Indexed OCR Text

Pages 381-400

وقال أبو بكر الخَطِيْب: حدَّث عنه يَزِيْد بن عَبْدِ اللَّه بن الهَادي،
والحُسَيْن بن سَيَّر الحَرَّانيُّ وبين وفاتيهما مائة واثنتا عشرة سنة. روى له
الجماعة. انتهى كلام (الكمال)) ملخصاً.
وفيها الفقيه إِبْرَاهِيْم بن [محمد بن أبي](١) يحيى الأسلميُّ مولاهم
المدنيُّ. روى عن الزُّهريِّ، وابن المنكدر، وطبقتهما. يروي عنه الشَّافعيُّ
فيقول: أخبرني مَن لا أتَّهم، وقال: كان قدرياً.
وقال أحمد بن حنبل: كان معتزلياً، قدرياً، جهمياً، كل بلاء فيه،
لا یکتب حديثه.
وقال البخاريُّ: جهمي تركه النَّاس.
وقال ابنُ عديّ: لم أرَ له حديثاً منكراً، إلَّ عن شيوخ يحتملون، وله
كتاب ((الموطأ)) أضعاف ((موطأ مالك)). قاله في ((العبر))(٢).
وفيها الزاهد العُمريُّ بالمدينة، واسمه عَبْدُ اللَّه بن عَبْد الْعَزِيْزِ بنُ
عَبْد اللَّه بن عَبْد اللَّه (٣) بن عُمَر بن الخطّاب. روى عن أبيه، وكان إماماً،
فاضلاً، رأساً في الزهد، والورع، ووثّقه النَّسائيُّ.
وفيها فقيه أهل المدينة أَبُو تَمَّام عَبْدُ الْعَزِيْزِ بن أبي حَازم سَلَّمَة بن
دِيْنَار. أخذ عن أبيه، وزيد بن أَسْلَم، وطائفة .
قال أحمد بن حنبل: لم يكن بالمدينة بعد مَالك أفقه منه.
وقال ابنُ سَعْد: ولد سنة سبعٍ ومائة. ومات ساجداً رحمه اللَّه.
انتھی(٤).
(١) ما بين حاصرتين زيادة من ((العبر)) للذهبي.
(٢) (٢٨٨/١ - ٢٨٩).
(٣) ((ابن عبد الله)) الثانية سقطت من ((العبر)) للذهبي المطبوع (٢٨٩/١) فتستدرك فيه.
(٤) يعني انتهى نقل المؤلف عن ((العبر)) للذهبي.
٣٨١

وقد احتجّ به أصحاب الصحاح.
وفيها عليُّ بن غُراب الكوفيُّ القاضي. روى عن هِشَام بن عُرْوَة،
وطبقته. وخرَّج له العُقَيِليُّ، والنِّسائيُّ.
قال في ((المغني))(١): وثّقه الدارقطنيُّ، وقبله ابنُ مَعِيْن.
وقال أبو داود: ترکوا حدیثه.
وقال السعديُّ: ساقطٌ.
وقال ابنُ حِبَّان: حدَّث بالموضوعات، وكان غالياً في التشيّع. انتهى.
وفيها مَرْوَان بن شُجَاعِ الجَزريُّ بَغْدَاد. روى عن خُصَيْف،
وعَبْد الكريم بن مالك.
قال في ((المغني))(٢): وثق.
وقال أحمد: لا بأس به.
وقال ابنُ حِبَّان: يروي المقلوبات عن الثقات. انتهى.
وفيها، أو في التي مضت، نُوح بن قَيْس الحُدَّانِيُّ، الطَّاحِيُّ،
البَصرِيُّ. روی عن مُحمَّد بن واسع، وطبقته.
(١) (٤٥٣/٢).
(٢) (٢/ ٦٥١).
٣٨٢

سنة خمس وثمانين ومائة
فيها، وقيل: في التي تليها، توفي الإِمام الغازي القدوة أبو إِسْحَاق
الفزاريُّ إبراهيم بن محمّد بن الحارث الکوفيُّ نزیل ثغر المصِّيصة. روى عن
عَبْد الملك بن عُمَيْر وطبقته. ومن جلالته روى عنه الأوْزَاعِيُّ حديثاً. فقيل:
مَن حدّثك بهذا؟ قال: حدّثني الصَّادق المَصْدوق أبو إِسْحَاق الفَزاريُّ.
وقال الفُضَيْل بن عِيَاض: ربما اشتقت إلى المصِّيصة ما بي فضل
الرِّباط، بل لأرى أبا إسحاق الفزاري.
وقال غيره: كان إماماً، قانتاً، مجاهداً، مرابطاً، آمراً بالمعروف، إذا
رأى بالثغر مبتدعاً أخرجه.
قال ابنُ نَاصر الدِّين: إبراهيم بن مُحمَّد بن الحارث بن أسماء الكُوفُّ
الفزاريُّ أبو إسحاق الحجَّة الإِمام شيخ الإِسلام، ثقةٌ متقنٌ.
وقال أبو دَاوُد الطَّيالسيُّ: مات أبو إسحاق الفزاريُّ وما على وجه
الأرض أفضل منه. انتهى.
وفيها الأمير عَبْدُ الصَّمد شيخ آل عَبَّاس(١) وبقية عمومة المنْصُور. روى
عن أبيه، عن جدّه ابن عَبَّاس. وليّ إمرة البَصْرَة، ودِمَشْقَ. وكان فيه
عجائب:
(١) هو عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس. (ع).
٣٨٣

منها أنه ولد سنة أربع ومائة، وولد أخوه محمد أبو السَّفَّح المَنْصُور
سنة ستين ومائة، فبينهما ست وخمسون سنة.
ومنها أن يَزِيْدِ حجَّ بالنَّاس سنة خمس ومائة، وحجِّ عَبْدُ الصَّمد بالنَّاسِ
سنة خمسين ومائة، وهما في النسب إلى عَبْدِ مناف سواء.
ومنها أنه أدرك السَّفَّاح، والمَنْصُور وهما ابنا أخيه، ثم أدرك المهديَّ،
وهو عمُّ أبيه، ثم أدرك الهَادي، وهو عمّ جدّه، ثم أدرك الرَّشيد، ومات في
أيامه .
وقال يوماً للرَّشيد: هذا مجلسٌ فيه أمير المؤمنين، وعمّه، وعمّ عمّه،
وعمّ عمّ عمّه، وذلك أن سُلَيْمَان بن جَعْفَر عَمُّ الرَّشيد، والعَبَّاسِ عَمُّ
سُلَيْمَانِ، وعَبْدُ الصَّمد عَمُّ العَبَّاسِ.
ومنها أنه ولد وقد نبتت أسنانه، ومات بها ولم تتغير، وكانت أسنانه
قطعة واحدة من أسفل.
ومنها أنه طارت ريشتان فلصقت بعينيه، فذهب بصره.
وفيها يَزِيْدُ بن مَرْثد الغَنَويُّ، ابن أخي مَعْن بن زَائِدَةِ والي إِرْمِيْنية،
وأذْرَ بِيْجَان، وأحد الفتيان الشجعان.
وقد سبق(١) أن الرَّشيد لما أهمّه شأنُ الوليد بن طَرِيْف الشيبانيِّ
الخارجيِّ. جهّزه فقتله. وروي أنه سَلَّحه يومئذٍ سيف النَّبِيِّ - وَِّ ذَا الفَقَار.
وقال: خُذْهُ فَإِنَّكَ سَتُنْصَرُ به. وقال فيه مُسلم بن الوليد الأنصاريُّ :
وَسَيْفَ أَوَّلِ مَنْ صَلَّى وَمَنْ صَامَا
أَذَكَرْتَ سَيْفَ رَسُوْلِ اللَّهِ سنَّته
يعني عَليّاً - رضي اللَّه عنه - إذ كان هو الضَرَّابُ به. وكان سَبَبُ وصول
(١) انظر ص (٣٤٩) من هذا المجلد.
٣٨٤

ذي الفقار إلى العبّاسيين، أن مُحمَّد بن عَبْدِ اللَّه النفس الزَّكيّة(١) دفعه إلى
تاجرٍ كان له عليه أربعمائة دينار، واشتراه منه جعفر بن سُلَيْمَان.
قال الأصمعيُّ: رأيته وفيه ثمان عشرة فقارة، وهي الثقوب والدّحل.
انتھی .
وقد قيل: إنه كان ينفرق أحياناً مع علي - رضي الله عنه - حتَّى يقال:
إنه قتل به عَمْراً وحيّاً في ضربةٍ، ويشير إلى ذلك قول شرف الدِّين عُمر بن
الفَارض رحمه الله تعالى.
ذُوِ الفَقَارِ اللَّحْظُ مِنْهَا أبداً وَالحَشا مِنْيَ عَمْرو وحُبيّ
وفيها ضِمَام بن إسماعيل المصريُّ بالاسكندرية. روى عن أبي قَبْل
المعافريِّ.
قال أبو حاتم: كان صدوقاً متعبِّداً ولم يخرِّجوا له شيئاً في الكتب
الستة، وهو من مشاهير المُحدِّثين.
وقال في ((المغني))(٢): لّنه بعض الحفّاظ. انتهى.
وفيها عُمَرَ (٣) بن عُبَيْدِ الطَّنافسيُّ الكوفيُّ. روى عن زِيَاد بن عِلَاقة،
والكبار. ووثّقه أحمد، وابنُ مُعِيْن.
وفيها على الأصح المُعافى بن عِمْران أَبُو مَسْعُود الأزديُّ، عالِم أهل
المُوصل وزاهدهم. رحل، وطاف، وسمع من ابن جُرَيْج وطبقته. ذكره
سُفيان الثَّوري فقال: هو ياقوتة العُلماء.
(١) هو محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني يلقب
(النفس الزكية). (ع).
(٢) (٣١٣/١).
(٣) في الأصل: ((عمرو)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع.
٣٨٥

وقال مُحمَّد بن عَبْدِ اللّه بن عَمَّار الحافظ: لم ألقَ أفضل منه.
وقال ابنُ سَعْد: كان ثقةً، فاضلاً، صاحب سنّة.
وكان ابنُ المُبَارك - وهو أسنّ منه - يقول: حدّثني ذلك الرَّجل الصالح.
وفيها يُوسف بن يَعْقوب بن أبي سَلَمة المَاحِشُون المدنيُّ(١) ابنُ عَم
عَبْد العَزِيْزِ بن المَاجِشُون. روى عن الزُّهريِّ، وابنِ المُنْكَدر، وكان كثير العلم.
وفيها أَميرُ دِمَشْقَ للرَّشِيْد محمد بن إبراهيم الإِمام [ابن مُحمَّد](٢) بن
علي بن عبد اللَّه(٣) بن عَبَّاس العَبَّاسيُّ .
(١) في الأصل، والمطبوع: ((المزني)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (٢٩٢/١) وكتب
الرجال.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من ((العبر)) للذهبي (٢٩٢/١) و((البداية والنهاية)) لابن كثير
(١٨٦/١٠).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((ابن علي بن علي)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) و((البداية
والنهاية)».
٣٨٦

سنة ست وثمانين ومائة
فيها حَجَّ الرَّشيد ومعه ابناه، فأعطى أهل مَكَّة والمدينة ما مبلغه ألف
ألف دينار وخمسون ألف دينار، وكتب كتاباً لولديه، وأشهد عليهما بما فيه من
وفاء كل أحدٍ منهما لصاحبه. قاله في ((الشذور)(١).
وفيها سار عليُّ بن عِيْسى بن مَاهَان في الجيوش من مَرو، فالتقى هو
وأبو الخَصِيب (٢) بنَسَا(٣) فظفر بأبي الخَصِيب، واستقامت خُرَاسَان للرِّشِيْدِ.
وفيها توفي حاتم بنُ إسماعيل المدنيُّ. روى عن هِشَام بن عُرْوَة
وطبقته. وكان ثقةً كثير الحديث. وقيل: مات في التي تليها.
وحَسَّانُ بنُ إبراهيم الكَرْمانِيُّ قاضي کَرْمَان. روى عن عاصم الأحْوَل
وجماعة .
قال في ((المغني)) (٤): حَسَّان بن إبراهيم الكَرْمَانِيُّ، ثقة.
قال النَّسائيُّ : ليس بالقويِّ.
وقال أبو زُرْعَة: لا بأس به. انتهى.
(١) يعني ((شذور العقود في تاريخ العهود)) لابن الجوزي.
(٢) أبو الخَصِيب: هو وُهَيْب بن عبد اللَّه النسائي. (ع).
(٣) مدينة من مدن خراسان من أرض إيران. انظر خبرها في ((معجم البلدان)) (٢٨١/٥ - ٢٨٢).
(٤) (١٥٦/١).
٣٨٧

وقد خرَّج له الشیخان، وأبو داود.
وفيها خَالد بن الحَارثِ أَبُو عُثْمَانِ البَصْرِيُّ الحافظ. روى عن أَيُّوب
وخلق.
قال الإِمام أحمد: إليه المنتهى في التثّت بالبَصْرَة.
قال ابنُ نَاصر الدِّين: خَالد بنُ الحَارث بن سُلَيْمَان بن عُبَيْدِ بنُ سُفْيَان
الهُجَيْمِيُّ البَصْرِيُّ - وبنو الهُجَيْم من بني العَنْبَر من تميم - كان من الحفّاظ
الثقات المأمونین. انتهى.
وفيها سُفْيَان بن حَبِيْب البَصْرِيُّ البَزَّازُ. روى عن عَاصمِ الأَحْوَل،
وطائفة .
قال أبو حاتم: ثقة، أعلم النَّاس بحديث سَعِيْد بن أبي عَرُوبَة .
وفيها، أو في التي تليها، عَبَّاد بن العَوَّامِ الوَاسطيُّ بَبَغْدَاد. روى عن
أبي مالك الأشجعيِّ وطبقته. وكان صاحب حديث وإتقان.
وعيْسِىْ غُنْجَار(١) أَبُو أَحمد البُخاريُّ، مُحدِّث ما وراء النهر. رحل،
وحمل عن سُفْيَان الثَّوريِّ. وطبقته.
قال الحاكم: هو إمام عصره، طلب العلم على كبر السن، وطوّف.
يروي عن أكثر من مائة شيخ من المجهولين، وحديثه عن الثقات مستقيم.
وفيها فقيه المدينة أبُو هَاشم المُغِيْرَة بن عَبْدِ الرِّحمن المَخْزُومِيُّ وله
اثنتان وستون سنة. روى عن هِشَام بن عُرْوَة وطبقته.
قال الزُّبير بن بَكَّار: عرض عليه الرَّشيد قضاء المدينة فامتنع، فأعفاه.
(١) قال الزبيديُّ في ((تاج العروس)) (غنجر): وإنما لقب بـ غنجار لحمرة وجنتيه. قلت (القائل
الزبيدي): كأنه معرب: عنجه آر. وانظر ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٢٣٢/٨).
٣٨٨

ووصله بأَلفي دِيْنَار، وكان فقيه المدينة بعد مَالك.
قال في ((المغني))(١): وثّقه غير واحد، وضعّفه أبو دَاوُد. انتهى.
وفيها عَبْدُ الوَاحد بن زِيَادِ العَبْدِيُّ، مولاهم، البصريُّ، أبو بِشْر،
ويقال: أبو عُبَيْدة. وثّقه أحمد وغيره، واحتجّ به الشيخان في ((الصحيح))
لكنهما لم يخرِّجا عنه شيئاً مما أُنكر عليه، كالأحاديث التي وصلها عن
الأعْمَش وكانت مرسلةً لدیه.
وبِشْرُ بن المُفَضَّل بن لاحق الرَّقاشيُّ مولاهم البَصْرِيُّ، أبو إسماعيل.
حدَّث عنه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْهِ، وأحمد بن حنبل، وابنُ المَدِيْني، وأشباههم.
إليه المنتهى في التثّت في البصرة. كان ثقةً مشهوراً. وكان يصلّي كل يوم
أربعمائة ركعة، ويصوم يوماً، ويفطر يوماً.
(١) (٦٧٣/٢).
٣٨٩

سنة سبع وثمانين ومائة
فيها - على ما قاله في ((العبر))(١) - خلعت الرُّوم من الملك الست رِيْني(٢)
وهلكت بعد أشهر، وأقاموا عليهم نِقْفُور(٣) والرُّوم تزعم أن نِقْفُور من ولد
جفنة الغساني الذي تنصر، وكان نِقْفُور قبل الملك يلي الديوان، فكتب نِقْفُور
هذا الكتاب :
من نِقْفُور ملك الرُّوم، إلى هَارُون ملك العرب.
أما بعد: فإن الملكة كانت قبلي أقامتك مقام الرُّخِّ(٤) وأقامت نفسها
مقام البَيْذق(٥) فحملت إليك من أموالها وذلك لضعف النساء وحمقهنّ، فإذا
قرأتَ كتابي هذا فاردد ما حصل قبلك وافتدٍ نفسك، وإلاّ فالسيف بيننا.
فلما قرأ الرَّشيد الكتاب اشتد غضبه وتفرَّق جلساؤه خوفاً من بادرة تقع
منه. ثم کتب بيده على ظهر الكتاب:
من هَارُون أمير المؤمنين إلى نِقْفُور كلب الرُّوم. قرأتُ كتابك يا ابن
(١) (٢٩٤/١).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((ريتي)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (٢٩٤/١).
قال الطبري في تاريخه (٢٦٩/٨): وهي أم قسطنطين بن أليون ملك الرُّوم وتلقب أُغَسْطه.
(٣) تصحف في الأصل في هذا الموضع وفي سياق القصة كلها إلى ((تقفور)) وأثبت ما في
المطبوع، وهو موافق لما في ((العبر)» للذهبي، والمصادر التي بين يدي.
(٤) قال ابن منظور: الرُّخْ من أدوات الشطرنج والجمع رخاخ. [وقال] اللَّيث: الرِّجُ معرب من
كلام العجم من أدوات لعبة لهم. ((لسان العرب)) (رخخ).
(٥) الأصل: ((البيدق)) وانظر ((مرآة الجنان)) (٤١٢/١).
٣٩٠

الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه.
ثم ركب من يومه وأسرع حتَّى نزل مدينة هِرَقْلَة، وأوطأ الرُّوم ذُلّ
وبلاءً، فقتل، وسبى، وذَلَّ نِقْفُور وطلب الموادعة على خراج يحمله،
فأجابه. فلما ردِّ الرَّشيد إلى الرِّقَّة. نقض نِقْفُور، فلم يجسُر أحدٌ أن يبلُغَ
الرَّشيدَ حتَّى عملت الشعراءُ أبياتاً يلوّحون بذلك. فقال: أَوَقَدْ فَعَلَها؟ فكرَّ راجعاً
في مشقَّة الشتاء حتّى أناخ بفنائه ونال مراده. وفي ذلك يقول أبو العَتَاهِيَة:
مِنَ الملكِ المُوفَّقِ للصَّوابِ
ألَ نَادَتْ مِرَقْلَةُ بِالخَرَاب(١)
وَيَبْرُقُ بِالْمُذَكَّرَةِ الصِّعَابِ(1)
غَدَا هَارُوْنُ يَرْعُدُ بِالمَنَايَا
تَمُرُّ كأنَّهَا قِطَعُ السَّحابِ
وَرَايَاتٌ يَحْلُّ النَّصْرُ فِيْهَا
وفيها غضب الرَّشيد على البرامكة وضرب عنق جَعْفَر بن يحيى
البرمكيِّ الوزيرِ أحد الأجواد الفصحاء البلغاء، وكان قد تفقّه على القاضي
أبي يُوسف، فلأجل ذلك كانت توقيعاته على منهج الفقه.
وكتب إلى بعض العمال.
أما بعد: فقد كثر شاكُوك وقَلَّ شاكروك، فإما اعتدلت، وإما عُزلت.
وقال يهوديّ للرَّشيد: إنك تموت هذه السنة. فاغتمّ وشكا إلى جَعْفَر.
فقال جَعفرُ لليهوديِّ: كم عمرك أنت؟ قال: كذا وكذا مدة طويلة. فقال
للرَّشيد: اقتله حتَّى تعلم أنه كذب. فقتله وذهب ما عنده.
وكان جَعْفَرُ يتحكّم في مملكة الرَّشيد بما أراد من غير مشاورة فينفّذها
الرّشید.
(١) في الأصل، والمطبوع: ((بالحراب)) وهو تصحيف.
(٢) كذا في الأصل، والمطبوع، و((العبر)) للذهبي (٢٩٦/١): ((الصعاب))، وفي ((مرآة الجنان))
(٤١٣/١): ((العضاب))، وفي كتاب ((أبو العتاهية أشعاره وأخباره)) للأستاذ الدكتور شكري
فيصل رحمه الله تعالى، ص (٤٩٢)، و((تاريخ الطبري)) (٣١٠/٨): ((القضاب)).
٣٩١

وأوَّلُ مَن ولي الوزارة منهم خالد بن برمك للسَّفَّاحِ. وسبب قتله أمورٌ
انضمّ بعضها إلى بعض، منها: أنه زوج الرَّشيد جَعْفَراً العبَّاسة لغرض
الاجتماع والمحرمية، وشرط عليه ألاّ يجتمع بها، فقدر الاجتماع لحصول
رغبة من العَبَّاسة.
حكى الشيخ شهاب الدِّين بن أبي حَجَلَة (١) في ((ديوان الصبابة)) أن
العَبَّاسة كتبت إلى جَعْفَر قبل مواقعته إيَّاها:
فَصَاحَ وَنَادِىْ إنني غَيْرُ فَاعِلِ
عَزَمْتُ عَلى قَلْبِي بِأَنْ يَكْتُمَ الهَوى
وَإِنْ عَنَّفَتْنِي فِي هَوَاك عَوَاذِلي
فَإِنْ لَمْ تَصِلنِي بُحْتُ بالسِّرِّ عَنْوَةٌ
وَأَقْرَرْتُ قَبْلَ المَوْتِ أَنَّكَ قَاتلي (٢)
وَإِن كَانَ مَوْتُ لا أَمَوْتُ بِغَصَّتِي
فواقعها، وحملت منه، وولدت سرّاً. فأرسلت الولد إلى مكَّة. ثم
اتصل خبره بالرَّشيد.
ومنها أنَّ الرَّشيد سَلَّم لجعفر يحيى بن عَبْدِ اللّه بن الحَسَنِ المُثِّى،
وكان قد خرج عليه، وأمره بحبسه عنده، فَرقَّ له جَعْفَرُ لقرابته من رسول
الله - ◌َ - واتِّصاله به، فأطلقه، فلما بلغ الرَّشيدَ إطلاقه أضمرها له. وقال:
قتلني اللَّه على البدعة إنْ لَّم أقتله.
ومنها أنه رُفعت إليه رقعة لم يُعرف صاحبها مكتوب فيها:
قُلْ لأَمِيْنِ اللَّه في أرْضِهِ وَمَنْ إلَيْهِ الحَلُّ وَالعَقْدُ
هَذَا ابنُ يحيىْ قَدْ غَدَا مَالِكاً مِثْلكَ مَا بَيْنَكُمَا حَدُّ
(١) هو أحمد بن يحيى بن أبي بكر التلمساني، أبو العباس شهاب الدين، ابن أبي حجلة، عالم
بالأدب، شاعر من أهل تلمسان، سكن دمشق، مات سنة (٧٧٦) هـ. انظر ((الأعلام))
للزركلي (٢٦٨/١ - ٢٦٩) وقد طبع ((ديوانه)) في مصر على هامش كتاب ((تزيين الأسواق)
لداود الأنطاكي المعروف بالأكمه، وسوف ترد ترجمته مفصلة في المجلد الثامن من كتابنا
هذا إن شاء اللّه تعالى.
(٢) الأبيات في ((ديوان الصبابة)) على هامش كتاب ((تزيين الأسواق)) ص (٨٤).
٣٩٢

وَأَمْرُهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّ
أَمْرُكَ مَرْدُوْدٌ إلى أَمْرِهِ
ـفُرْسُ لَهَا مِثْلًاً وَلاَ الْهِنْدُ
[وَقَدْ بَنَى الدَّارَ التي مَا بَنى الـ
وَتُرْبُهَا الْعَنْبَرُ وَالْنَّدُّمِ(١)
الدُّرُّ وَاليَاقُوْتُ حَصْبَاؤُهَا
مُلْكِكَ إِنْ غَيِّبَكَ اللَّحْدُ
وَنَحْنُ نَخْشِى أَنَّهُ وَارِثٌ
إِلَّ إِذَا مَا بَطِرَ الْعَبْدُ
وَلَنْ يُبَاهِي الْعَبْدُ أَرْبَابَهُ
ومع ذلك فقد كان الرَّشيد رأى إقبال النَّاس على البرامكة وكثرة أتباعهم
وأشياعهم، مع الإِدلال العظيم منهم، ومع الإِغراء من أعدائهم، كالفضل بن
الرَّبِيْع وغيره، ومع ذلك فكان الرَّشيد إذا ذُكرت مساوئهم عنده يقول:
عَنِ الْقَوْمِ أَوْسُدُّوا الْمَكَانَ الَّذِي سَدُّوا
أَقِلُوا مَلَمَاً لَ أياً لابِيْكُمُ
ولما أذن اللَّه سبحانه ببلائهم، ظهرت منَاماتٌ وعلامات لهم ولغيرهم،
وإشاراتٌ تطول.
منها أن يحيى بن خالد حَجَّ فتعلَّق بأستار الكعبة، وقال:
اللَّهمَ إن كان رِضَاك في أن تَسلْبَنِي نِعمَك(٢) فاسلُبني، وإن كان رضاك في
أن تَسلْبَني أهلي وولدي فاسلُبني، إلّ الفضل. ثم رجع وقال: اللَّهمّ إنه قبيحٌ
بمثلي أن يستثنيَ عليك. اللَّهَمّ والفضل.
ومنها ما حکی سَهْلُ بن هارون قال: كنت أکتب بین یدي یحیی بن
خَالد البرمكيِّ، فأخذته سِنَةٌ، فقال: طرقني النوم. فقلت: ضيفٌ كريم إن
قرّبته رَوَّحَكَ وإن منعته عذّبك. قال: فنام فُواق ناقة، وانتبه مذعوراً. فقال:
ذهب واللَّه ملكنا، رأيت منشداً أنشدني:
كَأَنْ لَمْ يكن بَيْنَ الحَجُوْنِ إلى الصّفَا أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
(١) ما بين حاصرتين زيادة من ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣٣٥/١)، و((مرآة الجنان)) اليافعي
(٤١٩/١).
(٢) في ((تاريخ الطبري)) (٢٩٢/٨): ((نعمتك)) والمؤلف ينقل القصة عنه بتصرّف.
٣٩٣

فأجبته :
صُرُوْفُ اللَّيَالِي وَالجُدُوْدُ العَوَائِرُ(١)
بَلِى نَحْنُ كُثَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا
فقتل جعفر بن يحيى بن خالد بعد أيام.
ومنها أن جعفر وقف على كنيسة بالحِيْرَةِ فِيْهَا حَجَرٌ مكتوبٌ لا تفهم
كتابته. فقال: هاتوا مَن يترجمه، وقد جعلت ما فيه فألاً لما أخافه من
الرَّشيد، فإذا فيه:
بِحَّيْثُ شَادَ البَيْعَةَ الرَّاهِبُ
إِنَّ بَنِي المُنْذِرِ عَامَ انْقَضَوْا
يَوْمَأْ وَلاَ يَرْهَبُهم رَاهِبُ
أَضْحَوْا وَلاَ يَرْجُوْهُمُ رَاغِبٌ
وَالعَنْبَرُ الْوَرْدُ لَهُ قَاطِبُ
تَنْفُحِ بالمِسْكِ ذَغَارِيهِمُ
وَانْقَطَعَ الْمَطْلُوبُ والطَّالِبُ (٢)
فَأَصْبَحُوا أَكْلًا لِدُوْدِ الثَّرى
فحزن جَعْفَرُ.
ومنها أنَّ الرَّشِيْد لما نَزَل بالأنبار وفي صحبته جَعْفَر،
وكانت ليلة السبت لانسلاخ المُحرَّم، وقيل: أول ليلة من صفر من هذه السنة
مضى جَعْفَر إلى منزله فأتاه أبو زكَّار(٣) الأعمى الكَلْوَذَاني فاستحضره وجواريه
خلف الستارة يضربن، وأبو زكَّار(٣) يغنّيه:
عَلَيْهِ الْمَوْتُ يَطْرُقُ أَوْ يُغَادِي
فَلاَ تَبْعُدْ فَكُلُّ فَتَّى سَيَأْتِي
وَإِنْ بَقِيَتْ تَصِيْرُ إلى نَفَادِ
وَكُلُّ ذَخِيْرَةٍ لَاَ بُدّ يَوْمَاً.
(١) البيتان في ((وفيات الأعيان)) (٣٣٧/١)، و((مرآة الجنان)) (٤٢٠/١)، ولفظة ((فأجبته)) التي
بینھما لم ترد فيهما.
(٢) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (٣٣٩/١).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((أبو ركاب الأعمى الطنبوري)) وأثبت ما في ((تاريخ الطبري))
(٢٩٥/٨). وكذا هو في المصادر والمراجع الأخرى التي بين يدي ((أبو زكار)) ولكن لم يرد ذكر
للفظتي ((الكلوذاني)) أو ((الطنبوري)) في أيٍّ منها.
٣٩٤

وَلَوْ فُوْدِيْتَ مِنْ حَدَثِ اللَّيَالِي فَدَيْتُكَ بِالطَِّيْفِ وَبِالتِّلَادِ(١)
فتطيّرِ جَعْفَرُ ودخل عليه الرَّسول الذي يريد قتله في تلك الحال، وعلى
تلك الهيئة.
وذكر الطبريُّ في ((تاريخه الكبير))(٢) في حوادث سنة سبع وثمانين وماية
أن الرَّشِيْد دعا ياسراً(٣) غلامه وقال: آمض فأتني برأس جعفر، فأتى ياسر
منزل جعفر ودخل عليه هجماً بلا إذنٍ وأبو زَكَّار(٤) يغنّيه، فقال له جعفر:
يا ياسر سَرَرْتَني بإقبالك وسُؤتني بدخولك بلا إذنٍ، فقال ياسر: الأمر أكبر من
ذلك، أمير المؤمنين أمرني بكذا، فقال: دعني لأدخل فأوصي. قال: لا سبيل
إلى ذلك. قال: فأسير معك لمنزل أمير المؤمنين بحيث يسمع كلامي. قال:
لك ذلك، ومضيا إلى منزل أمير المؤمنين، ودخل يَاسر عليه وعرَّفه الخبر. فقال:
يا ماصَّ بَظْر أُمِّه، والله لئن راجعتني فيه لأقتلنّك قبله. فرجع ياسر، فأخذ
رأس جَعْفَر ودخل به إلى الرّشيد فوضعه بين يديه، فنظر إليه وبكى، ثم قال:
يا ياسر جئني بفلان وفلان، فلما أتاه بهما، قال لهما: اضربا عنق يَاسر، فإني
لا أقدر أن أرى قاتل جعفر، ففعلا. انتهى.
وقيل غير ذلك في كيفية قتله ومَن قتله.
ثم أمر الرّشيد في تلك الليلة بتوجيه مَن أحاطَ بيحيى بن خالد وولده
(١) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (٣٣٨/١)، و((مرآة الجنان)) (٤٢١/١). والبيت الأول في
(تاريخ الطبري)) (٢٩٥/٨)، والبيتان الأول والثاني في ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير
(١٧٧/٦ - ١٧٨).
(٢) (٢٩٥/٨) والمؤلف ينقل منه بتصرّف واختصار، وكأني به قد خلط في نقله بين عبارة الطبري
في ((تاريخه)) وعبارة اليافعي في ((مرآة الجنان)) (٤٢١/١).
(٣) كذا في الأصل، والمطبوع، و((وفيات الأعيان)) (٣٣٨/١)، و«مرآة الجنان)): ((دعايا سرّاً))،
وفي ((تاريخ الطبري)): ((أرسل مسروراً الخادم)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((أبو ركاب)) انظر الصفحة السابقة.
٣٩٥

الفضل وبقية أولاده، ومَن كان منه بسبيل، فحبسوا، واستمر يحيى والفضل
في السجن إلى أن ماتا، ولهما قصائد طنّانة تستعطف الرَّشيد عليهم لم ينتج
منها شيء.
ثم فرّق الرَّشيد الكتب من ليلته في جميع البلدان والأعمال في قبض
أموالهم وأخذ وكلائهم، ولما أصبح بعث بجُثَّة جَعْفَر بن يحيى مع جماعة
منهم مسرور الخادم وأمرهم بقطعها وصلبها، فقطعت قطعتين، فصلبت قطعة
على الجسر الأعلى، وقطعة على الجسر الأسفل، ونصب رأس جعفر على
الجسر الأوسط، وأمر الرَّشيد بالنداء في جميع البرامكة أن لا أمان لمن آوى
أحداً منهم، ومنع النَّاس من التقرّب إلى جعفر. فرأى أبا قَابُوس الرَّقاشيّ
قائماً تحت جذعة يزمزم بشعر يرثيه، فقال له: ما كنت قائلاً تحت جذع جَعْفَر؟
قال: أو ينجيني منك الصدق؟ قال: نعم، قال: ترحَّمت عليه وقلت:
لِنَفْسِكَ أَيُّهَا المَلِكُ الهُمَامُ
أُمِیْن الله ھَبْ فَضْل بن یحیی
وَقَدْ قَعَدَ الوُشَاةُ بِهِ وَقَامُوا
عَلَى اللَّه الزِّيَادَةُ وَالتَّمَامُ
فَإِنْ وَجَبَ الرِّضا وَجَبَ الصِّيامُ
مَحَاسِنَ وَجْهِهِ رِيْحٌ قَتَامُ
إلى أَنْ كَادَ يَفْضَحُني القِيَامُ
وَعَيْنٌ لِلْخَلِيْفَةِ لَا تَنَامُ
كَمَا لِلنَّاسِ بِالرُّكْنِ اسْتَلامُ
حُسَامٌ فَلَّهُ السَيْفُ الحُسَامُ
لدَوْلَةِ آل بَرمكِ السَّلامُ
وَمَا طَلبِي إِلَيْكَ الْعَفْوَ عَنْهُ
أَرَىْ سَبَبَ الرِّضَا فِيْه قَوِيّاً
نَذَرْتُ عَلِيَّ فِيْهِ صِيَامَ عَامٍ
وَهَذَا جَعْفَرٌ بالجِسْرِ تَمْحُو
أَقُولُ لَهُ وَقُمْتُ لَدَيْهِ نَصْبَأْ
أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا قَوْلُ وَاشٍ
لَطُفْنَا حَوْلَ جِذْعَكَ وَاسْتَلَمْنَا
فَمَا أَبْصَرْتُ مِثْلَكَ یَا بنَ یحیی
عَلَى الْلَّذّاتِ فِي الدُّنيا جَمِيْعَاً
فلما سمع هَارُون الرَّشيد ذلك أطرق مليّاً واستعبر، ثم قال رجل: أولى
جميلاً، فقال: جميلاً، يا غلام نادٍ بأمان أبي قَابُوس، ولا يعارض، ولا
٣٩٦

يحجب عنّا بعد في مهمٌّ من مهمّاته. ثم استصفى الرَّشيد أموال البرامكة
وأخذ ضياعهم، وأموالهم، ومتاعهم، فوجد لهم مما حباهم به اثني عشر ألف
ألف. ووجد من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وستمائة ألف وستة وسبعين
ألفاً، وأما غير الأموال من الضِّياع، والغلَّت، والأواني فشيءٌ لا يوصف(١)
أقلُّه، ولا يعرف أيسره، فضلاً عن جميعه، إلَّ مَن أحصى الأعمال وعرف
منتهى الآجال.
وما ذكرنا قطرة من بحر من أخبارهم، والله أعلم.
ولما بلغ سفيان بن عيينة قَتْلُ جَعْفَر، حَوَّل وجهه إلى القِبْلَةِ وقال:
اللَّهمّ إنه كان قد كفاني مؤونة الدُّنيا فاكْفِهِ مؤونة الآخرة.
وفيها توفي مُحمَّد بن عَبْد الرّحمن الطُّفَاويُّ البَصرِيُّ. سمع أيوب
السَّخْتَیاني وجماعة.
قال في ((المغني))(٢): مُحمَّد بن عَبْدِ الرَّحمن الطَّفاويُّ، من شيوخ
أحمد، وثقوه.
وقال أبو زُرْعَة: منكر الحديث. انتهى.
ورَبَاح بن زَيْدِ الصنعانيُّ صاحبُ مَعْمَر.
قال أحمد، كان خِيّاراً. ما أرى في زمانه [من](٣) كان خيراً منه. انقطع
في بيته.
وعَبْدُ الرَّحيم بن سُلَيْمَانِ الرَّازيُّ نزيل الكُوفة. كان ثقةً صاحب
حديث. له تصانيف. روى عن عاصم الأحْوَل وخلق.
وعَبْدُ السَّلام بن حَرْب المُلائيُّ الكوفيُّ الحافظ. وله ست وتسعون
(١) في الأصل، والمطبوع: ((لا يصف)).
(٢) (٦٠٤/٢).
(٣) لفظة (من)) سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركتها من ((العبر)) للذهبي (٢٩٦/١).
٣٩٧

سنة. روى عن أَيُوب السَّختياني وطبقته.
قال في ((المغني))(١): صدوق، قال ابن سعد: فيه ضعف. انتهى.
وخرَّج له العُقَيلِيُّ .
وقال ابنُ ناصر الدِّين: عَبْدُ السَّلام بن حَرْب البَصرِيُّ ثم الكوفيُّ أبو
بكر المُلائيُّ كان مسنداً، ثقةً، معمّراً، في حديثه لين. انتهى.
وعَبْدُ الْعَزِيْزِ بن عَبْد الصَّمد البَصْرِيُّ الحافظ. روى عن أبي عِمْرَان
الجَوْني والكبار. وكان يُكنّى أبا عَبْدِ الصَّمد.
قال ابنُ نَاصر الدِّين: كان حافظاً من الثقات والمشايخ الأثبات.
انتھی .
وفيها أَبُو مُحمَّد عَبْدُ العَزِيْزِ بن مُحَمِّد الدَّرَاوَرْدِيُّ المدنيُّ. روى عن
صَغْوَان بن سُلَیم وخلق. وكان فقيهاً صاحبَ حديث.
قال يحيى بن مَعِيْن: هو أثبت من فُلَيْح(٢).
وفيها عليُّ بن نَصر بن علي الجَهْضَمِيُّ والدُ نَصر بن عَلي. روى عن
هِشَام الدَّسْتُوائي وأقرانه.
وأَبُو الخَطَّاب مُحمَّد بن سَواء السدوسيُّ البصريُّ المكفوفُ الحافظُ.
سمع من حُسَيْن المُعلّم، وأكثر عن أبي عَرُوبة .
وفيها الإِمامُ أَبُو مُحمَّد مُعْتَمِر بن سُلَيْمَان بن طَرْخَان التيميُّ الحافظُ،
أحد شيوخ البَصْرَة وله إحدى وثمانون سنة. روى عن أبيه، ومَنْصُور، وخلق
لا يحصون.
قال قُرَّة بن خالد: ما مُعْتَمِر عندنا بدون أبيه .
(١) (٣٩٣/٢).
(٢) هو فليح بن سليمان المدني. تقدمت ترجمته في ص (٣٠٤) من هذا المجلد.
٣٩٨

وقال غيره: كان عابداً، صالحاً، حجّةً، ثقة.
وفيها مُعَاذُ بن مُسْلم الكوفيُّ النحويُّ شيخ الكسائي، عن نحو مائة
سنة، وهو الذي سارت فيه هذه الكلمة:
إِنَّ مُعَاذَ بنَ مُسْلمٍ رَجُلٌ لَيْسَ لِمِيْقَاتِ عِلْمِهِ (١) أَمَدُ (٢)
الأبيات(٣).
قال في ((المغني))(٤): معاذ بن مسلم عن شُرَحِيْل بن السِّمْط، مجهول.
انتھی .
وفي محرَّم هذه السنة توفي شيخ الحِجَازِ الإِمام أبو علي الفُضَيْل بنِ
عَيَاض التميميُّ المروَزيُّ الزّاهد المشهورُ أحد العلماء الأعلام.
قال فيه ابنُ المُبَارك: ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفُضَيْل بن
عِیَاض.
وكان قد قَدِمَ الكُوفة شابًّاً فحمل عن مَنْصُور وطبقته.
قال شَرِيْك القاضي: فُضَيل حجةً لأهل زمانه.
وقال ابنُ ناصر الدِّين: الفُضَيْلُ بن عِيَاض بن مَسْعُود بن بِشْر أبو علي
التميميُّ اليربوعيُّ المروزيُّ إمام الحرم، شيخ الإِسلام، قدوة الأعلام. حدَّث
عنه الشَّافعيُّ، ويحيى القَطَّان، وغيرهما. وكان إماماً: ربَّانياً، كبير الشأن،
ثقة، نبيلاً، عابداً، زاهداً، جليلاً. انتهى.
(١) في ((وفيات الأعيان)) و((العبر)): ((عمره).
(٢) البيت في ((وفيات الأعيان)) (٢١٨/٥)، و((العبر)) للذهبي)) (٢٩٨/١).
(٣) قلت: أما تتمة الأبيات وصدرها فلها روايات مختلفة، والله أعلم. قارن على سبيل المثال
بين لفظ الأبيات في كلِّ من (إنباه الرواة)) للقفطي (٢٩٠/٣ - ٢٩١)، و((وفيات الأعيان)).
(٤) (٦٦٤/٢).
٣٩٩

قال الذهبيُّ في ((القِسْطاس في الذَّبِّ عن الثِّقات)): فُضَيْل بن عِیَاض
ثقةٌ بلا نزاع، سيِّدٌ.
قال أحمد بن أبي خَيْئَمَة: سمعت قُطْبَة بن العَلَاء يقول: تركت حديث
فُضَيْلِ بن عِيَاض لأنه روى أحاديث أزرى على عُثْمَان بن عَفَّان رضي اللَّه
عنه .
وحدّثنا عَبْد الصَّمد بن يَزِيْدِ الصَّانع قال: ذُكر عند الفُضَيْل - وأنا
أسمع - أصحابُ رسول اللَّه ـ وَ﴾ - فقال: اتَّبعوا فقد كُفيتم، أبو بكر، وعُمر،
وعثمان، وعلي رضي اللَّه عنهم.
قلت: لا يُقبل قول قُطْبَة، ومَن هو قُطبة حتَّى يُسمع قوله واجتهاده،
فالفُضَيل روى ما سمع، ولم يقصِد غَضَّأْ ولا إزراءً على أمير المؤمنين عُثمان
- رضي الله عنه - ففعل ما يسوغ، أفبمثل هذا يقول: تركت حديثه فهو كما
قيل: ((رَمَنْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلْتْ))(١).
وَقُطْبَة، فقد قال البُخاريُّ: فيه نظر، وضعّفه النَّسائيُّ وغيره.
وأما فُضَيْل فإتقانه وثقته لا حاجة بنا لذكر أقوال مَن أثنى عليه، فإنه
رأس في العلم والعمل رحمه اللّه تعالى. انتهى كلام ((القِسطاس)).
وقال ابنُ الأهدل: أبو علي الفُضَيْل بن عِيَاض، قال ابنُ المُبَارك:
ما على ظهر الأرض أفضل منه.
وقال شَرِيْك: هو حجة لأهل زمانه.
وقال له الرَّشيد: ما أزهدك! قال: أنت أزهد منّي، لأني زهدتُ في
الدُّنيا الفانية، وأنت زهدتَ في الآخرة الباقية.
(١) مثلٌ ساقَه البكري في ((فصل المقال)) ص (٩٢) بتحقيق الدكتور إحسان عبَّاس، والدكتور عبد
المجيد عابدين، طبع مؤسسة الرسالة، ودار الأمانة، وتكلم فيه عن قصته فراجعه فهو مفيد.
٤٠٠