Indexed OCR Text

Pages 21-40

إلى مكة، ثم خرج إلى بغداد سنة ثمان وتسعين فأقام بها شهراً، ثم خرج إلى
مصر (١) وصنف بها كتبه الجديدة كـ ((الأم)) و((الأمالي الكبرى)) و((الإِملاء
الصغير)) و((مختصر البويطي)) و((مختصر المُزني)) و((مختصر الرَّبيع))
و ((الرسالة)) و ((السنن)).
قال ابنُ زُولاق(٢): صنف الشَّافعيُّ نحواً من مائتي جزء ولم يزل بها
ناشراً للعلم، ملازماً للاشتغال(٣) [بجامع عمرو](٤) إلى أن أصابته ضربةٌ
شديدة فمرض بسببها أياماً، ثم مات يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع
ومائتین .
قال ابنُ عبد الحكم: لما حملتْ أُم الشّافعيِّ به رأت كأنَّ المشتري خرج من
فرجها حتَّى انقضَّ بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية (٥) فتأوله (٦) أصحاب
الرؤيا أنه يخرج عالم يخصُّ علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان.
وقال الإِمام أحمد: إن الله تعالى يُقيِّض للنَّاس في كل رأس مائة سنة
من يعلِّمهم السنن، وينفي عن رسول الله - 18 - الكذب، فنظرنا فإذا في
رأس المائة عُمر بن عَبْد العَزِيْزِ، وفي رأس المائتين الشَّافعيُّ.
(١) قوله: ((وأقام بها حولين وصنف بها كتابه القديم، ثم عاد إلى مكة، ثم خرج إلى بغداد سنة
ثمان وتسعين فأقام بها شهراً ثم خرج إلى مصر))، لم يرد في ((حسن المحاضرة)).
(٢) هو الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن، من ولد سليمان بن زولاق، الليثي بالولاء،
أبو محمد، مؤرخ مصري، زار دمشق سنة (٣٣٠) هـ. وولي المظالم في أيام الفاطميين
بمصر، وكان يظهر التشيّع لهم. من كتبه: ((خطط مصر)) و((أخبار قضاة مصر)» و«رسالة
الموازنة بين مصر وبغداد في العلم والعلماء والخيرات)) و((مختصر تاريخ مصر)). مات سنة
(٣٨٧) هـ. عن ((الأعلام)) للزركلي (١٧٨/٢).
(٣) في ((حسن المحاضرة)): ((لإشغال)).
(٤) ما بين الحاصرتين سقط من الأصل، والمطبوع، واستدركته من ((حسن المحاضرة)).
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((شطية)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((حسن المحاضرة)).
(٦) في ((حسن المحاضرة)): ((فتأول)).
٢١

وقال الرَّبيع(١): كان الشّافعيُّ يُفتي وله خمس عشرة سنة؛ وكان يُحيي
الليل إلى أن مات.
وقال أبو ثور: كتب عبد الرَّحمن بن مهدي إلى الشّافعي أن يضع له
كتاباً فيه معاني القرآن ويجمع مقبول الأخبار(٢) فيه، وحجة الإِجماع، وبيان
النَّاسخ والمنسوخ من القرآن والسُّنّة، فوضع له كتاب ((الرسالة)).
قال الإِسنوي (٣): الشَّافعي أول من صنف في أصول الفقه بالإجماع(٤)
وأوَّلُ من قرر ناسخ الحديث من منسوخه، وأول من صنف في أبواب كثيرة
[من](٥) الفقه معروفة. انتهى كلام السيوطي.
وكان يقول: وددت أن لو أخذ عني هذا العلم من غير أن ينسب إليّ
منه شيء.
وقال: ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يُظهر الله الحق على يديه.
وكان يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله أنت أعلم بالحديث مني،
فإذا صحَّ الحديث فأعلمني حتَّى أذهب إليه شامياً كان أو كوفياً أو بصرياً.
وكان - رضي الله عنه - مع جلالة قدره شاعراً مغلقاً مطبوعاً، فمن شعره
الرائق الفائق قوله :
وَمَا هِيَ إلَّ جِيْفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ عَلَيْهَا كِلَبُ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُهَا
(١) في الأصل، والمطبوع: ((قال ابن الربيع)) والتصحيح من ((حسن المحاضرة)) وهو الربيع بن
سلیمان المرادي .
(٢) في ((حسن المحاضرة)): ((ويجمع قبول الأخيار)).
(٣) في المطبوع: ((الأسنوي))، وهو خطأ.
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((بإجماع)) وما أثبته من ((حسن المحاضرة)).
(٥) لفظة: ((من)) سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع.
٢٢

وَإِنْ تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلَأَبُهَا(١)
فَإِنْ تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْماً لِأَهْلِهَا
وقوله :
فَتَوَلَّ أَنْتَ جَمِيْعَ أَمْرِدْ
مَا حَكَّ جِلْدَكَ مِثْلُ ظُفْرْ
فَاقْصِدْ لِمُعْتَرِفٍ بِقَدْرِكْ(٣)
وإِذَا بُلِيْتَ بِحَاجَةٍ (٢)
وقوله معارضاً لابن الأزرق وهو الغاية في المتانة:
أَجْرَاً وَلَ حَمْدَاً لَغَيْرُ مُوَفَّقٍ
إِنَّ الذي رُزِقَ الْيَسَارَ وَلَم يَنْلْ (٤)
والجدّ يَفْتَحُ كُلِّ بابٍ مُغْلَقِ(٥)
الجدُّ يُدنِي كُلِّ أُمٍ شَاسعٍ
عُوداً فَأَثْمَرَ فِي يَدَيْهِ فَصَدِّقٍ
فَإِذَا سَمِعْتَ بِأَنَّ مَجْدُوداً حَوَى
مَاءً لِيَشْرَبَهُ فَغَاصَ فَحِقُّقٍ
وَإِذَا سَمِعْتَ بأَنَّ مَحْرُوْماً(٦) أَتَّى
بِنُجُومِ أَرْجَاءٍ(٨) السَّماءِ تَعَلَّقِيَ
لَوْ أَنَّ(٧) بالْحِيَلِ الغِنَى لَوَجَدْتَنِي
ضِدَّانِ مُفْتَرِقَانٍ أَيَّ تَفَرُّقِ
لَكِنَّ مَنْ رُزِقَ الحِجَا حُرِمَ الْغِنَى
ذُو مِمَّةٍ يَبْلی بِرِزْقٍ ضَيِّقِ
وَأَحَقُّ خَلْقِ اللهِ بالهَمِّ امْرُؤْ
بُؤْسُ اللَّيْبِ وَطِيْبُ غَيْشَِ الْأَحْمَقِ(١٠)
وَمِنَ الدَّلِيْلِ عَلَى القَضَاءِ وَحُكْمِهِ(٩)
(١) البيتان في ((ديوانه)) ص (٢٥)، تحقيق الأستاذ إسماعيل اليوسف، طبع دار الخير.
(٢) في ((ديوانه)): ((فإذا قصدت لحاجة)).
(٣) البيتان في ((ديوانه)) ص (٧٠).
(٤) في ((ديوانه)): ((فلم ينل)).
(٥) البيتان في ((ديوانه)) ص (٦٧).
(٦) في الأصل، والمطبوع: ((مجذوذً) والتصحيح من «ديوانه)).
(٧) في ((ديوانه)): ((لو كان)).
(٨) في ((ديوانه)): ((بنجوم أقطار)).
(٩) في الأصل، والمطبوع: ((وكونه)) وأثبت لفظ ((ديوانه)).
(١٠) الأبيات في ((ديوانه)) ص (٦٦ - ٦٧).
٢٣

وله :
مَنْ نَالَ مِنِّي أَوْ عَلِقْتُ بِذِمَّتَهْ
أَرَى مُعَوِّقَ مُؤْمِنٍ يَوْمَ الجَزّا
وقال:
اللهِ شَاكِرَ مِنْتِهْ
أَبْرَأْتُهُ
أَوْ أَنْ أَسُوْءَ مُحمَّدً فِي أُمَّتَهْ(١)
وَدَلَّ عَلَيْهِ غَيْرِهُ فَهُوَ أَحْمَقُ
إِذَا المَرْءُ أَقْشَىْ سِرَّهُ لِصَدِيْقِهِ
فَصَدْرُ الذي يُسْتَوْدَعُ(٢) السِرَّأَضْيَقُ(٣)
إِذَا ضَاقَ صَدْرُ المَرْءِ عَنْ سِرِّ نَفْسِهِ
[ومما ینسب إليه:
بِفَلْسٍ لَكَانَ الفَلْسُ مِنْهُنَّ أَكْثَرَا
عَلَيَّ ثِيَابُ لَوْ تُبَاعُ جَمِيْعُهَا
نُقُوسُ الْورِى كَانَتْ أَعَزَّ وَأَكْبَرَا](٤)
وَفِيْهِنَّ نَفْسٌ لَوْ تُقَاسُ بِمِثْلِهَا
· وفيها قاضي ديار مِصْر، إِسْحَاق بن الفُرَات أبو نُعَيْمِ التَّجيِيُّ، صاحبُ
مالك.
قال الشَّافعيُّ: ما رأيت بمصر أعلم باختلاف النّاس من إِسْحَاق بن
الفُرات، رحمه الله .
وقد روى إِسحاق - رحمه الله - أيضاً عن حُميد بن هَانىء، واللَّيْث بن
سَعْد، وغيرهما.
· وفي ثامن عشر شعبان أشْهَب بن عَبْدِ العَزِيْزِ، أبو عَمْرو العَامِرِيُّ،
(١) لم أجد البيتين في «ديوانه)) الذي بين يدي.
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((فصدر الذي أودعته)) وأثبت لفظ ديوانه.
(٣) البيتان في ((ديوانه)) ص (٦٧) مع شيء من الخلاف في ألفاظهما.
(٤) ما بين حاصرتين سقط من الأصل، واستدركته من المطبوع. والبيتان في ((ديوانه)) ص
(٤٦ - ٤٧) ورواية البيت الثاني فيه:
نفوس الورى كانت أجلَّ وأكبرا
فيهن نفس لو تقاس ببعضها
٢٤

صاحبُ مَالك، وله أربع وستون سنة. وكان ذا مالٍ وحِشمةٍ وجَلالةٍ .
قال الشَّافعيُّ: ما أخرجت مصرُ أفقه من أشهب لولا طيش فيه.
وكان محمد بن عبد الله بن [عبد](١) الحكم صاحب أشهب يفضِّل
أشهبَ على ابن القاسم.
قال ابنُ عبد الحَكم: سمعت أشهبَ يدعو على الشَّافعيِّ بالموت،
فبلغ ذلك الشَّافعيَّ فقال:
فَتِلْكَ طَرِيقٌ (٢) لَسْتُ فِيْهَا بِأَوْحَدِ
تمنّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وإنْ أَمُتْ
تَزَوَّدْ لُأُخْرِىْ مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَدِ(٣)
فَقل لِلَّذِي يَبْغي خِلافَ الذي مَضَیْ
ومكث أشهب بعد الشّافعيِّ شهراً.
قال ابنُ عبد الحكم: وكان قد اشترى من تركةِ الشَّافعيِّ عبداً،
فاشتريت ذلك العبد من تركة أَشْهَب.
• وفيها أبو علي الحَسَن بن زِيَاد اللؤلؤيّ الكوفيُّ، قاضي الكُوْفَة
وصاحب أبي حَنِيْفَة، وكان يقول: كتبت عن ابنِ جُرَيْج اثني عشر ألف
حدیث.
قال في ((العبر))(٤): ولم يخرِّجوا له في الكتب الستة لضعفه، وكان
رأساً في الفقه. انتهى.
• وفيها الإِمام أبو دَاوُد الطَّالسيُّ، واسمه سُلَيْمان بن دَاوُد البَصْرِيُّ
الحافظُ صاحب ((المسند))، كان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث.
(١) لفظة: ((عبد)) سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع.
(٢) في ((ديوانه)): ((فتلك سبيل)).
(٣) البيت الأول في ((ديوانه)) ص (٣٩)، والبيتان في ((سير أعلام النبلاء)) (٧٢/١٠)، وانظر
تخريجهما فيه .
(٤) (٣٤٥/١).
٢٥

قال الفلَّس: ما رأيت أحفظ منه.
وقال عبد الرَّحمن بن مَهدي: هو أصدق النَّاس.
قال في ((العبر))(١): قلت: كتب(٢) عن ألف شيخ، منهم ابن عون(٣)
وطبقته. انتھی.
وقال ابنُ ناصر الدِّين: الحافظ الكبير، من الحفاظ المكثرين، قيل:
غلط في أحاديث رواها من لفظه، وأتي في ذلك من قبل اتكاله على حفظه.
قال عمر بن شَبَّة(٤): كتبوا عن أبي داود من حفظه أربعين ألف حديث.
انتھی .
وقيل: إنه أكل حبَّ البلاذر(٥) لأجل الحفظ والفهم، فأحدث له جُذَاماً
وبَرَصاً.
● وفيها شُجاع بن الوليد الکوفُّ، أبو بدر.
قال ابنُ ناصر الدِّين: كان ثقةً ورِعاً عابداً متقناً. انتهى.
وقال في ((العبر))(٦): كان من صلحاء المُحدِّثين وعلمائهم. روى عن
الأعمش والكبار.
قال سفيان الثَّوري: ليس بالكُوفة أعبد من شُجاع بن الوليد. انتهى.
• وفيها أبو بكر الحنفيُّ عبد الكبير بن عبد المجيد أخو أبي علي
(١) (٣٤٦/١).
(٢) تحرفت لفظة: ((كتب)) في ((العبر)) إلى ((كتبتُ)).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((أبو عون)) والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (٣٤٦/١)، وانظر:
«تهذيب الكمال)) (٥٣٤/١) مصورة دار المأمون للتراث بدمشق.
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((ابن شيبة)) والتصحيح من ((تهذيب الكمال)) (٥٣٥/١).
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((البلادر)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((تاج العروس)) (بلذر) وفيه
البلاذر: حب الفَهْم.
(٦) (٣٤٦/١).
٢٦

الحنفي، بصريَّ مشهورٌ. صاحب حديث. روى عن خُثَيم بن عِراك،
وجماعة .
وفيها أبو نَصْر عَبد الوهّاب بن عَطَاءِ الخَفَّاف. بصريٌّ. صاحب
حديث وإتقان. سمع من حُمَيد، وخالد الحذَّاء، وطائفة.
قال ابنُ ناصر الدِّين: عبد الوهَّاب بن عَطَاء العجليُّ الخَفَّافُ أبو نصر،
أحد علماء البَصْرَة والحفاظ المهرة. جاء توثيقه عن الدَّارقطنيِّ وابنِ مَعِيْنٍ،
وتكلم فيه البخاريُّ وغيره بأنه ليس بالقويِّ، ففيه لین. انتهى.
• وفيها هِشَام بن مُحمَّد بن السَّائب الكَلْبيُّ الأخباريُّ النسّابةُ صاحبُ
كتاب ((الجمهرة)) في النسب(١) ومصنفاته تزيد على مائة وخمسين تصنيفاً في
التاريخ، والأخبار، وكان حافظاً علامةً إلاّ أنه متروك الحديث، فيه رفض.
روى عن أبيه، وعن مُجالد بن سعيد، وغيرهما. قاله في ((العبر))(٢).
(١) طبع المجلد الأول منه في وزارة الإعلام في الكويت بتحقيق الأستاذ عبد الستار أحمد
فراج، رحمه الله، وصدر كاملاً عن دار اليقظة بدمشق بعناية الأستاذ محمود فردوس العظم.
(٢) (٣٤٦/١ - ٣٤٧).
٢٧

سنة خمس ومائتين
● فيها توفي إسحاق بن منصور السّكونيُّ الکوفيُّ. روی عن إسرائيل
وطبقته .
• وفيها أبو عبد الله بُسْرُ بن بكر الدِّمشقيُّ ثم التَّنَّيسيُّ، مُحدِّثُ
تِنَّيْس(١). حدَّث عن الأوزاعيِّ وجماعة.
· وفي جُمادى الأولى أبو محمد رَوْح بن عُبَادة القَيْسِيُّ البَصرِيُّ
الحافظُ. روى عن ابن عَوْنٍ وابنِ جُرَيْج. وصنف في السنن والتفسير وغير
ذلك، وعُمِّر دهراً.
قال ابنُ ناصر الدِّين: رَوْح بن عُبادة بن العَلَاَءِ بن حَسَّان القيسيُّ
البصريُّ أبو محمَّد. ثقةٌ، مُكثرٌ، مفسرٌ. انتهى.
• وفيها الزَّاهد القدوة أبو سُليمان الدَّارانيُّ العنسيُّ أحد الأبدال. كان
عديم النظير زهداً وصلاحاً، وله كلامٌ رفيعٌ في التصوف والمواعظ.
(١) قال المقريزي: تنيس بكسر التاء المنقوطة باثنتين من فوقها، وكسر النون المشددة وياء آخر
الحروف، وسين مهملة: بلدة من بلاد مصر في وسط الماء وهي كورة الخليج، سميت بتنيس
ابن حام بن نوح، ويقال: بناها قليمون من ولد أتريب بن قبطم أحد ملوك القبط في القديم.
وانظر تتمة كلامه عنها في ((الخطط المقريزية)) (١٧٦/١ - ١٨٢)، وراجع خبرها في (معجم
البلدان» لياقوت (٥١/٢ - ٥٤).
٢٨

من كلامه: من أحسن في نهاره كوفىء في ليله، ومن أحسن في ليله
كوفىء في نهاره. ومن صدق في ترك شهوة، ذهب الله بها من قلبه، والله أكرم
من أن يعذب قلباً ترك شهوة له. وأفضل الأعمال خلاف هوى النفس. وله
كرامات وخوارق. ونسبته إلى دَاريًّا قرية بغوطة دمشق(١) أو دَارَان(٢)، قيل:
وهذا الصحيح. والعنسيُّ نسبة إلى عَنْس بن مالك رجل من مَذْحج.
· وفيها، أو في التي قبلها - وبه جزم ابنُ ناصر الدِّين - أبو عَامر
العَقَديُّ عبد الملك بن عمرو البصريُّ أحد الثقات المکثرین. روى عن
هِشَام الدستوائي وأقرانه.
قال ابنُ ناصر الدِّين: كان إماماً أميناً ثقةً مأموناً.
· وفيها محمد بن عُبيد الطَّنافسيُّ الأحدبُ الكوفيُّ الحافظُ. سمع
هِشَام بن عُرْوَة والكبار.
قال ابنُ سَعْد: كان ثقةً صاحب سُنَّة.
وقال ابن ناصر الدِّين: هو وأخواه يعلى وعُمر من الموثقين. انتهى.
• وفيها قارىء أهل البَصْرة يعقوب بن إسحاق الحضرميُّ مولاهم
المقرىءُ النحويُّ أحد الأعلام. قرأ على أبي المُنذر سَلَّام الطّويل. وسمع
من شُعبة وأقرانه. تصدر للإِقراء والتحديث، وحمل عنه خلق كثير. وله في
القراءة رواية مشهورة ثامنة على قراءة السبعة، رواها عنه رَوْح بن عَبْد المؤمن
وغيره. واقتدى به البصريون، وأكثرهم على مذهبه بعد أبي عَمْرو بن العلاء.
(١) قلت: لقد كانت هذه القرية من أجمل قرى غوطة دمشق الغربية، ثم تحولت خلال السنوات
الخمس الأخيرة إلى مدينة صغيرة على أثر تشييد العدد الكبير من العمارات فوق أراضيها
الخصبة المنتجة من قبل أهلها وتجار دمشق، دون الأخذ بعين الاعتبار ما لفقدان الأراضي
الزراعية من أثر سيىء على مناخ دمشق، ولقد طالت هذه الآفة معظم قرى غوطتي دمشق
الشرقية والغربية في الآونة الأخيرة، حتى كادت تقضي على الغوطتين معاً ولا حول ولا قوة
إلا بالله. وانظر خبرها في ((معجم البلدان)) لياقوت (٤٣١/٢ - ٤٣٢).
(٢) وذكر ذلك أيضاً الزبيدي في ((تاج العروس)) (دَارَ) وعزاه لسيبويه.
٢٩

وقد حافظ البغويُّ في ((تفسيره)) على رواية قراءته وقراءة أبي جَعْفر يَزِيْد بن
القَعْقَاعِ، وذكر سندهما إلى رسول الله الته.
قال أبو حاتم السجستانيُّ: كان يعقوب الحضرمي أعلم من أدركنا في
الحروف والاختلاف في القرآن العظيم وتعليله ومذاهبه ومذاهب النحويين
فيه، وكتابه ((الجامع)) جمع فيه بين عامة الاختلاف ووجوه القراءات ونسب
کل حرف إلى من قرأ به.
٣٠

سنة ست ومائتين
فيها استعمل المأمون على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخُزاعيّ فوليها
مدة، وهو الذي كان يمتحن النَّاس بخلق القرآن في أيام المأمون،
والمعتصم، والواثق.
• وفيها كان المدُّ الذي غرق منه السوادُ وذهبت الغلَّتُ.
· وفيها نكث بابكُ الخُرَّميُّ عِيْسى بن محمد بن أبي خالد.
• وفيها استعمل المأمون على محاربة(١) نصر بن شَبَتْ(٢) [عبد الله بن
طاهر](٣) وولاه الديار المصرية.
وفيها - في رجب - توفي أبو حُذَيْفَة إِسْحَاق بن بِشْرِ البُخاريُّ صاحبُ
((المبتدأ)) روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وابن جُريج، والكبار، فأكثر
وَأَغْرَبَ، وأَتى بالطَّامَّات، فتركوه (٤).
(١) في الأصل: ((على تجارة))، وفي المطبوع: ((على تجارته)) وكلاهما خطأ، والتصحيح من
(العبر)) للذهبي (٣٤٨/١)، وانظر: ((تاريخ الطبري)» (٥٨١/٨).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((نصر بن شيث)) وهو تصحيف، وفي ((العبر)): ((نصر بن شبيب)) وهو
خطأ، والتصحيح من ((تاريخ الطبري))، و((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٣٨٨/٦).
(٣) ما بين حاصرتين سقط من الأصل، والمطبوع، واستدركته من ((العبر)) للذهبي، وانظر:
((تاريخ الطبري)).
(٤) في ((العبر)) (٣٤٩/١): ((فاتهموه وتركوه)).
٣١

• وفيها ــ في ربيع الأول - حَجَّاج بن محمَّد المصْيصيُّ الأُعورُ،
صاحبُ ابن جُرَيْجٍ، وأحدُ الحفاظِ، الثقات، المتقنين، المكثرين،
الضابطين.
قال أحمد: ما كان أصحَّ حديثه وأضبطه، وأشدَّ تعاهده للحروف.
· وشَبَابَة بن سَوَّار المدائنيُّ الحافظُ. روى عن ابن أبي ذئب وطبقته،
وكان ثقةً مرجئاً.
· وفي رمضان عَبد الله بن نَافِع المدنيُّ الصائغُ الفقيهُ، صاحبُ مالك.
روى عن زَيْد بن أُسْلم وطائفة.
قال أحمد بن صَالح: كان أعلم النَّاس برأي مَالك وحديثه.
وقال أحمد بن حنبل: لم یکن صاحبحدیث، بل كان صاحب رأي
مالك، ومفتي [أهل] المدينة.
وخرَّج له مسلم، والأربعة .
قال في ((المغني) (١): عبد الله بن نافع الصائغ، عن مالك، وثق.
وقال البخاريُّ: في حفظه شيء.
وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بذاك في الحديث. انتهى.
وفيها مُحَاضِرُ بن المُوَرِّعِ الكوفيُّ. روى عن عاصم الأحول وطبقته.
وهو صدوقٌ. وقد خرَّج له مسلم، وأبو داود، والنسائيُّ .
قال في ((المغني))(٢): عن الأعمش وغيره.
قال أبو زُرْعَة: صدوق.
وقال أبو حاتم: ليس بالقويِّ.
وقال أحمد: كان مُغفَّلاً جِدَّاً، لم يكن من أصحاب الحديث. انتهى.
(١) ((المغني في الضعفاء)) (٣٦٠/١).
(٢) ((المغني في الضعفاء)) (٥٤٢/٢).
٣٢

● وفيها قُطْرُبُ النَحويُّ صاحبُ سِيْبَوَيْهِ، وهو الذي سماه قُطْرُباً، لأنه
كان يبكِّر في المجيءٍ إليه. فقال: ما أنت إلَّ قُطْرُبُ لَيْلٍ - وهي دُويبةٌ
لا تزال تدب ولا تهتدي - فغلب عليه، وكنية قُطْرب أبو علي، واسمه محمد بن
المسْتنير البصريُّ اللغويُّ. كان من أئمة عصره. صنف ((معاني القرآن))
و((كتاب الاشتقاق)) و((كتاب القوافي)) و((كتاب النوادر)) و((كتاب الأزمنة))
و((كتاب الأصول)) و((كتاب الصفات)) و((كتاب العلل في النحو)) و((كتاب
الأضداد)) و((كتاب خلق الإِنسان)) و((كتاب خلق الفَرس)) و((كتاب غريب
الحديث)) و((كتاب الهمز)) و((كتاب فعل وأفعل)) و((كتاب الرد على
المُلحدين)) في متشابه القرآن، وغير ذلك. وهو أول من وضع المثلث في
اللغة. وتبعه البَطَلْيَوسي، والخَطيب، وكان يُعَلِّم أولاد أبي دُلَف العِجْلي.
• وفيها مُؤَمَّل بن إسماعيل في رمضان بمكّة، وكان من ثقات
البصريين. روى عن شُعبة والثَّوري.
· وفيها أبو العَبَّس وَهب بن جَرِيْر بن حَازم الأزديُّ البَصريُّ الحافظُ.
أکثر عن أبيه وابن عَوْن، وعدة.
• وفيها الإِمام الربَّاني(١) يَزِيْد بن هَارُون أبو خالد الواسطيُّ الحافظُ.
روى عن عاصم الأحول والكبار.
قال علي بن المديني: ما رأيت رجلاً قطُّ أحفظ من يَزِيْد بن هَارُون.
يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديثٍ بإسنادها ولا فخر.
وقال يحيى بن يحيى التميميُّ: هو أحفظ من وكيع.
وقال أحمد بن سنان القَطَّان: كان هو وهُشَيْم معروفان(٢) بطول صلاة
الليل والنهار.
(١) في الأصل والمطبوع: ((الزيَّاتي)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) (٣٥٠/٢).
(٢) في الأصل: ((معروفاً) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع.
٣٣

وقال يحيى بن أبي طالب: سمعت من يَزِيْد ببغداد، وكان يقال: إن
في مجلسه سبعين ألفاً.
وقال ابنُ ناصر الدِّين: كان حافظاً إماماً ثقةً مأموناً مناقبه جَمَّة خطيرة.
قال [علي بن] شُعَيْب(١): سمعت يَزِيْد يقول: أحفظ أربعة وعشرين
ألف حديثٍ ولا فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألفاً لا أسأل عنها. انتهى .
(١) في الأصل والمطبوع: ((قال شعيب)) وهو خطأ، والتصحيح من ((تاريخ بغداد)) (٣٣٩/١٤)،
و((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٩/٩). وهو علي بن شعيب بن عدي السِّمسار، البغدادي،
المتوفى سنة (٢٥٣). انظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) للمزي (٩٧٠/٢) مصورة دار
المأمون للتراث، و((تقريب التهذيب)) ص (٤٠٢) بتحقيق الأستاذ محمد عوَّامة.
٣٤

٠
سنة سبع ومائتين
فيها توفي طَاهر بن الحُسَيْن فجأةً على فراشه وحُمَّ ليلة. وكان تلك
الأيام قد قطع دعوة المأمون وعزم على الخروج عليه، فأتى الخبر إلى
المأمون بأنه خلعه، فما أمسى حتّى جاءه الخبر بموته. وقام بعده ابنه طلحة،
فأقره المأمون على خُرَاسَان، فوليها سبع سنين. وبعده ولي أخوه عبد الله .
قال ابنُ الأهدل: طاهر بن الحُسَيْنِ الخُزاعيُّ، وقيل: مولاهم،
الملقَّب، ذا اليمينين، كان جواداً شجاعاً ممدَّحاً، وهو الذي قتل الأمين. وكان
المأمون قد أخدمه غلاماً رباه وأمره إن رأى منه ما يريبه سمَّهُ. فلما تمكن
طَاهر من خُرَاسَان قطع خطبة المأمون - أي وخطب لنفسه ــ فأصبح يوم السبت
ميتاً. واستخلف المأمون ولده طلحة بن طاهر، وقيل: جعله نائباً لأخيه
عبد الله بن طاهر، وسيأتي ذِكر ولده عبد الله سنة ثلاثين، وولد ولده سنة
ثلثمائة. انتهى.
· وفيها أبو عَوْن جَعْفر بن عَوْن بن جَعْفر بن عَمْرو بن حُرَيْث
المخزوميُّ العمريُّ الكوفيُّ عن نيفٍ وتسعين سنة. سمع من الأعمش،
وإسماعيل بن أبي خالد، والكبار.
قال أبو حاتم: صدوق.
• وعَبْدُ الصَّمد بن عَبد الوارث بن سَعِيْد التميميُّ التَنَورِيُّ أبو سهل.
٣٥

روى عن أبيه وهِشَام الدَّستوائيِّ، وشعبة. وكان ثقةٌ صاحب حديثٍ.
قال ابنُ ناصر الدِّين: كان مُحدِّث البَصْرَة وأحد الثقات. انتهى.
• وفيها عُمر بن حَبِيْب العدويُّ البصريُّ في أول السنة. روى عن
حُمَيْد الطَّيْلِ، ويُونس بن عُبَيْد، وجماعة. وولي قضاء الشرقية للمأمون.
قال ابنُ عدي: هو مع ضَعفه حسن الحديث.
وقال في ((المغني))(١): عُمر بن حَبِيْب العدويُّ القاضي. عن هِشَام بن
عُرْوَة. كذَّبه ابن مَعِيْن.
وقال النسائيُّ : ضعيف.
وقال ابن عدي: مع ضعفه یکتب حديثه. انتهى .
• وفيها قُرَاد أبو نوح عبد الرَّحمن بن غَزْوَان(٢) الخُزَاعيُّ. توفي ببغداد،
وحدَّث عن عَوف، وشعبة، وطائفة.
قال أحمد بن حنبل: كان عاقلاً من الرِّجال.
وقال ابن المديني: ثقة.
وقال ابن مَعِيْن: ليس به بأس.
• وكثيرُ بن هِشَام الكلابي الرَّقُيُّ. راوية جعفر بن برقان، توفي ببغداد
في شعبان .
• وفيها محمد بن عبد الله بن كُناسة الأسديُّ النحويُّ الأخباريُّ
الكوفيُّ. سمع هِشَام بن عُروة والأعمش، ومات في شوال على الصحيح.
قال في ((المغني)(٣): محمد بن كُناسة الأسدي. عن الأعمش. وثقه
ابن مَعِيْن وغيره.
(١) ((المغني في الضعفاء)) للذهبي (٤٦٤/٢).
(٢) في الأصل: ((قرار أبو نوح بن غزوان عبد الرحمن بن غزوان))، والتصحيح من ((العبر))
للذهبي (٣٥٢/١)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٤٧١/٤).
(٣) ((المغني في الضعفاء)) (٥٩٦/٢).
٣٦

وقال أبو حاتم: لا يحتج به. انتهى.
• والواقديُّ قاضي بغداد أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الأسلميُّ
المدنيُّ، العلامة، أحد أوعية العلم. روى عن ثَور بن يزيد، وابن جُريج
وطبقتهما. وكان يقول: حفظي أكثر من كتبي. وقد تحول مرَّةً فكانت كتبه
مائة وعشرين حملاً. ضعفه الجماعة كُلُّهم.
قال ابن ناصر الدِّين: أجمعَ الأئمةُ على ترك حديثه حاشا ابن ماجه،
لكنه لم يجسر أن يسمِّيَه حين أخرج حديثه في اللباس يوم الجمعة(١)، وحسبك
ضعفاً بمن لا يجسر أن يسميّه ابن ماجه. انتهى.
وقال الذهبيُّ في كتابه «المغني في الضعفاء»(٢): محمد بن عمر بن واقد
الأسلميُّ مولاهم الواقديُّ صاحب التصانيف مجمع على تركه.
وقال ابن عدي: يروي أحاديث غير محفوظة والبلاء منه.
وقال النسائيُّ: كان يضع الحديث.
وقال ابن ماجه: حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا شيخ [لنا](٣)، حدثنا عبد
الحميد بن جعفر(٤) فذكر حديثاً في لباس الجمعة وحسبك بمن لا يجسر ابن
ماجه أن يسميه.
قلت: وقد كذَّبه أحمد، والله أعلم.
وقال ابنُ الأهدل: الإِمام الواقديُّ أبو عبد الله محمد بن [عمر بن] واقد
الأسلمي قاضي بغداد. كان يقول: حفظي أكثر من كتبي. وكانت كتبه مائة
(١) هو في ((سنن ابن ماجه)) رقم (١٠٩٥) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة.
(٢) (٦١٩/٢).
(٣) لفظة ((لنا)) زيادة من ((سنن ابن ماجه)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((عبد الحميد بن صفوان)) وهو خطأ، والتصحيح من ((المغني في
الضعفاء))، و(تهذيب الكمال)) (١٢٤٩/٣).
٣٧

وعشرين حملاً. وضعفه أهل الحديث، ووثقوا كاتبه محمد بن سعد. من
تصانيفه ((كتاب الردّة)) ذكر فيه المرتدين وما جرى بسببهم. وكان المأمون يكرمه
ويراعيه .
روي عنه قال: كان لي صديقان أحدهما هاشمي، وكنّا كنفس
واحدة، فشكوت إليه عسرة، فوجَّه إليَّ كيساً مختوماً فيه ألف درهم، فما استقر
في يدي حتى جاءني كتاب صديقي الآخر يشكو مثل ذلك، فوجهته إليه كما
هو، وخرجت إلى المسجد، فبتّ فيه حياءً من زوجتي، ثم إن صديقي الهاشمي
شكا إلى صديقي الآخر فأخرجه إليه بحاله، فجاءني به حين عرفه، وقال:
أصدقني كيف خرج منك، فعرَّفته الحكاية، فتواجهنا وتواسيناه بيننا، وعزلنا
للمرأة مائة درهم، ونمي الخبر إلى المأمون، فوجه إلى كل منا ألف دينار
وللمرأة ألفاً، وقد ذكر هذه الحكاية الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد))(١).
انتهى كلام ابن الأهدل.
• وفيها بِشْرُ بن عُمَر (٢) الزَّهْرَانِيُّ. كان ثقةً متقناً ذا علمٍ وحديثٍ.
و کنیته أبو محمد.
• وفيها أبو كامل مُظفر بن مُدرك الخُراسانِيُّ ثم البغداديُّ. كان ثقةً
مأموناً. أخذ عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعِيْن، وآخرون.
وفيها أبو النَّضْر(٣) هَاشم بن القاسم الخراسانيُّ. قَيْصَر. نزل
بَغْدَاد، وكان حافظاً قوّالاً بالحق. سمع شعبة، وابن أبي ذئب، وطبقتهما.
ووثقه جماعة.
(١) (٤/٣ - ٥). قلت: ولكن سياق القصة فيه يختلف عمّا في كتابنا قليلاً.
(٢) في ((العبر)) للذهبي (٣٥١/١): ((يزيد بن عمر)) وهو خطأ فيصحح فيه.
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((أبو نضر))، وما أثبته من ((العبر)) للذهبي (٣٥٣/١)، و((تقريب
التهذيب» لابن حجر (٤٨١/٢).
٣٨

قال ابنُ ناصر الدِّين: هو ثقةٌ ماجدٌ، شيخٌ لأحمد بن حنبل. انتهى.
• وفيها الهَيْثُمُ بن عَدي أبو عَبْدِ الرّحمن الطائيُّ الكوفيُّ الأخباريُّ
المؤرِّخُ. روى عن مُجالدٍ، وابن إسحاق وجماعة، وهو متروك الحديث.
وقال أبو داود السجستاني: كذّاب.
• وفيها الفرّاء یحیی بن زياد الکوفيُّ النحويُّ. نزل بغداد وحدَّث في
مصنفاته عن قيس بن الرَّبيع، وأبي الأحوص، وهو أجلُّ أصحاب الكسائيِّ.
كان رأساً في النحو واللغة.
قال ابن الأهدل في ((تاريخه)): الإِمام البارع يحيى بن زياد الفراء(١).
كوفي، أجلُّ أصحاب الكسائيِّ، هو والأحمر. قيل: لولاه لما كانت عربية، لأنه
هذَّبها وضبطها.
وقال ثُمامة بن أَشْرَس المعتزليُّ : ذاكرت الفرَّاء فوجدته في النحو نسيج
وحده. وفي اللغة بحراً. وفي الفقه عارفاً باختلاف القوم. وفي الطب خبيراً.
وبأيام العرب وأشعارها حاذقاً.
ولحن يوماً بحضرة الرَّشيد فرد عليه، فقال: يا أمير المؤمنين إن طباع
الأعراب والحضر اللَّحن، فإذا تحفّظتُ لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع
لحنت.
صنف الفرَّاء للمأمون ((كتاب الحدود)) في النحو، و((كتاب المعاني))
واجتمع لإِملائه خلق كثير، منهم ثمانون قاضياً. وعمل كتاباً على جميع
القرآن في نحو ألف ورقة لم يعمل مثله، وكل تصنيفه حفظاً لم يأخذ بيده
نسخة إلاّ كتاب مُلازم، وكتاب نَافِع. وعجب له تعظيم الكسائي وهو أعلم
بالنحو منه.
(١) في المطبوع: ((الفرائي)).
٣٩

قال الفرَّاء: أموت وفي نفسي من حتّى شيء لأنها تجلب الحركات
الثلاث.
ولم يعمل الفِرَاءَ ولا باعها، وإنما كان يفري الكلام. وقطعت يد والده
في مقتلة الحسين بن علي رضي الله عنهما.
وكان يؤدِّب ابني المأمون، فطلب نعليه يوماً فابتدر أيهما (١) يسبق إلى
تقديمهما له، فقال له المأمون: ما أعزَّ من يتبادر إلى تقديم نعليه وليًّا عهد
المسلمين. فقال: ما كنت أدفعهما عن مكرمة سُبقا إليها وشريفة حرصا
عليها. وقد أمسك ابنُ عبّاس بركابي الحسن والحسين وقد خرجا من عنده،
فقال المأمون: لو منعتهما لأوجعتك لوماً، فلا يحسن ترفّع الرجل عن ثلاثة:
والده، وسلطانه، ومعلِّمه. وأعطاهما عشرين ألف دينار، وأعطاه عشرة
آلاف.
وروي أن محمد بن الحسن صاحب أبي حَنِيْفَة سأل الفرَّاء - وهو ابن
خالته - عمّن سها في سجود السهو؟ فقال: لا شيء عليه، لأن المصغر
لا يصغر. وروي مثلها عن الكسائيِّ. انتهى كلام ابن الأهدل.
(١) في المطبوع: ((إليهما)).
٤٠