وفيها أبو العباس المُخَلَّطِي - بالضم وفتح الخاء واللام المشددة،
نسبة إلى بيع المُخَلَّط، وهو الفاكهة اليابسة - أحمد بن الحسن بن أحمد
البغدادي(٦)، الفقيه الحنبلي. صحب القاضي أبا يعلى، وتفقه عليه،
ولازمه، وسمع منه الحديث، وكتب الخلاف وغيره من تصانيفه.
وسمع أيضاً من أبي الحسين (٧) بن المهتدي، وابن المسلمة،
وغيرهم، وحدَّث عنهم.
= ((التكملة)) وأصحاب ((القاموس)) و((معجم البلدان)) و((لب اللباب)) والثاني هو الموجود في
تواريخ المغرب، وقد ذكره كثير من أئمة اللغة، ولا مخالفة بينهما، لأن الجيم فيه فارسية
مشوبة بالشين المعجمة، فيجوز رسمها جيماً تحتها ثلاث نقط، ورسمها شيئاً.
(١) في ((آ)) و((ط)): ((والأبار)) وما أثبته من ((العبر)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((ابن المبرك)) وما أثبته من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٣) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١١٢/١).
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((سمع من أبي العشاري)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٥) في ((آ) و((ط)): ((ابن المعمري)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)) وانظر ((الأنساب))
(١٩٠/١١).
(٦) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١١٢/١ - ١١٣).
(٧) كذا في ((آ)) و((ط)) و((المنهج الأحمد)) (١٥١/٢ و٢٠٤ و٢٨٣) وفي ((ذيل طبقات الحنابلة))
(١١٢/١): ((من أبي الحسن)).
٣٦

قال ابن ناصر الحافظ: وسمعت منه، قال: وكان رجلاً صالحاً من أهل
القرآن والسِّتْرِ والصيانة، ثقةً مأموناً، توفي ليلة الأربعاء ثاني عشر جمادى
الأولى، ودُفن من الغَدِ بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالى.
· وفيها أبو علي إسماعيل بن محمد بن الحسن بن داود الأصبهاني
الخيَّاط(١) الفقيه الحنبلي. دخل بغداد سنة سبع وخمسمائة، وحَدَّث بها عن
والده وعن أبي بكر محمد بن أحمد بن الحسن بن ماجه، وأبي مطيع
المصري وغيرهم. سمع منه أبو منصور محمد بن ناصر البَرْدَني، وقال: كان
من الأئمة الكبار، وهو أخو أبي سعد محمد بن أحمد بن داود.
قال ابن النجار: قرأت بخط أخيه أبي سعيد، توفي أخي أبو علي
إسماعيل في العشر الآخر من جمادى الآخرة، سنة ثمان وخمسمائة، رحمه الله
تعالى .
· وفيها ألْب أَرسلان، صاحبُ حلب، وابن صاحبها، رضوان بن تتش
السلجوقيّ التركيّ، تملّك وله ست عشرة سنة، فقتل أخويه بتدبير البابا لؤلؤ،
وقتل جماعة من الباطنية، وكانوا قد كثُروا في دولة أبيه. ثم قدم دمشق ونزل
بقلعتها، ثم رجع وفي خدمته طُغْتِكِين، وكان سِّىءَ السيرة، فاسقاً، فقتله
البابا وأقام أخاً له طفلاً له ست سنين، ثم قُتل البابا سنة عشر.
• وفيها أبو الوَحْش، سُبَيع بن المسلَّم الدِّمشقي، المقرئ الضرير،
ويعرف بابن قيراط. قرأ لابن عامر على الأهوازيِّ، ورشأ، وروى الحديث
عنهما، وعن عبد الوهاب بن برهان، وكان يُقرئُ من السَّحَرِ إلى الظهر.
توفي في شعبان عن تسع وثمانين سنة .
• وفيها النَّسِيبُ أبو القاسم، علي بن إبراهيم بن العبّاس الحسيني
(١) انظر ((المنهج الأحمد)) (٢٣٠/٢).
٣٧

الدمشقي، الخطيب، الرئيس، المُحَدِّث، صاحب ((الأجزاء العشرين)) التي
خرّجها له الخطيب، توفي في ربيع الآخر، عن أربع وثمانين سنة. قرأ على
الأهوازي، وروى عنه، وعن سليم، ورش(١) وخلق، وكان ثقةً، نبيلاً،
محتشماً، مهيباً، سديداً، شريفاً، صاحب حديث وسُنَّةٍ .
• وفيها السلطانُ علاء الدولة مسعود، صاحب الهند وغزنة، وَلَدُ
السلطان إبراهيم بن السلطان مسعود بن السلطان الكبير محمود بن سُبُكْتِكِين،
مات في شوال، وتملّك بعده ولده أرسلان شاه.
(١) لفظة ((ورشأ)) سقطت من ((آ)) وأثبتها من ((ط)) و((العبر)).
٣٨

سنة تسع وخمسمائة
• فيها توفي ابن مَلَّة (١) أبو عثمان إسماعيل بن محمد الأصبهاني
الواعظ المحتسب، صاحب تلك المجالس.
قال ابن ناصر(٢): وضع حديثاً وكان يخلّطُ.
وقال الذهبي(٣): روى(٤) عن ابنٍ ريزة وجماعة.
· وفيها أبو شجاع الدَّيلمي، شِيرَوَيْه بن شَهْرَدَار بن شِيْرَوَيْه بن
فَتَّاخُسْرُو - بفاء ونون، وخاء معجمة، وسين وراء مهملتين، بعدهما واو-
الهمذاني الحافظ، صاحب كتاب ((الفردوس)) و((تاريخ همذان)) وغير ذلك،
توفي في رجب عن أربع وسبعين سنة. وغيره أتقن منه. سمع الكثير من
يوسف بن محمد المستملي وطبقته.
وقال ابن شهبة في ((طبقات الشافعية))(٥): وهو من ولد الضحّاك بن فيروز
الصحابي .
ذكره ابن الصلاح فقال: كان مُحَدِّثاً، واسع الرحلة، حسن الخَلْقِ
(١) في ((آ)) و(ط)) و((العبر)): ((ابن مسلمة)) وهو تحريف، والتصحيح من ((المستفاد من ذيل تاريخ
بغداد)) ص (١٩٨) بتحقيق الأستاذ محمد مولود خلف، و((سير أعلام النبلاء)) (٣٨١/١٩).
(٢) في ((آ)): ((ابن ناصر الدين))، وما أثبته من ((ط)) وهو الصواب كما في ((العبر)).
(٣) في ((العبر)) (١٨/٤).
(٤) في ((ط)): ((وروی)).
(٥) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣١٦/١).
٣٩

والخُلُقِ، ذكياً، صلباً في السُّنَّة، قليل الكلام، صنَّف تصانيف اشتهرت عنه،
منها ((كتاب الفردوس)) وكتاب في حكايات المنامات، وكتاباً في تاريخ
همذان .
ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وتوفي في رجب، سنة تسع
وخمسمائة. انتهى.
● وفيها غيث بن علي أبو الفرج الصّوري [الأرمنازي(١)، خطيب صور]
ومُحَدِّثُها.
روى عن أبي بكر الخطيب، ورحل إلى دمشق ومصر، وعاش ستاً
وستين سنة.
• وفيها الشريف أبو يعلى بن الهَبَّارية(٢) - بفتح الهاء وتشديد الباء
الموحدة، وبعد الألف راء، نسبة إلى هَبَّار جد أبي يعلى المذكور - محمد بن
محمد بن صالح الهاشمي، الشاعر المشهور الهجّاء، الملقب نظام الدِّين
البغدادي. كان شاعراً مجيداً حسن المقاصد، لكنه خبيث اللسان، كثير
الهجاء والوقوع في الناس، لا يكاد يسلم من لسانه أحد.
ذكره العماد الكاتب في ((الخريدة)) فقال: من شعراء نظام المُلك،
غلب على شعره الهجاء، والهزل، والسخف، وسبك في قالب ابن حجَّاج،
وسلك أسلوبه، وفاقه في الخلاعة. والنظيف من شعره في غاية الحسن(٣).
انتهى كلام العماد.
وكان ملازماً لخدمة نظام المُلك وولده ملكشاه.
(١) انظر ((العبر)) (١٨/٤) وما بين الحاصرتين مستدرك منه.
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٥٣/٤ - ٤٥٧).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((والتلطف في شعره، وشعره في غاية الحسن)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان))
مصدر المؤلف.
٤٠