Indexed OCR Text
Pages 341-360
وفيها المطيع [لله](١)، الخليفة أبو القاسم، الفضل بن المُقْتَدر [بالله] جعفر بن المُعْتَضِد [بالله] العَبَّسي. ولد في أول سنة إحدى وثلثمائة، وبويع بالخلافة في سنة أربع وثلاثين بعد المستكفي . قال ابن شاهين: وخلع نفسه غير مُكْرَهٍ، فيما صحَّ عندي، في ذي القعدة، سنة ثلاث وستين، ونزل عن الأمر لولده الطائع لله عبد الكريم. قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء))(٢): وأثبت خلعه على (٣) القاضي ابن أُمِّ(٤) شيبان، وصار بعد خلعه يسمى الشيخ الفاضل. قال الذهبي: وكان المطيع وابنه مستضعفين، مع بني بُوَيْه، ولم يزل أمر الخلفاء في ضعفٍ إلى أن استخلف المقتفي لله، فانصلح أمر الخلافة قليلاً، وكان دَسْتُ الخلافة لبني عُبَيْدٍ الرافضة بمصر أَمْيَزَ، وكلمتهم أنفذ، ومملكتهم تناطح مملكة العباسيين في وقتهم، وخرج المطيع إلى واسط مع ولده(٥) فمات في محرم، سنة أربع وستين. قال الخطيب: حدثني محمد بن يوسف القطَّان، سمعت أبا الفضل التميمي، سمعت المطيع لله، سمعت شيخي ابن منيع، سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا مات أصدقاء الرجل ذَلَّ. انتهى كلام السيوطي . ● وفيها محمد بن بدر الأمير أبو بكر الحَمَامي الطولوني، أمير بعض بلاد فارس. قال أبو نُعيم: ثقة. (١) زيادة من ((العبر)) و((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي. وانظر ((الأعلام)) (١٤٧/٥). (٢) ص (٤٠٤) بتحقيق الشيخ محمد محيي الدِّين عبد الحميد رحمه الله. (٣) لفظة ((على)) لم ترد في ((تاريخ الخلفاء)) الذي بين يدي. (٤) لفظة ((أم)) لم ترد في الأصل وأثبتها من المطبوع و((تاريخ الخلفاء)). (٥) تحرّفت في ((تاريخ الخلفاء)) إلى ((والده)) فتصحح فيه فإن والده المقتدر بالله مات سنة (٣٢٠) هـ. ٣٤١ وقال ابن الفُرات: كان له مذهب في الرفض. وروى عن بكر بن سهل الدمياطي، والنسائي، وطبقتهما. قال الذهبي في ((المغني)) (١): محمد بن بدر الحَمامي، سمع بكر بن سهل، صدوق ولکنه یترفض. انتهى. ● وفيها أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة التميمي النيسابوري السَّليطي - بفتح السين المهملة وكسر اللام، نسبة إلى سليط جدٌّ - روى عن محمد بن إبراهيم البوشنجي، وإبراهيم بن علي الذهلي وجماعة، وعاش اثنتين وتسعين سنة. (١) انظر ((المغني في الضعفاء)) (٥٥٩/٢). ٣٤٢ سنة خمس وستين وثلثمائة فيها كما قال في ((الشذور)) جلس قاضي القضاة، أبو محمد بن معروف(١) في دار عز الدولة، ونظر في الأحكام، لأن عز الدولة أحبَّ أن یشاهد مجلس حکمه. انتھی . ● وفيها توفي أحمد بن جعفر بن سَلَم، أبو بكر الخُتَّلي - بضم أوله والفوقية المشددة، نسبة إلى الخُتَّل قرية بطريق خراسان - المحدِّث المقرىء المفسّر، وله سبع وثمانون سنة، كان ثَبْتاً ثقةً صالحاً. روى عن أبي مسلم الكَجِّي وطبقته . · وفيها الذّارِع، أبو بكر أحمد بن نصر البغدادي، أحد الضعفاء والمتروكين. روى عن الحارث بن أبي أسامة . قال في ((المغني))(٢): أحمد بن نصر الذَّارِع، شيخ بغدادي، له جزء مشهور. قال الدارقطني : دجال. انتهى . ● وفيها أو بعدها، إسماعيل بن نُجَيْد الإِمام، أبو عمرو السُّلَمي النيسابوري، شيخ الصوفية بخراسان، في ربيع الأول، وله ثلاث وتسعون (١) واسمه ((عبيد الله بن أحمد)) انظر ((تاريخ بغداد)) (٣٦٥/١٠) و((الأعلام)) (١٩١/٤). (٢) انظر («المغني في الضعفاء)) (٦١/١). ٣٤٣ سنة. أنفق أمواله على الزهّاد والعلماء، وصحب الجنيد، وأبا عثمان الحيري، وسمع محمد بن إبراهيم البوشنجي، وأبا مسلم الكَجِّي، وطبقتهما، وكان صاحب أحوال ومناقب. قال سبطه أبو عبد الرحمن السُّلَمي: سمعت جدّي يقول: كل حال لا يكون عن نتيجة علم - وإن جلَّ - فإن ضرره على صاحبه أكبر من نفعه. قاله في ((العبر))(١). · وفيها أبو علي الماسَرْجسي الحافظ، أحد أركان الحديث بنيسابور، الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عيسى بن ماسرجس، النيسابوري، الثقة، المأمون. توفي في رجب، وله ثمان وستون سنة. روى عن جدّه، وابن خزيمة وطبقتهما، ورحل إلى العراق، ومصر، والشام. قال الحاكم: هو سفينة عصره في كثرة الكتابة، صنّف ((المسند الكبير)) مهذباً معلّلاً في ألف وثلثمائة جزء، وجمع حديث الزهري جمعاً لم يسبقه إليه أحد، وكان يحفظه مثل الماء، وصنّف كتاباً على البخاري، وآخر على مسلم، ودفن علمٌ كثيرٌ بموته. ● وفيها عبد الله بن أحمد بن إسحاق أبو محمد(٢) الأصبهاني، والد أبي نُعَيم الحافظ، وله أربع وثمانون سنة. رحل، وعني بالحديث، وروى عن أبي خليفة الجُمحي وطبقته، وكانت رحلته في سنة ثلثمائة. قاله في ((العبر))(٢). ● وفيها ابن عديٍّ، الحافظ الكبير، أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد، ويعرف بابن القطَّان الجرجاني، مصنّف ((الكامل)). (١) (٣٤٢/٢). (٢) في الأصل والمطبوع: ((ابن محمد)) والتصحيح من ((العبر)) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٦ / ٢٨١). (٣) (٣٤٣/٢). ٣٤٤ قال ابن قاضي شهبة(١): هو أحد الأئمة الأعلام وأركان الإِسلام. طاف البلاد في طلب العلم، وسمع الكبار. له كتاب ((الانتصار على مختصر المزني)) وكتاب ((الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين)) وهو كامل في بابه کما سمِّ. وقال ابن عساكر: كان ثقةً على لحنٍ فيه. وقال الذهبي: كان لا يعرف العربية مع (٢) عجمة فيه، وأما [في] العلل والرجال فحافظ لا يُجارى. ولد سنة سبع وسبعين ومائتين، ومات في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثلثمائة. انتهى كلام ابن قاضي شهبة في (طبقاته)) . وقال ابن ناصر الدِّين: سمع خلقاً يزيدون على ألف. انتهى. ● وفيها أبو أحمد بن النَّصح، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الناصح بن شجاع بن المفسر الدمشقي، الفقيه الشافعي، في رجب بمصر. روى عن عبد الرحمن الروَّاس، وأبي بكر بن علي المروزي، وطائفة. · وفيها الشَّاشي القَفَّال الكبير، أبو بكر، محمد [بن علي](٣) بن إسماعيل الفقيه الشافعي، صاحب المصنفات. رحل إلى العراق، والشام، وخراسان . قال الحاكم: كان عالم (٤) أهل ما وراء النهر بالأصول، وأكثرهم رحلةً في الحديث. سمع ابن جرير الطبري، وابن خزيمة، وطبقتهما، وهو صاحب وجه في المذهب. قال الحليمي : كان شيخنا القَفَّال أعلمَ مَن لقيته من فقهاء عصره. (١) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١١٨/١) طبع حيدر أباد. (٢) في المطبوع: ((سمع)) وهو خطأ. (٣) ما بين حاصرتين سقط من الأصل والمطبوع، واستدركته من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)) (١٦/ ٢٨٣). (٤) في ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)): ((كان أعلم)). ٣٤٥ وقال ابن قاضي شهبة: كان إماماً، وله مصنفات كثيرة ليس لأحد مثلها، وهو أول مَن صنّف الجدل الحسن من الفقهاء، وله كتاب حسن في أصول الفقه، وله ((شرح الرسالة)) وعنه انتشر فقه الشافعي فيما وراء النهر. وقال النووي في ((تهذيبه))(١): إذا ذكر القَفَّل الشاشي، فالمراد هذا، وإذا ورد القَفَّل المروزي فهو الصغير، ثم إن الشاشي يتكرر ذكره في [كتب] التفسير، والأصول والحديث والكلام، والمروزي يتكرر ذكره في الفقهيات. ومن تصانيف الشاشي ((دلائل النبوة)) و((محاسن الشريعة)) و((آداب القضاء)) جزء كبير، و((تفسير)) كبير(٢). مات في ذي الحجة. انتهى ملخصاً. وقال ابن الأهدل: هو شيخ الشافعية في عصره، كان فقيهاً مُحَدِّثَاً أُصولياً متقناً(٣) ذا طريقة حميدة وتصانيف نافعة، وله شعر جيد، ولم يكن للشافعية بما وراء النهر مثله. أخذ عن ابن سُريج وطبقته، وابن جرير الطبري، وإمام الأئمة ابن خُزيمة، وغيرهم. وأخذ عنه الحاكم أبو عبد الله، وابن مَنْدَة، والحليمي، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي، وغيرهم، وهو والد القاسم صاحب ((التقريب)) (٤) وهو منسوب إلى شاش، مدينة وراء نهر جیحون . واعلم أن لنا قَفَّالاً غير شاشي، وشاشياً غير قَفَّالٍ، وثلاثتهم يكنّون (١) انظر ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٨٢/٢) وقد نقل المؤلف عنه بتصرّف، وانظر النقل في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٨٤/١٦ - ٢٨٥). (٢) ومنها كتابه القيّم ((جوامع الكلم)) الذي جمع فيه طائفة كبيرة من الأحاديث النبوية التي سارت مسار الأمثال بين جماهير المسلمين، وقد منَّ الله عزَّ وجل عليَّ بتحقيقه والتقديم له والتعليق عليه، وقد شاركني العمل في تحقيقه صديقي الفاضل الأستاذ صلاح الشعال، وهو قيد الطبع الآن في مكتبة دار العروبة في الكويت. (٣) في المطبوع: ((متفنناً». (٤) قال اليافعي في ((مرآة الجنان)) (٣٨٢/٢): وقيل: إنه - يعني الشاشي القفّال - صاحب ((كتاب التقريب)) لا ولده، وللشك في ذلك يقال: قال صاحب ((التقريب)). ٣٤٦ بأبي بكر، ويشترك اثنان في اسمهما، واثنان في اسم أبيهما، دون اسمهما، فالقَفَّال غير الشاشي هو المروزي، شيخ القاضي حسين، وأبي محمد الجويني، وسيأتي في سنة سبع وخمسمائة. انتهى كلام ابن الأهدل. ● وفيها المعز لدين الله، أبو تميم، مَعَدُّ بن المنصور (١) إسماعيل بن القائم بن المهدي العُبيدي، صاحب المغرب، الذي ملك الديار المصرية. ولي الأمر بعد أبيه سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، ولما افتتح له مولاه جوهر سجِلْمَاسَة، وفاس، وسبتة، وإلى البحر المحيط، جَهَّزه بالجيوش والأموال، فأخذ الديار المصرية، وبنى مدينة القاهرة المُعَزِّية، وكان مُظْهراً للتَّشَيُّع، معظماً لحرمات الإِسلام، حليماً، كريماً، وقوراً، حازماً، سريّاً، يرجع إلى عدلٍ وإنصافٍ في الجملة، توفي في ربيع الآخر، وله ست وأربعون سنة. قاله في ((العبر))(٢). وقال ابنُ خَلَّكان(٣): بويع بولاية العهد في حياة أبيه المنصور بن إسماعيل، ثم جددت له البيعة بعد وفاته، فدبر الأمور وساسها، وأجراها على أحسن أحكامها إلى يوم الأحد، سابع ذي الحجة، سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، فجلس يومئذٍ على سرير مُلْكه، ودخل عليه الخاصة وكثير من العامة، وسلموا عليه بالخلافة، وتسمى بالمعز، ولم يظهر على أبيه حزناً. ثم خرج إلى بلاد إفريقية يطوف بها، ليمهد قواعدها، ويقرر أسبابها، فانقاد له العصاة من أهل تلك البلاد ودخلوا في طاعته، وعقد لغلمانه وأتباعه على الأعمال، واستندب لكل ناحية من يعلم كفايته وشهامته . ثم جهز أبا الحسن جوهر القائد، ومعه جيش كثيف ليفتح (١) في ((العبر)) ((سعد بن المنصور)) وهو خطأ فيصحح فيه. (٢) (٣٤٥/٢). (٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٢٤/٥ - ٢٢٨). ٣٤٧ ما استعصى(١) من بلاد المغرب، فسار إلى فاس، ثم منها إلى سجلماسة ففتحها، ثم توجه إلى البحر المحيط وصاد من سمكه وجعله في قِلال الماء، وأرسله إلى المعز. ثم رجع إلى المعز ومعه صاحب سجلماسة، وصاحب فاس أسيرين في قفصي حديد، وقد وطن له البلاد من باب إفريقية إلى البحر المحيط في جهة الغرب، وفي جهة الشرق من باب إفريقية إلى أعمال مصر، ولم يبق بلد من هذه البلاد إلا أقيمت فيه دعوته، وخطب له في جميعه جمعته وجماعته، إلا مدينة سبتة، فإنها بقيت لبني أمية أصحاب الأندلس. ولما وصل الخبر إلى المعز - المذكور - بموت كافور الإخشيدي صاحب مصر، تقدم إلى القائد جوهر ليتجهز للخروج إلى مصر، فخرج أولاً لإصلاح أموره، وكان معه جيش عظيم وجميع (٢) قبائل العرب الذين يتوجه بهم إلى مصر. وخرج المعز بنفسه في الشتاء إلى المهدية، فأخرج من قصور آبائه خمسمائة حمل دنانير وعاد إلى قصره. ولما عاد جوهر بالرجال والأموال، وكان قدومه على المعز يوم الأحد سابع عشري محرم، سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، أمره المعز بالخروج إلى مصر، فخرج ومعه أنواع القبائل، وأنفق المعز في العسكر المسيَّر صحبته أموالاً كثيرةً، حتَّى أعطى من ألف دينار إلى عشرين ديناراً، وَغَمَرَ (٣) الناس بالعطاء. وتفرقوا (٤) في القيروان وصَبْرَة(٥) في شراء حوائجهم، ورحل معه (١) في الأصل والمطبوع: ((ما استعصى له)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)). (٢) في ((وفيات الأعيان)): ((وجمع)). (٣) في الأصل والمطبوع: ((وأغمر)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)). (٤) في ((وفيات الأعيان)): ((وتصرفوا)). (٥) في الأصل والمطبوع: ((وصيره)) وهو تصحيف والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) وانظر ((معجم البلدان)) (٣٩١/٣ - ٣٩٢) و((الروض المعطار)) ص (٣٥٤). ٣٤٨ ألف حملٍ من المال والسلاح، ومن الخيل والعُدد ما لا يُوصف، وكان بمصر في تلك السنة غلاء عظيم ووباء، حتّى مات فيها وفي أعمالها في تلك المدة ستمائة ألف إنسان على ما قيل. ولما كان منتصف رمضان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وصلت البشارة إلى المعز بفتح الديار المصرية ودخول عساكره إليها، وكانت كُتب جوهر ترد(١) إلى المعز باستدعائه إلى مصر، ويحثّه كل وقت على ذلك، ثم سيَّر إليه يخبره بانتظام الحال بمصر والشام والحجاز، وإقامة الدعوة له بهذه المواضع، فَسُرَّ بذلك سروراً عظيماً، ثم استخلف على إفريقية بلكين بن زيري الصنهاجي، وخرج متوجهاً إليها بأموالٍ جليلةِ المقدار، ورجال عظيمة الأخطار، وكان خروجه من المنصورية دار مُلْكه يوم الاثنين ثاني عشري شوال، سنة اثنتين وستين وثلثمائة. ولم يزل في طريقه يقيم بعض الأوقات في بعض البلاد أياماً ويجدُّ السير في بعضها، وكان اجتيازه على برقة، ودخل الإسكندرية رابع عشري . شعبان من السنة المذكورة، وركب فيها، ودخل الحمام، وقدم عليه بها قاضي مصر أبو طاهر محمد بن أحمد، وأعيان أهل البلاد، وسلموا عليه، وجلس لهم عند المنارة، وأخبرهم أنه لم يرد دخول مصر لزيادة في ملكه ولا المالٍ ، وإنما أراد إقامة الحق والجهاد والحج، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة، ويعمل بما أمر به جدّه، بَّه، ووعظهم وأطال، حتّى بكى بعض الحاضرين، وخلع على القاضي وجماعة وودعوه وانصرفوا، ثم رحل منها في أواخر شعبان . ونزل يوم السبت ثاني رمضان على ساحل مصر بالجيزة، فخرج إليه القائد جوهر وترجل عند لقائه، وقبّل الأرض بين يديه، واجتمع به بالجيزة (١) في الأصل والمطبوع: ((تردد)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)). ٣٤٩ أيضاً الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات، وأقام المعز هناك ثلاثة أيام، وأخذ العسكر في التعدية بأثقالهم إلى ساحل مصر، ولما كان يوم الثلاثاء خامس رمضان، عبر المعز النيل ودخل القاهرة، ولم يدخل مصر، وكانت قد زُيِّنت له، وظنوا أنه يدخلها، وأهل القاهرة لم يُستدعوا للقائه لأنهم بنوا الأمر على دخوله مصر أولاً، ولما دخل القاهرة ودخل القصر ودخل مجلساً فيه (١) خرَّ ساجداً [لله تعالى] ثم صلى فيه ركعتين، وانصرف الناس عنه. وكان المعز عاقلاً، حازماً، سرياً، أديباً حسن النظر في النجامة، وينسب إليه من الشعر: تِلْكَ المَحَاجِرُ فِي المَعَاجِرْ للهِ مَا صَنَعْت بِنّا أمضىْ وَأَقضى في النفوسِ مِنَ الخَنَاجِرِ فِي الحَنَاجِرْ انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصاً. (١) في ((وفيات الأعيان)): ((ودخل مجلساً منه)) وما بين حاصرتين زيادة منه . ٣٥٠ سنة ست وستين وثلثمائة ● فيها كما قال في ((الشذور)) حجَّت جميلة بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان، فاستصحبت أربعمائة جمل عليها محامل عدّة، فلم يعلم في أيُّها كانت، فلما شاهدت الكعبة، نثرت عليها عشرة آلاف دينار، وأنفقت الأموال الجزيلة. انتهى(١). ● وفيها مات ملك القرامطة، الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجَنَّابي القرمطي . والجَنَّابي: بفتح الجيم، وقيل: بضمها، وتشديد النون، آخره موحدة، نسبة إلى جَنَّابة، بلد بالبحرين. وكان الحسن هذا قد استولى على أكثر الشام وهزم جيش المعزّ، وقتل قائدهم جعفر بن فَلاح، وذهب إلى مصر وحاصرها شهوراً، قبل مجيء المعزّ، وكان يُظهر طاعة الطائع لله، وله شعر وفضيلة. ولد بالأحْسَاء، ومات بالرملة. قاله في (العبر))(٢). والقرمطي: بكسر القاف(٣) وسكون الراء، وكسر الميم، وبعدها طاء مهملة . (١) وانظر الخبر برواية أخرى عند الذهبي في ((العبر)) (٣٤٦/٢). (٢) (٣٤٦/٢ - ٣٤٧). (٣) قلت: وضبطها ابن منظور في ((لسان العرب)) (قرمط) بفتح القاف فراجعه. ٣٥١ والقرمطة في اللغة تقارب الشيء بعضه من بعض، ويقال: خطّ مُقَرْمَطٌ ومَشْيٌ مُقَرْمَطْ، إذا كان كذلك، لأن أبا سعيد، والد هذا المذكور، كان قصيراً مجتمع الخلق، أسمر كريه المنظر، فلذلك قيل له: قرمطي، ونسبت إليه القرامطة . ● وفيها ركن الدولة، الحسين بن بُويه، أبو علي، والد عضد الدولة، ومؤيد الدولة، وأخو معز الدولة، وعماد الدولة. كان الحسين هذا صاحب أصبهان، والرَّي، وعِرَاق العجم (١) وكان ملكاً، جليلاً، عاقلاً، نبيلاً، بقي في المُلْك خمساً وأربعين سنة، ووزر له ابن العميد، ووزر لولده الصاحب بن عَبَّاد، ومات الحسين هذا بالقُولِنْج، وقسم الممالك على أولاده، فكلهم أقام بنوبته أحسن قيام. ● وفيها المستنصر بالله(٢) أبو مروان الحكم، صاحب الأندلس، وابن صاحبها الناصر لدِّين الله، عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني، ولي ستة عشر سنة، وعاش ثلاثاً وستين سنة، وكان حسن السيرة، محبّاً للعلم، مشغوفاً بجمع الكتب والنظر فيها، بحيث إنه جمع منها ما لم يجمعه أحد قبله ولا جمعه أحد بعده، حتّى ضاقت خزائنه عنها، وسمع من قاسم بن أصبغ وجماعة، وكان بصيراً بالأدب والشعر، وأيام الناس، وأنساب العرب، متسع الدائرة، كثير المحفوظ، ثقة فيما ينقله، توفي في صفر بالفالج. ● وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن زياد النيسابوري (١) عراق العجم: إقليم واسع في الغرب الأوسط من إيران المعاصرة، منه همذان، والدِّينور، وحَرْ بَذقان، وأصبهان، والرَّيّ، وقزوين، وما بين ذلك. انظر ((المشترك وضعاً والمفترق صقعاً)) لياقوت الحموي ص (٩٥). (٢) في الأصل والمطبوع: ((المنتصر بالله)) وهو خطأ والتصحيح من ((العبر)) (٣٤٧/٢) و((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٦٧٧/٨). ٣٥٢ المُعَدَّل. سمع من مُسدَّد بن قَطَن، وابن شيرويه(١)، وفي الرحلة من الهيثم بن خلف، وهذه الطبقة. وحدّث بمسند إسحاق بن راهويه، وعاش ثلاثاً وثمانين سنة . ● وفيها أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي بن المرزبان، صاحب أبي الحسين بن القَطَّان، أحد أئمة المذهب الشافعي وأصحاب الوجوه . قال الخطيب البغدادي(٢): كان أحد الشيوخ الأفاضل. قال: ودرس عليه الشيخ أبو حامد [الإِسفراييني] أول قدومه بغداد. وقال الشيخ أبو إسحاق(٣): وكان فقيهاً ورعاً، حكي عنه أنه قال: ما أعلم أنَّ لأحد عليَّ مظلمة، وقد كان فقيهاً يعرف (٤) أن الغيبة من المظالم، ودرَّس ببغداد، وعليه درس الشيخ أبو حامد [الإسفراييني]. توفي في رجب بعد شيخه ابن القَطَّان بسبع سنين. والمرزبان: معناه كبير الفلاحين. نقل عنه الرافعي في مواضع محصورة، منها: أن الآجُرَّ المعجون بالروث يطهر ظاهره بالغسل. قاله ابن قاضي شهبة . · وفيها أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن الحسن الجُرجاني(٥) القاضي بجرجان، ثم بالرَّيِّ . ذكره الشيخ أبو إسحاق في ((طبقاته))(٦) فقال: كان فقيهاً، أديباً، شاعراً. وذكره الثعالبي في ((اليتيمة))(٧) فقال: حسنة جرجان، وفرد الزمان، (١) في الأصل والمطبوع: ((وابن سيرويه)) والتصحيح من ((العبر)). (٢) انظر ((تارخ بغداد)) (٣٢٥/١١) وما بين حاصرتين زيادة منه. (٣) انظر ((طبقات الفقهاء)) للشيرازي ص (١١٧). (٤) في ((طبقات الفقهاء)): ((يعلم)). (٥) قلت: الصواب أنه مات سنة (٣٩٢). انظر التعليق رقم (١) ص (٣٥٥). (٦) انظر ((طبقات الفقهاء)) للشيرازي ص (١٢٢) وراجع ((تاريخ جرجان)) ص (٣١٨). (٧) انظر ((يتيمة الدهر)) (٣/٤) طبع دار الكتب العلمية ببيروت. ٣٥٣ ونادرة الملك(١)، وإنسان حدقة العلم، ودرّة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، جمع (٢) خط ابن مُقلة، ونثر الجاحظ، ونظم البحتري، وفيه يقول الصاحب بن عَبَّاد: إِذَا نَحْنُ سَلَّمنا لكَ العِلْمَ كُلَّهُ فَدَْ هَذهِ الألفاظ ننظِمْ شُذُوْرَهَا (٣) ومن شعره (٤): يَقُولُون لِي فِيكَ انِقِبَاضٌ وإِنَّمَا رَأَوا رَجُلًا عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَمَا ومَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أَكْرِمَا أرى النَّاسِ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهُمْ وَمَا كُلُّ بَرْقٍ لَحَ لِي يَسْتَفِزُّنِي وَإِني إِذَا مَا فَاتَنِي الأَمْرُ لَمْ أَبتْ وَلَمْ أَقضِ حَقَّ العِلم إن كان كُلَّمَا إِذَا قِيْلَ هَذَا مَنْهَلٌ(٧) قُلْتُ قَدْ أَرَى وَلَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَة الْعِلمِ مُهْجَتِي اأشقى بهِ غرساً وأجنِيه ذَلَّةً وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ العِلمِ صَانُوهُ صَانَهُم وَلَكِنْ أَذَلُوهُ فَهَانَ(٨) وَدَنَّسُوا ولا كُلُّ مَنْ لَاقَيْتُ (٥) أَرْضَاهُ مُنْعِمَا أُقَلِب كفي إثْرَهُ مُتَنَدِمَا (٦) بَدَا طَمَعْ صَيَّرْتُهُ لِي سُلَّمَا وَلَكِنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّما لَأَخْدُمَ مَنْ لاَيْتُ لَكِنْ لُأَخْدَمَا إذاً فاتِبَاعُ الجَهْلَ قَدْ كَانَ أَحْزَمَا وَلَوْ عَظَّمُوهُ في النُّفُوسِ تَعَظّما مُحَيَاهُ بالأطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَا (١) في ((يتيمة الدهر)) الذي بين يدي: ((ونادرة الفلك)). (٢) في ((يتيمة الدهر)): ((يجمع)). (٣) البيت مع الخبر في ((يتيمة الدهر) و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٤٥٩/٣). (٤) الأبيات في ((معجم الأدباء)) لياقوت (١٧/١٤ - ١٨) و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٤٦٠/٣ - ٤٦١) بتحقيق الطناحي والحلو. و((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٣٤٩/١ - ٣٥٠)، وبعضها في ((يتيمة الدهر)) (٢٥/٤) مع تقديم وتأخير في أبياتها. (٥) في ((معجم الأدباء)): ((ولا كل أهل الأرض)). (٦) هذا البيت لم يرد في ((معجم الأدباء)). (٧) في ((معجم الأدباء)) و((يتيمة الدهر)): ((إذا قيل هذا مشرب)). (٨) كذا في الأصل والمطبوع، و((طبقات الشافعية)) للسبكي: ((ولكن أذلوه فهان)) وفي ((معجم = ٣٥٤ وطاف المذكور في صباه الأقاليم، ولقي العلماء، وصنَّف كتاب ((الوساطة بين المتنبي وخصومه)) أبان فيه عن فضل كبيرٍ، وعلم غزير. ذكر الحاكم في ((تاريخ نيسابور)) أنه مات بها في سلخ صفر سنة ست وستين وثلثمائة(١)، وحمل تابوته إلى جُرجان. ودفن بها. قاله الإِسنوي في «طبقاته)) . ومن شعره أيضاً: صِرْتُ لِلِبَيْتِ وَالكِتَابِ جَلِيْسا ما تَطَعَّمَتُ لَذَّةَ العَيْشِ حَتَّى سمِ فَلَا تَبْتَغِي (٢) سِوَاهُ أَنِيْسَا لَيْسَ شَيءٌ أَعَزَّ عِنْدي مِنَ العِلْـ سٍ فَدَعْهُمُ وَعِشِ عَزِيْزاً رَئِيْسَا إِنَّمَا الذُّلُّ فِي مُخَالَطَةِ النَّا ● وفيها أبو الحسن محمد بن الحسن بن أحمد بن إسماعيل النيسابوري السرَّاج المقرىء، الرجل الصالح. رحل وكتب عن مُطَيَّن، وأبي شعيب الحَرَّاني، وطبقتهما. قال الحاكم: قَلَّ مَن رأيت أكثر اجتهاداً وعبادة منه، وكان يُقرىء القرآن، توفي يوم عاشوراء. ● وفيها أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حَيُّویَه النيسابوري ثم المصري، القاضي. سمع بكر بن سهل الدمياطي، والنسائي، وطائفة. توفي في رجب وهو في عشر التسعين أو جاوزها. = الأدباء)): ((ولكن أذلوه جهاراً)). (١) قلت: الصواب أنه مات سنة (٣٩٢) كما ذكر العلامة خير الدِّين الزركلي رحمه الله في تعليق مطول له في ((الأعلام)) (٣٠٠/٤) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢١/١٧). (٢) رواية البيت فى ((معجم الأدباء)) (١٩/١٤): ـم فلم أبتغي سواءُ أنيسا ليس شيءٌ أُعَزَّ عندي من العلـ ورواية البيت في ((مرآة الجنان)) اليافعي (٣٨٧/٢): ــم فما أبتغي سواه أنيسا ليس شيءٌ أعز عندي من العلـ ٣٥٥ سنة سبع وستين وثلثمائة ● فيها كما قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) (١) الْتَّقى عز الدولة وعضد الدولة، فظفر عضد الدولة وأخذ عز الدولة أسيراً، وقتله بعد ذلك، وخلع الطائع على عضد الدولة خلع السلطنة، وتوجه بتاجٍ مجوهر، وطَوَّقَهُ وسَوَّره، وقَلَّدَهُ سيفاً، وعقد له لواءين بيده، أحدهما مفضض على رسم الأمراء، والآخر مُذَهَّبٌ على رسم ولاة العهود، ولم يُعْقَد هذا اللواء الثاني لغيره قبله، وكُتِبَ له عهد(٢)، وقُرِىءَ بحضرته، [ولم يبق أحدٌ إلا تعجّبَ](٣) ولم تجرِ العادة بذلك، إنما كان يدفع العهد إلى الولاة بحضرة أمير المؤمنين، فإذا أُخِذَ(٤) قال أمير المؤمنين: هذا عهدي إليك فاعمل به. انتهى. ● وفيها هلك صاحب هَجَر، أبو يعقوب يوسف بن الحسن الجَنَّابي القرمطي . ● وفيها توفي أبو القاسم النَّصْرَابَاذي - بفتح النون والراء الموحدة وسكون الصاد المهملة آخره معجمة، نسبة إلى نصراباذ محلة بنيسابور - واسمه إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه النيسابوري، الزاهد الواعظ، (١) ص (٤٠٧). (٢) في ((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي: ((وكتب له عهداً)). (٣) ما بين حاصرتين زيادة من ((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي. (٤) في ((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي: ((فإذا أخذه)). ٣٥٦ شيخ الصوفية والمُحَدِّثين. سمع ابن خُزيمة بخراسان، وابن صاعد ببغداد، وابن جَوصا بالشام، وأحمد العَسَّال بمصر، وكان يرجع إلى فنون من الفقه، والحديث، والتاريخ، وسلوك الصوفية، ثم حجَّ وجاور سنتين، ومات بمكة في ذي الحجة. قاله في (العبر))(١). وقال السخاوي: كان أوحد المشايخ في وقته علماً وحالاً، صحب الشِّبلي، وأبا علي الرُّوْذْبَاري، والمرتعش، وغيرهم. قيل له: إن بعض الناس يجالس النسوان ويقول: أنا معصوم في رؤيتهنّ، فقال: ما دامت الأشباح باقية، فإن الأمر والنهي باقٍ، والتحليل والتحريم يُخَاطبُ (٢) بهما ولن يجترى على الشبهات إلا مَن يتعرض للمحرمات(٣). وقال: الراغب في العطاء لا مقدار له، والراغب في المعطي عزيز. وقال: العبادات إلى طلب الصَّفْح، والعفو عن تقصيرها، أقرب منها إلى طلب الأعواض والجزاء [بها] (٤). وقال: جذبة من الحق تربي على أعمال الثقلين. هذا كله كلام السُّلمي (٥). وقال الحاكم(٦): الصوفي العارف أبو القاسم النَّصراباذي الواعظ، لسان أهل الحقائق، وقد كان يُورِّق قديماً ثم تركه، غاب عن نيسابور نيِّفاً (١) (٣٤٩/٢). (٢) في المطبوع و((طبقات الصوفية)) للسلمي ص (٤٨٧): ((مخاطب)). (٣) في الأصل: ((للحرمات)) وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في ((طبقات الصوفية)) للسلمي . (٤) زيادة من ((طبقات الصوفية)) للسلمي. (٥) انظر ((طبقات الصوفية)) ص (٤٨٤ - ٤٨٨). (٦) قلت: وقد ساق هذا النقل باختصار الذهبي في ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (١٦ /٢٦٥) فراجعه . ٣٥٧ وعشرين سنة، ثم انصرف إلى وطنه سنة أربعين، وكان يعظ على ستر وصيانة، ثم خرج إلى مكة سنة خمس وستين وجاور بها، ولزم العبادة فوق ما كان من عادته، وكان يعظ ويذكِّر، ثم توفي بها في ذي الحجة، ودفن عند تربة الفضيل بن عياض رحمهما الله تعالى ورضي عنهما. انتهى ملخصاً. ● وفيها أبو منصور بَخْتِيَار، الملقب عز الدولة بن الملك معز الدولة، أحمد بن بويه الدَّيلمي . ولي عز الدولة مملكة أبيه بعد موته، وتزوج الإِمام الطائع ابنته شاه زمان(١) على صداق مبلغه مائة ألف دينار. وكان عز الدولة ملكاً سريًّاً، شديد القوى، يمسك الثور العظيم بقَرْنَيه فيصرعه، وكان متوسطاً في الإِخراجات والكلف والقيام بالوظائف، حكى بشر الشمعي ببغداد قال: سُئلنا عند دخول عَضُد الدولة بن بويه، وهو ابن عم عز الدولة المذكور، إلى بغداد لما ملكها بعد قتله عزّ الدولة، عن وظيفة الشمع الموقد بين يدي عز الدولة، فقلنا: كانت وظيفة وزيره أبي طاهر محمد بن بقية ألف مَنٌّ في كل شهر، فلم يعاودوا التقصّي استكثاراً لذلك. وكان بين عز الدولة وابن عمه عَضُد الدولة مُنافسات في الممالك أدَّت إلى التنازع، وأفضت إلى التصافِّ والمحاربة، فالتقيا يوم الأربعاء ثامن عشر شوال من هذه السنة، فقُتل عز الدولة في المصافِّ، وكان عمره ستاً وثلاثين سنة، وحمل رأسه في طست (٢) ووضع بين يدي عَضُد الدولة، فلما رآه وضع منديله على عينيه وبكى. قاله ابن خلِّكان(٣). (١) في ((وفيات الأعيان)): ((شاه زنان)) وفي فهرس الأعلام منه: ((شاه زمان)) كما في كتابنا، وقال محققه في هامشه: وفي نسخة (هـ): ((شاه زيان)). (٢) تحرّفت في الأصل والمطبوع إلى ((دست)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) والطست: آنية. انظر ((لسان العرب)) (طست). (٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٦٧/١ - ٢٦٨). ٣٥٨ . • وفيها الغَضَنْفَر عدّة الدولة، أبو تغلب بن الملك ناصر الدولة بن حمدان، وَلَيَ الموصل بعد أبيه مُدَّة، ثم قصده عَضُد الدولة فعجز وهرب إلى الشام، واستولى عَضُد الدولة على مملكته، ومر الغضنفر بظاهر دمشق، وقد غلب عليها قسَّام العَيَّر، ثم ركب(١) إلى العزيز العُبيدي، وسأله أن يوليه نيابة الشام، ثم نزل الرملة في هذه السنة، فالتقاه مفرج الطائي فأسره، وقتله کھلاً . ● وفيها أبو الطاهر الذُّهلي محمد بن أحمد بن عبد اللّه القاضي البغدادي، وَلِي قضاء واسط، ثم قضاء بعض بغداد، ثم قضاء دمشق، ثم قضاء الدِّيار المصرية. حدَّث عن بشربن موسى، وأبي مسلم الكَجِّ وطبقتهما، وكان مالكي المذهب، فصيحاً مُفوَّهاً، شاعراً، أخبارياً، حاضر الجواب، غزير الحفظ. توفي وقد قارب التسعين. ● وفيها عمر بن بشران بن محمد بن بشر بن مهران، أبو حفص السُّكَّري، الحافظ الثقة الضابط، وهو أخو جد أبي الحسين بن بشران. روى عن أحمد بن الحسن الصُّوفي، والبغوي . قال الخطيب(٢): حدّثنا عنه البرقاني، وسألته عنه، فقال: ثقة، ثقة، كان حافظاً، عارفاً، كثير الحديث. · وفيها ابن السَّليم، قاضي الجماعة، أبو بكر محمد بن إسحاق بن مُنذر الأندلسي (٣)، مولى بني أميّة، وله خمس وستون سنة، وكان رأساً في الفقه، رأساً في الزهد والعبادة. سمع أحمد بن خالد، وأبا سعيد بن الأعرابي الفقیه بمكة، وتوفي في رمضان. (١) في ((العبر)): ((كتب)). (٢) انظر ((تاريخ بغداد) (٢٥٦/١١). (٣) مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٤٣/١٦ - ٢٤٤). ٣٥٩ ● وفيها ابن قُرَيْعة القاضي البغدادي، أبو بكر، محمد بن عبد الرحمن. أخذ عن أبي بكر بن الأنباري وغيره، وكان ظريفاً مزَّاحاً، صاحب نوادر وسرعة جواب، وكان نديماً للوزير المُهَلَّبي. ولي قضاء بعض الأعمال، وقد نَّف على الستين. قال ابن خلِّكان(١): كان قاضي السِّندية وغيرها من أعمال بغداد، ولاه أبو السائب عتبه بن عبيد الله القاضي، وكان من(٢) إحدى عجائب الدُّنيا في سرعة البديهة في الجواب عن جميع ما يُسأل عنه، في أفصح لفظٍ، وأملح سجعٍ ، وله مسائل وأجوبة مدوّنة في كتابٍ مشهورٍ بأيدي الناس، وكان رؤساء ذلك العصر وفضلاؤه يداعبونه ويكتبون إليه المسائل الغريبة المضحكة، فيكتب الجواب من غير توقف ولا تلبث، مطابقاً لما سألوه، وكان الوزير المهلبي يغري به جماعة يضعون له من الأسئلة الهزلية معانٍ شتى من النوادر الظريفة(٣) ليجيب عنها بتلك الأجوبة، فمن ذلك ما كتب إليه العَبَّاس بن المعلى الكاتب: ما يقول القاضي - وفقه الله تعالى - في يهودي زنى بنصرانية، فولدت ولداً جسمه للبشر ووجهه للبقر، وقد قبض عليهما، فما يرى القاضي فيهما، فكتب جوابه بديهاً: هذا من أعدل الشهود على [الملاعين](٤) اليهود بأنهم أشربوا العجل في صدورهم حتّى خرج من أيورهم، وأرى أن يناط برأس اليهودي رأس العجل، ويصلب على عنق النصرانية السَّاق مع الرجل، ويسحبا على الأرض، وينادى عليهما ظُلمات بعضها فوق بعض، والسلام. ولما قَدِمَ الصاحب بن عَبَّاد إلى بغداد، حضر مجلس الوزير أبي محمد (١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٨٢/٤ - ٣٨٤). (٢) لفظة ((من)) سقطت من المطبوع. (٣) في ((وفيات الأعيان)): ((من المسائل الطنزية)). (٤) ما بين حاصرتين زيادة من ((وفيات الأعيان)). ٣٦٠