Indexed OCR Text

Pages 321-340

سنة خمس وسبعين وأربعمائة
· فيها توفي مُحَدِّثُ أَصْبَهَان ومُسندها، عبد الوهاب بن الحافظ أبي
عبد الله محمد بن إسحاق بن مَنْدَة، أبو عَمْرو العَبْديّ الأصبهاني، الثقة
المكثر. سمع أباه، وأبا [إسحاق بن] خُرَّشِيذَ قُولَه(١) وجماعة، وتوفي في
جمادى الآخرة.
● وفيها محمد بن أحمد بن علي السِّمْسَار، أبو بكر الأصبهاني. روى
عن إبراهيم بن خُرَّشِيذَقُولَه وجماعة، ومات في شوال وله مائة سنة. وروى
عنه خلق كثير.
● وفيها أبو الفضل المُطَهِّرُ بن عبد الواحد البُزَاني(٢) الأصبهاني، توفي
فيها أو في حدودها. روى عن ابن المَرْزُبَان الأبهري جزء لُوين، وعن ابن
مندة، وابن خُرَّشیذ قُولَه .
● وفيها عبد الرحمن بن محمد بن ثابت النَّابِتي الخَرْقي - منسوب إلى
خَرْق، بخاء معجمة مفتوحة ثم راء ساكنة، بعدها قاف، قرية من قرى مَرو -
المعروف بمفتي الحرمين، تفقه أولاً بمرو على البُوْرَاني ثم بمرو الرّوذ على
(١) ما بين حاصرتين زيادة من ((سير أعلام النبلاء)) (١٨ /٤٤٠).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((البُرَاني)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((العبر)) (٢٨٤/٣) و((سير أعلام
النبلاء)) (٥٤٩/١٨) و((توضيح المشتبه)) (٤٠٩/١).
٣٢١

القاضي الحسين، ثم ببخارى على أبي سهل الأبيْوردي، ثم ببغداد على
الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. وسمع الحديث وأسمع، ثم حجَّ وجاور بمكّة
سنةً، ثم رجع إلى وطنه، وسكن قريته، واشتغل بالزهد والفتوى، إلى أن
مات في شهر ربيع الأول.
٣٢٢

سنة ست وسبعين وأربعمائة
· فيها عزم أهل حَرَّان، وقاضيهم ابن جَلَبة الحنبلي على تسليم حَرَّان
إلى جُنق(١) أمير التّركمان، لكونه سُنَّاً، وعَصَوْا على(٢) مسلم بن قريش،
صاحب الموصل، لكونه رافضياً، ولكونه مشغولاً بمحاصرة دمشق مع
المصريين. كانوا يحاصرون بها تاج الدولة تُتُش(٣) فأسرع إلى حَرَّان، ورماها
بالمجانيق، وأخذها، وذبح القاضي وولديه رحمهم الله تعالى. قاله في
((العبر))(٤).
● وفيها توفي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف
الفَيْرُوزاباذي الشافعي، جمال الدِّين. أحد الأعلام، وله ثلاث وثمانون سنة.
تفقه بشيراز، وقَدِمَ بغداد، وله اثنتان وعشرون سنة، فاستوطنها ولزم القاضي
أبا الطيب إلى أن صار مُعيده في حلقته، وكان أَنْظَر أهل زمانه، وأفصحهم
وأَوْرَعهم، وأكثرهم تواضعاً وبشراً، وانتهت إليه رئاسة المذهب في الدُّنيا.
روى عن أبي علي بن شاذان، والبرقاني، ورحل إليه الفقهاءُ من الأقطار،
(١) كذا في ((آ)) و(ط)) و((العبر))، وفي ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (١٣٠/١٠): ((جبق))
وأثبت في الباء نقطة تحت السكون إشارة إلى شك الناشر في وجه الصواب في الاسم.
(٢) لفظة ((على)) سقطت من ((آ)) وأثبتها من ((ط)) و((العبر)).
(٣) تصحف في ((آ)) و((ط)) إلى ((تنش)) والتصحيح من ((العبر)).
(٤) (٢٨٥/٣).
٣٢٣

وتخرَّج به أئمةٌ كبار، ولم يحجّ ولا وجب عليه، لأنه كان فقيراً متعفّفاً، قانعاً
باليسير. ودرَّس بالنظامية، وله شعر حسن. توفي في الحادي والعشرين من
جمادى الآخرة. قاله في ((العبر))(١).
وقال ابن قاضي شهبة(٢): قال الشيخ أبو إسحاق: كنت أُعید کل قياس
ألف مرة، فإذا فرغت أخذت قياساً آخر على هذا، وكنت أعيد كل درسٍ مائة
مرة، وإذا كان في المسألة بيت يُستشهد به، حفظت القصيدة التي فيها
البيت.
وكانت الطلبة ترحل من الشرق والغرب إليه، والفتاوى تُحمل من البرّ
والبحر إلی بین یدیه.
قال رحمه الله: لما خرجت في رسالة الخليفة إلى خُرَاسَان، لم أُدخل
بلداً ولا قريةً إلّ وجدت قاضيها، أو خطيبها، أو مفتيها، من تلامذتي .
وبنيت له النظامية ودرَّس بها إلى حين وفاته، ومع هذا فكان لا يملك
شيئاً من الدنيا، بلغ به الفقر حتَّى كان لا يجد في بعض الأوقات قوتاً ولا
لباساً، وكان طَلْق الوجه، دائم البشر، كثير البسط، حسن المجالسة، يحفظ
كثيراً من الحكايات الحسنة والأشعار، وله شعر حسن.
قال أبو بكر الشَّاشي: الشيخ أبو إسحاق حجّة الله تعالى على أئمة
العصر.
وقال ابن السمعاني: إن الشيخ أبا إسحاق قال: كنت نائماً ببغداد،
فرأيت رسول الله محصله ومعه أبو بكر وعمر، فقلت(٣): يا رسول الله، بلغني
(١) (٢٨٥/٣ - ٢٨٦).
(٢) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢٥٢/١ - ٢٥٣).
(٣) تحرّفت في ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة إلى ((فقال)) فتصحح.
٣٢٤

عنك أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار، وأريد أن أسمع منك خبراً أتشرف به
في الدُّنيا، وأجعله ذَخيرة للآخرة. فقال لي: ((يَا شَيْخ)) وسمَّاني شيخاً،
وخاطبني به، - وكان يفرح بهذا - ثم قال: ((قُل عَنِّي، مَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَلْيَطْلُبْهَا
فِي سَلَامَةِ غَيْرِهِ).
وقد أخذ هذا المعنى بعضهم فنظمه في أبيات هي كالشرح لهذا
الخبر، فقال:
وحَظُكَ مَوْفُورٌ وعِرْضُكَ صَينُ
إِذَا(١) شِئْتَ أَنْ تَحْيَا ودِينُكَ سَالمٌ
فَعِنْدَكَ عَوْرَاتُ ولِلنَّاسِ ألسنُ
لِسَانَكَ لا تَذْكُر بِهِ عَوْرَةَ امرىءٍ
لِقَومٍ فَقُل: يا عَيْنُ للنَّاسِ أَعينُ
وعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إليك مَعَايباً
وفَارِقْ وَلَكِن بالتي هي أُحْسَنُ
وصَاحِبْ بِمَعْرُوفٍ وجَانِبْ مَن اعْتَدَى
وقال ابن الأهدل: لما قَدِمَ الشيخ نيسابور رسولاً من جهة المقتدر،
تلقاه النَّاس، وحمل إمام الحرمين الغاشية بين يديه وناظره، فغلبه الشيخ بقوة
الجدل قيل: [قال] له: ما غلبتني إلّ بصلاحك.
ولما شافهه المقتدر بالرسالة، قال له: وما يدريني أنك الخليفة ولم أَرَكَ
قبلها، فتبسم، وطلب من عَرَّفه به، وتراكب الناس عليه في بلاد العجم،
حتَّى تمسحوا بأطراف ثيابه وتُراب نعليه .
ومن شعره رضي الله عنه:
فَقَالوا مَا إلى هَذَا سَبَيْلُ
سَأَلْتُ النَّاسَ عَنْ خِلِّ وفيٍّ
فَإِنَّ الحُرَّ فِي الدُّنْيَا قَلِيْلُ
تَمَسَّكْ إِنْ ظَفِرْتَ بِودٌّ حُرِّ
وذكر النووي في ((تهذيبه))(٢) أن الشيخ أبا إسحاق كان طارحاً للتكلف.
(١) في ((آ)): ((إن)).
(٢) انظر ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٧٣/٢).
٣٢٥

وروي أنه جيءَ بسؤالٍ وهو عند دكان خبازٍ أو بقّال، فأخذ قلمه ودَوَاته
وأجاب على السؤال، ثم مسح بالقلم ثوبه.
وعلى الجملة فإنه ممّن أطبق الناس على فضله وسَعَة علمه، وحسن
سمته وصلاحه، مع القبول التام من الخاص والعام، وقد أثنى عليه علماء
وقته بما يطول شرحه.
وقال فيه عاصم بن الحسين:
عَلَيْهِ من تَوَقُّدِهِ(١) دَلِيلُ
تراهُ منَ الذَّكاءِ نَحِيْفَ جِسْمٍ
فَلَيْسَ يَضُرُهُ(٢) الجِسْمُ النَّحِيلُ
إذَا كَانَ الفَتى ضَخْمَ المَعَاني
وله مؤلفات كثيرة شهيرة نافعة، رحمه الله تعالى.
· وفيها أبو الوفاء، طاهر بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن القَوَّاس
البغدادي، الفقيه الحنبلي، الزاهد الورع.
ولد سنة تسعين وثلثمائة، وقرأ القرآن(٣) على أبي الحسن الحَمَّامي،
وسمع الحديث من هلال الحَفَّار، وأبي الحسين بن بِشْرَان، وغيرهما(٤).
وتفقه أولاً على القاضي [أبي الطيب الطبري الشافعي، ثم تركه، وتفقّه على
القاضي](٥) أبي يعلى، ولازمه حتّى برع في الفقه، وأفتى ودرَّس، وكانت له
حلقة بجامع المنصور للفتوى والمناظرة، وكان يُلقي المختصرات من تصانيف
(١) في ((آ)) و((ط): ((توجده)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) (٣٠/١) و((سير أعلام النبلاء))
(٤٦٣/١٨).
(٢) في ((سير أعلام النبلاء)): ((يضيره)) وكلاهما بمعنى.
(٣) كذا في ((ط)) و((طبقات الحنابلة)) (٢٤٤/٢) و((المنتظم)) (٨/٩)، وفي ((آ)): ((وقرأ القراءات)).
(٤) في ((ط)): ((وغيرهم)).
(٥) ما بين حاصرتين سقط من (آ)) وأثبته من ((ط)).
٣٢٦

شيخه القاضي أبي يعلى، ويلقي مسائل الخلاف درساً، وكان إليه المُنتهى
في العبادة، والزهد، والورع.
وذكره ابن السمعاني في ((تاريخه)) فقال: من أعيان فقهاء الحنابلة
وزهّادهم، كان قد أجهد نفسه في الطاعة والعبادة، واعتكف في بيت الله
خمسين سنة، وكان يواصل الطاعة ليله بنهاره، وكان قارئاً للقرآن(١)، فقيهاً،
ورعاً، خشن العيش. انتهى.
وكانت له كرامات ظاهرة، ذكر ابن شافع في ترجمة صاحبه أبي
الفضل بن العالمة الإِسكاف المقرىء، أنَّه كان يَحكي من كرامات الشيخ أبي
الوفاء أشياء عجيبة، منها أنه قال: كنت أحمل معي رغيفين كل يوم فأعبر
- يعني في السفينة - برغيف، وأمشي إلى مسجد الشيخ فأقرأ، ثم أعود ماشياً
إلى ذلك الموضع، فأنزل بالرغيف الآخر، فلما كان يوم من الأيام أعطيت
الملاح الرغيف، فرمى به واستقله، فألقيت إليه الرغيف الآخر، وتشوش قلبي
لما جرى، وجئت إلى الشيخ، فقرأت عليه عادتي، وقمت على العادة، فقال
لي: قف، ولم تجر عادته قطَّ بذلك، ثم أخرج من تحت وطائِهِ قرصاً فقال:
أعبر بهذا.
● وفيها عبد الوهاب(٢) بن أحمد بن عبد الوهاب بن جَلَبَة البغدادي ثم
الحَرَّاني، الخَزَّاز أبو الفتح، قاضي حَرَّان. اشتغل ببغداد، وتفقه بها على
القاضي أبي يعلى، وسمع الحديث من البَرْقاني، وأبي طالب العشاري،
وأبي علي بن شَاذَان، وغيرهم. ثم استوطن حَرَّان، وصحب بها الشريف أبا
القاسم الزيدي، وأخذ عنه، وتولى بها القضاء.
(١) في ((آ): ((للقراءات)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((عبد الله)) وهو خطأ، والتصحيح من ((طبقات الحنابلة)) (٢٤٥/٢) و((العبر))
(٢٨٦/٣) و((عبد الوهاب)) الثانية لم ترد فيه، و((المنهج الأحمد)) (١٧٣/٢) بعناية الأستاذ
عادل نويهض.
٣٢٧

قال عنه ابن السمعاني: كان فقيهاً، واعظاً، فصيحاً.
وقال ابن أبي يعلى(١): كان يلي قضاء حَرَّان من قِبَلِ الوالد، كتب له
عهداً بولاية القضاء بحرّان. وكان ناشراً للمذهب، داعياً إليه، وكان مفتي
حَرَّان، وواعظها، وخطيبها، ومدرِّسها.
وقال ابن رجب(٢): له تصانيف كثيرة. وسمع منه جماعة، منهم: هبة
الله بن عبد الوارث الشيرازي، ومكِّي الرُّمَيْلي وغيرهما. وفي زمانه كانت
حَرَّان لمسلم بن قريش صاحب الموصل، وكان رافضياً، فعزم القاضي أبو
الفتح على تسليم حَرَّان إلى جُبْق(٣) أمير التّركمان لكونه سنياً، فأسرع ابن قريش
إلى حَرَّان، وحصرها، ورماها بالمجانيق، وهدم سورها، وأخذها، ثم قتل
القاضي أبا الفتح، وولديه، وجماعة من أصحابه، وصلبهم على السور،
وقبورهم بحَرَّان تُزار، رحمة الله عليهم.
وذكر ابن تيمية في ((شرح العمدة)) أن أبا الفتح بن جَلَبَة كان يختار
استحباب مَسح الأذنين بماء جديد، بعد مسحهما بماء الرأس، وهو غريبٌ
جداً.
● وفيها أبو محمد عبد الله بن عطاء بن عبد الله بن أبي منصور بن
الحسن بن إبراهيم الإِبراهيمي الهَرَوي، المُحَدِّثُ الحَافظ، أحد الحفّاظ
المشهورين الرحّالين. سمع بهَرَاة من عبد الواحد المليحي، وشيخ الإِسلام
الأنصاري، وببُوشنج من أبي الحسن الدَّاوُؤْدي، وبنيسابور من أبي القاسم
القُشيري وجماعة، وببغداد من ابن النَّقور وطبقته، وبأصبهان من
عبد الوهاب، وعبد الرحمن ابني مَنْدَة، وجماعة. وكتب بخطه الكثير، وخرَّج
(١) في ((طبقات الحنابلة)) (٢٤٥/٢).
(٢) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤٣/١).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((جنق)) بالنون وهو تصحيف، والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)) وانظر
((الكامل في التاريخ)) (١٣٠/١٠).
٣٢٨

التاريخ للشيوخ، وحَدَّث، وروى عنه أبو محمد سبط الخيّاط، وابن
الزعفراني، وآخر مَن روى عنه أبو المَعَالي بن النَّّاس، ووثّقه طائفة، منهم:
المؤتمن السَّاجي.
وقال شَهْرَدَار الدَّيلمي عنه: كان صدوقاً، حافظاً، متقناً، واعظاً،
حسن التذكير(١)، وقد تكلم فيه هِبة الله السقطي - والسقطيُّ مجروح
لا يقبل قوله - وقد ردَّ قوله ابن السمعاني، وابن الجوزي، وغيرهما، وتوفي
في طريق مكَّة بعد عوده منها، على يومين من البصرة.
· وفيها أبو الخطّاب، علي بن أحمد بن عبد الله المقرئ الصُّوفي
المؤدب البغدادي .
ولد سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة، وقرأ على أبي الحسن الحَمّامي وغيره
بالسبع، وقرأ عليه خلق كثير، منهم أبو الفضل بن المُهتدي، وروى عنه
الحديث أبو بكر بن عبد الباقي وغيره، وله مصنف في السبعة (٢)، وقصيدة في
السنّة، وقصيدة في عدد الآي، وكان من شيوخ الإِقراء ببغداد المشهورين،
ومن حنابلتها المجتهدين، وكان سابقاً شافعياً، ثم رأى الإِمام أحمد، وسأله عن
أشياء، وأصبح وقد تحنبل، وصنّف في معتقدهم.
● وفيها أبو حَكِيم(٣) الخَبْري - نسبة إلى خَبْر بنواحي شِيراز - كان فقيهاً
صالحاً، وكان يكتب في مصحف، فألقى القلم من يده واستند، وقال: والله
إن هذا هو موت هنيٌّ طيبٌ ثم مات، رحمه الله تعالى. قاله ابن الأهدل.
● وفيها البكري، أبو بكر، المُغربي (٤) الواعظ، من دعاة الأشعرية،
(١) في ((آ)): ((التذكرة)).
(٢) يعني في القراءات السبعة.
(٣) في ((آ) و((ط)): ((أبو حليم)) وما أثبته من ((الأنساب)) (٣٩/٥).
(٤) لفظة ((المغربي)) سقطت من ((آ)) وتحرّفت في ((ط)) إلى ((المقرئ)) والتصحيح من ((العبر)) و(سير
أعلام النبلاء)) (١٨ / ٥٦١).
٣٢٩

وفد على نظام المُلك بخُراسان، فَنَفَق عليه، وكتب له سجلاً أن يجلس
بجوامع بغداد، فقَدِمَ وجلس ووعظ، ونال من الحنابلة سباً وتكفيراً، ونالوا
منه، ولم تطل مدته. قاله في ((العبر))(١).
● وفيها أبو طاهر، محمد بن أحمد بن محمد أبي الصَّقر اللّخْمي
الأنباري الخطيب، في جمادى الآخرة، وله ثمانون سنة. سمع بالحجاز،
والشام، ومصر، وأكبر مشايخه ابن أبي نصر التميمي.
● وفيها مقرئ الأندلس في زمانه، أبو عبد الله محمد بن شُريح(٢)
الُّعيني الإِشبيلي المقرىء، مصنف كتاب ((الكافي)) وكتاب ((التذكير)) توفي
في شوال، وله أربع وثمانون سنة، وقد حجَّ وسمع من أبي ذرِّ الهَرَوي،
وجماعة(*).
(١) (٢٨٦/٣).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((ابن سُرَيج)) وهو خطأ والتصحيح من ((العبر)) - وقد ضبطه محققه بفتح الشين
وهو خطأ - و((سير أعلام النبلاء)) (١٨/ ٥٥٤).
(*) قلت: وفيها على الصواب إمام العربية، أبو الحجّاج، يوسف بن سليمان بن عيسى الشنتمري
الأندلسي. انظر ((الصلة)) لابن بشكوال (٦٨١/٢) و((وفيات الأعيان)) (٨١/٧) و((سير أعلام
النبلاء)) (١٨ /٥٥٥ - ٥٥٧) والتعليق عليه. وقد وهم المؤلّف ابن العماد - رحمه الله - فأورده في
وفيات سنة (٤٩٥) فليحرر.
٣٣٠
س

سنة سبع وسبعين وأربعمائة
· فيها توفي إسماعيل بن مَسْعَدة بن إسماعيل بن الإِمام أبي بكر
أحمد بن إبراهيم الإِسماعيلي الجُرْجَاني أبو القاسم، صدرٌ، عالمٌ، نبيلٌ،
وافرٌ(١)، له يد في النظم والنثر. روى عن حَمْزَة السّهمي وجماعة، وعاش
سبعین سنة، وروی «الكامل» لابن عدي.
● وفيها بِيْبى (٢) بنت عبد الصمد بن علي أُمُّ الفضل، وأُمُّ عِزَّى(٣)
الهَرْثَمِيَّةِ الهَرَوِيَّة، لها جزء مشهور، ترويه عن عبد الرحمن بن أبي شُريح،
توفيت في هذه السنة أو في التي بعدها، وقد استكملت تسعين سنة.
• وفيها أبو سعد، عبد الله بن الإِمام عبد الكريم بن هَوَازِن القُشيري
النيسابوري، أكبر الإِخوة، في ذي القعدة، وله أربع وستون سنة. روى عن
القاضي أبي بكر الحِيري، وجماعة، وعاشت أَمُّه فاطمة بنت أبي علي الدَّقَّاق
بعده أربعة أعوام.
قال ابن الأهدل: الإِمام الكبير البارع، أبو سعد (٤). كانت فيه أوصاف
قلَّ أن يحتويها إنسان، أو يُعَبِّر عنها لسان، وكان أبوه يحترمه ويعامله معاملة
الأقران لما ظهر له منه .
(١) في ((العبر)): ((وافر الحشمة)). (ع).
(٢) قال في ((تاج العروس)) (بيب): بيبى كضِيزَى. ثم ذكر المترجمة.
(٣) في ((آ)) و((ط)) و((العبر)): ((أم عربي)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) (٤٠٣/١٨).
(٤) في ((ط)): ((أبو سعيد)) وهو خطأ.
٣٣١
٠

· وفيها عبد الرحمن بن محمد بن عفيف البُوشَنجي، آخر أصحاب عبد
الرحمن بن أبي شُريح [الهَرَوي] موتاً(١)، وهو من كبار شيوخ أبي الوقت.
· وفيها أبو نصر بن الصَّبَّغ، عبد السيِّد بن محمد بن عبد الواحد
البغدادي الشافعي، أحد الأئمة، ومؤلّف ((الشامل))(٢) كان نظير الشيخ أبي
إسحاق(٣)، ومنهم مَن يقدّمه على أبي إسحاق في نقل المذهب، وكان ثبتاً،
حجّةً، ديِّناً، خيِّراً، ولي النظامية بعد أبي إسحاق، ثم كُفَّ بصره. وروى عن
محمد بن الحسين القطّان، وأبي علي بن شَاذَان، وكان مولده في سنة
أربعمائة، توفي في جمادى الأولى ببغداد، ودفن في داره. قاله في
((العبر))(٤).
وقال ابن شهبة(٥). كان ورعاً، نزهاً، ثبتاً، صالحاً، زاهداً، فقيهاً،
أُصولياً، محقّقاً.
قال ابن عقيل: كملت له شرائط الاجتهاد المُطلق.
وقال ابن خَلِّكان: كان ثَبْتاً، صالحاً، له كتاب ((الشامل)) وهو من أصح
كتب أصحابنا وأتقنها أدلةً.
قال ابن كثير(٦): وكان من أكابر أصحاب الوجوه، ومن تصانيفه كتاب
((الكامل)) في الخلاف بيننا وبين الحنفية، وكتاب ((الطريق السالم)) و((العمدة
في أصول الفقه)).
(١) ما بين حاصرتين زيادة من ((العبر) (٢٨٩/٣).
(٢) قال ابن خلَّكان في ((وفيات الأعيان)) (٢١٧/٣): وهو من أجود كتب أصحابنا - يعني أتباع
الإِمام الشافعي - وأصحها نقلاً، وأثبتها أدلةً، وانظر ((كشف الظنون)) (١٠٢٥/٢).
(٣) يعني الشيرازي.
(٤) (٢٨٩/٣ - ٢٩٠).
(٥) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢٧٠/١).
(٦) يعني في كتابه ((طبقات الشافعية)) وهو مخطوط لم ينشر بعد فيما أعلم.
٣٣٢

· وفيها أبو علي الفَارَمَذِي - بفتح الفاء والراء والميم ومعجمة(١) نسبة
إلى فارمز قرية بطّوس - الفضل بن محمد الزاهد، شيخ خُراسان.
قال عبد الغافر: هو شيخ الشيوخ في عصره، المنفرد بطريقته في
التذكير، التي لم يسبق إليها في عبارته وتهذيبه، وحُسْن أدائه، ومليح
استعارته، [ودقيق إشارته] ورِقَة ألفاظه .
دخل نيسابور، وصحب القُشيري، وأخذ في الاجتهاد البالغ، إلى أن
قال: وحصل له عند نظام المُلك [قبولٌ](٢) خارج عن الحَدِّ. روى عن
أبي عبد الله بن باكويه، وجماعة، وعاش سبعين سنة. توفي في ربيع الآخر.
قاله في ((العبر))(٣).
وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في ((طبقات الأولياء)): كان عالماً،
شافعياً، عارفاً بمذاهب السَّلف، ذا خبرة بمناهج الخَلَف، وأما التصوف فذاك
عِشُّهُ الذي منه دَرَجَ، وغابه الذي ألفه ليثه ودخل وخرج، تفقه على الغزالي
الكبير، وأبي عثمان الصَّابوني، وغيرهما، وأخذ عنه حُجَّة الإِسلام، وجدّ
واجتهد، وكان ملحوظاً من القشيري بعين العناية، موفراً عليه منه طريق
الهداية، حتَّى فُتح عليه لوامع من أنواع المجاهدة، وصار من مذكوري الزمان
ومشهوري المشايخ، وكان لسان الوقت.
وقال السمعاني (٤): كان لسان خُرَاسَان، وشيخها، وصاحب الطريقة
الحسنة في (٥) تربية المُريدين، وكان مجلس وعظه روضة ذاتَ أزهارٍ.
(١) كذا قال المؤلِّف وقد تبع في ذلك السمعاني في ((الأنساب)) (٢١٨/٩) وقال ياقوت في
((معجم البلدان)) (٢٢٨/٤): بالراء الساكنة يلتقي بسكونها ساكنان، وفتح الميم وآخره زال
معجمة .
(٢) لفظة ((قبول)) سقطت من ((آ)) و((ط)) واستدركتها من ((العبر)).
(٣) (٢٩٠/٣) و((سير أعلام النبلاء)) (١٨ /٥٦٥) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
(٤) انظر ((الأنساب)) (٢١٩/٩) وقد نقل المؤلف كلامه بتصرف.
(٥) في ((الأنساب)): ((من)).
٣٣٣

● وفيها محمد بن عمّار أبو بكر المَهْري، ذو الوزارتين، شاعر
الأندلس، كان هو وابن زيدون كَفَرَسَي رِهَان وكان ابن عَمَّار قد اشتمل عليه
المُعْتَمِدُ وبلغ الغاية، إلى أن استوزره، ثم جعله نائباً على مُرْسِيَة، فخرج
عليه، ثم ظفر به المعتمد فقتله.
قال ابن خَلِّكان(١): وكانت ملوك الأندلس تخاف ابن عَمَّار لبذاءةٍ لسانه
وبراعة إحسانه، لا سيما حين اشتمل عليه المعتمد على اللّه بن عَبَّاد صاحب
غرب الأندلس، وأنهضه جليساً وسميراً، وقدَّمه وزيراً ومُشيراً، ثم رجَّع إليه(٢)
خاتم المُلك، ووجهه أميراً، وقد أتى عليه حينٌ من الدَّهر لم يكن شيئاً
مذكوراً، فتبعته المواكب، والمضارب، والجنائب، والنجائب، والكتائب،
وضربت خلفه الطبول، ونُشرت على رأسه الرايات والبنود، فملك مدينة
تُدْمِير(٣) وأصبح راقي منبر وسرير، مع ما كان فيه من عدم السياسة وسوء
التدبير، ثم وثب على مالكِ رِقُّه، ومستوجب شكره ومستحقه، فبادر إلى
عقوقه وبخس (٤) حقوقه، فتحيَّل المعتمدُ عليه، وسدّد سهام المكائد إليه،
حتَّى حصل في يده قنيصاً(٥)، وأصبح لا يجد له مَحيصاً، إلى أن قتله
المعتمد بيده ليلاً في قصره بمدينة إشبيلية.
وكانت ولادته في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، ولما قتله المعتمد،
رثاه صاحبه ابن وهْبُون الأندلسي بقوله من جملة قصيدة:
وَأَقُولُ: لا شُلَّتْ يمينُ القَاتِلِ
عَجَبَاً لَهُ أَبْكِيهِ مِلءَ مَدَامِعِي
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٢٥/٤ - ٤٢٩).
(٢) في ((وفيات الأعيان)): ((ثم خلع عليه)).
(٣) قال ياقوت: تُدْمِير: كورة بالأندلس، تتصل بأحواز كورة جَيَّان، وهي شرقي قرطبة، وانظر
تتمة كلامه عنها في ((معجم البلدان)) (١٩/٢).
(٤) في ((آ)) و((ط)): ((وغش)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
(٥) في ((آ)): ((محيصاً)) وما أثبته من ((ط)) و((وفيات الأعيان)).
٣٣٤

ومن مشاهير قصائد ابن عَمَّار:
والنَّجْمُ قد صَرَفَ العَنَانَ عَنِ السّرى
أدرِ الزجاجَةَ فالنَّسيمُ قد انْبَرَىْ
والصُّبْحُ قَدْ أهدى لنَا كَافُورَهُ
لما اسْتَرَدَّ اللّيلُ مِنَّاَ العَنْبَرَا
ومن مديحها (١) وهي في المُعتمد بن عبَّاد:
ونَحاه لا يَردُونَ حَتَّى يَصدُرَا
مَلِكٌ إِذَا ازْدَحَمَ المُلُوكُ بِمَوْرِدٍ
وأَلذ في الأَجْفَانِ مِنْ سِنَةِ الكُرى
أنْدى على الأكباد مِنْ قَطرِ النَّدى
نَارِ الوغى إلّ إلى نَارِ القِرى
قدَّاحِ زندِ المَجْدِ لا يَنْفَكُ عن(٢)
ومن جملة ذنوبه عند المعتمد بيتان هجاه وهجا ابنه المعتضد بهما
وهما :
سَمَاعُ مُعْتَضدٍ فيها ومُعْتَمَدٍ
مما يُقَبِّحُ عِنْدِي ذِكْرَ أَندلسٍ
كالهرِّ يَحْكِي انِتِفَاخَاً صَوْلَةَ الأَسَدِ
أسماءُ مملكةٍ في غيرِ مَوْضِعِهَا
وكان أقوى الأسباب على قتله أنه هجاه بشعر ذكر فيه أم بنيه المعروفة
بالرّمیکیة، منها:
رُمَيْكِيَّةً(٤) لا تُساوي عِقَالَاً
تَخَيَّرَهَا (٣) مِنْ بَنَاتِ الهِجَانِ
لِثْمِ النِّجَارَيْنِ(٥) عمّاً وخالا
فَجَاءَتْ بِكُلِّ قصيرِ الذراعِ
وهذه الرُّمَيْكِيَّة(٤) كانت سُرِّية المعتمد، اشتراها من رُمَيْك بن حَجَّاج،
فنسبت إليه، وكان قد اشتراها في أيام أبيه المعتضد، وأفرط في الميل إليها،
(١) يعني من أبيات المديح في القصيدة نفسها.
(٢) في ((وفيات الأعيان)): ((من)).
(٣) في ((وفيات الأعيان)): ((تخيرتها)).
(٤) قلت: وكانت شاعرة، ماتت سنة (٤٨٨) هـ. انظر ((الأعلام)) للعلامة الزركلي (٣٣٤/١).
(٥) في ((آ)) و((ط)): ((النجادين)) وهو خطأ، والتصحيح من ((وفيات الأعيان)). وقال ابن منظور في
(لسان العرب)) (نجر): النَّجْرُ والنِّجَارُ والنُّجَارُ: الأصل والحسب.
٣٣٥

وغلبت عليه، واسمها اعتماد، وهي التي أغرت المعتمد على قتل ابن عَمَّار
لكونه هَجَاهَا.
● وفيها مسعود بن ناصر السِّجْزي(١) أبو سعيد الرَّكَّاب، الحافظ،
رحل، وصنَّف، وحَدَّث عن أبي حَسَّان المُزَكِّي، وعلي بن بشر بن الليثي،
وطبقتهما، ورحل إلى بغداد، وأصبهان.
قال الدَّقاق: ولم أَرَ [في المُحَدِّثينَ)(٢) أجود إتقاناً ولا أَحْسَنَ ضَبْطاً
منه .
توفي بنيسابور في جمادى الأولى.
(١) في ((آ)) و(ط)): ((الشحري)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((الأنساب)) (٤٧/٧) و((سير أعلام
النبلاء)) (٥٣٢/١٨).
(٢) زيادة من ((سير أعلام النبلاء)).
٣٣٦

سنة ثمان وسبعين وأربعمائة
· فيها أخذ الأَذْفُونش(١) لعنه الله، مدينة طُليطلة من الأندلس، بعد
حصار سبع سنين، فطغى وتمرد، وحملت إليه ملوك الأندلس الضريبة، حتَّى
المعتمد بن عَبّاد، ثم استعان المُعتمد على حربه بالمُلَثَّمين، وأدخلهم
الأندلس.
• وفيها توفي أبو العَبَّاس العُذري، أحمد بن عمر بن أنس بن دِلْهاث
الأندلسي الدَّلَائي - ودَلايَه من عمل المَرِيَّة - كان حافظاً، مُحَدِّثاً، متقناً، مات
في شعبان، وله خمس وثمانون سنة. حج سنة ثمان وأربعمائة مع أبويه،
فجاوروا ثمانية أعوام، وصحب هو أبا ذرٍّ، فتخرّج به، وروى عن أبي
الحسن بن جهضم وطائفة، ومن جلالته أن إمامي الأندلس ابن عبد البرِّ،
وابن حزم، رويا عنه، وله كتاب ((دلائل النبوة)).
• وفيها أبو سعد المُتَولِّي، عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري، شيخ
الشافعية، وتلميذ القاضي الحسين، وهو صاحب ((التَّتمة)) تمم به ((الإِبانة))
لشيخه أبي القاسم الفُوراني، تفقه بمرو على الفُوراني، وبمرو الرّوذ على
القاضي حسين، وببخارى على أبي سهل الأبْوَردي، وبَرَعَ في الفقه،
والأصول، والخِلاف.
(١) في (آ)) و((ط)): ((الأدقيش)) وفي ((العبر)): ((الأذفنش)) وما أثبته من ((الكامل في التاريخ))
(١٤٢/١٠) و((البيان المغرب)) (٣٥/٤).
٣٣٧

قال الذهبي: كان فقيهاً محقّقاً، وحَبْراً مُدقّقاً.
وقال ابن كثير(١): هو أحد أصحاب الوجوه في المذهب، وصنَّف
((التتمة)) ولم يكمله، وصل فيه إلى القضاء، وأكمله غير واحد، ولم يقع شيء
من تكملتهم على نسبته، وصنَّف كتاباً في أُصول الدِّين، وكتاباً في الخلاف،
ومختصراً في الفرائض، ومولده بنيسابور، سنة ست. وقيل: سبع وعشرين
وأربعمائة، وتوفي ببغداد في شوال.
قال ابن خَلِّكان(٢): ولم أقف على المعنى الذي سُمّي به المُتَولّي.
• وفيها أبو المَعَالي أحمد بن مَرْزُوق بن عبد الرزاق الزَّعْفَرَاني(٣)
الحنبلي، المُحَدِّث. سمع الكثير، وطلب بنفسه، وكتب بخطّه.
قال أبو علي البرداني: كان هَمُّهُ(٤) جمع الحديث وطلبه، حَدَّث
باليسير عن أحمد بن عمر بن الأحصر، وأبي الحسين العُكبري وغيرهم،
وروى عنه البرداني، وقال: إنه مات ليلة الثلاثاء، مستهل المحرم.
● وفيها أبو معشر الطبري، عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري القطّان
المقرئ، نزيل مَكَّة، وصاحب كتاب ((التلخيص)) وغيره. قرأ بَحَرَّان على أبي
القاسم الزَّيْدي، وبمكّة على الكارَزِيني، وبمصر على جماعة، وروى عن
أبي عبد الله بن نظيف، وجلس للإِقراء بمكّة .
• وفيها إمام الحرمين، أبو المَعَالي الجُوَيْنِي، عبد الملك بن أبي محمد
عبد الله بن يوسف، الفقيه الشافعي ضياء الدِّين. أحد الأئمة الأعلام.
(١) في ((طبقات الشافعية)) وهو مخطوط كما ذكرت من قبل.
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٣٤/٣) وقد نقل المؤلف كلامه بتصرف.
(٣) انظر ((الوافي بالوفيات)) (١٧٤/٨ - ١٧٥) و((المنهج الأحمد)) (١٧٩/٢).
(٤) في (آ)) و((ط)): ((همته)) والتصحيح من ((المنهج الأحمد)).
٣٣٨

قال ابن الأهدل: تفقه على والده في صباه، واشتغل به مدته، فلما
توفي والده، أتى على جميع مصنَّفاته، ونقلها ظهراً لبطن، وتصرَّف فيها،
وخرَّج المسائل بعضها على بعض، ولم يرضَ بتقليد والده من كل وجه،
حتى أخذ في تحقيق المذهب والخلاف، وسلك طريق المباحثة والمناظرة،
وجمع الطرق بالمطالعة، حتى أربى على المتقدمين، وأنسى مصنَّفات
الأولين. توفي والده وهو دون العشرين سنة، فأقعد مكانه للتدريس، وكان
يتردد إلى المشايخ في أنواع العلوم، حتى ظهرت براعته، ولما ظهر التعصب
بين الأشعرية والمبتدعة، خرج مع المشايخ إلى بغداد، فلقي الأكابر، وناظر،
فظهرت فطنته، وشاع ذكره، ثم خرج إلى مكة، فجاور بها أربع سنين ينشر
العلم، ولهذا قيل له: إمام الحرمين، ثم رجع بعد مُضي نوبة التعصب إلى
نيسابور في ولاية ألب أرسلان السّلجوقي، ثم قَدِمَ بغداد، فتولى تدريس
النظامية، والخطابة، والتذكير، والإِمامة، وهجرت له المجالس، وانغمر ذكر
غيره من العلماء، وشاعت مصنفاته وبركاته، وکان یقعد بین یدیه کل یوم نحو
ثلثمائة رجل، من الطلبة، والأئمة، وأولاد الصدور، وحصل له من القبول
عند السلطان ما هو لائق بمنصبه، بحيث لا يذكر غيره والمقبول مَن انتمى
إليه وقرأ عليه، وصنَّف النظامي والغيَّائي، فقُوبل بما يليق به من الشكر،
والخِلَع الفائقة، والمراكب الثمينة، ثم قلَّد رعاية الأصحاب، ورئاسة
الطائفة، وفُوِّض إليه أمر الأوقاف، وسار إلى أصبهان بسبب مخالفة
الأصحاب، فقابله نظام المُلك بما هو لائق بمنصبه، وعاد إلى نيسابور،
وصار أكثر عنايتهِ بـ ((نهاية المطلب في دراية المذهب)) وأودعه من التدقيق
والتحقيق ما تُعلم به مكانته من العلم والفهم، واعترف أهل وقته بأنه لم
يصنَّف في المذهب مثله، وصنَّف ((الشامل في أصول الدِّين)) و((الإِرشاد))
و((العقيدة النظامية)) و((غياث الأمم)) في الإِمامة، و((مغيث الخلق في اختيار
٣٣٩

الأحق)) و((البرهان في أصول الفقه)) وغيرها، وكان مع رِفعة قدره وجلالته، له
حظّ وافرٌ من التواضع، فمن ذلك أنه لما قَدِمَ عليه أبو الحسن المُجاشعي،
تلمذ له، وقرأ عليه كتاب ((إكسير الذهب في صناعة الأدب)) من تصنيفه، وقد
تقدم أنه حمل بين يدي الشيخ أبي إسحاق الغاشية، وقد أثنى عليه علماء
وقته بما يطول شرحه، من ذلك قول الشيخ أبي إسحاق: تمتعوا بهذا الإِمام،
فإنه نزهة هذا الزمان.
وقال له في أثناء كلامه: يا مفيد أهل المشرق والمغرب، أنت إمام
الأئمة اليوم.
وقال المجاشعي: ما رأيت عاشقاً للعلم في أيّ فنٌّ كان مثل هذا
الإِمام، وكان لا يستصغر أحداً، حتى يسمع كلامه، ولا يستنكف أن يعزو
الفائدة إلى قائلها، ويقول: استفدتها من فلان، وإذا لم يرض كلامه زيّفه،
ولو كان أباه.
وقال في اعتراض على والده، وهذه زلّةٌ من الشيخ رحمه الله، وكان إذا
شرع في حكايات الأحوال، وعلوم الصوفية، ومجالس(١) الوعظ والتذكير،
بكى طويلاً، حتَّى يبكي غيره لبكائه، وربما زعق ولحقه الاحتراق العظيم،
لا سيما إذا أخذ في التفكّر.
وسمع الحديث من جماعة كثيرة، وأجاز له أبو نُعيم صاحب ((الحلية))
وسمع ((سنن الدارقطني)) من ابن عليك، وكان يعتمد تلك الأحاديث في
مسائل الخلاف، ويذكر الجرح والتعديل في الرواية.
وروي أن والده في ابتداء أمره، كان ينسخ بالأجرة، حتَّى اجتمع له
شيء، فاشترى به جارية صالحة، ووطئها فلما وضعت إمام الحرمين، أوصاها
(١) في ((ط)): ((ومجلس)).
٣٤٠
،