Indexed OCR Text

Pages 21-40

جعفر البصري المالكي الأصولي، المتكلم صاحب المصنَّفات، وأوحد وقته
في فنه. روى عن أبي بكر القطيعي، وأخذ علم النظر عن أبي عبد الله بن
مجاهد الطائي صاحب الأشعري، وكانت له بجامع المنصور حلقة عظيمة.
قال الخطيب(١): كان وِرْدُهُ في الليل(٢) عشرين ترويحة في الحضر
والسفر (٣)، فإذا فرغ منها كتب خمساً وثلاثين ورقة من تصنيفه. قاله في ((العبر)).
وقال ابن الأهدل: سيف السُّنَّة، القاضي أبو بكر محمد بن الطيب،
المشهور بابن (٤) البَاقِلَاني الأصولي الأشعري المالكي، مجدد الدِّين على
رأس المائة الرابعة على الصحيح، وقيل: جُدد بأبي سهل الصُّعلوكي. صنَّف
ابن الباقِلَاني تصانيف واسعة في الرد على الفرق الضالّة.
حُكي أن ابن المُعَلِّم متكلّم الرافضة قال لأصحابه - يوماً وقد أقبل ابن
الباقلاني -: جاءكم الشيطان، فلما جلس ابن الباقلاني قال: قال الله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِيْنَ عَلَى الْكَافِرِيْنَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّاً ﴾ [مريم: ٨٣].
وكان ورعاً لم تحفظ عنه زلَّة ولا نقيصة، وكان باطنه معموراً بالعبادة،
والديانة، والصيانة.
وقال الطائي: رأيته في النوم بعد موته وعليه ثياب حسنة في رياض
خضرة نضرة، وسمعته يقرأ: ﴿ فِي عِيْشَةٍ رَاضِيَةٍ * في جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴾ [الحاقة:
٢١ - ٢٢] ورأيت قبل ذلك حُسْن حالهم، فقلت: من أين جئتم؟ فقالوا: من
الجَنَّةِ من زيارة القاضي أبي بكرٍ. انتهى ملخصاً.
وقال ابن تيمية: القاضي أبو بكر محمد بن الطيِّب الباقِلَاني
(١) انظر ((تاريخ بغداد)) (٣٨٠/٥).
(٢) كذا في ((آ)) و((ط)): ((في الليل)) وفي ((تاريخ بغداد)): ((في كل ليلة)).
(٣) عبارة الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) (٣٨٠/٥): ((ما يتركها في حضر ولا سفر)). (ع).
(٤) قوله: ((المشهور بابن)) سقط من ((آ)) وأثبته من ((ط)).
٢١

المتكلم، وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله،
لا قبله ولا بعده.
قال في كتاب ((الإِبانة)) تصنيفه: فإن قال قائل: فما الدليل على أن
لله وجهاً ويدً؟ قيل له: ﴿وَيَبْقِى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾
[الرَّحمن: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿ مَا مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾
[ص: ٧٥] فأثبت لنفسه وجهاً ويداً، فإن قال: فما أنكرتم أن يكون وجهه
ويده جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حيَّاً عالماً قادراً
إلاَّ جسماً أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه وتعالى، وكما لا يجب
في كل شيءٍ كان قائماً بذاته أن يكون جوهراً لأَنَّا وإيَّكم لا نجد قائماً بنفسه
في شاهدنا إلّ كذلك، وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون
علمه، وحياته، وسمعه، وبصره، وسائر صفاته، عرضاً، واعتلوا بالوجود.
قال: فإن قال: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله، بل هو مستوٍ
على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىْ﴾
[طه: ٥] وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدِ الْكَلِمَ الطّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
[فاطر: ١٠] وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَّنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾
[المُلْك: ١٦] ﴿أُمْ أَمِنْتُم مَّنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [المُلْك: ١٧] قال: ولو كان في
كل مكانٍ، لكان في بطن الإِنسان وفمه، والحُشُوشِ (١) والمواضع التي
يرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة وينقص بنقصانها. انتهى
ملخصاً، فرحمه الله تعالى ورضي عنه.
● وفيها أبو بكر الخُوَارزمي(٢) محمد بن موسى شيخ الحنفية، ومَن
انتهت إليه رئاسة المذهب في الآفاق. أخذ عن أبي بكر أحمد بن علي
(١) جمع ((حُش)) وهو المخرج. انظر ((القاموس المحيط)) و((مختار الصحاح)): (حشش).
(٢) انظر ((العبر)) (٨٨/٣ - ٨٩).
٢٢

الرَّازي، وسمع من أبي بكر الشافعي .
قال البرقاني: سمعته يقول: ديننا دين العجائز، ولسنا من الكلام في
شيءٍ .
وقال القاضي الصَّيْمَري: ما شاهد الناس مثل شيخنا أبي بكر
الخُوارزمي في حُسْن الفتوى وحُسن التدريس، دُعي إلى القضاء مرة (١)
فامتنع، وتوفي في جمادى الأولى. قاله في ((العبر)).
• وفيها أبو رَماد الرَّمادي شاعر الأندلس يوسف بن هارون القرطبي
الكِنْدي (٢) الأديب. أخذ عن أبي علي القَالي وغيره، وكان فقيراً مُعدماً،
ومنهم مَن يلقبه بأبي حنيش(٣).
قال الحميدي في كتاب ((جذوة المقتبس)) (٤): أظن أحد آبائه كان من
أهل رمادة، موضع بالمغرب، وهو شاعر قرطبي كثير الشعر، سريع القول،
مشهور عند الخاصّة والعامّة هنالك لسلوكه في فنون كثيرة من المنظوم
مسالك. نفق عند الكل، حتَّى كان كثيرٌ من شيوخ الأدب في وقته يقولون:
فُتح الشعر بكِنْدة، وختم بكِنْدة، يعنون امرأ القيس، ويوسف بن هارون،
والمتنبي، وكانا متعاصرين، وصنَّف كتاباً في الطير، وسجن مدةً.
ومدح أبا [عليٍّ] إسماعيل [بن القاسم] القالي عند دخوله الأندلس في
سنة ثلاثين وثلثمائة بقصيدةٍ طنّانةٍ منها:
(١) في ((العبر)): ((مراراً)).
(٢) انظر ((العبر (٨٩/٣) وقد كُنِّي في معظم المصادر الأخرى بأبي عمر، وانظر ما قاله الأستاذ
الدكتور رضوان الداية في تعليقه على ((رايات المبرزين وغايات المميزين)) لأبي الحسن علي
ابن موسى بن سعيد الأندلسي ص (١٣٥) طبع دار طلاس بدمشق.
(٣) وجاء في تعليق الأستاذ الدكتور رضوان الداية على ((رايات المبرزين)): ((جُنّيْش)) (بالجيم)
الرَّماد.
(٤) ص (٣٦٩ - ٣٧٣) وقد نقل المؤلف عن ((وفيات الأعيان)) (٢٢٥/٧ - ٢٢٧) بتصرّف وما بين
حاصرتين في النقل زيادة منه.
٢٣

الشجُو شَجْوي والعَوِيْلُ عَوِيْلِي
مَنْ حاكمٌ بيني وبَيْن عَذُولي
سلمتْ من التعذيب والتنكيلِ
أو قلتُ في كَبِدي فَمَّ غَليلي
فعلمتُ أن نزولهنَّ رَحِيْلي
وَاشٍ ووجهُ مراقبٍ وثَقِيْلِ
ـتُ لَقَدْ سمعت بذلةِ المَعْزُولِ
في أي جارحةٍ أصونُ مُعذِّبي
إن قُلتُ في بصري فَثَمَّ مَدَامِعِي
وثلاث شيباتٍ نزلنَ بمفرقي
طلعتْ ثَلاَثٌ في نزول ثلاثةٍ
فعزلني عن صَبْوَتي فلئن ذلَلْ
ومنها في المديح:
روضُ تعاهده السحابُ كأنَّهُ
قِسْهُ إلى الأعرابِ تَعْلم أَنَّهُ
حازت قبائلهمْ لَغَاتٍ فَرقت
فالشرقُ خالٍ بعده فَكأنما
فَكَانَّهُ شمسٌ بدت في غربنا
يا سيدي هَذَا ثنائي لم أَقُل
مَنْ كان يأملُ نائلاً فأنا امرؤ
وله في غلامٍ ألثغ من جملة أبيات قوله:
متعاهَدٌ مِنْ عَهْدِ إِسْمَاعِيلِ
أولى من الأعرابِ بالتفضيلٍ
فيهم، وحاز لغاتِ كلِّ قَبْلِ
نزل الخرابُ بربعِهِ المأهولِ
وتغيبتْ عن شَرقِهم بأفولِ
زوراً ولا عرَّضْتُ بالتّنْوِيْلِ
لم أرجُ غير القربِ من تأميلي
الهجرُ يجمعنا فنحن سواءٌ
لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا
وبكيتُ منتحباً أنا والراءُ
فإذا خلوتُ كتبتها في راحتي
وله فيه أيضاً:
أعدْ لثغةً في الراء لو أن واصلاً تسمَّعها ما أسقطَ الراءَ واصلُ
وقال ابن بشكوال في كتاب ((الصلة))(١): يوسف بن هارون الرَّمادي
الشاعر، من أهل قرطبة، يُكنى أبا عمر، كان شاعر أهل الأندلس المشهور
(١) (٦٧٤/٢).
٢٤

المقدَّم (١) ذكره على الشعراء. روى عن أبي علي البغدادي - يعني القالي - كتاب
((النوادر)) من تأليفه، وقد أخذ عنه أبو عمر بن عبد البرِّ قطعة من شعره رواها
عنه وضمنها بعض تآلیفه.
قال ابن حَيَّان(٢): وتوفي يوم العنصرة، فقيراً معدماً، ودفن بمقبرة كَلَع.
انتھی کلامه.
ويوم العنصرة: [هو] رابع عشري حزيران، وهو موسم للنصارى مشهور
ببلاد الأندلس، وفي هذا اليوم حبس الله تعالى الشمس على يوشع بن نون
عليه السلام، وفيه ولد يحيى بن زكرياء عليهما السلام.
(١) في ((الصلة)): ((والمقدم)). (ع).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((ابن حبان)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
٢٥

سنة أربع وأربعمائة
● فيها توفي أبو الفضل السُّلَيْماني الحافظ(١)، وهو أحمد بن علي بن
عمر البيْكَنْدِي - نسبة إلى بِيْكَنْد، بلد على مرحلةٍ من بخارى - البخاري
مُحَدِّث تلك الدِّيار، طوَّف وسمع الكثير، وأكثر عن علي بن إسحاق
المادَرَائي، والأصم، وطبقتهما، وجمع وصنَّف.
قال ابن ناصر الدِّين: كان إماماً حافظاً من الثقات. وتوفي في ذي القعدة
وله ثلاث وتسعون سنة.
● وفيها أبو الطيب الصُّعلوكي(٢) سَهل بن الإِمام أبي سهل محمد بن
سليمان العجلي النيسابوري الشافعي، مفتي خراسان، ومجدّد القرن الرابع
على قول. روى عن الأصمّ وجماعة.
قال الحاكم: هو أنظر مَن رأينا.
وقال ابن خَلِّكان: كان أبو الطيب المذكور مفتي نيسابور وابنَ مفتيها.
أخذ الفقه عن أبيه أبي سَهْل الصُّعلوكي، وكان في وقته يقال له: الإِمام، وهو
متفق عليه، عديم المثل في علمه وديانته، وسمع أباه، ومحمد بن يعقوب
(١) انظر ((العبر)) (٨٩/٣ - ٩٠)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٤١/٤)، و((التبيان شرح بديعة
البيان)) لابن ناصر الدِّين (١٤١/آ).
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٣٥/٢ - ٤٣٦) و((العبر)) (٩٠/٣) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٧/١٧ -
٢٠٩)، وقد تحرّفت نسبته في ((آ)) إلى ((الصعلوك)).
٢٦

الأصم، وابن مطر(١) وأقرانهم، وكان فقيهاً أديباً متكلماً، خرجت له
الفوائد من سماعاته، وقيل: إنه وضع له في المجلس أكثر من خمسمائة
محبرة، وجمع رئاسة الدُّنيا والآخرة، وأخذ عنه فقهاء نيسابور، وتوفي في
المحرم .
قال عبد الواحد اللّخمي: أصاب سهل الصعلوكي رمد(٢) فكان الناس
يدخلون عليه وينشدونه من النظم ويروون من الآثار ما جرت العادة به، فدخل
الشيخ أبو عبد الرحمن السّلمي وقال: أيها الإِمام، لو أن عينيك رأتا وجهك
لما(٣) رمدت فقال له الشيخ سهل: ما سمعتُ بأحسن من هذا الكلام، وسُرَّ به.
ولما مات والده، كتب إليه أبو النضر عبد الجبّار يعزّيه في والده رحمه
الله تعالى :
عني رسَالَة محزونٍ وأَوَّاهِ
مَنْ مبلغٌ شيخَ أهل العلم قاطبةً
أولى البَرَايا بحُسن الصَّبر ممتحناً مَنْ كان فْيَاهُ توقيعاً عَنِ اللهِ
انتهى ما أورده ابن خلِّكان ملخصاً.
وقال ابن القاضي شبهة (٤): نقل عنه الرافعي وعن والده أنهما قالا: إن
طلاق السكران لا يقع.
وسئل سهل عن الشطرنج فقال: إذا سَلِمَ المال من الخسران والصلاة
من(٥) النسيان، فذلك أنس بين الإِخوان، وكتبه سهل بن محمد بن سليمان.
وله ألفاظ حسنة منها: مَن تصدَّر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه.
(١) في ((آ)) و(ط)): ((ابن مسطور)) وفي ((وفيات الأعيان)): ((ابن مطر)) وهو ما أثبته.
(٢) في ((آ)): ((رمداً)) وهو خطأ.
(٣) في ((وفيات الأعيان)): ((ما)).
(٤) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٧٤/١ - ١٧٥) طبع حيدر أباد.
(٥) في ((آ)): ((عن)).
٢٧

وقوله: إنما يُحتاج إلى إخوان العشرة لزمان العسرة. انتهى ملخصاً
أيضاً.
· وفيها أبو الفرج النَّهْرَواني، مقرىء بغداد، عبد الملك بن بكران(١).
أخذ القراءة عن زيد بن أبي بلال، وعبد الواحد بن أبي هاشم وطائفة، وسمع
من أبي بكر النجَّاد وجماعة، وصنَّف في القراءات، وتصدر مدة. قاله في
«العبر)).
(١) انظر ((العبر)) (٩٠/٣) و((معرفة القرّاء الكبار) (٣٧١/١).
٢٨

سنة خمس وأربعمائة
· فيها منع الحاكم بمصر النساءَ من الخروج من بيوتهنَّ أبداً، ومن
دخول الحمامات، وأبطل صنعة الخِفَاف لهنّ، وقتل عدة نسوة خالفن أمره،
وغرَّق جماعة من العجائز.
• وفيها توفي أبو الحسن العَبْقَسيّ - نسبة إلى عبد القيس - أحمد بن
إبراهيم بن أحمد بن فراس المكي العطار(١)، مسند الحجاز في وقته، وله
ثلاث وتسعون سنة، تفرّد بالسماع عن محمد بن إبراهيم الدَّيْيُلي وغيره.
· وفيها - كما قال ابن الجوزي في ((شذور العقود)) - بدر بن حَسْنَوَيْه(٢)
الكردي من أمراء الجبل، لقَّبه القادر ناصر الدولة. وعقد له لواءً، وكان يبرّ
العلماء، والزهاد، والأيتام، وكان يتصدق كل جمعة بعشرة آلاف درهم،
ويصرف إلى الأساكفة والحذّائين بين همذان وبغداد، ليقيموا للمنقطعين من
الحاج الأحذية ثلاثة آلاف دينار، ويصرف إلى أكفان الموتى كل شهر عشرين
ألف درهم، واستحدث في أعماله ثلاثة آلاف مسجدٍ وخانٍ للغرباء، وكان
ينقل للحرمين كل سنة مصالح الطريق مائة ألف دينار، ثم يرتفع إلى خزانته
بعد المؤن والصدقات عشرون ألف ألف درهم. انتهى.
(١) انظر ((العبر)) (٩١/٣) و((الأنساب)) (٣٧٠/٨).
(٢) في ((آ)): ((ابن خشْنَويه)) وانظر ((المنتظم)) (٢٧١/٧ - ٢٧٢) و((البداية والنهاية)) (٣٥٣/١١).
٢٩

● وفيها بكر بن شاذان أبو القاسم البغدادي(١) الواعظ الزاهد. قرأ على
زيد بن أبي بلال الكوفي وجماعة، وحدَّث عن ابن قانع وجماعة .
قال الخطيب: كان عبداً صالحاً. توفي في شوال.
قال الذهبي: وقرأ عليه جماعة.
● وفيها أبو علي بن حَمَكان، الحسن بن الحسين بن حَمَكان(٢) - بحاء
مهملة بعدها ميم مفتوحتان وكاف - الهَمَذَاني الفقيه الشافعي، نزيل بغداد.
روى عن عبد الرحمن بن حمدان الجلّب، وجعفر الخُلدي وطبقتهما، وعني
بالحدیث والفقه.
قال ابن قاضي شهبة(٣): روي عنه أنه قال: كتبت بالبصرة عن أربعمائة
وسبعين شيخاً، وروى عنه أبو القاسم الأزهري، وكان يضعِّفه ويقول: ليس
بشيءٍ في الحدیث.
قال ابن كثير: له كتاب في مناقب الشافعي، ذكر فيه مذاهب كثيرة،
وأشياء تفرد بها، وكنت قد كتبت منه شيئاً في ترجمة الإِمام، فلما قرأتها على
شيخنا [الحافظ] أبي الحجّاج المِزِّي، أمرني أن أضرب على أكثرها لضعف
ابن حَمکان. انتھی .
● وفيها أبو الحسن المُجَبِّر، أحمد بن محمد بن موسى بن القاسم بن
الصَّلْت البغدادي (٤) روى عن إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، وأبي بكر بن
الأنباري، وجماعة كثيرة. ضعّفه البرقاني وغيره، وتوفي في رجب وله إحدى
وتسعون سنة .
(١) انظر ((تاريخ بغداد)) (٩٦/٧ - ٩٧) و((العبر)) (٩٢/٣).
(٢) انظر ((العبر)) (٩١/٣).
(٣) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٦٧/١ - ١٦٨) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
(٤) انظر ((العبر)) (٩١/٣ - ٩٢).
٣٠

● وفيها أبو محمد بن الأكفاني(١)، قاضي القضاة، عبد الله بن محمد
الأسدي البغدادي. حدَّث عن المَحَامِلي، وابن عُقدة، وخلق.
قال أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري: مَن قال إن أحداً أنفق على
أهل العلم مثله فقد كذب، أنفق على أهل العلم مائة ألف دينار.
وقال الذهبي: ولي قضاء العراق سنة ست وتسعين، وعاش تسعاً
وثمانين سنة.
● وفيها الإِدريسي الحافظ، أبو سعد عبد الرَّحمن بن محمد بن محمد
الاستراباذي(٢)، نزيل سمرقند ومُحَدِّثها ومؤرخها. سمع الأصمّ فمن بعده،
وألَّف الأبواب والشيوخ.
وقال ابنُ ناصر الدِّين: هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن
عبد الله [بن إدريس] بن الحسن بن مَتَّويه (٣) أبو سعد الأستراباذي، مُحَدِّث
سمرقند، ومصنّف تاريخها وتاريخ بلده، كان حافظاً، متقناً، راسخاً، مؤلّفاً. انتهى.
● وفيها أبو علي الحسن بن أحمد بن محمد بن اللَّث أبو علي
الشيرازي الكشي(٤) المقرئ الفقيه الشافعي. كان حافظاً ناقداً. قاله ابنُ
ناصر الدِّین.
● وفيها أبو نصر بن نُّبَاتة التميمي السعدي(٥) عبد العزيز بن عمر بن
محمد بن أحمد بن نُبَاتة بن حميد بن نُبَاتة بن الحَجَّاج بن مطربن خالد بن
(١) انظر ((العبر)) (٩٢/٣).
(٢) انظر ((العبر)) (٩٢/٣) و((التبيان شرح بديعة البيان)) لابن ناصر الدِّين (١٤١/آ) وما بين
حاصرتين زيادة منه. وانظر ((الأنساب)) (١٦٠/١).
(٣) في ((آ)): ((ابن منربه)) وفي ((ط)): ((ابن منوبه)) وكلاهما خطأ، والتصحيح من ((التبيان شرح
بديعة البيان)) و((الأنساب)) و((تاريخ بغداد)) (٣٠٢/١٠).
(٤) انظر ((التبيان شرح بديعة البيان)) لابن ناصر الدِّين (١٤١ / ب) وقد نقل المؤلف عنه بتصرّف
واختصار، وانظر ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٩١/٢).
(٥) انظر ((وفيات الأعيان)) (١٩٠/٣ - ١٩٣) و((العبر)) (٩٣/٣).
٨
٣١

عمرو بن رباح بن سعد. كان شاعراً مجيداً جمع بين حُسْن السبك وجودة
المعنى، وكان يعاب بكبرٍ فيه، طاف البلاد ومدح الملوك، والوزراء،
والرؤساء، وله في سيف الدولة غرر(١) القصائد ونخب المدائح، وكان قد
أعطاه فرساً أدهم أغر مُحَجَّلاً، فكتب إليه:
من خَلْقِهِ ورُواؤُهُ مِنْ رآئهِ
يا أَيُّها الملكُ الذي أخلاقهُ
قَدْ جاء بالطرف الذي أهديتهُ
أولايةً أوليتها فَبَعَثْتَهُ
نَحْتَلُّ(٣) منه على أغرَّ مُحَجَّلٍ
وكأنما لطَمَ الصباحُ جبينهُ
مُتَمَهلاً والبرقُ في أسمائِهِ
مَا كانَت النيرانُ يكمُنُ حَرُّهَا
لا تَعْلَقُ الألحاظُ في أعطافِهِ
لا يُكمِلُ الطَّرفُ المحاسِنَ كلَها
هاديهِ يعقدُ أرضهُ بسمائِهِ
رُمحاً سَبيب(٢) العُرفِ عقد لوائِهِ
ماءُ الدُّجنة قطرةٌ مِنْ مَائِهِ
فاقتَصَّ مِنْهُ فخاضَ في أحشائهِ
مُتَبَرقِعاً والحُسْنُ مِنْ أكفائِهِ
لَوْ كانَ للنيرانِ بعضُ ذَکائِهِ
إلّ إذا كفكفت من غلوائهِ
حتَّى يكونَ الطَّرفُ مِنْ أسرائِهِ
وله فيه أيضاً من قصيدة:
قَدْ جُدْت لي باللُها حتّى ضَجِرْتُ بهَا
إِن كُنتَ ترغبُ في أخذ النَّالِ لنا
لم يُبقِ جُودُكَ لي شيئاً أُؤْمِّلهُ
وكِدْتُ مِنْ ضَجَري أُثني على البخلِ
فاخلُقْ لنا رغبَةً أو لا فلا تنلِ
تركتني أَصْحَبُ الدُّنيا بِلاَ أَمَلِ
ومعظم شعره جيد، وله ((ديوان)) كبير، وجرى له مع ابن العميد أشياء
تقدّم ذكر شيءٍ منها في ترجمته (٤) وتوفي يوم الأحد بعد طلوع الشمس، ثالث
(١) في ((وفيات الأعيان)): ((غُرَّ).
(٢) السبيب من الفرس: شعر الذنب والعرف والناصية.
(ع).
(٣) في ((آ): ((نَحِلُّ)).
(٤) انظر ص (٣١٣ - ٣١٦) من المجلد الرابع.
٣٢

شوال، ودفن في مقبرة الخيزران ببغداد.
وقال أبو الحسن محمد بن نصر البغدادي: عدت ابن نُبَاتة في اليوم
الذي توفي فيه، فأنشدني :
مَتِّعْ لحاظَكَ مِنْ خِلِّ تُودِّعُهُ فَمَا إخالك بَعْدَ اليومِ بِالوَادي
وودعته وانصرفت، فأخبرت في طريقي أنه توفي .
وقال أبو علي محمد بن وشاح: سمعت ابن نُبَاتة يقول: كنت يوماً قائلاً(١)
في دهليزي، فَدُقُّ عليَّ الباب، فقلت: مَنْ؟ فقال: رجل من أهل
المشرق(٢)، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت القائل:
وَمَنْ لم يَمُتْ بالسيف مات بغيره
تَنَوَّعتِ الأَسْبَابُ والدَّاءُ واحدُ
فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم، فمضى، فلما كان آخر
النهار دُقَّ عليَّ الباب، فقلت: مَن؟ فقال: رجل من أهل تَاهَرْتَ من
المغرب، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت القائل:
وَمَنْ لَمْ يَمُتْ بالسيفِ
فقلت: نعم، [فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم](٣)، وعجبت كيف
وصل شعري (٤) إلى الشرق والغرب.
● وفيها أبو عبد الله الحاكم، محمد بن عبد الله بن محمد بن
حمدُويه(٥) بن نُعيم بن البِّع الضَّبِّ الطَّهْماني النيسابوري(٦) الحافظ الكبير.
(١) أي نائماً وقت القيلولة.
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((الشرق)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)).
(٣) تكملة من ((وفيات الأعيان)).
(٤) لفظة ((شعري)) سقطت من ((وفيات الأعيان)) فتستدرك فيه.
(٥) تحرّف في ((آ)) و((ط)) إلى: ((حمدون)) والتصحيح من ((العبر)) و((السير)).
(٦) انظر ((العبر)) (٩٤/٣) و((سير أعلام النبلاء)) (١٦٢/١٧ - ١٧٧).
٣٣

ولد سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، واعتنى به أبوه، فَسَمَّعه(١) في صغره، ثم
[سَمِعَ] هو بنفسه، وكتب عن نحو ألفي شيخ، وحدَّث عن الأصمّ،
وعثمان بن السَّمَّاك وطبقتهما، وقرأ القراءات على جماعة، وبَرَعَ في معرفة
الحديث وفنونه، وصنَّف التصانيف الكثيرة، وانتهت إليه رئاسة الفن بخراسان
لا بل بالدُّنيا، وكان فيه تَشَيُّعُ وحطٌّ على معاوية، وهو ثقة حجَّة. قاله في ((العبر)).
وقال ابنُ ناصر الدِّين(٢): له مصنفات كثيرة، منها ((المستدرك على
الصحيحين)) وهو صدوق من الأثبات، لكن فيه تَشَيُّعٌ، ويصحح(٣)
واهيات. انتهى .
وقال ابن قاضي شهبة(٤): طلب العلم في صغره، وأول سماعه سنة
ثلاثين، ورحل في طلب الحديث، وسمع على شيوخ يزيدون على ألفيّ
شيخٍ ، وتفقه على ابن أبي هُريرة، وأبي سهل الصُّعلوكي، وغيرهم. أخذ
عنه الحافظ أبو بكر البيهقي فأكثر عنه، وبكتبه تفقّه وتخرَّج، ومن بحره
استمدّ، وعلى منواله مشى، وبلغت تصانيفه [قريباً من خمسمائة جزءٍ،
وقيل: ألف جزء، وقيل: ] ألف وخمسمائة جزء.
قال الخطيب البغدادي(٥): كان ثقة. وكان يميل إلى التَّشَيُّع.
قال الذهبي: هو مُعَظِّمٌ للشيخين(٦) بيقين، ولذي النُّورين، وإنما تكلم
في مُعاوية فأوذي. قال: وفي ((المستدرك)) جملة وافرة على شرطهما(٧)،
(١) في ((آ)) و((العبر)): ((فَسُمِّع)).
(٢) انظر ((التبيان شرح بديعة البيان)) لابن ناصر الدِّين (١٤١ / ب) وقد نقل المؤلف كلامه
باختصار وتصرّف.
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((وتصحيح)) والتصويب من ((التبيان)) لابن ناصر الدِّين.
(٤) في ((طبقات الشافعية)) (١٨٩/١ - ١٩٠)، وما بين حاصرتين مستدرك منه.
(٥) انظر («تاريخ بغداد)) (٤٧٣/٥ - ٤٧٤).
(٦) يعني لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما.
(٧) يعني على شرطيّ البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.
٣٤

وجملة وافرة على شرط أحدهما، لكن(١) مجموع ذلك نصف الكتاب، وفيه
نحو الربع مما صحَّ سنده، وفيه بعض الشيء معلل، وما بقي - وهو الربع -
مناكير وواهيات لا تصحّ. وفي ذلك بعض موضوعات، قد أَعْلَمْتُ(٢) عليها
لما اختصرته. توفي فُجاءة بعد خروجه من الحمام في صفر. وقد أطنب عبد
الغافر(٣) في مدحه، وذكر فضائله وفوائده ومحاسنه إلى أن قال: مضى إلى
رحمة الله ولم يخلّف بعده مثله، وقد ترجمه الحافظ أبو موسى المديني في
مصنَّفٍ مفرد. انتهى كلام ابن شهبة ملخصاً.
وقال ابن خَلِّكان(٤): والبِّع: بفتح الباء الموحدة وكسر الياء المثناة من
تحتها وتشديدها، وبعدها عين مهملة، وإنما عرف بالحاكم لتقلده(٥)
القضاء. انتهى .
· وفيها ابن كَجّ القاضي أبو القاسم يُوسف بن أحمد بن كَج - بفتح
الكاف وتشديد الجيم، وهو في اللغة اسم للجص الذي يبيّض به الحيطان -
الكَجِّي، نسبة إلى جَدّه هذا - الدِّينوري(٦) صاحب الإِمام أبي الحسين بن
القَطَّان، وحضر مجلس الدَّارَكي، ومجلس القاضي أبي حامد المروزي.
انتهت إليه الرئاسة ببلده في المذهب، ورحل الناس إليه رغبة في علمه
وجوده، وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب.
وحكى السمعاني: أن الشيخ أبا علي السِّنجي (٧) [لما] انصرف من
(١) في ((طبقات ابن قاضي شهبة)): ((لعل)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((قد علمت)) وما أثبته من ((طبقات ابن قاضي شهبة)).
(٣) هو عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي النيسابوري
الشافعي، المتوفى سنة (٥٢٩ هـ) سترد ترجمته في المجلد السادس إن شاء الله تعالى.
(٤) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٨١/٤).
(٥) في ((١)) و((ط)): ((لتقليده)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)).
(٦) انظر ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٣٤٠/٢ - ٣٤١)، و((العبر)) (٩٤/٣).
(٧) في ((آ)): ((البنجي)) وفي ((ط)): ((السبخي)) وكلاهما خطأ، والتصحيح من ((طبقات الشافعية))=
٣٥

عند الشيخ أبي حامد واجتاز به، فرأى علمه وفضله، فقال له: يا أُستاذ،
الاسم لأبي حامد، والعلم لك، فقال: ذاك(١) رَفَعَتْهُ بغداد، وحَطَّني
الدِّینور.
قتله العيارون ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، وكان يضرب به
المثل في حفظ مذهب الشافعي، وكان أيضاً محتشماً جواداً مُمدَّحاً، وهو
صاحب وجه، ومن تصانيفه ((التجريد)). قال في ((المهمات)): وهو مطول،
وقد وقف عليه الرافعي .
= للإِسنوي (٣٤١/٢) وانظر ترجمته فيه (٢٨/٢ - ٢٩) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
(١) لفظة ((ذاك)) لم ترد في ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي.
٣٦

سنة ست وأربعمائة
● فيها توفي الشيخ أبو حامد الإِسفراييني(١) أحمد بن أبي طاهر
محمد بن أحمد، الفقيه، شيخ العراق، وإمام الشافعية، ومَن إليه انتهت
رئاسة المذهب. قَدِمَ بغداد صبيّاً، فتفقّه على ابن المَرْزُبان، وأبي القاسم
الدَّارَكي، وصنَّف التصانيف، وطبَّق الأرض بالأصحاب، و((تعليقته))(٢) في
نحو خمسين مجلداً، وكان يحضر درسه سبعمائة فقيه. توفي في شوال وله
اثنتان وستون سنة، وقد حدَّث عن أبي أحمد بن عدي وجماعة. قاله في
((العبر)).
وقال ابن شهبة(٣): ولد سنة أربع وأربعين وثلثمائة، واشتغل بالعلم.
قال سُلَيْم (٤): وكان يحرس في درب، وكان يطالع الدرس على زيت
الحرس، وأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة، وقَدِمَ بغداد سنة أربع وستين، فتفقّه
على ابن المرزبان، والدَّاركي، وروى الحديث عن الدارقطني، وأبي بكر
الإسماعيلي، وأبي أحمد بن عدي، وجماعة، وأخذ عن الفقهاء والأئمة
(١) انظر ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٥٧/١ - ٥٩) و((العبر)) (٩٤/٣ - ٩٥).
(٢) في ((آ)): ((وتعليقه)).
(٣) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٦١/١ - ١٦٢).
(٤) هو سليم بن أيوب بن سليم الفقيه أبو الفتح الرازي، الأديب المفسّر. انظر ترجمته في
((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢٣٣/١ - ٢٣٤).
٣٧

ببغداد، وشرح ((المختصر)) في ((تعليقته)) التي هي في خمسين مجلداً، ذكر
فيها خلاف العلماء، وأقوالهم، ومآخذهم، ومناظراتهم، حتَّى كان يقال له
الشافعي [الثاني](١)، وله كتاب في أصول الفقه.
قال الشيخ أبو إسحاق(٢): انتهت إليه رئاسة الدِّين والدُّنيا ببغداد،
وجمع مجلسه ثلثمائة متفقّه، واتفق الموافق والمخالف على تفضيله وتقديمه
في جودة الفقه، وحُسْن النظر، ونظافة العلم.
وقال الخطيب أبو بكر(٣): حدّثونا عنه، وكان ثقة، وقد رأيته [غير مرَّة]
وحضرت تدريسه، وسمعت مَن يذكر أنه(٤) كان يحضر درسه سبعمائة
فقيه (٥) ، وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعيُّ لفرح به. توفي في شوال،
ودفن في داره، ثم نقل سنة عشر وأربعمائة إلى باب حرب. انتهى ما أورده
ابن شهبة ملخصاً.
● وفيها أبو مَنَاد باديس بن منصور بن بُلُكِّين بن زيري بن مَنّاد الحميري
الصنهاجي المغربي الملك(٦)، متولّي إفريقية للحاكم العُبَيْدي، وكان ملكاً
حازماً شديد البأس، إذا هزَّ رمحاً كسره، ومات فجأة، وقام بعده ابنه المعز.
قال ابن خَلِّكان: وكانت ولايته بعد أبيه المنصور، وكان مولده ليلة
الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، سنة أربع وسبعين وثلثمائة
بأشِيْر، ولم يزل على ولايته وأموره جارية على السَّداد، ولما كان يوم الثلاثاء
(١) سقطت من ((آ)) و((ط)) واستدركتها من ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة.
(٢) انظر ((طبقات الفقهاء)) للشيرازي ص (١٢٤).
(٣) انظر ((تاريخ بغداد)) (٣٦٩/٤) وقد نقل ابن قاضي شهبة كلامه بتصرف وتبعه المؤلف، وما
بین حاصرتین زیادة منه.
(٤) في ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة ((وسمعت من مذاكراته)).
(٥) في ((تاريخ بغداد)): ((متفقه)).
(٦) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٦٥/١ - ٢٦٦) وما بين حاصرتين استدركته منه و((العبر)) (٩٥/٣).
٣٨

تاسع عشري ذي القعدة، سنة ست وأربعمائة أمر جنوده بالعرض، فعُرضوا
بين يديه وهو في قبّة الإِسلام جالس إلى وقت الظهر، وسرّه حُسْن عسكره
وبهجة زينتهم(١) وما كانوا عليه، وانصرف إلى قصره، ثم ركب عشية ذلك
النهار في أجمل مركوب، ولعب الجيش بين يديه، ثم رجع إلى قصره شديد
السرور بما رآه من كمال حاله، وقُدِّم السماط [بين يديه] فأكل مع خاصته
وحاضري مائدته، ثم انصرفوا عنه وقد رأوا من سروره ما لم يروه منه(٢) قطّ،
فلما مضى مقدار نصف الليل من ليلة الأربعاء سلخ [ذي] القعدة قضى نَحْبَه
رحمه الله تعالى، فأخفوا أمره ورتبوا أخاه كرامة بن المنصور ظاهراً، حتّى
وصلوا إلى ولده المعز فَوَلَّوْهُ، وتم له الأمر.
وذكر في كتاب ((الدول المنقطعة)) (٣) أن سبب موته أنه قصد طرابلس،
ولم يزل(٤) على قرب منها عازماً على قتالها، وحلف أن لا يرحل عنها إلى أن
يعيدها فُدُناً(٥) للزراعة. فاجتمع أهل البلد [عند ذلك] إلى المؤدب محرز،
وقالوا: يا وليّ الله، قد بلغك ما قاله بَاديس، فادعُ الله أن يزيل عنّا بأسه،
فرفع يديه إلى السماء وقال: يا رب باديس اكفنا باديس، فهلك في ليلته بالذبحة .
والصُّنْهاجي: بضم الصاد المهملة وكسرها وسكون النون، وبعد الألف
جيم، نسبة إلى صُنهاجة، قبيلة مشهورة من حمير، وهي بالمغرب.
قال ابن دُريد: صنهاجة بضم الصاد، لا يجوز غير ذلك. انتهى
ما أورده ابن خَلِّكان ملخصاً.
(١) في ((وفيات الأعيان)): ((وأبهجه زيُّهُمْ)).
(٢) لفظة ((منه)) سقطت من ((آ)) وأثبتها من ((ط)) و((وفيات الأعيان)).
(٣) وهو للوزير جمال الدِّين أبي الحسن علي بن أبي منصور ظافر الأزدي المتوفى سنة
(٦٢٣) هـ وهو كتاب بديع في بابه في نحو أربع مجلدات. عن ((كشف الظنون)) (٧٦٢/١).
(٤) في ((وفيات الأعيان)): ((ونزل)).
(٥) جمع فَدَان. انظر ((لسان العرب)) (فدن).
٣٩

● وفيها أبو علي الدَّقَّاق، الحسن بن علي النيسابوري(١) الزاهد العارف
شيخ الصوفية توفي في ذي الحجّة، وقد روى عن ابن حَمْدان وغيره.
قال الشيخ عبد الرؤوف المُنَاوي في كتابه «الكواكب الدُّريّة في تراجم
الصوفية)) ما ملخصه: الحسن بن علي الأستاذ أبو علي الدَّقَّاق النيسابوري
الشافعي، لسان وقته وإمام عصره، كان فارهاً في العلم، متوسطاً في الحلم،
محمود السيرة، مجهود السريرة، جُنيدي الطريقة، سُرِّيّ الحقيقة، أخذ
مذهب الشافعي عن القفَّال، والحصري، وغيرهما، وبَرَعَ في الأصول، وفي
الفقه، وفي العربية، حتَّى شُدَّت إليه الرحال في ذلك، ثم أخذ في العمل،
وسلك طريق التصوف، وأخذ عن النَّصْراباذي .
قال ابن شهبة: وزاد عليه حالاً ومقالاً، وعنه: القشيري صاحب
((الرسالة)).
وله كرامات ظاهرة ومكاشفات باهرة. قيل له: لِمَ زهدت في الدُّنيا؟
قال: لما زهدت في أكثرها أنفت عن الرغبة في أقلها.
قال الغزالي: وكان زاهد زمانه وعالم أوانه، وأتاه بعض أكابر الأمراء،
فقعد على ركبتيه بين يديه، وقال: عظني، فقال: أسألك عن مسألة وأُريد
الجواب بغير نفاق، فقال: نعم، فقال: أيما أحبّ إليك المال أو العدو؟
قال: المال. قال: كيف تترك ما تحبه بعدك وتستصحب العدو الذي لا تحبه
معك، فبكى، وقال: نِعْمَ الموعظة هذه.
ومن كلامه: مَن سكت عن الحقِّ فهو شيطان أخرس.
وقال: من علامة الشوق تمنّ الموت على بساط العوافي، كيوسف لما
(١) انظر ((العبر)) (٩٥/٣) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٦٩/١).
٤٠