Indexed OCR Text
Pages 401-420
إلى جدّه لأمه محمد بن سفيان بن حُميد المعمري، صاحب مَعْمَر ببغداد في المحرم. روى عن علي بن المديني، وجُبارة بن المَغَلّس، وطبقتهما، وعاش اثنتين وثمانين سنة، وله أفراد وغرائب مغمورة في سَعة علمه. قال ابنُ ناصر الدِّين: كان من أوعية العلم، تكلم فيه عدّة، وقوَّاه آخرون. انتھی . وقال في ((المغني))(١): تفرّد برفع أحاديث تحتمل له. انتهى. · وفيها الحكم بن مَعْبَد الخُزاعيُّ الفقيهُ، مصنّف كتاب ((السُّنَّة)) بأصبهان. روى عن محمد بن حميد الرَّازي، ومحمد بن المثنى، وطبقتهما، وكان من كبار الحنفية وثقاتهم. ● وفيها أبو شعيب الحرَّاني، عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الأمويُّ المؤدِّب، نزيل بغداد في ذي الحجة. روى عن يحيى البَابْلُتي، وعَفَّان، وعاش تسعين سنة، وكان ثقة. • وأمير خُراسان وما وراء النهر، إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان، في صَفَرٍ ببخارى، وكان ذا علم، وعدل، وشجاعة، ورأي، وكان يُعرف بالأمير الماضي أبي إبراهيم، جمع بعض الفُضَلاءِ شمائله [وسيرته](٢) في كتاب، وكان ذا اعتناءٍ زائدٍ بالعلم والحديث. قاله في ((العبر))(٣). · وفيها أبو علي، عبد الله بن محمد بن علي البَلْخِيُّ الحافظُ، أحد أركان الحديث ببلْخ. سمع قُتَيْبَة وطبقته، وصنَّف ((التاريخ)) و((العلل)). · وفيها المُكتفي بالله، الخليفة أبو الحسن علي بن المعتضد أحمد بن (١) (١٦٣/١). (٢) زيادة من ((العبر)) للذهبي. (٣) (١٠٨/٢). ٤٠١ أبي أحمد الموفَّق بن المُتوكل بن المُعتصم العباسيُّ، وله إحدى وثلاثون سنة، وكان وسيماً جميلاً، بديع الجمال، معتدل القامة دُرِّيَّ اللون، أسود الشعر، استُخلف بعد أبيه، وكانت دولته ست سنين ونصفاً، وتوفي في ذي القعدة، وفيه يقول أحد أعيان الأدباء وقد أبان زوجته عن نشوز وعقوق: فَإِذَا المَلَاحَةُ بِالخَلَعَةِ لَا تَفي قَايَسْتُ بَيْنَ جَمَالِهَا وَفِعَالِهَا كَالْبَدْرِ أَوْ كَالشَّمْسِ أوْ كَالمُكْتَفي(١) وَاللَّهِ لاَ رَاجَعْتُهَا وَلَوَ أَنَّها وقيل للمكتفي في مرضه الذي مات فيه: لو وكّلت بعبد الله بن المعتز، ومحمد بن المعتمد، قال: ولِمَ؟ قيل: لأن الناس يرجفون لهما بالخلافة بعدك، فتكون مستظهراً حتَّى لا يخرج الأمر عن أخيك جعفر، فقال: وأيّ ذنب لهما؟ أليس هُما من أولاد الخُلفاء، وإن يكن ذلك، فليس بمنكر، والله يؤتي المُلْكَ مَن يشاء، فلا تتعرضوا لهما. وكان المكتفي كثير العساكر، كثير المال، يخصّ أهل بيته بالكرامة والحباء الكثير، ولم يَلِ الخلافة بعد النَّبِّي ◌ََّ، مَن اسمه علي إلّ علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، والمُكتفي بالله . ولما توفي المكتفي ولي بعده أخوه المقتدر، وله ثلاث عشرة سنة وأربعون يوماً، ولم يَلِ أمر الأمة صبي قبله. · وفيها عِيْسى بن مسكين، قاضي القَيْرَوَان وفقيه المغرب، أخذ عن سَحْنُون، وبمصر عن الحارث بن مسكين، وكان إماماً، ورعاً، خاشعاً، متمكّناً من الفقه والآثار، مُستجاب الدعوة، يُشَبَّه بسَحْنُون في سمته وهيئته، أكرهه ابنُ الأَغْلَب الأمير على القضاء، فولي ولم يأخذ رزقاً، وكان يركب حماراً ويستقّي الماء لبيته، رحمه الله تعالى. (١) البيتان في ((غربال الزمان)) ص (٢٦٢). ٤٠٢ · ومحمد بن أحمد بن جعفر، الإِمام أبو جعفر، التِّرْمِذيُّ الفقيهُ، كبير الشافعية بالعراق، قبل ابن سُرَيْج، في المحرم، وله أربع وتسعون سنة. وكان قد اختّلَط في أواخر أيامه، وكان زاهداً، ناسكاً، قانعاً باليسير، متعفِّفاً. قال الدارقطنيُّ: لم يكن للشافعية بالعراق أَرْأس ولا أُوْرَع منه، وكان صبوراً على الفقر. روى عن يحيى بن بكير وجماعة، وكان ثقةً. قال الإِسنوي: كان أولاً أبو جعفر حنفياً، فحجَّ، فرأى ما يقتضي انتقاله لمذهب الشافعي، فتفقّه على الرّبيع وغيره من أصحاب الشافعي، وسكن بغداد، وكان ورعاً، زاهداً، متقلَّلاً جداً، كانت نفقته في الشهر أربعة دراهم، نقل عنه الرَّافعيُّ مواضع قليلة، منها أن فضلات النَّبِيِّ وَّ، طاهرة، وأن الساجد للتلاوة خارج الصلاة لا يكبّر للافتتاح لا وجوباً ولا استحباباً، وأنه إذا رمي إلى حربي فأسلم، ثم أصابه السهم فلا ضمان، والمعروف خلافه فيهنّ . ولد في ذي الحجة، سنة ثمانين، وتوفي لإِحدى عشرة ليلة خَلَت من المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين. وترمذ مدينة على طريق نهر جِيْحُون، وفيها ثلاثة أقوال: الأول فتح التاء وكسر الميم، وهو المتداول بين أهلها. والثاني كسرهما. والثالث ضمّهما. قال: وهو الذي يقول أهل المعرفة. انتهى ملخصاً. قال العلامة ابنُ ناصر الدِّين في («بديعته)): فِي ذَلِكَ الجُرْحِ الذي رَمَاهُ ثُمَّ الحَكِيْمُ التِّرْمِذِيُّ هَوَاهُ مَوْتَاً وَفِيْهَا كَانَ حَيَّأَ حَرِرٍ لَكِنَّهُ مَجْهُوْلٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ٤٠٣ وقال في ((شرحها)): أي في سنة خمس وثمانين، لأنه قَدِمَ فيها نيسابور، وأخذ عن علمائها المأثور، ومن حينئذ جهلت وفاته عند الجمهور، وهو محمد بنُ علي بن بِشْر التِّرْمِذيُّ الحَكِيْم، أبو عبد الله، الزَّاهد الحافظ، كان له كلام في إشارات الصوفية، واستنباط معانٍ غامضة من الأخبار النبوية، وبعضها تحريف عن مقصده، وبسبب ذلك امتحن، وتكلموا في معتقده، وله عدة مصنفات في منقول ومعقول، ومن أنظفها ((نوادر الأصول)). انتهى. • وفيها، أي سنة خمس وتسعين، توفي الحافظ أبو بكر محمد بن إسماعيل الإسماعيلي، أحد المُحَدِّثين الكبار بنيسابور، له تصانيف مجودة ورحلة واسعة. سمع إسحاق بن رَاهَوَيْه، وهِشَام بن عَمَّار. ٤٠٤ سنة ست وتسعين ومائتين • دَخَلَتْ والملّ يستصبون المقتدر، ويتكلمون في خلافته، فاتفق طائفة على خلعه، وخاطبوا عبد الله بن المعتز، فأجاب بشرط أن لا يكون فيها حرب، وكان رأسهم محمد بن داود بن الجَرَّاح، وأحمد بن يعقوب القاضي، والحسين بن حمدان، واتفقوا على قتل المقتدر، ووزيره العَبَّاس بن الحسن، وفاتك الأمير، فلما كان في عاشر ربيع الأول، ركب الحُسين بن حمدان، والوزير، والأمراء، فَشَدَّ ابن حمدان على الوزير فقتله، فأنكر فاتك قَتْلَه، فعطف على فاتك فألحقه بالوزير، ثم ساق ليثلِّث بالمقتدر، وهو يلعب بالصوالجة، فسمع الهَيْعَة(١)، فدخل وأُغلقت الأبواب، ثم نزل ابن حمدان بدار سليمان بن وَهْب، واستدعى ابن المعتز، وحضر الأمراء والقضاة، سوى خواصِّ المقتدر، فبايعوه ولقّبوه الغالب بالله، فاستوزر ابن الجَرَّاح، واستحجب يُمن الخادم، ونفذت الكتب بخلافته إلى البلاد، وأرسلوا إلى المُقتدر ليتحوّل من دار الخلافة، فأجاب، ولم يكن بقي معه غير مُؤنس(٢) الخادم، ومؤنس الخازن، وخاله الأمير غريب، فتحصنوا، وأصبح الحسين بن (١) قال ابن منظور: الهيعة: صوت الصارخ للفزع، وقيل: الهيعة الصوت الذي تَفْزَع منه وتخافه من عَدُوِّ. ((لسان العرب)) (هيع). (٢) في الأصل والمطبوع: ((يونس)) وهو خطأ والتصحيح من ((العبر)) (١١٠/٢) وانظر ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (١٥/٨). ٤٠٥ حمدان على محاصرتهم، فرموه بالنشاب، وتناخوا(١)، ونزلوا على حَمِيَّة، وقصدوا ابن المعتز، فانهزم كلّ من حوله، وركب ابن المعتز فرساً ومعه وزيره وحاجبه، وقد شَهَرَ سيفه، وهو يُنادي: معاشر العامة، ادعوا لخليفتكم، وقصد سَامِرًا لِيُثَبِّتَ بها أمره، فلم يتبعه كثير(٢) أحد، وخذل، فنزل عن فرسه، فدخل دار ابن الجصَّاص، واختفى وزيره، ووقع النهب والقتل في بغداد، وقتل جماعة من الكبار، واستقام الأمر للمقتدر، ثم أخذ ابنُ المعتز وقتل سرّاً، وصُودِرَ ابن الجصَّاص، وقام بأعباء الخلافة الوزير ابن الفُرات، ونشر العدل، واشتغل المقتدر باللعب. وأما الحسين بن حمدان، فأصلح أمره، وبعث إلى ولاية قُم، وقاشان. رجع إلى الكلام على ابن المعتز. قال ابنُ خَلِّكان رحمه الله تعالى(٣): أبو العَبَّاس عبد الله بن المعتزبن المتوكل بن المعتصِم بن هارون الرَّشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العَبَّاس بن عبد المطّلب الهاشمي، أخذ الأدب عن أبي العَبَّاس المُبَرّد، وأبي العَبَّاس ثَعْلَب، وغيرهما، وكان أديباً، بليغاً، شاعراً، مطبوعاً، مقتدراً على الشعر، قريب المأخذ، سهل اللفظ، جيّد القريحة، حَسَن الإِبداع للمعاني، مخالطاً للعلماء والأدباء، معدوداً من جملتهم، إلى أن جرت له الكائنة في خلافة المقتدر، واتفق معه جماعة من رؤساء الأجناد ووجوه الكتّاب، فخلعوا المُقتدر يوم السبت لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، وبايعوا عبد الله المذكور، ولقّبوه المرتضي بالله، (١) لفظة ((وتناخوا)) لم ترد في ((العبر)) الذي بين يدي. (٢) في الأصل: ((كبير)) وأثبت لفظ المطبوع. (٣) في ((وفيات الأعيان)) (٧٦/٣ - ٧٩). ٤٠٦ وقيل: المنصِف بالله، وقيل: الغالب بالله، وقيل: الراضي بالله، وأقام يوماً وليلة، ثم إن أصحاب المقتدر تحزّبوا وتراجعوا، وحاربوا أعوان ابن المعتز وشتتوهم، وأعادوا المقتدر إلى دَسْتِهِ، واختفى ابن المعتز في دار أبي عبد الله بن الحسين [بن عبد الله بن الحسين](١) المعروف بابن الجصاص الجوهري، فأخذه المقتدر وسلّمه إلى مُؤنس الخادم الخازن، فقتله وسلَّمه إلى أهله ملفوفاً في كساء، وقيل: إنه مات حتف أنفه، وليس بصحيح، بل خنقه مؤنس، وذلك يوم الخميس ثاني عشر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، ودفن في خرابة بإزاء داره، رحمه الله تعالى. ومولده لسبع بقين من شعبان سنة سبع وأربعين، وقال سنان بن ثابت: سنة ست وأربعين ومائتين. ثم قبض المقتدر على ابن الجصَّاص المذكور وأخذ منه مقدار ألفي ألف دينار، وسلَّم له بعد ذلك مقدار سبعمائة ألف دينار، وكان في ابن الجصَّاص غفلة وبَلَه، وتوفي يوم الثلاثاء(٢) لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوّال سنة خمس عشرة وثلثمائة. ولعبد الله المذكور من التصانيف كتاب ((الزهر والرياض)) وكتاب ((البديع)) وكتاب ((مكاتبات الإِخوان بالشعر)) وكتاب ((الجوارح والصيد)) وكتاب ((السرقات)) وكتاب ((أشعار الملوك)) وكتاب ((الآداب)) وكتاب ((حليّ الأخبار)) وكتاب ((طبقات الشعراء)) وكتاب ((الجامع في الغناء)) وأرجوزة في ذمّ الصَّبُوح. ومن كلامه: البلاغة البلوغ إلى المعنى، ولم يطل سفر الكلام. ورثاه علي بن بسام الشاعر بقوله: (١) ما بين حاصرتين زيادة من ((وفيات الأعيان)). (٢) في ((وفيات الأعيان)): ((يوم الأحد)). ٤٠٧ نَاهِيْكَ فِي الْعِلْمِ وَالآدَاب وَالحَسَب اللَّهِ دَرُّكَ مِنْ مَلْكٍ (١) بَمَضْيَعَةٍ وَإِنَّمَا أَدْرَكَتْهُ حِرْفَةُ الأَدَب(٢) مَا فِيْهِ لَوِّ، وَلاَ لَوْلا فَتُنْقِصُهُ ولابن المعتز أشعار رائقة وتشبيهات بديعة، فمن ذلك قوله: ودَيْرَ عَبْدُونَ هَطَّلٌ مِنَ المَطَرِ سقى المطيرَةَ ذاتَ الظِلِّ والشجرِ فَطَالَمَا نَبَّهْتَنِي لِلصَّبُوحِ بِهَا أَصْوَاتُ رُهْبَانِ دَيْرٍ فِي صَلاَتِهِمُ مُؤَنَّرِيْنَ عَلَى الأَوْسَاطِ قَدْ جَعَلُوا كُمْ فِيْهِمُ مِنْ مَلِيْحِ الوَجْهِ مُكْتَحِل لاحَظَتْهُ بِالهَوىْ حَتَّى اسْتَقَادَ لَهُ وَجَاءَنِي فِي قَمِيْصِ اللَّيلِ مُسْتَِراً فَقُمْتُ(٣) أَفْرُشُ خدِّي في الطَّرِيقِ لَهُ وَلَحَ ضَوْءُ هِلَالٍ كَادَ يَفْضَحُنَا في غُرَّةِ الفَجْرِ والْعُصْفُورُ لَمْ يَطِرِ سُودُ المدارعِ نَّعَّارين في السَّحَرِ عَلَى الرؤوس أَكَالِيْلاً مِنَ الشَّعَرِ بالسحرِ يُطْبِقُ جَفْنَيْهِ عَلَى حَوْرِ طَوْعَاً وَأَسْلَفَنِي الْمِيعَادِ بِالنَّظَرِ يَسْتَعْجِلُ الخَطْوَ مِنْ خَوْفٍ وَمِنْ حَذَرٍ ذُلاً وَأَسْحَبُ أَذْيَالِي (٤) عَلَى الْأَثَرِ مِثل القُلَامَةِ قَدْ قُدَّتْ مِنَ الظَّفَرِ فَظُنَّ خَيْرَاً وَلاَ تَسْأَلْ عَنِ الْخَبْرِ وَكَانَ مَا كَانَ مِمَّا لَسْتُ أَذْكُرُهُ وَلَهُ في الخَمْرِ المطبوخة، وهو معنى بديع، وفيه دلالة على أنه كان حنفي المذهب: وَقَدْ عُدتُ بَعْدَ النُّسْكِ وَالعَوْدُ أَحْمَدُ خَلِيْلِيَ قَدْ طَابَ الشَّرَابُ المُوَرَّدُ كَيَاقُوْتَةٍ فِي دُرَّةٍ تَتَوَقَّدُ فَهَاتِ(٥)عُقَارَاً في قَمِيْصٍ زُجَاجَةٍ (١) في الأصل، والمطبوع، و((وفيات الأعيان))، و((فوات الوفيات)): من ((ميت)) وأثبت لفظ ((تاريخ بغداد))، و((معاهد التنصيص)). (٢) البيتان في ((تاريخ بغداد)) للخطيب (١٠١/١٠)، و((فوات الوفيات)) لابن شاكر (٢٤٠/٢)، و((معاهد التنصيص)) للعباسي (٤٣/٢ - ٤٤). (٣) في ((خزانة الأدب)) للبغدادي (٥٢/١١): ((فبتُّ)). (٤) في ((خزانة الأدب)): ((أكمامي)). (٥) في ((وفيات الأعيان)): ((فهاتا)). ٤٠٨ لَهُ حَلَقٌ بْضٌ تُحَلُّ وَتُعْقَدُ يَصُوْغُ عَلَيْهَا المَاءُ شُبَّاكَ فِضَّةٍ وَذَلِكَ مِنْ إِحْسَانِهَا لَيْسَ يُجْحَدُ(١) وَقَتْنِيَ مِنْ نَارِ الجَحِيْمِ بِنَفْسِهَا وكان ابنُ المعتز شديد السُمرة، مسنون الوجه يخضّب بالسواد. ورأيت في بعض المجاميع، أن عبد الله بن المعتز كان يقول: أربعة من الشعراء سارت أسماؤهم بخلاف أفعالهم، فأبو العتاهية سار شعره بالزهد، وكان على الإلحاد، وأبو نُواس سار شعره باللواط وكان أزنى من قرد، وأبو حكيمة الكاتب سار شعره بالعُنَّة وكان أهَبَّ من تَيْسٍ ، ومحمد بن حازم سار شعره بالقناعة، وكان أحرص من كلب. انتهى ما أورده ابن خلِّكان ملخصاً. • وفي سنة ست وتسعين، وصل إلى مصر أمير إفريقية زِيَادَةُ الله بن الأَغْلَب(٢)، هارباً من المهدي عُبَيْدِ الله وداعية أبي عبد الله الشيعي، فتوجّه(٣) إلى العراق. • وفيها أحمد بن حَمَّاد بن مسلم، أخو عيسى زُغْبَة التَّجِيبِيُّ بمصر، في جمادى الأولى. روى عن سَعِيْد بن أبي مَرْيم، وسعيد بن عُفير، وطائفة، وعمّر أربعاً وتسعين سنة. (١) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (٧٩/٣). (٢) هو زيادة الله بن أبي العبّاس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب الأغلبي، أبو مُضَر، آخر أمراء الدولة الأغلبية بتونس، ولد ونشأ بتونس، وكان ميّالاً إلى اللهو، وولاه أبوه إمارة صقلية، فعكف على لذّاته، فعزله عنها وسجنه، فدسَّ لأبيه ثلاثة من خصيان الصقالبة، فقتلوه، ونادوا بزيادة الله أميراً على إفريقية، فتولاها سنة (٢٩٠)، وقتل الخصيان الثلاثة. وفتك بمَن قَدَرَ عليه من أعمامه وإخوته، وعاد إلى ملازمة النُدماء، فأهمل شؤون المُلْك، فاستفحل أمر الثائر أبي عبد الله الشيعي، فصبر له زيادة الله ودافعه زمناً إلى أن يئس من الظفر، وكان مُقيماً برقّادة، فجمع أهله وماله وفرَّ من إفريقية سنة (٢٩٦) فنزل بمصر، ثم قصد بغداد، فمرّ بالرَّقَّة، فاستوقفه الوزير ابن الفرات مدة، واستأذن فيه المقتدر العباسي، فأمر بردّه إلى المغرب، فعاد إلى مصر، فمرض، فقصد بيت المقدس فمات بالرملة سنة (٣٠٤) وانقرضت به دولة الأغالبة في إفريقية، وهو ثالث مَن سمّي ((زيادة الله)) من الأغالبة. عن «الأعلام)) للزركلي (٥٦/٣) وانظر مصادر ترجمته فیه. (٣) في ((العبر)) (١١١/٢): ((فوجّه)). ٤٠٩ ● وفيها أحمد بن نجدة الهرويُّ(١) المُحدِّث. روى عن سَعِيْد بن مَنْصُور وطائفة . · وفيها أحمد بن يحيى الحُلْوانِيُّ، أبو جعفر، الرَّجل الصالح ببغداد. سمع أحمد بنَ يُونس، وسَعْدَوَيْه، وكان من الثقات. • وأحمد بن يَعْقُوب، أبو المُثنى القاضي، أحد مَن قام في خلع المقتدر تديّناً، ذُبح صَبْرَاً. • وخَلَف بن عَمْرو العُكْبَرِيُّ، محتشم نبيل، ثقة. روى عن الحميديِّ، وسعید بن منصور. · وفيها أبو حَصِيْن الوادِعِيُّ (٢) - بكسر المهملة ثم مهملة نسبة إلى وَادِعَة بطن من هَمْدَان - وهو القاضي محمد بن الحُسين بن حَبِيْب، في رمضان، صنَّف ((المسند))، وكان من حفّاظ الكوفة الثقات، روی عن أحمد بن يونس وأقرانه . ● وفيها محمد بن داود الكاتب، أبو عبد الله، الأخباريُّ العلَّمة، صاحب المصنفات. كان أوحد أهل زمانه في معرفة أيام النَّاس. أخذ عن عمر بن شَبَّة(٣) وغيره، وقتل في فتنة ابن المعتز. (١) ذكره المزّي في ((تهذيب الكمال)) (٥٠٥/١) مصورة دار المأمون للتراث، فيمن روى عن سعيد بن منصور. (٢) أقول: الذي في ((القاموس المحيط)): ((أبو الحَصِين الوداعي)) وكذلك في ((اللباب في تهذيب الأنساب» الوداعي . (ع). (٣) في الأصل، والمطبوع: ((عمروبن شيبة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (١١٢/٢ - ١١٣) وغيره. ٤١٠ سنة سبع وتسعين ومائتين · قال ابن الجوزي في ((الشذور)): قال ثَابِتُ بن سِنَان المؤرّخ: رأيت في بغداد امرأة بلا ذراعين، ولا عضدين، ولها كفّان بأصابع معلقات برأس(١) كتفيها، لا تعمل بهما شيئاً، وكانت تعمل أعمال اليدين برجليها، ورأيتها تغزل برجليها، وتمدّ الطاقة وتسوِّيها. انتهى . • وفيها عُبَيْد بن غَنَّام بن حفص بن غياث الكوفيُّ، أبو محمد، راوية أبي بكر بن أبي شيبة، وكان مُحَدِّثاً، صدوقاً، خيِّراً. روى عن جُبَارَة بن المُغَلِّس وطبقته . · وفيها محمد بن أحمد بن أبي خَيْثَمَة، زُهير بن حَرْب، أبو عبد الله، الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ. قال محمد بن كامل: ما رأيت أحفظ من أربعة، أحدهم: محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، وكان أبوه يستعين به في تصنيف ((التاريخ)). سمع أبا حفص الفَلَّس وطبقته، ومات في عشر السبعين. ● وفيها عمرو (٢) بن عثمان أبو عبد الله المَكِّيُّ الزاهد، شيخ الصوفية وصاحب التصانيف في الطريق. صحب أبا سعيد الخَرَّاز، والجُنّيْد. وروى عن يُونس بن عبد الأعلى وجماعة. (١) في المطبوع: ((في رأس)). (٢) في الأصل: ((عمر)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. ٤١١ قال السخاويُّ في ((طبقاته)): عمرو بن عثمان بن كرب بن غصص المكُّيُّ، أبو عبد الله، كان ينتسب إلى الجُنّيْد، وكان قريباً منه في السن والعلم، وكان أحد الأعيان، ولما ولي قضاء جدّة، هجره الجنيد، فجاء إلى بغداد وسلَّم عليه، فلم يُجِبْه، فلما مات حضر الجُنيد جنازته ولم يصل عليه إماماً . ومن كلامه: اعلم أن كل ما توهمه قلبك من حُسْن، أو بهاء، أو أنس، أو ضياء، أو جمال أو شبح، أو نور، أو شخص، أو خيال، فالله بعيد من ذلك كله، بل هو أعظم وأجلّ وأكبر، ألا تسمع إلى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقال: ﴿لَمْ يَلِد وَلَمْ يُؤْلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوَاً أَحَدٌ ﴾ [الإِخلاص: ٣ -٤](١) . وقال: المروءة التغافل عن زلل الإِخوان، وقال: لا يقع على كيفية الوجد عبارة لأنه سرّ الله عند المؤمنين الموقنين. انتهى ملخصاً. • وفيها مُحمد بن داود بن عَلي الظَّاهريُّ، الفقيه، أبو بكر، أحد أذكياء زمانه، وصاحب كتاب ((الزَّهْرة)) تصدّر للاشتغال(٢)، والفتوى ببغداد بعد أبيه، وكان يُناظر أبا العَبَّاس بن سُرَيْج، وله شعرٌ رائق، وهو ممّن قتله الهوى، وله نّف وأربعون سنة. قاله في ((العبر))(٣). · وفيها مُطَيِّن، وهو الحافظ أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سُليمان الحَضْرَميُّ الكوفيُّ (٤)، في ربيع الآخر بالكوفة، وله خمس وتسعون سنة، (١) ذكر أبو نعيم هذا الأثر عنه في ((حلية الأولياء)) (٢٩١/١٠) برواية أخرى فراجعه. (٢) في الأصل، والمطبوع: ((للأشغال)) وأثبت ما في ((العبر)) للذهبي. (٣) (١١٤/٢). (٤) لفظة ((الكوفي)) لم ترِدْ في الأصل، و((العبر)) للذهبي، وأثبتها من المطبوع. ٤١٢ دخل على أبي نُعَيْم، وروى عن أحمد بن يُونس وطبقته. قال الدارقطنيُّ : ثقة جَبَل. وقال في ((الإِنصاف)): نقل عن الإِمام أحمد مسائل حساناً جياداً. ● وفيها محمد بن عُثمان بن أبي شيبة، الحافظ ابن الحافظ، أبو جعفر العَبْسيُّ الكوفيُّ، نزيل بغداد، في جمادى الأولى، وهو في عشر التسعين. روى الكثير عن أبيه، وعمّه، وأحمد بن يونس، وخلق، وله تاريخ كبير، وثّقه صالح جَزّرَة، وضعفه الجمهور. وأما ابنُ عدي فقال: لم أرَ له حديثاً مُنكراً فأذكره. قال ابنُ ناصر الدِّين: كذَّبه عبد الله بن الإِمام أحمد، وضعّفه آخرون، وقال بعضهم: هو عصا موسى تتلقف ما یأفكون. انتهى. ● وفيها موسى بن إسحاق بن موسى الأنصاريُّ الخَطْميُّ - بالفتح والسكون نسبة إلى بني خطمة، بطن من الأنصار - القاضي، أبو بكر، الفقيهُ الشافعيُّ بالأهواز، وله سبع وثمانون سنة. ولي قضاء نيسابور وقضاء الأهواز، وحدَّث عن أحمد بن يونس وطائفة، وهو آخر مَن حَدَّث عن قَالون(١). صاحب نافع القارىء، وكان يُضرب به المثل في وَرَعِه وصيانته في القضاء، وثّقه ابن أبي حاتم، وقطع ابنُ ناصر الدِّين بتوثيقه. قال الإِسنويُّ: وكان يُضرب به المثل في ورعه وصيانته في القضاء، حتَّى إن الخليفة أوصى وزيره به وبالقاضي إسماعيل، وقال: بهما يدفع البلاء عن أهل الأرض، وكان كثير السماع. سمع أحمد بن حنبل وغيره، وكان لا يُرى متبسماً قطُّ، فقالت له يوماً امرأته: لا يحلّ لك أن تحكم بين النَّاس، (١) هو عيسى بن مينا بن وردان الزرقي، تقدّمت ترجمته في ص ( ٩٧ ) من هذا المجلد فراجعها هناك. ٤١٣ فإن النَّبِّي ◌َّهِ، قال: ((لَا يَحِلُّ للقَاضِي أنْ يَقْضِيَّ وَهُوَ غَضْبَان))(١) فتبسم. انتهى ملخصاً. ● وفيها يوسف بن يعقوب، القاضي أبو محمد الأزديُّ، ابن عمّ إسماعيل القاضي، ولي قضاء البصرة وواسط، ثم وليَ قضاءً الجانب الشرقي(٢)، وولد سنة ثمان ومائتين، وسمع في صغره من مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب وطبقتهما، وصنَّف ((السُّنن)) وكان حافظاً، ديِّناً، عفيفاً، مهيباً. وقال ابنُ ناصر الدِّين: ثقة. (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٧/٥)، وابن ماجه رقم (٢٣١٦) بلفظ ((لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان)). ورواه البخاري رقم (٧١٥٨) في الأحكام: باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، بلفظ ((لا يقضينّ حكم بين اثنين وهو غضبان)) ومسلم رقم (١٧١٧) في الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، وأبو داود رقم (٣٥٨٩) بلفظ ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان))، ورواه الترمذي رقم (١٣٣٤) كلهم من حديث أبي بكرة رضي الله عنه . (٢) يعني الجانب الشرقي من مدينة بغداد. ٤١٤ سنة ثمان وتسعين ومائتين • فيها وليَ الحُسين بن حَمْدَان دِيَارِ بَكر(١)، وربيعة. ● وفيها خرج على عُبَيْد الله المهدي، داعِيَاه: أبو عبد الله الشيعي، وأخوه أبو العَبَّاس، وجرت لهما معه وقعةٌ هائلة، وذلك في جمادى الآخرة، فقتل الداعيان وأعيان جُندهما، وصفا الوقت لعبيد الله، فعصى عليه أهل طرابلس، فجهَّز لحربهم ولده القائم أبا القاسم، فأخذها بالسيف في سنة ثلثمائة . ● وفيها توفي أبو العَبَّاس أحمد بن مسروق الطُّوسيُّ الزاهدُ، ببغداد، في صَفَرْ، وكان من سادات الصوفية ومُحدِّثيهم. روى عن علي بن الجعد، وابن المديني، وجمع وصنّف، وهو من رجال ((الرسالة القشيرية))(٢) وصحب المحاسبيَّ، والسقطي، ومحمد بن منصور الفارسي، وغيرهم. وقال جعفر الخُلْدي: سألته عن مسألة في العقل، فقال: يا أبا محمد، مَن لم يحترز بعقله من عقله لعقله، هلك بعقله. (١) ديار بكر: بلاد كبيرة واسعة، تنسب إلى بكربن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دُعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزاربن مُعدّ بن عدنان، تقع الآن في الجنوب الأوسط من تركية المعاصرة، ينسب إليها من المحدِّثين عمر بن علي بن حسن الديار بكري. انظر خبرها في ((معجم البلدان)) (٤٩٤/٢). (٢) (١٦٩/١) وبهامشها ((نتائج الأفكار القدسية في بيان شرح الرسالة القشيرية)) للعَروسي. ٤١٥ وقال: الزاهد الذي لا يملك مع الله سبباً. وقال: لا يصلح السماع إلا لمذبوح النفس، محترق الطبع، مُمحِقٍ الهوى، صافي السرّ، طاهر القلب، عالي الهمّة، دائم الوَجْد، تام العلم، كامل العقل، قوي الحال، وإلا خسر من حيث يلتمس الربح، وصلّ من حيث يطلب الهدى، وهلك بما يرجو به النجاة، وليس في علوم التصوّف علم ألطف ولا في طرقه طريق أدقّ من علم السماع، وطريق أهله فيه. وقال: كثرة النظر في الباطن تذهب بمعرفة الحق من القلب. وتوفي في صَفَرٍ، وله أربع وثمانون سنة، ودفن في مقابر باب حرب بغداد . · وفيها قاضي الأنبار وخطيبها البليغُ المِصْقَعُ، أبو محمد، بُهلول بن إسحاق بن بُهلول بن حَسَّان التنوخيُّ - نسبة إلى تنوخ قبائل أقاموا بالبحرين - كان ثقةً صاحب حديث. سمع بالحجاز سعيد بن منصور وإسماعيل بن أُویس. · وفيها شيخ الصوفية، تاج العارفين، أبو القاسم، الجُنّيْد بن محمد القواريريُّ الخزَّاز - بالزاي المكررة - صحب خاله السَّرِيَّ، والمحاسبيَّ، وغيرهما من الجِلَّة، وصحبه أبو العَبَّاس بن سُريج، وكان إذا أفحم مناظريه قال: هذا من بركة مجالستي للجُنّيْد، وأصل الجُنَيْد من نهاوند، ونشأ بالعراق، وتفقّه على أبي ثور، وقيل: كان على مذهب سفيان الثوري، وكان يقول: مَن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسُّنَّة. وقال له خاله: تكلم على النَّاس فاستصغر نفسه، فرأى رسول الله وَّةٍ، يأمره بذلك، فلما جلس لذلك جاءه غلام نصراني وقال: ما معنى قوله مليار: ٤١٦ ((اتّقُوا فَرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُوْرِ الله ))(١) فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وقال له: أسلم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام. ولما صنّف عبد الله بن سعيد بن كلاب كتابه الذي ردّ فيه على جميع المذاهب، سأل عن شيخ الصوفية، فقيل له: الجُنيد، فسأله عن حقيقة مذهبه، فقال: مذهبنا إفراد القدم عن الحَدَث، وهجران الإِخوان والأوطان، ونسيان ما يكون وما كان، فقال ابن كلاب: هذا كلام لا يمكن فيه المناظرة، ثم حضر مجلس الجنيد، فسأله عن التوحيد، فأجابه بعبارة مشتملة على المعارف، ثم قال: أعِدْ عليَّ لا بِتِلْكَ العبارة، ثم استعاده الثالثة، فأعاده بعبارة أخرى، فقال: أَمْلِه عليَّ، فقال: لو كنت أجرّده كنت أمْلِيه، فاعترف بفضله. وقال الكعبيُّ المعتزليُّ لبعض الصوفية: رأيت لكم ببغداد شيخاً يقال له: الجُنَيْد، ما رأت عينيَّ مثله، كان الكَتَبة يحضرونه لألفاظه، والفلاسفة لدقة كلامه، والشعراء لفصاحته، والمتكلمون لمعانيه، وكلامه ناءٍ عن فهمهم . وسئل السَّريُّ عن الشكر؟ والجنيد صبي يلعب، فأجاب الجنيد: هو أن لا يستعين بنِعَمه على معاصيه. وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: مَن نطق عن سرّك وأنت ساكت. وقال الجنيد: ما انتفعت بشيءٍ انتفاعي بأبيات سمعتها، قيل: وما هي؟ قال: مررت بدرب القراطيس، فسمعت جاريةً تغني من دار، فأنصت لها، فسمعتها تقول : (١) رواه الترمذي رقم (٣١٢٧) في التفسير: باب ومن سورة الحجر، وفي سنده عطية العوفي وهو ضعيف، وذكره السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ص (١٩) والسيوطي في ((الدرّ المنثور)) ونسباه لجمهرة من الأئمة الحفاظ في مصنفات مختلفة. ٤١٧ تَقُولِيْنَ لَوْلاَ الهَجْرُ لَمْ يَطِب الحُبُّ إِذَا قُلْتُ أَهْدىُ الهَجْرُلِي حُلَلَ الِلى تَقُولِي بِنِيْرَان الهَوىُ شَرُفَ القَلْبُ وَإِنْ قُلْتُ هَذَا القَلْبُ أَحْرَقَهُ الهَوى وُجُوْدُكَ(١) ذَنْبٌ لَا يُقَاسُ بِهِذَنْبُ(٢) وَإِنْ قُلْتُ مَا أَذْنَبْتُ قَالَتْ مُجِيْبَةً فصعِقتُ وصحتُ، فبينما أنا كذلك، إذا بصاحب الدار قد خرج، وقال: ما هذا يا سيدي؟ فقلت له: مما سمعت، فقال: هي هبة منّي إليك، قلت: قد قبلتها وهي حُرَّة لوجه الله تعالى، ثم دفعتها لبعض أصحابنا بالرِّبَاط(٣)، فولدت له ولداً نبيلاً. ونشأ الجنيد أحسن نشءٍ، وحجَّ على قدميه ثلاثين حجّة. وقال الجُرَيْرِيُّ: كنت واقفاً على رأس الجنيد في وقت وفاته، وكان يوم جمعة، ويوم نيروز الخليفة، وهو يقرأ القرآن، فقلت له: يا أبا القاسم، ارفُق بنفسك. فقال لي: يا أبا محمد، أرأيت أحداً أحوج إليه منّي في هذا الوقت، وهو ذا تطوى صحيفتي، وكان قد ختم القرآن الكريم، ثم بدأ بالبقرة، فقرأ سبعين آية، ثم مات رحمه الله تعالى. ومناقبه كثيرة، ولو أرسلنا عنان القلم لسّدنا أسفاراً من مناقبه، رضي الله عنه، ودفن بالشونيزية عند خاله سري السقطي، رضي الله عنهما. · وفيها العلامة أبو يحيى زكريا بن يحيى النيسابوريُّ المُزَكِّيُّ، شيخ الحنفية، وصاحب التصانيف بنيسابور في ربيع الآخر، وقد ناهز الثمانين. روى عن إسحاق بن رَاهَوَيْه وجماعة، وكان ذا عبادة وتُقىَّ . ● وفيها الزاهد الكبير، أبو عثمان الحِيْرِيُّ، سعيد بن إسماعيل، شيخ نيسابور. وواعظها، وكبير الصوفية بها، في ربيع الآخر، وله ثمان وستّون (١) في ((وفيات الأعيان)): ((حياتك)). (٢) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (٣٧٤/١). (٣) الرباط: المرابطة وهي ملازمة ثغر العدو. انظر ((مختار الصحاح)) (ربط). ٤١٨ سنة. صحب العارف أبا حفص النيسابوري، وسمع بالعراق من حميد بن الربيع، وكان كبير الشأن، مُجاب الدعوة. قاله في ((العبر))(١). وقال السُّلميُّ في ((التاريخ))(٢) هو رَازُّ الأصل، ذهب إلى شاه الكِرْماني، وورَدَا جميعاً إلى نيسابور زائرين لأبي حفص، ونزلا محلة الحيرة في دار عَلْكان، وأقاما بها أياماً، فلما أراد الشاه الخروج، خرجا جميعاً إلى قرية أبي حفص على باب مدينة نيسابور، وهي قرية تُسمى كُورْدَابَاذ(٣)، فقال أبو حفص لأبي عثمان: إن كان الشاه يرجع إلى طاعة أبيه، فأنت إلى أين تذهب، فنظر أبو عثمان إلى الشاه، فقال الشاه: أطِع الشيخ، فرجع مع أبي حفص إلى نيسابور، وخرج الشاه وحده. وقال أبو عثمان: صحبت أبا حفص وأنا شاب، فطردني مرَّة وقال: لا تجلس عندي، فقمت من عنده، ولم أُوْلِّ ظهري عليه، وانصرفت أمشي إلى وراء، ووجهي إلى وجهه، حتّى غبت عنه، وجعلت في نفسي أن أحفر على بابه حُفرة وأدخل فيها ولا أخرج منها إلا بأمره، فلما رأى ذلك منّي أدناني، وقرّبني، وجعلني من خواصّ أصحابه. وقال أبو عمرو بن نُجَيْد(٤): في الدُّنيا ثلاثة لا رابع لهم: أبو عثمان بنيسابور، والجُنيد ببغداد، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام. ومن كلامه: مَن أمَّرَ السُّنَّة على نفسه قولاً وفعلاً، نطق بالحكمة، ومَن (١) (١١٧/٢). (٢) وهو كتابه ((تاريخ الصوفية)) وهو مخطوط لم ينشر بعد. انظر مقدمة الأستاذ نور الدِّين شريبة لكتابه ((طبقات الصوفية)) ص (٣٤). (٣) في الأصل، والمطبع: (كوزذاباذ)) وهو خطأ، والتصحيح من ((طبقات الصوفية)) ص (١١٥) و«معجم البلدان)» (٤٨٩/٤). (٤) هو إسماعيل بن نجيد السلمي، أبو عمرو، وسوف ترِدْ ترجمته في المجلد الرابع من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى. ٤١٩ أُمَّرَ الهوى على نفسه نطق بالبدعة، لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَإِنْ تُطِيْعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النور: ٥٤]. وقال: موافقة الإِخوان خير من الشفقة عليهم. ودفن بنيسابور في مقبرة الحيرة على الشارع مع قبر أستاذه أبي حفص. · وفيها فقيه قرطبة، ومُسْنِدُ الأندلس، أبو مروان عُبَيْد الله بن الإِمام، يحيى بن يحيى اللَّيْئِيّ، في عاشر رمضان، وكان ذا حُرمة عظيمة وجلالة. روى عن والده ((الموطأ)» وحمل عنه بشرٌ كثيرٌ. ● وفيها محمد بن يحيى بن سُليمان، أبو بكر المَرْوَزِيُّ، في شوّال ببغداد. روى عن عاصم بن علي، وأبي عُبَيْد. ● وفيها محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخُزَاعيُّ، أبو العَبَّاس الأمير ببغداد، ودفن عند عمّه محمد بن عبد الله. سمع من إسحاق بن راهويه وغيره، ووليَ إمرة خُراسان بعد والده، سنة ثمان وأربعين وهو شاب، ثم خرج عليه يعقوب الصَّفَّار وحاربه، وأسره يعقوب في سنة تسع وخمسين، ثم خُلِّصَ من أسره سنة اثنتين وستين، ثم بقي خاملاً إلى أن مات. ٤٢٠