Indexed OCR Text

Pages 341-360

سنة ثلاث وثمانين ومائتين
● فيها ظفر المعتضد بهَارُون الشَّاري، رأس الخوارج بالجزيرة،
وأُدخِل راكباً فيلاً، وزُيِّنت بغداد(١).
● وفيها أمر المعتضد في سائر البلاد بتوريث ذوي الأرحام، وإبطال
دواوين المواريث في ذلك، وكثر الدعاء له، وكان قبل ذلك قد أبطل النيروز،
وقيد النيران، وأمات سنّة المجوس.
• وفيها التقى عمرو بن اللَّيْث الصَّفَّار، ورافع بن هَرْثَمَة، فانهزمت
جيوش رافع وهرب، وساق(٢) الصَّفَّار وراءه، فأدركه بخوارزم فقتله، وكان
المعتضد قد عزل رافعاً عن خراسان، واستعمل عليها عمرو بن اللَّيث في سنة
تسع وسبعين، فبقي رافع بالرَّيِّ، وهادَنَ الملوك المجاورين له، ودعا إلى
العلوي .
● وفيها وصلت تقادم(٣) عمرو بن اللَّيث إلى المعتضد، من جملتها
مائتا حمل مالٍ .
(١) انظر تفاصيل الخبر في ((تاريخ الطبري)) (٤٣/١٠ - ٤٤)، و((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير
(٤٧٦/٧ - ٤٧٧).
(٢) قال ابن منظور: السَّاقَةُ جمع سائق، وهم الذين يسوقون جيش الغُزاةٍ، ويكونون من ورائه
يحفظونه. ((لسان العرب)) (سوق).
(٣) أي وصلت تُحَفُ. انظر ((دول الإِسلام)) للذهبي (١٧١/١).
٣٤١

● وفيها توفي القدوة العارف أبو محمد سهل بن عبد الله التُّسْتَريُّ الزَّاهد
في المحرم عن نحو من ثمانين سنة، وله مواعظ، وأحوال، وكرامات، وكان
من أكبر مشايخ القوم.
ومن كلامه - وقد رأى أصحاب الحديث فقال -: اجهدوا أن لا تلقوا الله
ومعكم المحابر.
وقيل له: إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: حتَّى يموت ويُصبّ
باقي حِبْرِه في قبره.
وقال: مَن أراد الدُّنيا والآخرة فليكتب الحديث، فإن فيه منفعة الدُّنيا
والآخرة.
وقال السُّلميُّ في ((الطبقات))(١): هو سَهْل بنُ عبد الله بن يونس بن
عيسى بن عبد الله بن رَفِيع وكُنيته أبو محمد، أحد أئمة القوم وعلمائهم،
والمتكلمين في علوم الإِخلاص والرياضات وعيوب الأفعال.
صحب خاله محمد بن سَوَّار، وشاهد ذا النُّون المصريّ سنة خروجه
إلى الحج. وأسند الحديث.
وأُسند عنه قال: الناسُ نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا(٢)، وإذا انتبهوا نَدِموا،
وإذا ندموا لم تنفعهم الندامة(٣).
وقال: شُكْرُ العلم العملُ، وشكر العمل زيادةُ العلم.
وقال: ما من قلب ولا نَفْس إلا والله مُطَّلِعٌ عليه في ساعات الليل والنهار،
فأيُّما (٤) قلبٍ أو نَفْسِ رأى فيه حاجةٌ إلى سواه سَلَّط عليه إبليسَ.
(١) ص (٢٠٦ - ٢١١).
(٢) قوله: ((فإذا ماتوا انتبهوا)) لم يرد في ((طبقات الصوفية)) المطبوع.
(٣) في ((طبقات الصوفية)): ((لم تنفعهم ندامتهم)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((فأي)) وأثبت لفظ ((طبقات الصوفية)) ص (٢٠٨).
٣٤٢

وقال: الذي يلزم الصوفي ثلاثة أشياء: حفظ سرِّه، وأداءُ فرضه،
وصيانةُ فقره.
وقال: مَن أراد أن يَسْلَمَ من الغِيْبَةِ فليسدٍّ على نفسه باب الظُّنون، فمَن
سَلِمَ من الظَّنِ سَلِمَ من التجسُّس، ومَن سَلِمَ من التجسّسِ سَلِمَ من الغِيبة،
ومَن سَلِمَ من الغِيبةِ سَلِمَ من الزُّور، ومَن سَلِمَ من الزُّورِ سَلِمٍ من الْبُهْتان.
وقال ذَروا التدبير والاختيارَ فإِنَّهما يُكَدِّران على الناس عَيْشَهم.
وقال: الفتن ثلاثةٌ : فتنة العامّة من إضاعة العلم، وفتنة الخاصَّة من
الرُّخص والتأويلات، وفتنة أهل المعرفة أن يَلزَمَهم حَقٌّ في وقت فيؤخَّروه إلى
وقت ثانٍ(١).
وقال: أُصولنا ستة [أشياء](٢): التمسكُ بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسُنَّة
رسوله(٣) وَلَّ، وأكل الحلال، وكَفُّ الأذى، واجتناب الآثام، وأداء الحقوق.
وقال: لا مُعين إلَّ الله، ولا دليل إلَّ رسول الله وََّ، ولا زاد إلا
التَّقوى، ولا عمل إلا الصَّبر(٤).
وقال: الأعمال بالتوفيق، والتوفيق من الله، ومفتاحه الدعاء والتضرُّع.
وطريقة سهل تشبه طريق الملامية(٥)، وله كرامات كثيرة، وكان يعتقد
مذهب مالك، رضي الله عنهما. انتهى ملخصاً.
(١) في الأصل، والمطبوع: ((فيؤخِّرونه إلى وقت الثاني)) وأثبت ما جاء في ((طبقات الصوفية))
ص (٢١٠).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((ستة)) وفي ((طبقات الصوفية)) سبعة، ولفظة ((أشياء)) زيادة منه.
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((والاقتداء بسنة رسول الله)) وأثبت ما في ((طبقات الصوفية)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((ولا عمل إلا الصبر عليه)) وأثبت لفظ ((طبقات الصوفية)) وهو
الصواب .
(٥) تحرفت في الأصل والمطبوع إلى ((الملامتية))، والتصحيح من ((شرح العقيدة الطحاوية)) لابن
أبي الغرض (٥٧٥) طبع المكتب الإسلامي، وفيه قال: الملامية: هم الذين يفعلون
ما يلامون عليه، ويقولون: نحن متبعون في الباطن.
٣٤٣

وقال في ((الحلية)) (١): عامّة كلامه في تصفية الأعمال [وتنقية
الأحوال](٢) من المعايب والإِعلال.
وأُسند عنه فيها أنه قال: مَنْ كَانَ اقتداؤهُ بِالنَّبِّي ◌ََّ، لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ
اختِيَارٌ لشَيءٍ من الأَشْيَاءِ [ولا يَجُول قلبه](٣) سِوىْ مَا أَحَبَّ الله وَرَسُوْلُهُ.
وقال: الدُّنيا كلها جهلٌ(٤) إلّ العلم منها(٥) والعلم كله وبال إلّ العمل
به، والعمل كله هباء منثور (٦) إلّ الإِخلاص فيه، والإِخلاص [فيه](٧) أنت
منه على وجَلٍ حتَّى تعلم هل قُبل أم لا. انتهى ملخصاً أيضاً.
وقال الشيخ الأكبر محيي الدِّين محمد بن عربي الحاتمي الطائي،
رضي الله عنه، في كتاب ((بلغة الغَوَّاص)) ما معناه، إن لم يكن لفظه، قال
إمامنا وعالِمُنا سهل بن عبد الله التُّستَريُّ: رأيت إبليسَ فعرفته وعرف أنّي
عرفته، فجرى بيننا كلام ومذاكرة، وكان (٨) [من آخره](٩) أن قلتُ له: لِمَ لَمْ
تسجد لآدم؟ فقال: غيرة منّي عليه أن أسجد لغيره، فقلت: هذا لا يكفيك
بعد أن أَمَركَ، وأيضاً فآدم قبلةً والسجود له تعالى، ثم قلتُ له: وهل تطمع
بعد هذا في المغفرة، فقال: كيف لا أطمع وقد قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قال: فوقفت كالمتحيّر، ثم تذكرت ما بعدها، فقلت:
إنها مقيّدة بقيود. قال: وما هي؟ قلت: قوله تعالى بعدها: ﴿فسأكتبها للذين
(١) (١٩٠/١٠).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من الأصل، والمطبوع، وأثبته من ((حلية الأولياء)).
(٣) زيادة من ((حلية الأولياء)).
(٤) في المطبوع: ((جبل)) وهو خطأ.
(٥) في ((حلية الأولياء)) (١٩٤/١٠): ((فيها)).
(٦) في الأصل: ((منثوراً)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
(٧) سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركتها من ((حلية الأولياء)).
(٨) في المطبوع: ((كان)).
(٩) ما بين حاصرتين لم يرد في الأصل وأثبته من المطبوع.
٣٤٤

يتّقون) الآية [الأعراف: ١٥٦] قال: فضحك وقال: والله ما ظننت أن
الجهل يبلغ بك هذا المبلغ، أما علمت أن القيد بالنسبة إليك لا بالنسبة إليه؟
فقال: فوالله لقد أفحمني، وعلمت أنه طامع في مطمع(١). انتهى، فتأمل.
• وفيها أبو محمد عبد الرَّحمن بن يُوسف بن خِرَاش المروزيُّ ثم
البغداديُّ الحافظ، صاحب ((الجرح والتعديل)) أخذ عن أبي حفص الفَلَّس وطبقته.
قال أبو نُعيم بن عدي: ما رأيت أحفظ منه.
وقال بكر بن محمد الصيرفي: سمعته يقول: شربت بولي في طلب
هذا الشأن خمس مرات.
وقال الذهبيُّ في ((المغني))(٢): قال عَبْدان: كان يوصل المراسيل(٣).
وقال ابنُ ناصر الدِّين في ((بديعة البيان)) (٤).
لابن خِرَاش الحَالَةُ الرَّذِيْلِهْ ذَا رَافِضِيِّ جَرْحُهُ فَضِيْلَهْ
وقال في ((شرحها)): هو عبد الرَّحمن بن يُوسف بن سعيد بن خِرَاش،
أبو محمد، كان حافظاً بارعاً من الرَّحالين، لكن لم ينفعه ما وعى، هو
رافضي، شيخ شَيْن، صنّف كتاباً في مثالب الشيخين.
قال الذهبي (٥): هذا والله الشيخ المُعَثَّرُ(٦) الذي ضلَّ سعيه. انتهى
ما أورده ابنُ ناصر الدِّين ملخصاً.
(١) أقول: لا مطمع للشيطان في رحمة الله بعد أن طرده الله من رحمته، ولعنه إلى يوم الدين،
والله تعالى كتب الرحمة للذين يتقون في الآخرة، وإبليس ليس من المتقين، بل من
الملعونین. (ع).
(٢) ((المغني في الضعفاء)) (٣٩٠/٢).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((المرسل)) وأثبت ما في ((المغني في الضعفاء)).
(٤) في الأصل: ((بدعية البيان)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
(٥) في ((ميزان الاعتدال)) (٦٠٠/٢).
(٦) في المطبوع: ((المغتر)).
٣٤٥

● وفيها توفي قاضي القضاة، أبو الحسن، علي بن محمد بن عبد
الملك بن أبي الشوارب(١) الأمويُّ البصريُّ، كان رئيساً، معظّماً، ديِّناً،
خيِّراً، روى عن أبي الوليد الطَّيالسي وجماعة. قاله في ((العبر))(٢).
● وفيها محمد بن سُليمان بن الحارث، أبو بكر، الباغَنْدِيُّ، محدِّث
واسطي، نزل بغداد، وحدَّث عن الأنصاري، وعُبيد الله بن موسى، وكان
صدوقاً، وهو والد الحافظ محمد بن محمد.
· وفيها تَمْتَام الحافظ، أبو جعفر، محمد بن غالب بن حرب الضَّبيُّ
البصريُّ، في رمضان ببغداد. روى عن أبي نُعَيْم، وعَفَّان وطبقتهما، وصنّف
وجمع، وهو ثقة.
● وفيها عبد الله بن محمد بن مالك بن هانىء، أبو محمد(٣)
النيسابوريُّ، لقبه عَبْدُوس، كان من الأعيان.
قال ابنُ ناصر الدِّين في ((بديعة البيان)):
مُحمد بن غَالب البَصْرِيُّ
ثُمَّ الرَّضِي تَمْتَامُ الضَّبيُّ
كُلُّ جَمِيْلِ فَاضِل رَئِيْسُ
كَذَا فَتِى مُحمد عَبْدُوْسُ
(١) في الأصل: ((الشواب)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع.
(٢) (٧٧/٢).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((أبو أحمد)) والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١١/١٤)
تحقيق الأستاذ أكرم البوشي بإشراف الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، و((تذكرة الحفّاظ))
(٦٧٥/٢)، و(«طبقات الحفّاظ)) ص (٢٩٤).
٣٤٦

سنة أربع وثمانين ومائتين
• فيها كما قال في ((الشذور)) ظهرت ظلمة بمصر وحُمرة في السماء
شديدة، حتّى كان الرجل ينظر إلى وجه الأرض فيراه أحمر، وكذلك الحيطان
وغيرها، [ومكثوا كذلك](١) من العصر إلى العشاء، فخرج الناس يدعون الله
تعالى ويستغيثون إليه، ووعد الناسَ المنجمون بالغرقِ، فغارت المياه
واحتاجوا إلى الاستسقاء. انتهى.
● وفيها كما قاله في ((العبر)) (٢) قال محمد بن جرير(٣): عزم المعتضد
على لعنة (٤) مُعَاوية على المنابر، فخوَّفه الوزير [عُبَيْد الله بن سليمان](٥) من
اضطراب العامّة، فلم يلتفت إليه (٦) وتقدّم إلى العامّة بلزوم أشغالهم وترك
الاجتماع، ومنع القُصَّاص من الكلام، ومن اجتماع الخلق في الجوامع،
وكتب كتاباً في ذلك، واجتمع له الناس يوم الجمعة بناء على أن الخطيب
يقرؤه، فما قرىء، وكان من إنشاء الوزير عبيد الله، وهو طويل، فيه مصائب
(١) زيادة من ((تاريخ الطبري)) (٥٣/١٠).
(٢) (٧٨/٢).
(٣) انظر ((تايخ الطبري)) (٥٤/١٠).
(٤) في ((تاريخ الطبري)): ((لعن)).
(٥) ما بين حاصرتين زيادة من ((تاريخ الطبري)) و((العبر)) للذهبي.
(٦) قوله: ((فلم يلتفت إليه)) لم يرد في ((العبر)) المطبوع في الكويت، واستدرك في المطبوع منه في
بيروت مع تصرّف في النص.
٣٤٧

ومعايب، فقال القاضي يوسف بن يعقوب: يا أمير المؤمنين أخافُ الفتنة عند
سماعه، فقال: إن تحرّكت العامّة وضعتُ فيهم السيف، قال: فما تصنعُ
بالعلوية الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك، وإذا سمع الناس هذا من
فضائل أهل البيت مالوا إليهم، وصاروا أبْسَطَ الْسِنَّةً، فأمسك المعتضد.
انتھی .
· وفيها توفي مُحدِّث نيسابور ومفيدها، أبو عمرو، أحمد بن المبارك
المُسْتَمْليُّ الحافظ. سمع قتيبة وطبقته، وكان مع سَعة روايته راهب عصره،
ومُجاب الدَّعوة.
● وفيها أبو يعقوب إسحاق بن الحسن الحربي(١) سمع أبا نُعيم،
والقعنبي، وكان ثقة صاحب حدیث.
· وفيها أبو عُبادة الوليد بن عُبَيْدِ الطَّائيُّ المنبجيُّ البحتريُّ، أمير شعراء
العصر، وحامل لواء القريض، أخذ عن أبي تَمَّام الطائي.
قال المبرّد: أنشدنا شاعر دهره ونسيج وحده، أبو عُبادة البحتري .
قال ابنُ الأهدل: نسبة إلى بحتر جد من أجداده، واسمه الوليد بن
عُبَيْد، أخذ عن أبي تَمَّام [الطائي ومدح المتوكل ومَن بعده، وكان أقام ببغداد
دهراً ثم رجع إلى الشام، وعرض أول شعره على أبي تَمَّام](٢) وهو بحمص،
فقال له: أنت أشعر مَن أنشدني، وكتب له بذلك فعُظِّم وبُجَّل.
وروي عنه قال: لما سمع أبو تَمَّام شعري، أقبل على تقريظي،
والتقريض بالظاء والضاد: مدح الإِنسان في حياته بحق أو باطل.
(١) في الأصل، والمطبوع: ((إسحاق بن الحر الحربي)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي
(٧٩/٢)، وانظر ((تهذيب الكمال)) للمزّي (٧٤٢/٢) ترجمة عبد الله بن مسلمة بن قعنب.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من الأصل وأثبته من المطبوع.
٣٤٨

وعنه قال: لما أنشدت أبا تَمَّام، أنشد بيت أوس بن حَجَر، بفتح الحاء
والجيم :
إِذَا مُقْرَمٌ مِنَّا ذَرَا حَدُّ نَابِهِ تَخَمَّطَ فِيْنَا نَابُ آخَرَ مُقْرَمِ (١)
وقال: نعيتَ إليَّ نفسي، فقلت: أعيذك بالله، فقال: إن عمري ليس
بطويل، وقد نشأ لطيء مثلك، فمات أبو تمَّام بعد هذا بسنة.
وقال لغلامه مرَّة وهو مريض: اصنع لي مُزَوَّرَةً وعنده بعض الرؤساء
جاء عائداً له، فقال ذلك الرئيس: عندي طبّاخ من صفته كذا وذا، ونسي
الرئیس أمرها، فكتب إليه البحتري :
حَلَفْتُ مُجْتَهِدَاً إِحْكَامَ طَاهِيْهَا
وَجَدْتُ وَعْدَكَ زُوْرَاً فِي مُزَوَّرَةٍ
وَلَ عَلَتْ كَفُّ مُلْقٍ كَفَّهُ فِيْهَا
فَلَا شَفِى اللَّهُ مَنْ يَرْجُو الشِّفَاءَ بِهَا
فَقَدْ حَبَسْتُ رَسُولي عن تَقَاضِيْهَا(٢)
فَاحِبِسْ رَسُوْلَكَ عَنِّي أنْيَجِى ءَبِهَا
وله بيتان في هجو رجل اسمه شهاب: وفي فهم معناهما عسر، وهما:
وهما :
قَدْ كُنْتُ أَعْهَدُ أَنَّ الشُّهب ثاقبةٌ فَقَدْ رَأَيْنَا شِهَاباً وَهُو مَثْقُوبُ
فَنِصْفُهُ كَاتِبٌ وَالنَّصْفُ مَكْتُوبُ (٣)
في كَفِِّ الدَّهْرُ أَمْ فِي ظَهْرِهِ قَلَمْ
وأخباره كثيرة، وكان شعره غير مرتب، فرتبه أبو بكر الصُّولي على
(١) حصل بعض التحريف بألفاظ البيت في الأصل، وأثبت لفظ المطبوع، والبيت في ((لسان
العرب)» لابن منظور (قرم).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((فقد حبست رسولاً)) والتصحيح من ((غربال الزمان)) للعامري
ص (٢٥٥).
(٣) لم أجدهما في ((ديوانه)) ولا في المصادر الموجودة بين يدي.
٣٤٩

الحروف، ثم جمعه علي بن حمزة الأصبهاني على الأنواع، مثل ((حماسة))
أبي تَمَّام .
وسئل أبو العلاء المعرّي عنه، وعن أبي تَمَّام، والمتنبي، فقال: هما
حکیمان، والشاعر البحتري. انتهى.
وقال ابنُ خَلِّكان(١): قال البحتريُّ: أنشدت أبا تَمَّام شعراً لي في بعض
بني حُمَيْد، وصرت به إلى مال له خطر، فقال لي: أحسنت، أنت أمير الشعراء
من بعدي(٢)، فكان قوله هذا أحبّ إليَّ من جمیع ما حويته.
وقال ميمون بن هارون(٣): رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن
داود البلاذري المؤرّخ، وحاله متماسكة، فسألته، فقال: كنت من جلساء
المستعين، فقصده الشعراء، فقال: لستُ أقبل إلّ مَن قال مثل قول البحتري
في المتوكل :
فَلَوْ أَنَّ مُشْتَاقًَ تَكَلَّفَ فَوْقَ مَا (٤) فِي وسْعِهِ لَمَشَى إِلَيْكَ الْمِنْبُ (٥)
فرحت إلى داري (٦) وأتيته، وقلت: قد قلتُ فيك أحسن مما قاله
البحتريُّ، فقال: هاته، فأنشدته:
يظن لظن البُردِ أنَكَ صَاحِبهُ
وَلَوْ أَنَّ بُرْدَ الْمُصْطَفىْ إِذْ لَبِسْتَهُ
نَعَمْ هَذِهِ أَعْطَافُهُ وَمَنَاكِبُهُ
وَقَالٍ وَقَدْ أَعْطَيْتَهُ وَكَسَيْتَهُ
(١) في ((وفيات الأعيان)) (٢٤/٦).
(٢) في ((وفيات الأعيان)): ((أنت أمير الشعراء بعدي)).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((ميمون بن مهران)) وهو خطأ، والتصحيح من ((وفيات الأعيان))،
وانظر ((الأعلام)) (٣٤٢/٧).
(٤) في ((ديوانه)): ((غير ما)).
(٥) البيت في ((ديوان البحتري)) (١٠٧٣/٢) بتحقيق الأستاذ حسن كامل الصيرفي، طبع دار
المعارف بمصر.
(٦) في ((وفيات الأعيان)): ((فرجعت إلى داري)).
٣٥٠

فقال: ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به، فرجعت، فبعث لي سبعة
آلاف دينار، وقال: ادّخر هذه للحوادث من بعدي، ولك عليَّ الجراية
والكفاية ما دُمتَ حياً.
ومن أخبار البحتري أنه كان له غلام اسمه نسيم، فباعه، فاشتراه أبو
الفضل الحسن بن وَهْب الكاتب، ثُمَّ إن البحتريّ ندم على بيعه وتتبعته
نفسه، فكان يعمل فيه الشعر، ويذكر فيه أنه خدع، وأن بيعه له لم يكن عن
مراده، فمن ذلك قوله:
فِيْمَا يُؤَمِّلْهُ المُحِبُّ الَامِقُ
أَنَسِيْمُ هَلْ للدَّهْرِ وَعْدٌ صَادِقٌ
عَوْنَ المَشُوقِ إِذَا جَفَاهُ الشَّائِقُ
مَالِي فَقَدْتُكَ في الَمِّنَامِ وَلَمْ تَزَلْ
فِي أَهْلِهِ وَعَلِمْتُ أني عَاشِقُ
اليَوْمَ جَازَ بِيَ الهَوىُ مِقْدَارَهُ
يَلْقَىْ أُحِبَّتَهُ وَنَحْنُ نُفَارِقُ(١)
فَلْيَهْنَأ الحَسَن بن وَهْب انّهُ
وكان البحتريُّ كثيراً ما ينشد لبعض الشعراء، ويعجبه قوله :
لِمَنْ تَنْدُبِيْنَ وَمَنْ تُعْولِيْنَا
حَمَامَ الأراكِ ألا فأخْبرِيْنَا
وَأَبْكَيْتِ بِالنَّذْبِ مِنَّا العُيُونَا
فَقَدْ شُقْتِ بِالنَّوْحِ مِنَّا القُلُوبَ
وَنعول إخواننا الظَّاعِيْنَا
تَعَالَى نُقِمْ مَأْتَمَاً لِلهُمَوْمِ
فَإِنَّ الحَزِيْنَ يُوَافِي الحَزِيْنا
وَنُسْعِدُكُنَّ وَتُسْعِدْنَنَا
وأخباره ومحاسنه كثيرة، فلا حاجة إلى الإِطالة.
وكانت ولادته سنة ست، أو سبع، وقيل: خمس، وقيل: اثنتين،
وقيل: إحدى ومائتين، والأول أصحّ، وتوفي سنة أربع، وقيل خمس، وقيل
ثلاث وثمانين ومائتين، والأول أصح. انتهى ما ذكره ابنُ خلِّكان ملخصاً.
وفيها، والصحيح أنه في التي قبلها كما جزم به ابنُ الأهدل، وقدَّمه
(١) الأبيات في ((ديوانه)) ص (١٥١٣) طبع دار المعارف بمصر.
(٢) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (٢٧/٦).
٣٥١

ابنُ خلِّكان(١)، فقال: توفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة
ثلاث وثمانين، وقيل: ست وسبعين ومائتين، أبو الحسن علي بن العَبَّاس بن
جُرَيْج، وقيل ابن جُوْرجِيْس(٢) المعروف بابن الرُّومي، مولى عبد الله بن
عيسى بن جعفر المنصور، صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، يغوص
على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة، ولا
يترك المعنى حتَّى يستوفيه إلى آخره ولا يبقى فيه بقية، وكان شعره غير
مرتَّب، ثم رتبه أبو بكر الصولي على الحروف.
وله القصائد المطوّلة والمقاطيع البديعة، وله في الهجاء كل شيء
ظريف، وكذلك في المديح، فمن ذلك قوله:
يَوْمَ العَطَاءِ وَلَوْ مَنُوا لَمَا مَانُوا (٣)
المُنْعِمُوْنَ وَمَا مَنُّوا على أَحَدٍ
وَقْرٌ وأعطَى العَطَايَا وَهُوَ يَدَّانُ (٤)
كَمْ ضَنَّ بالمالِ أَقْوَامٌ وَعِنْدَهُمُ
وله وقال: ما سبقني أحدٌ إلى هذا المعنى:
في الحَادِثَاتِ إِذَا دَجَوْنَ نُجُوْمُ
آرَاؤُكُمْ وَوُجُوهُكُمْ وَسُيُوْفُكُمْ
تَجْلُو الدُّجَى وَالأُخْرَيَاتُ رُجُوْمُ(٥)
مِنْهَا مَعَالِمُ لِلْهُدَىْ وَمَصَابِحٌ
ومن معانيه البديعة قوله :
(١) في ((وفيات الأعيان)) (٣٦١/٣).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((وقيل ابن جرجيس))، وما أثبته من ((معجم الشعراء)» للمرزباني
ص (١٤٥)، و((وفيات الأعيان)) (٣٥٨/٣)، و((الأعلام)) (٢٩٧/٤).
(٣) البيت في ((ديوانه)) ص (٢٤٢٧) بتحقيق الدكتور حسين نصّار، طبع مطبعة دار الكتب وروايته
فيه :
يوماً بنعمى ولو منّوا لما مانوا
المنعمين وما منّوا على أحد
(٤) البيت في «دیوانه)) ص (٢٤٣١) وروايته فيه:
وفرٌ وأعطى العطايا وهو يدان
كم ضنّ بالفرض أقوام وعندهم
(٥) البيتان في ((ديوانه)) ص (٢٣٤٥).
٣٥٢

وَأَطَالَ فِيْهِ فَقَدْ أَرَادَ هِجَاءَهُ
وَإِذَا امُرُؤْ مَدَحَ امْرَأْ لِنَوَالِهِ
عِنْدَ الورُوْدِ لَما أَطَالَ رِشَاءَهُ (١)
لَوْ لَمْ يُقَدِّر فِيْهِ بُعْدَ المُسْتَقِى
وقال في بغداد وقد غاب عنها في بعض أسفاره:
وَلَبِسْتُ ثَوْبَ العِزِّ وَهُوَ جَدِيدُ
بَلَدْ صَحِبْتُ بِهَا الشَّبِبَةَ وَالصِّبَا
وَعَلَيْهِ أَغْصَانُ الشبابِ تَميدُ (٢)
وَإِذَا تمَثَّل في الضَّمِيْرِ رَأَيْتُهُ
وكان سبب موته، رحمه الله، أن الوزير أبا الحُسين القاسم بن عُبيد الله
وزير المعتضد (٣)، كان يخاف من هجوه وفلتَات لسانه [بالفحش](٤) فدسَّ
عليه مأكلاً مسموماً [وهو](٤) في مجلسه، فلما أحسّ بالسُّمِّ قام، فقال له
الوزير: أين تذهب؟ قال: إلى الموضع الذي بعثتني إليه، فقال: سلّم على
والديَّ، فقال: ما طريقي على النار، وخرج إلى منزله، فأقام أياماً ومات.
وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسُّمِّ، فزعم أنه غلط في
بعض العقاقير.
قال نفطويه: رأيتُ ابن الرُّومي يجود بنفسه، فقلت: ما حالك، فأنشد:
غَلِطَ الطَّيْبُ عَليَّ غَلْطَةَ مُوْرِدٍ عَجَزَتْ مَوَارِدُهُ(٥) عَنِ الإِصْدَارِ
(١) لم أجدهما في ((ديوانه)) بتحقيق الدكتور حسين نصّار، ولكن عزاهما الدكتور إحسان عبَّاس
في تعليقه على ((وفيات الأعيان)» (٣٥٩/٣) إلى ((ديوانه)) ص (٩٧) طبع دار إحياء التراث
العربي ببيروت.
(٢) البيتان في ((ديوانه)) ص (٧٦٦) وروايتهما فيه:
ولبست فيه العيش وهو جديد
بلد صحبت به الشبيبة والصبا
وعليه أفنان الشباب تميد
فإذا تمثل في الضمير رأيته
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((أن الوزير أبا الحسن بن عبد الله وزير المعتضد)) وهو خطأ،
والتصحيح من ((وفيات الأعيان)» (٣٦١/٣)، و((إعتاب الكتاب)) لابن الأبار، ص (١٨٥) تحقيق
الدكتور صالح الأشتر، طبع مجمع اللغة العربية بدمشق.
(٤) زيادة من ((وفيات الأعيان)).
(٥) في ((ديوانه)): ((محالته)).
٣٥٣

وَالنَّاسُ يَلِحَوْنَ الطَّيْبَ وَإِنَّمَا غَلَطُ الطَّيْبِ إِصَابَةُ المِقْدَارِ (١)
وقال أبو عثمان النَّاجم(٢) الشاعر: دخلت على ابن الرُّومي أعوده،
فوجدته يجود بنفسه، فلما قمت من عنده قال لي مُنشِداً:
وَجُوْدُكَ فِي العَشِيْرَةِدُوْنَ لَوْمِْ (٤)
أَبَا عُثْمَانَ أَنْتَ حَمِيْدُ قَوْمِكْ(٣)
يَرَاكَ وَلاَ تَرَاهُ بَعْدَ يَوْمِكْ (٧)
تَزَوَّدْ(٥) مِنْ أَخِيكَ فَمَا أَرَاهُ(٦)
وبالجملة فمحاسنه كثيرة، وله في الطيرة أشياء معروفة، فلا نطيل
بذلك والله أعلم.
(١) البيتان في ((ديوانه)) ص (١١١١).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((الناجمة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((وفيات الأعيان))، و((الأعلام))
للزركلي (٨٤/٣).
(٣) كذا في الأصل، والمطبوع، و((وفيات الأعيان)): ((أنت حميد قومك))، وفي ((ديوانه)): ((أنت
عميد قومك)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((دون نومك)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان))، ومن ((ديوانه)).
(٥) في ((ديوانه)): ((تمتع)).
(٦) في الأصل، والمطبوع: ((فما تراه))، وما أثبته من ((الوفيات الأعيان))، ومن ((ديوانه)).
(٧) البيتان في ((ديوانه)) ص (١٨٨٩).
٣٥٤

سنة خمس وثمانين ومائتين
• فيها على ما قال في ((الشذور)) ارتفعت ريحٌ صفراء بنواحي الكوفة،
ثُمَّ استحالت سوداء، وارتفعت ريحٌ بالبصرة كذلك، ومطرٌ وبردٌ في الواحدة
مائة وخمسون درهماً. انتهى.
● وفيها وثب صالح بن مُدْرك الطائي في طيء، فانتهبوا الرَّكْب
العراقي، وبدعوا، وسبوا النسوان، وذهب للناس ما قيمته ألف ألف دينار.
قاله في (العبر))(١).
● وفيها توفي الإِمام الحَبْر إبراهيم بن إسحاق بن بشير أبو إسحاق
الحربيُّ الحافظُ، أحد أركان الدِّين، والأئمة الأعلام، ببغداد، في ذي
الحجة، وله سبع وثمانون سنة. سمع أبا نُعَيْم، وعَفَّان، وطبقتهما. وتفقّه
على الإِمام أحمد، وبَرَعَ في العلم والعمل، وصنّف التصانيف الكثيرة، وكان
يُشَبَّهُ بأحمد بن حنبل في وقته.
قال المُرْدَاويُّ (٢) في ((الإِنصاف)): كان إماماً في جميع العلوم، متقناً،
(١) (٨٠/٢).
(٢) هو علي بن سليمان بن أحمد المرداوي ثم الدمشقي، فقيه حنبلي، من العلماء، ولد في
((مردا) قرب نابلس، وانتقل في كبره إلى دمشق فتوفي فيها سنة (٨٨٥) هـ. من كتبه
(الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)) وهو الذي نقل المؤلف عنه. انظر ترجمته
ومصادرها في ((الأعلام)) للزركلي (٢٩٢/٤).
٣٥٥

مصنِّفاً، محتسباً عابداً، زاهداً، نقل عن الإِمام أحمد مسائل كثيرة جداً حِسَاناً
جيّاداً. انتهى .
• وفيها إسحاق بن إبراهيم الدَّبَرِيُّ(١) المُحَدِّثُ، راوية عبد الرزاق،
بصنعاء، عن سنِّ عاليةٍ، اعتنى به أبوه، وأسمَعَهُ الكتب من عبد الرزاق في
سنة عشر ومائتين، وكان صدوقاً.
• وفيها أبو العَبَّاس المُبرّد، محمد بن يزيد الأزديُّ البصريُّ، إمام أهل
النحو في زمانه، وصاحب المصنفات. أخذ عن أبي عثمان المازني، وأبي
حاتم السجستاني، وتصدَّر للاشتغال ببغداد، وكان وسيماً، مليح الصورة،
فصيحاً، مفوّهاً، أخباريًّاً، علَّمةً، ثقةً. توفي في آخر السنة. قاله في
((العبر))(٢).
قال ابنُ خلِّكان(٣): كان إماماً في النحو واللغة، وله التأليف النافعة في
الأدب، منها كتاب ((الكامل)) (٤)، ومنها ((الروضة)) و((المقتضب)) وغير ذلك.
أخذ الأدب عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وأخذ عنه
نَفْطَوَيْه وغيره من الأئمة، وكان المبرّد المذكور، وأبو العَبَّاس أحمد بن يحيى
الملقب بثعلب، صاحب كتاب ((الفصيح)) عالمين متعاصرين، قد ختم بهما
تاريخ الأدباء، وفيهما يقول بعض أهل عصرهما من جملة أبيات، وهو أبو
بكر بن [أبي](٥) الأزهر:
(١) نسبة إلى ((الدبر)) وهي قرية من قرى صنعاء اليمن. انظر ((الأنساب)) للسمعاني (٢٧١/٥).
(٢) (٨٠/٢ - ٨١).
(٣) في ((وفيات الأعيان)) (٣١٤/٤).
(٤) وقد طبع عدة مرات، أجودها التي صدرت حديثاً عن مؤسسة الرسالة في بيروت بتحقيق
الأستاذ محمد أحمد الدالي.
(٥) سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركتها في ((وفيات الأعيان))، وهو محمد بن أحمد بن
مزيد بن محمود، أبو بكر الخزاعي البوشنجي، المتوفى سنة (٣٢٥) هـ. انظر ترجمته
ومصادرها في ((الأعلام)) (٣٠٩/٥).
٣٥٦

وَعُذْ بالمُبرِّدِ أو ثَعْلَبِ
أَيَا طَالبَ الْعِلْمِ لَا تَجْهَلَنْ
فَلاَ تَكُ كالجَمَلِ الأُجْرَبَ
تَجِدْ عِنْدَ هَذَيْن عِلْمَ الوَرَىْ
بِهَذَيْنِ في الشرق والمَغْرِب(١)
عُلُوْمُ الخَلَائِقِ مَقْرُوْنَةٌ
وكان المبرِّدُ يحبّ الاجتماع في المناظرة بثعلب والاستكثار منه،
وثعلب یکره ذلك ويمتنع منه.
حكى جعفر بن أحمد بن حمدان الفقيه الموصلي، وكان صديقهما،
قال: قلت لأبي عبد الله الدِّينوري، خَتَنِ ثعلب: لِمَ يأبى ثَعْلَبُ الاجتماع
بالمبرِّد؟ فقال: لأن المبرِّد حسن العبارة، حلو الإِشارة، فصيح اللسان، ظاهر
البيان، وثعلب مذهبه مذهب المعلمين، فإذا اجتمعا في مِحِفِلٍ ، حُكم للمبرِّد
على الظاهر إلى أن يُعرف الباطن. انتهى ملخصاً.
(١) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (٣١٤/٤).
٣٥٧

سنة ست وثمانين ومائتين
· فيها التقى إسماعيل بن أحمد بن أسد الأمير، وعمروبن اللَّيث
الصَّفَّار بما وراء النهر، فانهزم أصحاب عمرو، وكانوا قد ضجروا منه، ومن
ظلم خواصه(١) ولا سيما أهل بَلْخ، فإنهم نالهم بلاءٌ شديدٌ من الجند، فانهزم
عمرو إلى بَلْخ، فوجدها مغلوقة، ففتحوا له، ولجماعة يسيرة، ثم وثَبوا عليه،
فقَّدوه(٢) وحملوه إلى إسماعيل أمير ما وراء النهر. فلما أُدخل إليه، قام له
واعتنقه وتأدّب معه(٣) فإنه كان في أُمراءِ عَمْرو غير واحدٍ مثل إسماعيل وأكبر،
وبلغ ذلك المعتضد، ففرح وخَلَعَ على إسماعيل خِلَعَ السلطنة وقلَّده
خُراسان، وما وراء النهر، وغير ذلك، وأرسل إليه يلحُّ عليه في إرسال
عمرو بن اللَّيث، فدافع، فلم ينفع، فبعثه وأُدخل بغداد على جمل، بعد أن
كان يركب في مائة ألف، وسُجن ثم خُنق وقت موت المعتضد.
• وفيها ظهر بالبحرين، أبو سعيد الجَنَّبيُّ القَرْمَطِيُّ، وقويت شوكته،
وانضم إليه جَمْعٌ من الأعراب، فعاثَ، وأفسد، وقصد البصرة، فحصَّنها
المعتضد، وكان أبو سعيد كيَّالاً بالبصرة، وجنّابة من قرى الأهواز(٤).
(١) في الأصل، والمطبوع: ((ومن ظلم خراجه)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي
(٨١/٢).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((وقيدوه)) وأثبت ما في ((العبر)) للذهبي مصدر المؤلف.
(٣) لفظة ((معه)) لم ترد في المطبوع و((العبر)) للذهبي.
(٤) انظر خبرها في ((معجم البلدان)) لياقوت (١٦٥/٢ - ١٦٦).
٣٥٨

قال الصوليُّ: كان أبو سعيد فقيراً يرْفُو غربال الدقيق(١) فخرج إلى
البحرين، وانضم إليه طائفة من بقايا الزَّنج واللصوص، حتَّى تفاقم أمره،
وهَزَمَ جيوش الخليفة مرَّات.
وقال غيره: ذُبحَ أبو سعيد الجَنَّابي في حمام بقصره، وخلفه ابنه أبو
طاهر الجَنَّابي القرمطي، الذي أخذ الحجر الأسود.
● وفيها توفي أحمد بن سَلَمَة النيسابوريُّ الحافظُ، أبو الفضل، رفيق
مسلم في الرحلة إلى قتيبة.
قال ابنُ ناصر الدِّين: أحمد بن سلمة البزَّار، أبو الفضل، النيسابوري،
كان حافظاً من المَهَرَة، له صحيح كـ ((صحيح مسلم)). انتهى.
· وفيها الزَّاهد الكبير، أحمد بن عيسى أبو سعيد الخرّاز، شيخ
الصوفية، وهو أوَّل مَن تكلم في علم الفناء والبقاء.
قال الجنيد: لو طَالَبْنَا اللَّهَ بحقيقة ما عليه أبو سعيد الخَرَّاز لهلكنا.
وعن أبي سعيد قال: رأيت إبليس في المنام وهو [يَمُرُّ](٢) عَنِّي ناحِيةً.
فناديته، فقال: أيّ شيء أعمل بكم، وأنتم طرحتم ما أُخادع الناس به، غير أنَّ
لي فيكم لطيفة وهي صحبة الأحداث.
وقال السُّلميُّ في ((التاريخ))(٣): أبو سعيد إمام القوم في كل فن من
علومهم، بغدادي الأصل، له في مبادىء أمره عجائب وكرامات مشهورة،
ظهرت بركته عليه وعلى مَن صحبه، وهو أحسن القوم كلاماً ما خَلَاَ الجُنيد،
(١) في ((العبر)): ((يرفو أعدال الدقيق)).
(٢) سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركتها من ((طبقات الصوفية)) للسلمي ص (٢٣٢)،
و((غربال الزمان)) للعامري ص (٢٥٦).
(٣) يعني كتابه ((تاريخ الصوفية)) وهو مما ألّفه السُّلميُّ قبل تأليفه لكتابه الشهير ((طبقات الصوفية))
كما ذكر الأستاذ نور الدين شريبة في مقدمته لكتابه ((الطبقات)) ص (٣٤).
٣٥٩

فإنه الإِمام، ومن كلامه: كل باطنٍ يخالفه ظاهر فهو باطل(١).
وقال: الاشتغال بوقت ماض
تضييع وقت ثانٍ .
وقال السخاوي في ((طبقاته)): قال أبو سعيد: إن الله، عزّ وجلَّ، عجّل
لأرواح أوليائه التلذّذ بذكره والوصول إلى قربه، وعجّل لأبدانهم النِّعْمَة بما
نالوه من مصالحهم، وأَجْزَلَ لهم(٢) نصيبهم من كلِّ كائن، فعيشُ أبدانهم
عيش الجِنانِّين، وعيش أرواحهم عيش الرَّبَّانيِّين. لهم لسانان: لسانٌ في
الباطن يُعَرِّفُهم صنع الصانع في المصنوع، ولسانٌ في الظاهر يُعلِّمُهم عِلْم
الخالق في المخلوق(٣).
وقال: مَثَلُ النَّفْسِ كمثل ماءٍ واقفٍ طاهرٍ صافٍ، فإن حركته ظهر
ما تحتّه من الحَمْأَةِ، وكذلك النَّفْسِ تُظْهِرُ(٤) عند المحن والفَاقَةِ والمخالفة
ما فيها(٥)، ومَن لم يعرف ما في نفسه كيف يعرفُ رَبَّه؟ !.
وقال في معنى حديث ((جُبلَتْ الْقُلُوْبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا))(٦):
واعجباً ممَّن لا يرى مُحسناً إليه (٧) غير الله، كيف لا يميل بكلِّيته إليه.
قال ابن كثير: وهذا الحديث ليس بصحيح، لكن كلامه عليه من
أحسن ما يكون. انتهى.
• وفيها عبد الرَّحيم بن عبد الله بن عبد الرَّحيم بن البَرْقيُّ [أبو سعيد](٨)
(١) في الأصل والمطبوع: ((فهو باطن)) والتصحيح من ((طبقات الصوفية)) ص (٢٣١).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((وأخذلهم)) وما أثبته من ((طبقات الصوفية)) ص (٢٢٩).
(٣) في ((طبقات الصوفية)): ((يعلمهم علم المخلوقين)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((الظهر)) وما أثبته من ((طبقات الصوفية)) ص (٢٣١).
(٥) لفظة ((ما فيها)) سقطت من ((طبقات الصوفية)) فتستدرك فيه.
(٦) حديث باطل مرفوعاً وموقوفاً كما قال الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) وانظر تخريجه
المطوّل له ص (١٧١ - ١٧٢).
(٧) لفظة ((إليه)) سقطت من ((طبقات الصوفية)) فتستدرك فيه.
(٨) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٨٣/٢)، وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٤٨/١٣).
٣٦٠