Indexed OCR Text

Pages 221-240

والأكثر من المُحدِّثين وغيرهم، عملًا بالظاهر، والأصل عدم التَّدليس. حكاه
ابن عَبْدِ البِرِّ في ((التمهيد)) إجماعاً، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وفيها، أو في التي قبلها - وهو الصحيح - رُؤْبَة بن العَجَّاجِ البَصرِيُّ
التميميُّ (١) السَّعْدِيُّ، كان هو وأخوه من المُدوِّنين في الرجز ليس فيه شعر،
مع أن الرجز شعر على الصحيح.
وكان عارفاً باللغة وحشيّها وغريبها.
والرُّوْبَة خَمِيْرَةُ(٢) اللّبن، وهي أيضاً قطعة من الليل، والحاجة.
والرُؤْبة بالهمز: القطعة من الخشب يشعّب بها الإِناء، والجميع بضم الراء
وسكون الواو، إلا اسم هذا الرجل، والقطعة من الخشب، فإنهما بالهمز.
وفيها شِبْل بن عَبَّد قارىءُ أَهل مَكَّة، وتلميذ ابن كَثْر، حدَّث عن أبي
الطُّفَيْل وطائفة .
وعَمْرو بن الحارث المِصْريُّ الفقيهُ. حدَّث عن ابن أبي مُلَيْكَة وطبقته .
قال أُبُو حَاتم الرَّازي: كان أحفظ الناس في زمانه.
وقال ابنُ وَهب: ما رأيت أحفظ منه، ولم يكن له نظير في الحفظ.
ومُحمَّد بن الوَلِيْدِ الزُّبَيْدِيُّ الحمصيُّ القاضي، عالم أهل حِمْص. أخذ
عن مَكْحُوْل، وعَمْرو بن شُعَيْب، وخلق.
وقال: أقمت مع الزُّهري عشر سنين بالرّصافة(٣).
(١) في الأصل، والمطبوع: ((المصريُّ التيمي)) وهو خطأ، والتصحيح من ((تهذيب التهذيب))
(٢٩٠/٣).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((جريرة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) (١٦٢/٦).
(٣) يعني رصافة الشام، التي تعرف برصافة هشام بن عبد الملك. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت
(٤٧/٣ - ٤٨).
قلت: وهي الآن في سورية على مقربة من تدمر من جهة الشمال.
٢٢١

وقال الزُّهري عنه: قد احتوى هذا على ما بين جنبيَّ من العلم.
وقال مُحمَّد بن سَعْد: كان أعلم الشاميين بالفتوى والحديث(١).
والعَوَّم بن حَوْشَب شَيْخُ وَاسط. روى عن إِبْرَاهِيْم النَّخَعي وجماعة.
قال يَزِيْد بن هَارُون: كان صاحب أمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر.
وفيها (٢) في رمضان قاضي الكُوْفَة ومفتيها، أَبُو عَبْدِ الرَّحمن مُحمَّد بن
عَبْد الرَّحمن بن أبي لَيْلِى الأنصاريُّ الفقيهُ، لم يدرك أباه، وسمع الشَّعبيَّ
وطبقته .
قال أحمد بنُ يُونس: كان أفقه أهل الدُّنيا، وكان صاحب قرآن وسُنّة.
قرأ عليه حَمْزَةِ الزّيَّات، وكان صدوقاً جائز الحديث. قاله في ((العبر))(٣)
ومات وهو على القضاء.
وفيها مُحمَّد بن عَجْلَان المدنيُّ. روى عن أبيه، وأنس، وطائفة، وكان
عابداً، ناسكاً، صادقاً، له حلقة بمسجد النَّبِيِّ - ﴿ - للفتوى. روی له مسلم
مقروناً بآخر، وكان مولى لقريش.
(١) انظر (العبر)) للذهبي (٢١٠/١).
(٢) لفظة ((فيها)) لم ترد في المطبوع.
(٣) (٢١١/١).
٢٢٢

سنة تسعٍ وأربعينَ ومائة
فيها غَزَا النَّاسُ بلادَ الرُّومِ وعليهم العَبَّاس بن مُحمَّد، فمات في الغزاة
أكثر أمرائه(١).
وفيها توفي بالكُوْفَة زَكَرِيًّا بن أبي زَائِدَة الهَمْدَانِيُّ (٢) القاضي، والد
يحيى. روى عن الشَّعبي وغيره.
قال في ((المغني))(٣): صدوقٌ، مشهورٌ.
قال أَبُو زُرْعَة: صُوَيْلح.
وقال أبُو حَاتم: ليّن الحديث يدلِّس.
وثّقه أَبُو دَاوُد، وقال: يدلِّس. انتهى.
وفيها عِيْسِى بن عُمَر النَّحْويُّ.
قال ابن قُتَيْبة (٤): كان صاحب تقعير في كلامه، واستعمال للغريب فيه
وفي قراءته.
(١) في ((العبر)» للذهبي: ((فمات أكبر أمرائه محمد بن الأشعث الذي كان ولي إمرة مصر)).
(٢) في المطبوع: ((الهمذاني)) وهو تصحيف.
(٣) (٢٣٩/١).
(٤) في ((المعارف)) ص (٥٤٠).
٢٢٣

وضربه يُوسف بن عُمَر بن هُبَيْرَة في سبب وهو يقول: والله إن كانت إلّ
أثياباً في أَسْفَاطٍ (١) قبضها عشَّارُوْكَ. انتهى.
وقال ابنُ الأهْدَلِ: عِيْسى بن عُمَرِ النَّحْوِيُّ الثَّقَفيُّ البَصْرِيُّ مولى
خالد بن الوَلِيْد، نزل في ثقيف، فَنُسب إليهم، وكان صاحب غريب في لفظه
ونحوه، وحكي أنه سقط عن حمار فاجتمع عليه النَّاس، فقال: ما لكم
تَكَأْكَأْتُم عليَّ كَتَكَأْكُئِكُم على ذِي جِنَّة(٢) افرَنْقِعُوا عني.
معناه: ما لكم تجمّعْتم عليَّ كتجمّعكم على مجنون، افترقوا عنّي،
فقالوا: إن شيطانه هِنْدِيٌّ، وهو شيخُ سِيْبَوَيْه [وله ((كتابُ الجامع)) في النحو،
وهو المنسوب إلى سِيْبَوَيْهِ، وله أيضاً ((الإِكمال)) وصنّف نيفً وسبعين كتاباً في
النحو، ولم يبق منها سوى ((الجامع))، و((الإِكمال)) لأنها كانت احترقت إلاَّ
هذين، وكان سِيْبَوَيْه](٣) رحل إليه، وعاد ومعه ((الجامع)) فسأله الخَلِيْلُ عن
عِيْسِى، فأخبره بأخباره، وأراه ((الجامع)) فقال الخَلِيلُ:
غَيْرَ مَا أَحْدَثَ عِيْسى بنُ عُمَرْ
ذَهَبَ الْنَّحوُ جَمِيْعَاً كُلُّهُ(٤)
وَهُمَا لِلنَّاسِ شَمْسٌ وَقَمَرْ
ذَاكَ إِكْمَالٌ وَهَذَا جَامِعٌ
وهو شَيْخُ سِيْبَوَيْهِ، والخَلِيْلِ، وأبي عَمْرو ابنِ العَلَاءِ.
(١) في ((المعارف))، و((وفيات الأعيان)) (٤٨٨/٣): ((في أُسَيْفَاطٍ)).
(٢) قال ابن منظور: الجِنَّةُ الجُنُوْنُ ... وفي التنزيلِ العزيز: ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] والاسم
المصدر على صورة واحدة، ويقال: به جِنَّةً وجُنُونٌ ومَجَنّةٌ. ((لسان العرب)) (جنن).
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من الأصل، وأثبته من المطبوع.
(٤) في الأصل: ((ذهب النحو كله جميعاً) وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في ((مرآة الجنان))
اليافعي (٣٢٨/١) أصل (مختصر)) ابن الأهدل الذي نقل عنه المؤلف رحمه الله. قال
العلامة الأستاذ خير الدِّين الزركلي - رحمه الله - في ترجمة ابن الأهَدَل في ((الأعلام))
(٢٤٠/٢): و[كتابه] ((مختصر تاريخ اليافعي)) رأيته في خزانة الشيخ محمد سرور الصبان
بجدّة غير كامل.
٢٢٤

وَعِيْسِى هَذا هو الذي هَذَّبَ الْنَّحْوَ ورتّبه. انتهى ملخصاً مزيداً فيه.
وفيها توفي كَهْمَسُ بن الحَسَنِ البَصريُّ، روى عن أبي الطُّفَيْل وجماعة.
والمُثَنَّى بن الصَّبَّاحِ اليَمَانِيُّ (١) بمكّة. روى عن مُجَاهد، وعَمْروبن
شُعَيْب، وجماعة، وكان من أعْبَد النَّاس، وفي حديثه ضعفٌ.
(١) في الأصل: ((اليافعي)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في ((العبر)) للذهبي
(٢١٢/١) وهو الصواب.
٢٢٥

سنة خمسين ومائة
فيها خرجت أَهل خُرَاسَان على المَنْصُور مع الأَمِيْر أستاذسيس(١) حتَّى
اجتمع له فيما قيل: ثلاثمائة ألف مُقاتل، ما بين فَارسٍ وراجل، سائرهم من
أهل هَرَاة، وسِجِسْتَان، واستولى على أكثر خُرَاسَان، وعَظُم الخَطْبُ، فنهض
لحربه الأَخْثَمُ (٢) الَّرْوَروذي، فقتل الأُخْثَمُ واستبيح عَسْكَرُهُ، فسار حَازِمُ بن
خُزَيْمَة في جيش عظيمٍ بالمرَّة، فالتقى الجمعان، وصبر الفريقان، وقتل خلق
[كثيرٌ](٣) حتَّى قيل: إنه قتل في هذه الوَقْعَةِ سبعون ألفاً، وانهزم
أستاذسيس في طائفة إلى جبلٍ، وكانت هذه الوقعة في السنة الآتية،
سقناها استطراداً، ثم أمر حازم بالأسرى فضرب أعناقهم كلهم وكانوا أربعة
عشر ألفاً ثم حاصر أستاذسيس مدةً، ثم نزل على حكمهم، فقِيدَ هو
وأولاده، وأطلق أصحابه، وكانوا ثلاثين ألفاً.
وفيها توفي إمام الحِجَازِ أَبُو الوَلِيْد عَبْدُ المَلك بن عَبْد العَزِيْزِ بن جُرَيْح
الرُّوميُّ ثم المكيُّ، مولى بني أمَيَّة عن أكثر من سبعين سنة. أخذ عن عَطَاء
وطبقته، وهو أول مَن صنّف الكتب بالحِجَاز، كما أن سَعِيْد بن أبي عَرُوْبَة
أول مَن صنّف بالعِرَاق.
(١) في الأصل: ((إسناديس))، وفي المطبوع هنا وفي سياق الخبر: ((إسناذسيس)) وما أثبتناه من ((العبر))
للذهبي (٢١٣/١) مصدر المؤلف، وفي (دول الإسلام)) للذهبي: ((إسنادسيس)).
(٢) في ((دول الإسلام)) للذهبي: ((الأجثم)).
(٣) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٢١٢/١).
٢٢٦

قال أحمد: كان من أوعية العلم.
سه قال في ((العبر))(١): ولم يطلب العلم إِلَّ في الكهولة، ولو سمع في
عنفوان شبابه لحمل عن غير واحدٍ من الصحابة، فإنه قال: كنت أتتَّع(٢)
الأشعار العربيّة والأنساب، حتَّى قيل لي: لو لَزِمْتَ عَطَاءً، فلزمته ثمانية عشر
عاماً.
قال ابنُ المَدِيْني: لم يكن في الأرض أعلم بعَطّاء بن أبي رَبَاح من ابن
جُرَيْج
وقال عَبْدُ الرَّزَّاق: ما رأيت أحداً أحسن صلاةٌ من ابنِ جُرَيْج.
وقال خالد بن نِزَار الأَيْلي: رحلتُ بكتب ابن جُرَيْج سنة خمسين ومائة
لألقاه (٣) فوجدته قد مات رحمه الله تعالى. انتهى كلامه في ((العبر)).
وقال ابنُ الأَهْدَل: هو أول مَن صَنَّف الكتب في الإِسلام، كان بالیَمنِ
مع مَعْنٍ بن زَائِدَة، قال: فحضر وقت الحجِّ وخطر بباله قول عُمَر بن أبي
رَبِيعَة:
مَاذَا أَرَدْتَ بِطُوْلِ المَكْثِ في اليَمنِ
باللّهِ قُوْلِي لَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْتَبَةٍ
فَمَا أَخَذْتَ بِتَرْكِ (٤) الحَجِّ مِنْ ثَمَنِ(٥)
إِنْ كُنْتَ حَاوَلْتَ دُنْيَا أَوْ نَعِمْتَ بِهَا
قال: فدخلت على مَعْن، فأخبرته أني عزمت على الحَجِّ، قال: لمْ
تذكره من قبل، فأخبرته بما بعثني، فجهَّزني وانطلقت. انتهى.
(١) (٢١٣/١) وكلام المؤلف المتقدم عنه من ((العبر)) أيضاً.
(٢) في ((العبر)) للذهبي: ((اتبع)).
(٣) لفظة ((لألقاه)) سقطت من ((العبر)) للذهبي (٢١٤/١) فتستدرك فيه.
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((فما أجدتَ لترك الحج)) وما أثبته من ((ديوان عمر بن أبي ربيعة)).
(٥) البيتان في ((ديوان عمر بن أبي ربيعة)) ص (٢١٧) طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب.
٢٢٧

وقال في ((المعارف))(١): ابن جُرَيْج، هو: عَبْدُ الملك بن عَبْد
الْعَزِيْزِ بن جُرَيْج، وجُرَيْج كان عبداً لُأُمِّ حَبِيْب بنت جُبَيْر، وكانت تحت
عَبْدِ الْعَزِيْزِ بن عَبْدِ اللَّه بن خالد بن أَسَدْ، فَنُسب إلى ولائه، وولد سنة ثمانين عام
الجُحَاف. والجُحَاف: سيلٌ كان بمكّة.
حدَّثني(٢) أبُو حَاتم، عن الأَصْمَعيِّ، عن أبي هِلَال قال: كان ابنُ جُرَيْج
أحمر الخِضَاب.
روى الوَاقِديُّ قال: حدَّثنا عَبْدُ الرَّحمن بن أبي الزِّناد(٣) قال: شهدت
ابن جُرَيْج جاء إلى هِشَام بن عُرْوَة، فقال يا أبا المُنْذر الصحيفة التي أعطيتها
إلى فلان (٤) هي حديثك؟ قال: نعم.
قال الواقديُّ: فسمعت ابن جُرَيْج بعد ذلك يقول: حدّثنا هِشَامُ بنُ
عُرْوَة ما لا أحصي.
قال(٥): وسألته عن قراءة الحديث عن المُحدِّث. قال: ومثلك يسأل
عن هذا؟ إنما اختلف النَّاس في الصحيفة يأخذها ويقول: أُحدِّث بما فيها،
ولم يقرأها، وأما إذا قرأها فهو والسماع سواء. انتهى كلام ((المعارف)).
قلت: وهذا مذهب مالك وجماعة، وأما عند الحنابلة فالسماع أعلى
رتبةً، ويشهد لمذهبهم العقل والذُّوْق، واللَّه أعلم.
وفيها مات أبو الحَسَن مُقاتل بن سُلَيْمَان الأزديُّ مولاهم الخُرَاسانِيُّ
(١) ص (٤٨٨).
(٢) القائل ابن قتيبة في ((المعارف)).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((عبد الرحمن بن أبي زياد))، وهو خطأ، والتصحيح من ((المعارف))
لابن قتيبة ص (٤٨٨) وكتب الرجال.
(٤) في ((المعارف)): ((التي أعطيتها فلاناً)).
(٥) القائل الواقدي.
٢٢٨

المفسّر. [عدُّوه من المشبّهة كما ذكره الشيخ عبد القادر في ((الغنية))](١).
وقال في ((المغني))(٢): مُقَاتل بن سُلَيْمَان البلخي [المفَسِّرُ](٣)، هَالك،
كذَّبه وكيع والنسائي. انتهى.
وقال ابنُ الأَهْدَل: كان نبيلاً، واتهم في الرِّواية. قال مَرَّةً: سَلُوني عمّا
دون العَرْشِ ، فقيل له: مَن حلق رأس آدم لمّا حجَّ. وقال له آخر: الذَّرَّة (٤)
أو النملة معاؤها في مقدمها أو مؤخرها، فلم يدرِ ما يقول، وقال: ليس هذا
من علمكم، لكن بليت به لعجبي بنفسي.
وسأله المَنْصُورُ: لِمَ خلق اللَّه الذُّباب، فقال: لِيُذلّ به الجهابرة.
وقال الشَّافعيُّ: النَّاس عيالٌ علىْ مُقَاتِل بن سُلَيْمان في التفسير، وعلى
زُهَيْرِ بنِ أبي سُلْمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الفقه، وعلى الكِسَائِي
في النحو، وعلى ابن إِسْحاق في المغازي.
وفيها توفي الإِمام أبو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بن ثَابت الكُوفيُّ، مولى بني تیم
الله بن ثعلبة، ومولده سنة ثمانين، رأى أنساً وغيره، ونظم بعضهم مَن لقي
من الصحابة فقال:
مِنْ صَحْب طَهِ الْمُصْطَفىِ الْمُخْتَارِ
لَقِي الإِمَامُ أَبُو حَنِيْفَةَ سِتَّةً
وَسَمِيَّهُ ابنَ الحَارِثِ الكَرَّارِ
أَنْسَأَ وَعَبْدَ اللَّهِ نَجْلَ أُنَيْسِهِمْ
وَاضْمُمْ إِلَيْهِم مَعْقِلَ بنَ يَسَارِ
وَزِدِ ابْنَ أَوْفَى وابنَ وَائِلَةَ الرِّضي
(١) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع. و((الغنية)) و((الغنية لطالب طريق الحق)) وهو مطبوع
متداول.
(٢) (٦٧٥/٢).
(٣) لفظة ((المُفَسر)) سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركتها من ((المغني)) للذهبي.
(٤) قال ابن منطور: الذَّرُ: صغار النمل، واحدته ذَرَّةً، قال ثعلب: إن مائة منها وزن حبة من
شعير، فكأنها جزءً من مائة، وقيل: الذَّرَّةُ ليس لها وزن. ((لسان العرب)» (ذرر).
٢٢٩

ولكن لم تثبت له رواية عن أحد منهم، وإنما روى عن عطاء بن أبي
رَبَاح وطبقته، وتفقّه على حَمَّد بن سُلَيْمان، وكان من أذكياء بني آدم، جمع
الفقه، والعبادة، والوَرَع، والسَّخَاء، وكان لا يقبل جوائز الدولة، بل ينفق
ويؤثر مَن كسبه، له دار كبيرة لعمل الخَزِّ(١) وعنده صُنّاع وأُجَراء رحمه الله
تعالى .
قال الشَّافعيُّ: النَّاس في الفقه عِيال على أبي حَنِيفَة.
وقال يَزِيْدِ بنُ هَارُون: ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حَنِيفَة .
وروى بِشْرُ بن الوَلِيْد، عن أبي يُوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي
حَنِيْفَة، إذ سمعت رجلاً يقول لآخر: هذا أبُو حَنِيْفَة لا ينام الليل، فقال: والله
لا يُتَحَدَّثُ عنّي بما لم أفعل، فكان يُحيي الليل صلاةً، ودعاءً، وتضرّعاً.
وقد روي أن المَنْصُور سقاه السُّمَّ فمات شهيداً - رحمه الله - سَمَّهُ
لقيامه مع إبْرَاهِيْم(٢). قاله في ((العبر))(٣).
وذكر الحافظ العَامري في تأليفه ((الرياض المستطابة))(٤) وكذلك مُلَخِّصُهُ
صالح بن صلاح العلائي، ومن خطّه نقلت، أن الإِمام أبا حَنْفَة رأى
عَبْدَ اللَّهِ بن الحارث بن جزء الصحابي، وسمع منه قوله - وَلَ -: ((مَن تفقّه في
دِيْن اللَّه كَفَاهُ اللَّه هَمَّهُ وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسب))(٥). انتهى.
(١) قال في ((مختار الصحاح)) ص (١٧٤): الخزُّ واحد الخُزُوز من الثياب.
(٢) هو إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أحد الأمراء الشجعان، خرج
بالبصرة على المنصور، وتحول إلى الكوفة، وممن آزره أبو حنيفة، قتله حميد بن قحطبة سنة
(١٤٥) هـ. انظر ((الأعلام)) للزركلي (٤٨/١). (ع).
(٣) (٢١٤/١ - ٢١٥).
(٤) ص (١٤٩) من منسوختنا، وقد قمت بتحقيقه بالاشتراك مع الأستاذ الفاضل رياض عبد
الحميد مراد. وسوف نقدمه للطبع قريباً إن شاء الله تعالى.
(٥) ذكره الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٣٢/٣) وكذلك هو في ((تاريخ نيسابور)) للحاكم
وقد ذكره الذهبي في ((الميزان)) (١٤١/١) وفي سنده أحمد بن محمد بن الصلت الحِمَّاني،
وهو كذاب وضاع. قال الذهبي: قلت: هذا كذب، وعبد الله بن الحارث بن جزر الصحابي =
٢٣٠

وقال ابنُ الأَهْدَل: نقله المَنْصُور عن الكُوْفَةِ إلى بَغْدَاد ليولّيه القضاء
فأبى، فحلف عليه ليفعلنّ، فحلف أن لا يفعل، وقال أمير المؤمنين أقدرُ مني
على الكفّارة، فأمر به إلى الحبس.
وقيل: إنه ضربه.
وقيل: سقاه سُمَّاً لقيامه مع إبْرَاهِيْم بن عَبْد اللَّه بن حَسَن(١) فمات
شهيداً.
وقيل: إنه أقام في القضاء يومين ثم اشتكى ستة أيام ومات.
وكان ابن هُبَيْرَة قد أراده على القضاء في الكُوْفَة أيام مَرْوَان الجَعْدِيِّ
فأبى، وضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة، وأصَرَّ على الامتناع،
فخلی سبیله.
وکان الإِمام أَحْمَد، إذا ذكر ذلك ترحّم علیه. انتهى .
وقد قال في ((الأشباه والنظائر))(٢): لما جلس أَبُو يُوسف - رحمه الله -
للتدريس من غير إعلام أبي حَنْفَة، أرسل إليه أبُو حَنِيْفَة رجلًا فسأله عن
خمس مسائل :
الأولى: قَصَّارٌ جَحَدَ الثوب وجاء به مقصوراً، هَلْ(٣) يستحق الأجْرَ أم
لا؟ فأجاب أبُو يُوسف: يستحق الأجْر. فقال له الرَّجل: أخطأت، فقال: لا
يستحق، فقال: أخطأت، ثم قال له الرَّجل: إن كانت القصارة قبل الجُحُود
استحقّ، وإلا فلا.
الثانية: هل الدخول في الصَّلاة بالفرض أم بالسُّنَّة؟ فقال: بالفرض،
= توفي بمصر ولأبي حنيفة ست سنين، وكذلك قال الحافظ ابن حجر في ((اللسان)) (٢٧٠/١).
(١) تقدم التعريف به في الصفحة السابقة التعليق رقم (٢).
(٢) ((الأشباه والنظائر)) لابن نجيم ص (٥١٢ - ٥١٣) بتحقيق الأستاذ الفاضل محمد مطيع
الحافظ، طبع دار الفكر بدمشق. وما بين حاصرتين في القصة استدركته منه.
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((أهل)) وأثبت لفظ ((الأشباه والنظائر)).
٢٣١

فقال: أخطأت، فقال بالسُّنَّة، فقال: أخطأت، فتحيّر أبُو يُوسف، فقال
الرَّجل: بهما، لأن التكبير فرض، ورفع اليدين سُنّة.
الثالثة: طيرٌ سقط في قِدْر على النَّار، فيه لحمٌّ ومرقٌ، هل يؤكلان، أم لا؟
فقال أبُو يُوسف: يؤكلان، فخطّه، فقال: لا يؤكلان، فخطّأه، ثم قال: إن
كان اللحم مطبوخاً قبل سقوط الطير يُغسل ثلاثاً ويؤكل، وتُرمى المرقة، وإلا
يُرمی الکلُّ.
الرابعة: مسلم له زوجة ذميّة ماتت وهي حامل منه، تدفن في أيّ
المقابر؟ فقال: في مقابر المسلمين، فخطّأه، فقال أبو يوسف: في مقابر أهل
الذِّمّة، فخطّأه، فتحيّر [أبو يوسف] فقال [الرَّجل: تدفنُ] في مقابر اليهود
- أي لأنهم يوجهون قبورهم إلى القبلة - ولكن يُحَوَّل وجهها عن القبلة حتَّى
يكون وجه الولد إلى القبلة، لأن الولد في البطن يكون وجهه إلى ظهر أمه.
الخامسة: أُمُّ ولدٍ لرجلٍ، تزوجت بغير إذن مولاها، [فمات المولى]،
هل تَجِبْ العدّة من المولى؟ فقال: تَجِبْ، فخطّأه، [ثم قال: لا تجب،
فخطّأه]، ثم قال الرَّجل: إن كان الزَّوج دخل بها لا تَجِبْ، وإلا وجبت.
فعلم أبُو يُوسف تقصيره، فعاد إلى أبي حَنِيْفَة، فقال تزيَّبت(١) قبل أن
تحصرم، كذا في إجارات الفيض. انتهى كلام ((الأشباه)) والله أعلم، وبه
التوفيق .
وفيها، أو في التي قبلها - وهو الصحيح - الحَجَّاج بن أرْطاة.
قال ابنُ نَاصر الدِّين في «بديعة البيان»:
ثُمَّ أَبُو أرْطَأة الحَجَّاجِ مُدَلِّسٌ قَدْ طَمَسَ الحِجَاجَ
(١) في المطبوع: ((تزبيت)) وهو تصحيف.
٢٣٢

أي العَظْمُ المُسْتَدِيْر حول العين، ويقال: بل هو الأعلى الذي تحت
الحاجب(١).
قال في ((المغني))(٢): حَجَّاج بن أَرْطاة النَخعيُّ الكوفيُّ، من كبار
الفقهاء، تركه ابن مَهْدي، والقَطَّن، وقال أحمد، لا يُحتجّ به. وقال ابنُ
عَديّ: ربما أخطأ ولم يَتَعَمَّد، وقد وُتُّقَ. وقال ابنُ مَعِيْن. أيضاً: صدوقٌ
يدلس. خرَّج له مُسلم مقروناً بغيره انتهى .
وقد خرج له الأربعة(٣)، وابن حِبَّان.
وفيها عُمَرُ بن مُحمَّد بن يَزِيد بن عَبْدِ اللَّه بن عُمَرِ العُمرِيُّ بِعَسْقَلان.
روى عن سالم بن عَبْدِ اللَّه وطائفة، ولم يعقّب، وكان من السادة العُبَّاد.
قال الثَوريُّ: لم يكن في آل عُمَرَ أفضل منه.
وقال أبُو عَاصم النَّبيْل: كان من أفضل أهل زمانه.
وَعُثْمَان بن الأَسْوَد المكيُّ. روى عن سَعِيْد بن جُبَيْرِ، ومُجَاهد،
وطاووس.
(١) انظر ((لسان العرب)) (حجج).
(٢) (١٤٩/١).
(٣) يعني أصحاب ((السنن)) أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
٢٣٣

سنة إحدى وخمسين ومائة
فيها قَدِمَ المهديُّ من الرَّيِّ إلى بَغْدَاد ليراها، فأمر أبوه ببناء الرَّصَافة(١)
للمهدي في الجانب الشرقي مقابلة [بَغْدَاد](٢) وجعل له حاشية وحشم(٣) وآلة
في زيِّ الخلافة(٤). وجدّد البيعة بالخلافة للمهديِّ من بعده، ومن بعد
المهديِّ لِعِيْسی بن مُوسى(٥).
وفي رجب توفي الإِمام عَبْد اللَّه بن عَوْن شَيْخُ أَهْلِ البَصْرَة وعالمهم.
روى عن أبي وائل والكبار.
قال هِشَام بن حَسَّان: لم تَرَ عيناي مِثْلَ ابنِ عَوْن.
وقال قُرَّة: كنّا نعجبُ من ورع ابن سِيْرِيْن فَأَنساناه(٦) ابن عَوْن.
وقال عَبْدُ الرَّحمن بن مَهْدي: ما كان بالعِرَاق أعلم بالسُّنة من ابنِ
عَوْنٍ .
وقال أَبُو إِسْحَاق: هو ثقة في كل شيءٍ.
(١) قلت: وتعرف برصافة بغداد. انظر خبرها في (معجم البلدان)) لياقوت (٤٦/٣).
(٢) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٢١٥/١).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((وحشمة)) وهو تحريف، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي.
(٤) في ((دول الإِسلام)) للذهبي (١٠٤/١): ((وخيلاً في زي الخلفاء)).
(٥) في المطبوع: ((لعلي بن موسى)) وهو خطأ.
(٦) في الأصل، والمطبوع: ((فأنساه)) وأثبت ما في ((العبرة للذهبي (٢١٦/١).
٢٣٤

وفيها مُحمَّد بن إسْحَاق بن يَسَار المطلبيُّ مولاهم المدنيُّ صاحب
((السيرة)) رأى أنَساً وسمع الكثير من المَقْبُريِّ(١)، والأعرج، وهذه الطبقة،
وكان بحراً من بحور العلم، ذكيّاً، حافظاً، طلّبةً للعلم، أخبارياً، نسّابةً،
علَامةً.
قال شُعْبَة: هو أمير المؤمنين في الحديث.
وقال(٢) ابن مَعِيْن: هو ثقةٌ وليس بحجّةٍ .
وقال أَحمَد بن حَنْبَل: هو حسنُ الحديث. قاله في ((العبر)(٣).
وقال ابنُ الأَهْدَل: لا تجهل أمانته، ووثّقه الأكثرون في الحديث، ولم
يخرِّج له البخاريُّ شيئاً، وخرّج له مسلم حديثاً واحداً، من أجل طعن مالك
فيه، وإنما طعن فيه مَالك لأنه بلغه أنه قال: هاتوا حديث مالك فأنا طبيب
بعلله .
ومن كتب ابن إسْحَاق أخذ عَبْدُ الملك بن هِشَامِ، وكلُّ مَن تكلم في
السِّيَّر فعليه اعتماده، توفي بَيَغْدَاد ودفن في مقبرة الخَيْزُرَان أُمِّ الرَّشِيْد، نُسِبَت
المقبرة إليها لأنها أقدم مَن دفن فيها، وهي بالجانب الشرقي. انتهى.
وقال بعض المُحدِّثين: ابنُ إسْحَاق ثقةٌ ما لم يعنعن فيخشى منه
النَّدْلِيْس. انتهى .
وقال ابنُ نَاصر الدِّين: كان بحراً من بحور العلم، صدوقاً، مختلفاً فيه
جرحاً وتوثيقاً. انتهى.
(١) في الأصل: ((من المقر)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في ((العبر)) للذهبي
مصدر المؤلف وهو الصواب.
(٢) في المطبوع: ((قال)).
(٣) (٢١٦/١).
٢٣٥

وفيها حَنْظَلة بنُ أبي سُفْيَان بن عَبْد الرّحمن بن صَفْوَان بن أُمَيَّةِ الجُمحيُّ
المکيُّ، روی عن مُجاهد وطبقته.
والوَلِيْد بن كَثِير المدنيُّ بالكُوفَة. روى عن بَشِير بن يَسّار وطائفة، وكان
عارفاً بالمغازي والسِّيَر، ولكنه إباضيِّ. قاله في ((العبر)(١).
والإِباضية: هم المنسوبون إلى عَبْدِ اللَّه بن إباض. قالوا: مخالفونا من
أهل القِبْلَةِ كفّارٌ، ومرتكبُ الكبيرة موحّدٌ غير مؤمن، بناءً على أن الأعمال
داخلٌ في الإِيمان، وكفَّروا عليّاً وأكثر الصحابة.
قال الذَّهبيُّ في ((المغني))(٢): الوَليْد بن كَثير المخزوميّ ثقةٌ، وحديثه(٣)
في الكتب الستة. سمع سَعِيْد بن أبي مِنْد، والكبار.
قال أبُو دَاوُد: ثقة إلاّ أنه إباضي.
وقال ابنُ سَعْد: ليس بذاك. انتهى.
وفيها سَيْف بن سُلَيْمَان المَكيُّ. روى عن مُجاهد وغيره.
قال في ((المغني))(٤): ثقةً إلا أنه رمي بالقدر. انتهى.
وفيها، أو في التي تليها، صَالحُ(٥) بن عليٍّ الأمير، عمّ المَنْصُور، وأمير
الشَّام، وهو الذي أمر ببناء أُذَنَّة(٦) التي في يد صَاحب سِيْس، وقد هَزَمَ الرُّوم
(١) (٢١٧/١).
(٢) (٧٢٤/٢).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((حديثه)) وأثبت ما في ((المغني)).
(٤) (٢٩١/١).
(٥) في الأصل: ((صبح)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع، وهو موافق لما في ((العبر)) للذهبي
(٢١٧/١).
(٦) في الأصل: ((أدنه)) وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
قلت: وتعرف في أيامنا بـ ((أضنه))، وهي الجنوب الأوسط من تركيا المعاصرة. انظر
خبرها في ((معجم البلدان)) لياقوت (١٣٢/١ - ١٣٣).
٢٣٦

يومَ [مَرْجٍ](١) دَابق، وكانوا مائة ألف.
وفيها قتلت الخوارج غِيلةً مَعْنَ بن زَائدة الشِّيبانِيَّ الأميرَ بسجِسْتَان،
وكان قد وليها عام أوَّل، وكان أحَدَ الأبطال والأجواد. وكان مع بني أُميَّة
متنقّلًا في ولاياتهم، موالياً لابن هُبَيْرَة، وقاتل معه المَنْصُور، فلما قُتل ابن
هُبَيْرَة خاف مَعْنُ فاختفى، فلما كان يوم الهَاشميَّة - وهو يوم مشهودٌ - ثار فيه
جماعة من أهل خُرَاسَان على المَنْصور، وكانت وقعتهم بالهَاشِمِيَّة التي بناها
السَّفِّاح بقرب الكُوْفَة، وكان مَعْنُ متوارياً بالقرب منهم، فخرج متنكّراً وقاتل
قتالاً شديداً أبان فيه عن نجدته وفرَّقهم، فلما أفرج عن المَنْصُور قال له: مَن
أنت؟ فكشف اللثام وقال: أنا طَلبْتُكَ (٢) يا أمير المؤمنين، فأمّنه وأكرمه،
وصار من خواصه، وقال له: أنت الذي أعطيت مَرْوَان بن أبي حَفْص مائة
ألف درهم على قوله:
مَعْنُ بن زَائِدَة الذي زِيْدَتْ بِهِ
شَرَفَاً على شَرَفٍ بُنُو شَيْبَانٍ(٣)
فقال: إنما أعطيته على قوله:
بالسَّيْفِ دُوْن خَلِيْفَةِ الرَّحمنِ
مَازِلْتَ(٤) يَوْمَ الهَاشِمِيَّة مُعْلِناً(٥)
مِنْ وَقْعِ كُلِّ مُهَنَّدٍ وَسِنَانٍ
فَمَنَعْتَ حَوْزَتَهُ وَكُنْتَ وِقَايةً(٦)
(١) زيادة من ((دول الإِسلام)) للذهبي ص (٩٣) طبع مؤسسة الأعلمي ببيروت.
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((أنا طليبك)) وأثبت ما في ((مرآة الجنان)) لليافعي (٣٣٥/١) مصدر
المؤلف، وهو موافق لما في ((مروج الذهب)) للمسعودي (٢٩٩/٣).
(٣) البيت في ((الأغاني)) لأبي الفرج الأصفهاني (٨٦/١٠) نشرة مؤسسة جمال في بيروت.
(٤) في المطبوع: ((ما زالت)) وهو خطأ .
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((معلماً) وهو خطأ، والتصحيح من ((مروج الذهب)) للمسعودي
(٢٩٩/٣) و((مرآة الجنان)) لليافعي (٣٣٥/١).
(٦) كذا في الأصل، والمطبوع، و((مرآة الجنان))، وفي ((مروج الذهب)) و((الأغاني)) (٨٦/١٠)،
و(«وفيات الأعيان)) (٢٤٧/٥): ((وقاءه)).
٢٣٧

فقال: أحسنت [يا مَعْن](١).
ودخل عليه أعرابيٍّ وهو جالس على سريره فأنشده:
أَتَذْكُرُ(٢) إِذْ قَمِيْصُكَ جِلْدُ كَبْشٍ (٣) وَإِذْ نَعْلَاكَ مِنْ جِلْدِ الْبَعِيْرِ
تَهُشُ بِهِ (٤) الْكِلَابَ عَنِ الْهَرِيْرِ(٥)
وَفِي يُمْنَاكَ عُكَّازٌ طَوِيْلٌ
قال: نعم أعرف ذلك ولا أنساه.
فقال :
فَسُبْحَانَ الَّذِي أَعْطَاكَ مُلْكَاً وَعَلَّمَكَ الْجُلُوْسَ عَلَى الْسَّرِيْرِ
قال: [ذلك](٦) بحمد اللَّه لا بحمدك.
قال:
مَدى عُمْرِي بِتَسْلِيمِ الأَمِيْرِ
فَأُقْسِمُ لَا أُحَيّيكَ ابن مَعٍْ
قال: إذاً واللَّه لا أبالي .
فقال:
فَإِنِّي قَدْ عَزَمْتُ عَلى الْمَسِيْرِ(٨)
فَمُرْ لِي(٧) يَا ابنَ زَائِدَةٍ بِمَالٍ
قال لغلامه: أعطِهِ ألف درهم.
(١) زيادة ((مروج الذهب))، و((مرآة الجنان)).
(٢) في ((مرآة الجنان)): ((أتعرف)).
(٣) وفي بعض الروايات: ((أتذكر إذ لحافك جلد شاة)). (ع).
(٤) في الأصل: ((تهشّ بها)) وأثبت ما في المطبوع.
(٥) لم يرد هذا البيت في ((مرآة الجنان)) لليافعي (٣٣٦/١).
(٦) زيادة من ((مرآة الجنان)).
(٧) في الأصل: ((قم لي)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في ((مرآة الجنان)).
(٨) رواية البيت في ((مرآة الجنان)):
وزادٍ إذ عزمت على المسير
فمر لي يا بن زائدة بمال
٢٣٨

فقال :
لَأَطْمَعُ مِنْكَ بِالْشِّيءِ الْكَثِيْرِ
قَلِيْلٌ مَا أَمَرْتَ بِهِ وَإِنّي
قال: يا غلام زِدْهُ ألف درهم.
فقال:
مَلَكْتَ الْجُوْدَ وَالإِنْصَاف(١) جَمْعَاً فَبَذْلُ يَدَيْكَ كَالْبَحْرِ الْغَزِيْرِ
فقال يا غلام، ضاعف له الحساب(٢) فأضعف له.
ورأى راكباً محثّاً ناقته، فقال لحاجبه: لا تحجب هذا، فلما مَثَلَ بين
يديه أنشد :
فَمَا أُطِيْقُ الْعِيَالَ إِذْ كُثُرُوا
أَصْلَحَكَ اللَّهُ قَلَّ مَا بِيَدِي
فَأَرْسَلُونِي إِلَيْكَ وَانْتَظَرُوا(٤)
أَلَحَّ دهرٌ أَلْقَىْ بِكَلْكُلِهِ(٣)
فأخذته أريحيَّة، وقال: واللَّه لأعجلنّ أَوْبَتَكَ إليهم، فأعطاه مائة ناقة،
وألف دينار وهو لا يعرفه.
ولما طلب المَنْصُور سُفْيَان الثَّورِيّ، فَرَّ سُفْيَانُ إلى الْيَمن، فكان يقرأ
على النَّاس أحاديث الضِّيافة ليضيفوه، ويكتفي عن سؤالهم، فاتّهم بسرقة،
ورفع إلی مَعْن بن زَائِدَة، فتعرفه حتَّی عرفه، فقال: اذهب حيث شئت، فلو
كنت تحت قدمي ما أخرجتك.
ولما عَظُمَ صيته اندسّ له جماعة من الخوارج في ضيعة له بسِجِسْتَان،
فقتلوه وهو يحتجم، فتبعهم ابن أخيه فقتلهم جميعهم، ورثاه الشعراء
(١) في ((مرآة الجنان)): ((والإِفضال)).
(٢) في ((مرآة الجنان)) ((ضاعف له الحسنات)).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((ألحم دهر عليّ كلكله)). والتصحيح من ((مرآة الجنان)) اليافعي
(٣٣٧/١).
(٤) البيتان في ((تاريخ بغداد)) (٢٣٦/١٣).
٢٣٩

ومن أحسن ذلك قول مَرْوَان بن أبي حَفْصَة في قصيدته التي أولها:
مَكَارِمَ لَنْ تَبِيْدَ وَلَنْ تُنَالاَ (١)
مَضىْ لِسَبِيْلِهِ مَعْنٌ وَأَبْقَى
واستنشده إِيَّها جَعْفَر الْبَرْمَكي، فأنشده فبكى، وأجازه بستمائة دينار.
وروي أنه دخل على الْمَهدي بن المَنْصُور، فمدحه، فقال له: ألستَ
القائل؟ :
وَقُلْنَا أَيْنَ (٢) تَرْحَلُ بَعْدَ مَعْنٍ فَقَدْ ذَهَبَ الْنَّوَالُ وَلاَ نَوَالاً
وأمر بإخراجه، ثم وفد عليه في العام المقبل. وكانت الشعراء إنما
تدخل على الخلفاء في كل عام مَرَّةً، ثم مدحه بقصيدته التي يقول فيها:
طَرَقَتْكَ (٣) زَائِرَةً(٤) فأعجب بها، وهي مائة بيت، أعطاه مائة ألف درهم، وهي
أول إجازة بمائة ألف أعطيها شاعر في خلافة العباسيين.
(١) القصيدة في ((تاريخ بغداد) (٢٤١/١٣ - ٢٤٤) في (٥٤) بيتاً، وهي في (٤٢) بيتاً في
((وفيات الأعيان)) (٢٤٩/٥ - ٢٥١).
(٢) زيادة من ((العبر)) (٢١٨/١).
(٣) في الأصل: ((طوقتك)) وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
(٤) قلت: ومطلعها في (الأغاني)) (٨٧/١٠):
بيضاء تخلط بالجمال دلالها
طرقتك زائرة فحيّ خيالها
قاد القلوب إلى الصَّبا فأمالها
قادت فؤادك فاستقاد ومثلها
٢٤٠