Indexed OCR Text

Pages 121-140

سنة ثمان وعشرين ومائة
فيها ظهر الضَّحَّاك بن قَيْس الخَارجيُّ، وقتل متولي البَصْرَة، والمَوْصل،
واستولى عليها، وكثرت جموعه، وأغار على البلاد، وخافه مَرْوَانُ، فسار إليه
بنفسه، فالتقى الجيشان بنَصِيبِين(١) وكان أشارَ على الضَّحَّاك أمراؤه أن
يتقهقر، فقال: مالي في دنياكم من حاجة، وقد جعلت لله عليّ إن رأيت
هذا (٢) الطاغية أن أحمل عليه حتَّى يحكم الله بيننا، وعليَّ دَينٌ سبعةُ دراهم،
معي منها ثلاثة دراهم، فثارت الحرب إلى آخر النهار، وانهزم مَرْوَان ومُلِكَ
مُخَيِّمُهُ، وثبت أمير الميمنة في نحو ثلاث آلاف، فأحاطوا بذلك الخارجي،
فقتلوه في نحو ستة آلاف من الفريقين، وقام بأمر الخوارج شَيْبَانُ، فتحيِّز
بهم، وخَنْدَقَ(٣)، وخَنْدَقوا على أنفسهم، وجاء مَرْوَانُ فنازلهم، وقاتلهم
عشرةَ أشهر، كل يوم يكسرونه، وكانت فتنةً هائلةً تشبه فتنة ابن الأَشْعَث مع
الحَجَّاجِ، ثم رحل شَيْبَانُ نحو شَهْرَزُور(٤) ثم إلى كَرْمَان، ثم كَرّ إلى
البَحْرَيْن، فقتل هناك.
(١) بلدة تقع الآن في أقصى الجنوب الشرقي من أرض تركيا على مقربة من القامشلي. قال
ياقوت: وهي مدينة عامرة من بلاد الجزيرة، على جادة القوافل من الموصل إلى الشام، وفيها
وفي قراها على ما يذكر أهلها أربعون ألف بستان ... وينسب إلى نصيبين جماعة من
العلماء، والأعيان. انظر ((معجم البلدان)) (٢٨٨/٥ - ٢٨٩).
(٢) في الأصل: ((هذه)) وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع، وهو الصواب.
(٣) لفظة: ((وخندق)) لم ترد في ((العبر)) للذهبي (١٦٦/١).
(٤) مدينة تقع الآن في إيران. قال ياقوت: وهي كورة واسعة في الجبال بين إربل وهمذان، =
١٢١

وفيها خروج بِسْطَام بن اللَّيْث بِأَذْرَبِيْجَان، ثم قدم نَصِيبِين في
نَيِّفٍ وأربعين رجلاً، فنهض لحربه عسكر المُؤْصل، فبيَّتهم، وأصاب منهم ثم
عاث(١) بنَصِيبِين، ثم قتل.
وفيها ولي العِرَاقَّيْن يَزِيْدِ بن عُمَر(٢) بن هُبَيْرَة.
وعُزل عَبْدُ الله بن عُمَر بن عَبْد العَزِيْزِ، وَقَبَض عليه ابنُ هُبَيْرَة من وَاسِط،
وبعث به إلى مَرْوَان مع ابنٍ له، فلم يزالا في حبسه حتَّى ماتا.
وفيها توفي بَكْرُ بن سَوَادَة الجذاميُّ(٣) المِصْرِيُّ، مفتي مِصْرَ، وقد روى
عن عَبْدالله بن عُمَّر، وسَهْل بن سَعْد.
وجابرُ بن يَزِيْدِ الجُعْفي، من كِبَار المُحدِّثين بالكُوفة.
روى عن أبي الطَّيْل، ومُجاهد. وثقه وَكِيْع وغيره، وضعفه آخرون.
وأبُو قَبِيل المعافريُّ(٤) المِصْرِيُّ حُيّيّ(٥) بن هانىء سمع عقبة،
وعبيدالله بن عمرو.
وعَاصِمُ بن أبي النَّجُود الكُوفيُّ الأسديُّ مولاهم، أحد القراء السبعة (٦)
= أحدثها زور بن الضحاك، ومعنى شهر بالفارسية المدينة. انظر ((معجم البلدان))
(٣٧٥/٣ - ٣٧٦).
(١) في الأصل: ((ثم غاث)) وهو تصحيف.
(٢) في الأصل، والمطبوع، و((العبر)) للذهبي (١٦٧/١): ((يزيد بن عمرو)) وهو خطأ،
والتصحيح من کتب الرجال التي بين يدي.
(٣) في الأصل: ((الحزامي)) وهو تحريف، وأثبت ما جاء في المطبوع، وهو الصواب.
(٤) في الأصل: ((المغافري)) وهو تصحيف، وأثبت ما جاء في المطبوع، وهو الصواب.
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((حسن)) وهو خطأ، والتصحيح ((العبر)) للذهبي (١٦٧/١).
(٦) قلت: وبقية القراء السبعة هم:
الإمام علي بن حمزة الکسائي الأسدي، المتوفى سنة (١٨٩) هـ، وسوف ترد ترجمته في ص
(٤٠٧ - ٤٠٨) من هذا المجلد.
١٢٢
=

كان حُجَّةً في القرآن(١) صدوقاً في الحديث، قرأ على أبي عَبْد الرَّحمن
السُّلمي وغيره.
وأبو عمران الجَوْنِي البَصْري، عَبْدُ المَلك بن حَبِيْب عن سنٍّ عاليةٍ.
سمع جُنْدُبَ بن عَبْد الله وجماعة.
وفيها على الأصح أَبُو حُصَيْنِ الأُسديُّ، عُثْمَان بن عَاصِم سَيِّدُ بني أَسَد
بالكُوْفة، كان ثبتاً، خيِّراً، فاضلاً، عُثْمَانِيَّاً، لقي جَابِرَ بن سَمُرَة وطائفة.
وأبو الزُّبَيْر المكيُّ، مُحمَّد بن مُسْلم، أحد العقلاء والعلماء، لقي عَائِشَة
والكبار.
قال ابنُ ناصر الدِّين: نُقم عليه التَدْلِيْسُ، ومع ذلك فهو إمامٌ حافظٌ،
واسع العلم، رئیسٌ. انتھی.
وأبو جمرة(٢) الضُّبَعِيُّ، نَصْرُ بن عِمْرَان، صاحب ابنِ عَبَّاس.
= والإِمام نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم الليثي، المتوفى سنة (١٦٩) هـ، وسوف ترد
ترجمته في ص (٣١٢ - ٣١٣) من هذا المجلد.
والإِمام عبد الله بن كثير الكناني الداري المكي، المتوفى سنة (١٢٠) هـ. وقد تقدمت
ترجمته في ص (٨٩ - ٩٠) من هذا المجلد.
والإِمام عبدالله بن عامر اليحصُبي الدمشقي، المتوفى سنة (١١٨) هـ. وقد تقدمت ترجمته
في ص (٨٥) من هذا المجلد.
والإِمام حمزة بن حبيب الزيات، المتوفى سنة (١٥٦) هـ، وسوف ترد ترجمته في
ص (٢٥٥) من هذا المجلد.
والإمام زبان بن العلاء بن عمار التيمي المازني أبو عمرو، المتوفى سنة (١٥٤) هـ، وسوف
ترد ترجمته في ص (٢٤٨ - ٢٥١) من هذا المجلد.
(١) في المطبوع: ((كان حُجَّةً في القراءات)).
(٢) في ((العبر)): ((أبو حمزة)) وهو تصحيف، وقد فات محققه الدكتور صلاح الدِّين المنجد
تصحيحه علماً بأنه رجع إلى كتاب «اللباب في تهذيب الأنساب)) (٢٦٠/٢) لضبط نسبته ومع
ذلك فاته صواب الاسم عند ابن الأثير ! .
١٢٣

وفيها فقيه مِصْرَ وشيخُها ومفتيها، أبُو رَجَاء، يَزِيْدِ بن أبي حَبِيْب الأزْدي
مولاهم، لقي عَبْدَالله بن الحَارِث بن جَزْءٍ وطائفة.
قال اللَّيْث: هو عالمنا وسيدنا.
وفيها أبُو الَيَّاحِ البَصْرِيُّ، صاحبُ أَنَس، واسمه يَزِيْد بن حُمَيْد.
قال أبو إياس: ما بالبَصْرَة أحدٌ أحبُّ إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله من
أبي النَّّاحِ.
وقال أَحْمَدُ: هو ثبتُ ثقةٌ.
وفيها يحيى بن يَعْمَرِ النَحَويُّ البَصْرِيُّ، لقي ابن عُمَرَ، وابن عَبَّاس،
وغيرهما، وأخذ النحو عن أبي الأَسْوَد [التُّؤْلَي] وكان يفضِّل أهل البيت من
غير تنقُّص لغيرهم(١).
قال له: الحَجَّاجُ: تزعم أن الحَسَنَ والحُسَيْن من ذُرية
رسول الله - رَم ــ! لتخرجن من ذلك أو لألقينَّ الأكثر منكَ شعراً، فقال: قال
الله تعالى: ﴿ومن ذريته داود وسليمان﴾ الآية ﴿وزكريا ويحيى وعيسى) الآية
[ الأنعام: ٨٤]. وما بين عِيْسَى وإبْرَاهِيْم أكثر مما بين الحَسَن والحُسَيْن
ومحمد - وَلجه - فقال له الحَجَّاجُ: ما أراك إلاّ قد خرجت والله لقد قرأتها وما
علمت بها قطُّ .
ثم قال له الحَجَّاجُ: أين ولدت؟ قال بالبَصْرَةِ. قال: وأين نشأت؟
قال: بخُرَاسَان. قال فمن أين هذه العربية؟ قال: رزق.
ثم كتب الحَجَّاجُ إلى قُتَيْبة بن مُسْلم: أن اجعل يحيى بن يَعْمَر على
قضائك(٢).
(١) في الأصل: ((بغيرهم)) وأثبت ما في المطبوع
(٢) المؤلف ينقل عن ((مرآة الجنان)) اليافعي (٢٩٧/١) بتصرف، وما بين حاصرتين استدركته
منه .
١٢٤

سنة تسع وعشرين ومائة
في رمضان منها كان ظهور أبي مُسْلم الخُرَاسَاني صاحب الدَّعوةِ بِمَرُو.
وفيها توفي عالم المَغْرِب وعابدها خَالِد بن أبي عِمْرَان التُّجِيِيُّ الْتُونسيُّ،
قاضي إفرِيْقية. روى عن عُرْوَة وطبقته.
وسَالم المدني أبو النضر، وحديثه عن عبدالله بن أبي أوفى إجازة(١) في
((الصحیحین)).
وفيها، وقيل: في سنة إحدى وثلاثين، عليُّ بن زَيْد بن جَدْعَان القُرَشيُّ
التَّيْمِيُّ البَصْرِيُّ الضَرِيْرُ، كان أحد أوعية العلم.
قال في ((العبر))(٢): كان أحد علماء الشيعة، وكان كثير الرِّواية، ليس
بالقويِّ. انتھی .
وفيها على الصحيح يحيى بن أبي كَثِيْر صَالح بن المتوكل، وقيل: اسم
أبيه يَسَار، وقيل: نَشِيط، وقيل: دِينَار، الطَّائي مولاهم، كان أحد العلماء
الأعلام الأثبات.
(١) أقول: أي كتابة، وهو حديث: ((لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية)) وهو عند البخاري
في الجهاد رقم (٢٩٦٥)، ومسلم رقم (١٧٤٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله
عنه. (ع).
(٢) (١٦٩/١).
١٢٥

قال: أيوب السختياني: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي
کَثِيْر.
وقال في ((العبر))(١): هو أحد الأعلام في الحديث، له حديث في
((صحيح مسلم)) عن أبي أمَامَة، وآخر في ((سنن النسائي)) عن أنس، فيقال:
لم يلقهما، والله أعلم(٢). انتهى.
وفيها قارىء المدينة الزَّاهِدُ العابدُ أَبُو جَعْفَر يَزِيْد بن القَعْقَاعِ، عن بضعٍ
وثمانين سنة .
أخذ عن أبي هُرَيْرَة، وابن عَبَّاس، وقرأ عليه نّافع، وإلياس(٣) وله ذكر
في ((سنن أبي داود))، وكان من أفضل أهل زمانه، رؤي بعد موته على ظهر الكعبة
وهو يخبر أنه من الشهداء الكرام.
(١) (١٦٩/١).
(٢) انظر ((تحرفة الأشراف)) (١٢٢/١ و٢٩٠ - ٢٩١) بتحقيق الشيخ عبد الصمد شرف الدين،
فقد ذكر المزي فيه أحاديث أخرى من روايته.
(٣) لم أقف على ذكر له فيمن قرأ على أبي جعفر في المصادر التي بين يدي.
١٢٦

سنة ثلاثين ومائة
فيها كانت فتنة الإِباضية، وهم المنسوبون إلى عَبْد الله بن إباض(١) قالوا:
مخالفونا من أهل القِبْلة كفار، ومرتكب الكبيرة موحّد غير مؤمن، بناءً على أن
الأعمال داخلة في الإِيمان، وكفَّروا علياً وأكثر الصحابة، وكان داعيتهم في
هذه الفتنة عَبْدُ الله بن يحيى الجَنَدِيُّ الكِنْدِيُّ الحضرميُّ، طالب الحق، وكانت
لهم وقعة بقُدَيْد(٢) مع عَبْد العَزِيْزِ بن عَبْدِ الله بن عَمْروبن عُثْمَان، فقتل
عَبْدُ العَزِيْزِ، ومن معه من أهل المَدِينة، فكانوا سبعمائة، أكثرهم من قريش،
منهم مَخْرَمَةُ بن سُلَيْمان الوالبي، روى عن عَبْدالله بن جَعْفر وجماعة، وبعدها
سارت الخوارج إلى وادي القُرْى، ولقيهم عَبْد الملك السَّعْدِي، فقتلهم،
ولحق رئيسهم إلى مَكَّة فقتله أيضاً، ثم سار إلى تَبَالَة وراء مَكَّة بست مراحل،
فقتل داعیتهم الكِنْدي.
وفيها توفي بالبَصْرَةِ شُعَيْب بن الحَبْحَاب صاحب أَنْس.
وأَبُو الحُوَيْرث(٣) عَبْدُ الرَّحمن بن مُعَاوِيَة الأنصاريُّ المدنيُّ .
(١) في المطبوع: (عبد الله بن أباض)) وانظر ((الأعلام)) للزركلي (٦١/٤ - ٦٢) فقد استوفى
رحمه الله ترجمته فيه وهي نافعة.
(٢) قرية قرب مكة. انظر ((معجم ما استعجم)) للبكري (١٠٥٤/٢ - ١٠٥٥)، و((معجم البلدان))
(٣١٣/٤ - ٣١٤).
(٣) في الأصل: ((أبو الحربرب)) وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع، وهو الصواب.
١٢٧

وعَبْد العَزِيْز بن رُفّيْعِ المَكيُّ ثم الكُوفي عن نَيِّفٍ وتسعين سنة. روى
عن ابن عَبَّاس وجماعة.
وشَيْبَةُ بن نِصَاحِ بن سَرْجس(١) بن يَعْقُوْب، مولى أُمُّ سَلَمَة، ولا يُعلم
أحدٌ روى عن نِصَاحِ إلَّ ابنه شَيْبَة، وكان شَيْبَةُ إمام أهلِ المَدِيْنَةِ في القراءات
في دهره، قرأ على أبي هُرَيْرَة، وابن عَبَّاس.
وقال: قالُوْنُ(٢): كان نَافِعُ أكثر اتَّبَاعاً لشَّيْبَةً من أبي جَعْفر(٣).
وَعَبْدُ العَزِيْزِ بنِ صُهَيْبِ البَصْرِيُّ الأعمى.
وكَعْبُ بنُ عَلْقَمَةَ التَنُوخِيُّ المصريُّ. روى عن أبي تميم الجَيْشاني
وطائفة.
وفيها، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، السيد الجليل، كبير الذُّکر، محمد بن
المُنْكَدر التيميُّ المدني .
قال ابن نَاصر الدِّين: هو مُحمَّد بن عَبْد الله بن الهُدَيْر بن عَبْد
العُزَّى(٤) بن عامر بن الحارث بن حَارِثة بن سَعْد بن تيم بن مُرَّةٍ أَبُو عَبْد الله،
ويقال: أبو بكر القُرشيُّ التَّيْميُّ أخو أبي بَكْر، وعُمَرَ(٥). سمع أبا هُرَيْرَةَ، وابن
عَبَّاس، وجَابِرَاً، وأَنَساً، وابن المُسيِّب، وعدة أخر، وهو من أضراب
(١) في الأصل: ((ابن سرخش)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع، وهو الصواب.
(٢) هو عيسى بن ميناء بن وردان بن عيسى الزُّرَقِيُّ، مات سنة (٢٢٠) هـ. انظر («معرفة القراء
الكبار)) للذهبي (١٥٥/١ - ١٥٦) طبع مؤسسة الرسالة، وسوف ترد ترجمته في المجلد
الثالث من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((كان نافع أكثر اتباعاً لشيبة بن جعفر)) وهو خطأ، والتصحيح من
((العبر(( للذهبي (١٧٠/١). وانظر ((معرفة القراء الكبار)) للذهبي (٨٠/١).
(٤) في الأصل: ((ابن معبد))، وفي المطبوع: ((ابن معبد القرشي)) وكلاهما خطأ، والتصحيح من
((تهذيب الكمال)) للمزي (١٢٧٦/٣) مصورة دار المأمون للتراث و((تهذيب التهذيب))
(٤٧٣/٩).
(٥) يعني أخو أبي بكر بن المنكدر، وعمر بن المنكدر.
١٢٨

عَطَاء بن أبي رَبَاح، لكن تأخرت وفاته عن تلك الطبقة. انتهى.
قيل له: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: إدخَالُ السرور على المؤمنين.
وقيل له: أيُّ الدُّنيا أحبُّ إليك؟ قال: الإِفضالُ على الإِخوان.
وكان يحج وعليه دَيْنٌ. فقيل له: أتحج وعليك دَيْنٌ؟ فقال: هو أقضى
للدّین.
وكان إذا حجَّ خرج بنسائه وصبيانه كلَّهم، فقيل له في ذلك، فقال:
أعرضهم على الله.
قال مَالِكُ: كنت إذا وجدت من قلبي قسوةً آتي ابن المُنْكَدر فأنظر إليه
نظرةً فأبغُض نفسي أياماً، وكان من أزهد النَّاس وأعبدهم، وكان له أخوان
فقيهان عابدان، أبُو بَكْر ابن المُنْكدر، وعُمَرُ بن المُنْكَدر.
وسمع محمدُ عائشة، وأبا هُرَيْرَة، وكان بيته مأوى الصالحين ومجتمع
العابدین.
وفيها توفي أبو وجزة(١) السعديُّ المدنيُّ یزید بن عُبيد، الذي روى عن
عُمَيْر بن أبي سَلَمَة.
ويزيد الرِّشْك(٢) بالبُصْرَة. روى عن مُطرِّف بن الشِّخِّيْرِ، وجماعة.
وفيها توفي يَزِيْد بن رُوْمان المدني. روى عن عُرْوَة، وجماعة، وقيل:
إنه قرأ على ابن عَبَّاس، وهو من شيوخ نافع في القراءة.
(١) في الأصل: ((وجرة)) وهو تصحيف، وأثبت ما جاء في المطبوع، وهو الصواب.
(٢) قال ابن منظور: الرِّشْكُ: اسم رجل كان عالماً بالحساب، وفي ((التهذيب)): اسم رجل كان
يقال له: يزيد الرِّشْكِ، وكان أحسب أهل زمانه، وكان الحسن البصريُّ إذا سئل عن حساب
فريضة قال: علينا بيان السِّهام، وعلى يزيد الرِّشْكِ الحساب، قال الأزهريُّ: ما أدري الرِّشْك
عربياً، وأراه لقباً، قال: ولا أصل له في العربية علمته. ((لسان العرب)) (رشك).
١٢٩

وقاضي دِمَشْقِ يَزِيْد بن عَبْد الرَّحمن بن أبي مُلَيْك الهَمْدَانِيُّ الفقيه.
أخذ عن وَاثِلَة بن الأسْقَع، وجماعة(*).
(*) قلت: وفيها قتل شيبان بن سلمة الحروري. انظر ((تاريخ الطبري)) (٣٨٥/٧ - ٣٨٦)
و(الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٣٨٢/٥ - ٣٨٣)، وانظر ص (١٢١) من هذا المجلد.
١٣٠

سنة إحدى وثلاثين ومائة
فيها استولى أبُو مُسْلِم صاحب الدعوة على ممالك خُرَاسَان، وهزم
الجيوش، وأقبلت سعادةُ(١) بني العَبَّاس، وَوَلَّتْ الدُّنيا عن بني أُمَيَّة، وكان
ابتداء دعوته بمَرو، وذلك أن أبا مُسْلم واسمه عَبْدُ الرَّحمن بن مُسْلم قام
بالدعوة الهاشمية، وابتداء أمره أن أباه مُسْلماً رأى أنه خرج من إحْلِيْلِهِ(٢) نارٌ
وارتفعت في السماء، ووقعت في ناحية المشرق، فقصها على مولاه
عِيْسى بن مَعْقل العِجْلِي، فقال له: يولد لك غلامٌ يكون له شأنٌ، فمات
أَبُوه، ووضعته أمه، ونشأ عند عِيْسی بن مَعْقل، ثم حُبِسَ عِيْسی وأخوه إدریْس
جَدُّ أبي ذُلَفْ العِجْلي(٣) الذي يمدح في بقايا عليهم من الخراج، فكان أَبُو
مُسْلم يختلف إليهما، فوافق عندهم يوماً جماعة من نقباء الإِمام مُحمَّد بن
علي بن عَبْدِ الله بن عَبَّاس يدعون إلى بيعته سِراً، فمال إليهم أبُو مُسْلم، وسار
معهم حتّى قدموا على الإِمام محمَّد بن علي بمكّة، فشكر فعلهم، وأشار إلى
(١) في الأصل: ((سجادة)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع، وهو الصواب.
(٢) قال ابن منظور: الإِحليل: مخرج البول من الإِنسان ... والإِحليل يقع على ذكر الرجل،
وفرج المرأة. ((لسان العرب)) (حلل).
(٣) أبو دُلَف: هو القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن سيَّار بن شيخ بن سيَّار بن عبد
العُزَّى بن دُلَفْ بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لُجم. قاله ابن حزم في ((جمهرة
أنساب العرب)) ص (٣١٣) وسوف ترد ترجمته في أول المجلد الثالث إن شاء الله تعالى.
١٣١

أبي مُسْلم(١) وقال له: أنت ممن يتحرك في دولتنا، ومات الإِمام عقب(٢)
ذلك، وقد أوصى إلى ابنه إبْرَاهِيْم، فقدِمَت الدُّعاة على إبْرَاهِيْم ومعهم أَبُو
مُسْلم وهو غلامٌ حَزَوَّرٌ(٣) فسلَّموا أبا مُسْلم إليه، فكان يخدمه حضراً وسفراً،
ثم أرسله إلى خُرَاسَانَ فشهر الدَّعوة وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقيل: ابن
ثلاث وثلاثين سنة، وكان يدعو إلى رجل من بني هاشم غير معين، ثم أظهر
الدَّعوة إلى إبْرَاهِيْم(٤) بن مُحمَّد، وكان إبَرَاهِيْم بحرَّان فَقَبَضَ عليه مَرْوَان
وجعل رأسه بِجَراب نُوْرَة(٥) وشدَّ عليه، فمات غماً، وهرب أخوه عَبْدُ الله
السَّفَّاح، فتوارى بالكُوْفَةِ حتَّى أتته جيوش أبي مُسْلم من خُرَاسَان بعد وقعاته
العظيمة بأمراء الأمويين، فبايعوه وسموه المَهْدي الوارث للإِمامة.
وكان أبُو مُسْلم معظّماً يلقاه أبُو لَيْلِى القاضي فيُقبِّل يده، فنهي أبُو لَيْلی،
فقال: قَبَّل أَبُو عُبَيْدَة يد عُمَرَ، فقيل: شبّهتَهُ بِعُمَرَ، قال: تشبِّهوني بأبِي عُبَيْدة.
ومن جوده أنَّه حجَّ في ركبه، فأقسم أن لا يُوقد غير ناره، وقام
بمؤونتهم حتَّى قدم مَكَّة، ووقف بمكَّة خمسمائة وصيفٍ يسقون النَّاس في
المسْعی.
وآخر أمره أنه لما ولي أَبُو جَعْفر المَنْصُور بعد أخيه السَّفَّاح، صدرت
من أبي مُسْلم قضايا غيّرت قلبه عليه، ومن ذلك أنه كتب إليه كتاباً فبدأ
بنفسه، وخطب إليه عمته آسِيَة، وقد كان في ابتداء دولة المَنْصُور قام عليه
(١) في المطبوع: ((وأشار لأبي مسلم)).
(٢) في الأصل: ((عقيب)) وأثبت ما في المطبوع.
(٣) قال ابن منظور: الحزوَّر: الغلام الذي قد شبَّ وقويَ ... والجمع حَزَاوِرُ وحَزَاوِرَةٌ. ((لسان
العرب)» (حزر).
(٤) في المطبوع: ((ثم أظهر الدعوة لإِبراهيم)).
(٥) الجراب: الوعاء، والنّوْرَة الحجر الذي يحرق ويسوى منه الكلس. انظر ((لسان العرب))
(جرب) و (نور).
١٣٢

ابن أخيه ابن السَّفَّحِ عَبْدُ الله، فجهّز إليه أَبُو جَعْفَر أبا مُسْلم فهزمه وقبض
خزانته وما معه، فكتب إليه أَبُو جَعْفَر المَنْصُور: احتفظ بما في يديك ولا
تضيِّعه، فشق ذلك على أبي مُسْلم وعزم على خلع المَنْصُور، ثم إن المُنْصُورَ
استعطفه ومناه وحفظها له، وقال: لمسلم بن قُتَيْبَة البَاهِلِيِّ: ما ترى في أبي
مُسْلم؟ فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيْهِمَا آلِهَةٌ إلَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [ الأنبياء: ٢٢]. فقال:
حَسْبُكَ لأذن واعيةٍ .
قيل: وقد كان قيل لأبي مُسْلم، أو رؤي له في الملاحم أنه يُمْيْتُ دَوْلَةٌ
ويُحِي دَوْلَةٌ، ويُقتَل بأرض الرُّوْمِ، وكان المَنْصُورُ برُومِيَة، التي بناها
الاسْكَنْدَر ذو القَرْنَيْن بمدائن كِسْرَى(١) لما طاف الأرض، ولم يجد المَنْصُورُ
بُرُومِيَة منزلاً سوى المَدَائن، فنزلها وبنى فيها رُومِيَة، وقدم أبُو مُسْلم من حجّه
على المَنْصُور برُوْمِيَة، ولم يخطر بباله أنها مقتله، بل ذهب ذهنه إلى بلاد
الرُّوم، فدسَّ المَنْصُور جماعة خلف سريره وقال لهم: إذا دخل وعاتبته
وضربت يداً على يد فاظهروا له واضربوا عنقه، ففعلوا، وأنشد حين رآه
طريحاً:
زَعَمْتَ أَنَّ الْكَيْلَ لَ يَنْقَضي(٢) فَاسْتَوْفِ بالْكَيْلِ أَبَا مُجْرِمٍ
اشْرَبْ بِكَأْسٍ كُنْتَ تَسْقِي بِهَا أَمَرَّ في الخَلْقِ مِنَ الْعَلْقَمِ
واختُلِفَ في نسب أبي مُسْلم، فقيل: من العرب، وقيل: من العجم،
وقيل: من الأَكْرَاد، وفي ذلك يقول أبو دُلَمَةٍ(٣):
أَبَا مُجْرمٍ مَا غَيِّرَ الله نِعْمَةً عَلَى عَبْدِهِ حَتَّى يُغَيِّرَهَا الْعَبْدُ
(١) قلت: وهي اليوم في العراق. انظر ((الروض المعطار)) للحميري ص (٢٧٦ - ٢٧٧).
(٢) في ((وفيات الأعيان)) لابن خلَّكان (١٥٤/٣): ((زعمت أنَّ الدَّين لا يُقتضى)).
(٣) هو زند بن الجون الأسدي، المتوفى سنة (١٦١) هـ. انظر ترجمته في ص (٢٧٣ -٢٧٤) من هذا
المجلد.
١٣٣

أَا إِنَّ أَهْلَ الْغَدْرِ آبَاؤُكَ الْكُرْدُ
أَفِي دَوْلَةِ المَنْصُورِ حَاوَلْتَ غَدْرَةً
عَلَيْكَ بِمَا خَوَّقْتَنِي الأَسَدُ الْوَرْدُ
أَبَا مُسْلِمٍ خَوَّقْتَنِي الْقَبْلَ فَانْتَحَىْ
وكان يدعي هو أنه ابن سَلِيْط بن علي بن عَبْدِ الله بن عَبَّاس.
وقال الكُتُبِيُّ في ((غرر الخصائص)): قَتَلَ أَبُو مُسْلم ستمائة ألف.
انتھی .
وكان قَتْلُ المَنْصُورِ لَه في سنة سبع وثلاثين ومائة.
وفي سنة إحدى وثلاثين مات الزَّاهد المَشهور فَرْقَد السَّبَخِيُّ البَصْرِيُّ.
حدَّث عن أَنْس وجماعة، وفيه ضعفٌ.
قال الذهبيُّ في ((المغني))(١): فرقد السَّبَخي أَبُو يَعْقُوب. [قال البخاريُّ:
في حديثه مناكير. وقال يحيى القَطَّان: ما تعجبني الرِّواية عنه عن سَعِيْد بن
جُبَيْر](٢). وثقه يحيى بن مَعِيْن، وقال أحمد: ليس بالقوي. انتهى.
ومَنْصُور بن زَاذَان البَصْري، زاهد البَصْرَة وشيخها. روى عن أُنْس،
وجماعة، وكان يُصلي من بُكْرَةٍ إلى العَصر، ثم يُسبِّح إلى المَغْرِبِ.
وفيها قتلَ أَبُو مُسْلم الخُرَاسَانِيُّ إِبْرَاهِيْمَ بن مَيْمُون الصائغ ظلماً. روى
عن عَطّاء ونافع.
وفيها توفي بالبَصْرَةِ إِسْحَاقُ بن سُوَيْد التميمي. روى عن ابن عُمَرَ،
وجماعة .
وإِسْمَاعِيْلُ بن عَبْد الله بن أبي المُهَاجر الدِّمشقيُّ، مؤدِّب أولاد
عَبْدِ الملك بن مَرْوَانَ، وكان زاهداً، عابداً، روى عن أنس، وطائفة.
(١) انظر ((المغني في الضعفاء)) (٥٠٩/٢ - ٥١٠).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من ((المغني)) المطبوع بتحقيق الدكتور نور الدِّين عتر، فيستدرك فيه.
١٣٤

وفيها فقيه أهل البَصْرَة أَيُوب السَّخْتياني، أحدُ الأعلام، كان من صغار
التابعين.
قال شُعْبَةُ: كان سَيِّد الفقهاء.
وقال ابن عُيَيْنَة: لم ألق مثله.
وقال حمّاد بن زَيْد: كان أفضل مَن جالستُه وأشدّه اتباعاً للسُّنَّة.
وقال ابن المديني: له نحو ثمانمائة حديث.
وقال ابن ناصر الدِّين: هو أُيُوب بن أبي تَمِيْمَة كَيْسان أَبُو بَكْر
السَّخْتَانِيُّ البَصْرِيُّ، كان سَيِّد العلماء وعَلَمَ الحفّاظ، ثبتاً في الأيقاظ(١). انتهى.
وفيها الزُّبِيْر بن عَدي، قاضي الرَّيِّ. يروي عن أُنَسٍ وجماعة.
وسُمَيِّ مولى أبي بَكْر بن عَبْدِ الرَّحمن بن الحَارِثِ المَخْزُومِيُّ المدنيُّ،
لقي كبار التابعين.
وفيها أَبُو الزِّنَادِ عَبْدُ الله بن ذَكْوَان، مولى رَمْلَة بنت شَيْبَة بن رَبِيْعة،
وكانت رَمْلَةُ تحت عُثْمَان بن عَقَّان، وكان أَبُو الزِّنَاد يُكنى أبا عَبْدِ الرَّحمن،
فغلب عليه أُبُو الزِّنَاد.
وعن الأَصْمَعِيِّ عن أبي الزِّنَاد أنه قال: أصلُنا من هَمْدَان، وكان عُمَرُ
ابن عَبْد العَزِيز ولَهُ خراج العراق مع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن
الخَطَّاب، ومات أبُو الزِّناد فجأةً في مغتسله في شهر رمضان وهو ابن ست
وستين سنة .
وكان فقيهاً أحد علماء المَدِيْنَةِ، لَقِي عَبْدَالله بن جَعْفَر، وأَنَسَأً.
(١) في الأصل: ((في الإِيقاظ)) وأثبت ما في المطبوع.
١٣٥

قال اللَّيْثُ: رأيت أبا الزِّنَادِ وخلفه ثلثمائة تابع، من طالب علم، وفقه،
وشعر، وصنوف، ثم لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا على رَبِيْعَة (١).
قال أَبُو حَنِيْفَة: كان أَبُو الزِّنَادِ أفقه من رَبِيْعَة .
وفيها عَبْدُالله بن أبي نَجِيْحِ المَكِّيُّ المُفَسِّرُ صاحب مُجَاهِدٍ. كان مولى
لبني مَخْزُوم، ويُكنى أبا يَسَار. وكان يقول بالقدر.
قال الذَّهبيُّ في ((المغني))(٢): عَبْدُالله بن أبي نَجِيْحِ المَكِّيُّ المُفَسِّرُ
ثقةٌ. قال القَطَّان: لم يسمع التفسير كله من مُجَاهد، بل كله عن القاسم بن
أبي بَزَّة، وقد كره الجُوْزَجانيُّ فيمن رُمي بالقدر، هو، وَزَكَرِيًّا بن إِسْحَاق، وَعَبْدُ
الحَمِيْد بن جَعْفَر، وإِبْرَاهِيْم بن نَافِعِ، وابن إِسْحَاقَ، وعُمَرُ بن أبي زَائِدَة،
وشِبْل بن عَبَّد، وابن أبي ذِئْب، وسَيْف بن سُلَيْمَان. انتهى.
وفيها محمّد بن جُحَادة الكُوْفِيُّ. يروي عن أَنْس، وطائفة. توفي في
رمضان.
وهَمَّامُ بن مُنَبِّه اليَمَاني صاحب أبي هُرَيْرَة. وكان من أبناء المائة.
قال أحمد: كان يغزو، فجالس أبا هُرَيْرَةً. وكان يشتري الكتب لأخيه
وَهْب.
وفيها وَاصل بن عَطَاءِ المُعتزليُّ المتكلُّم، كان أَلْثَّغَ يبدل الراء غيناً،
وكان يخلص كلامه بحيث لا تُسمع منه الرَّاء، حتَّى يظن خواص جلسائه أنه
غير أَلْثَغِ، حتَّى يقال: إنه دفعت إليه رقعة مضمونها: أمر أمير الأمراء الكرام أن
(١) يعني ربيعة بن فروخ التيمي المدني، أبو عثمان، المعروف بربيعة الرأي. انظر ص (١٥٩)
من هذا المجلد.
(٢) (٣٦٠/١).
١٣٦

يحفر بئرٌ على قارعة الطريق فيشرب منه الصَّادر والوارد، فقرأ على الفور:
حكم حاكم الحكام الفخام أن يُنْبش جب على جادة الممشى، فيسقى منه
الصَّادي والغادي، فغيَّر كل لفظٍ برديفه، وهذا من عجيب الاقتدار. وقد
أشارت الشعراء إلى عدم(١) تكلمه بالرَّاء، من ذلك قول بعضهم:
نَعم تَجَنَّبَ، لَ، يَوْمَ العَطَاءِ كَمَا تَجَنَّبَ ابْنُ عَطَاءٍ لَفْظَةَ الرَّاءِ
ولما قالت الخوارج بتكفير أهل الكبائر، وقالت أهل السُّنَّة بفسقهم،
قال وَاصل بن عَطَاء: لا مؤمنون ولا كفار، فطرده الحَسَنُ عن مجلسه، وصار
له شیعةٌ.
قال السيد الشريف في ((التعريفات)): الواصليّةُ: أصحابُ أبي حُذَيْفَة
وَاصِل بن عَطَاء، قالوا بنفي القدرة عن الله تعالى وتقدس، وبإسناد القدرة إلى
العباد. انتهى .
٠٠٠
(١) تحرفت في الأصل إلى ((بعدم)) وأثبت ما في المطبوع.
١٣٧

سنة اثنتين وثلاثين ومائة
فيها ابتداء دولة العباسيين، وبويع أَبُو العَبَّاس السَّفَّحِ عَبْدُالله بن مُحمَّد بن
عَلي بن عَبْدالله بن عَبَّاس بالكُوْفَةِ، وجهّز عمه عَبْدالله بن علي لمحاربة مَرْوَان
ابن مُحمَّد الجَعْدِي، فزحف مَرْوَان إليه في مائة ألف، إلى أن نزل بالزَّاب(١)
دون المُؤْصِل، فالتقوا في جمادى الآخرة، فانكسر مَرْوَان، واستولى
عَبْد الله بن علي على الجَزِيْرَةِ، وطلب الشام، وهرب مَرْوَان إلى مِصْرَ،
فأتبعهم(٢) أيضاً، فأدركهم بفِلَسْطِيْن، فأوقع بهم بضعاً وثمانين رجلاً، ثم عبر
مَرْوَان النيل طالباً الحَبَشَةَ، فلحقه صَالح بن علي عمُّ السَّفَّاح، فأدركه بقرية
من قرى الفَيُّم من أرضٍ مِصْرَ يقال لها بُوصِيْر(٣) فوافاه صائماً وقد قُدِّم له
الفطور، فسمع الصائح، فخرج وسيفه مصلَتْ، فجعل يضرب بسيفه ويتمثل
بقول الحجّاج بن حکِیْم :
مُتَقَلِّدِيْنَ صَفَائِحَاً مِنْدِيَّةٌ يَتْرُكْنَ مَنْ ضَرَّبُوا كَأَنْ لَمْ يُؤْلَّدٍ
(١) نهر يسمى الزَّاب الأعلى، وهو بين الموصل وإربل. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت
(١٢٣/٣ - ١٢٤).
(٢) في المطبوع: ((فأنبعهم)) وهو تصحيف.
(٣) في الأصل: ((بوصيري)) وهو خطأ، وأثبت ما جاء في المطبوع، وهو الصواب، انظر خبرها
في ((معجم البلدان)) لياقوت (٥٠٩/١).
١٣٨

وَإِذَا دَعَوْتَهُمُ (١) لِيَوْمِ كَرِيْهَةٍ وَافَوْكَ بَيْنَ مُكَبِّرٍ وَمُوَخِّدٍ
فقصدته الخيول من كل جانب، وقتلوه، وكان أهله وبناته في كنيسة
هناك، فأقبل خادمه بالسيف مصلتً يريد الدخول عليهم، فَأَخِذَ وسئل عن
مراده، فقال: إن مَرْوَان أمرني إذا تيقّنت موته أن أضرب رقاب نسائه وبناته،
فأرادوا قتله، فقال: إن قتلتموني لتفقدن ميراث رسول الله - وَلَه - قالوا: فدلنا
على ذلك إن كنت صادقاً، فخرج بهم إلى رمل هناك، فكشفوه فإذا فيه
القَضِيْب، والْبُرْد، والقَعْبُ(٢) والمُصْحَفُ(٣) فأخذوه، وكان الذي تولى قتله
عَامر بن إِسْمَاعِيْل الخُرَاسَاني، وهو صاحب مقدمة صَالح، ولما قتله دخل
بيته، وركب سريره، ودعا بعشائه، وجعل رأس مَرْوَان في حِجْرِ ابنته، وأقبل
يوبِّخها، فقالت له: يا عَامِر، إن دَهراً أَنزل مَرْوَان عن فراشه وأقعدكَ عليه
حتّى تعشيت عشاءه، لقد أَبْلَغَ في موعظتَكَ، وعمل في إيقاظك وتنبيهك إن
عَقِلْتَ وفكرت، ثم قالت: واأبتاه، واأمير المؤمنيناه، فأخذ عَامِراً الرُّعْبُ من
كلامها، وبلغ ذلك أبا العَبَّاس السَّفَّاح، فكتب إلى عامر يوبِّخه ويقول: أما
في أدب الله ما يخرجك عن عشاء مَرْوَان والجلوس على مهاده.
وقتل مَرْوَانُ وله تسع وخمسون سنة، وقيل: سبع وستون، وإمارته
خمس سنين وتسعة أشهر وأيام.
وقتل معه أخ لعُمَرَ بن عَبْدِ العَزِيْزِ، كان أحد الفرسان، وكان مَرْوَانُ
بطلًا، شجاعاً، ظالماً، أبيض، ضخم الهامة، رَبعة، أشهل العين، كثَّ
اللحية، أسرع إليه الشيب، ذكره المنصور مَرَّةً فقال: لله دُرُّه ما كان أحزمه،
وأسوسه، وأعقّه عن الفيء. قاله في ((العبر)) (٤).
(١) في الأصل: ((وإذ دعوتهم)).
(٢) القعب: القدح الضخم. انظر ((لسان العرب)) (قعب).
(٣) في (مروج الذهب)) (٢٦٢/٣): ((فإذا البرد، والقضيب، ومحصر)).
(٤) لم أجد هذا النقل في ((العبر)) المطبوع.
١٣٩

وسار أولاد مَرْوَان وشيعتهم على شاطىء النيل إلى أن دخلوا أرض
النَّوْبَةِ، فأخرجهم ملكها، ثم ساروا حتَّى توسطوا أرض البَجاء (١) ميممين(٢)
نَاصِعَ(٣) من ساحل بحر الْقُلْزُم(٤) ولهم حروب مع من مُرُّوا به.
وَهَلَكَ عُبَيْدُ الله بن مَرْوَان في غده قتلاً وعطشاً، وخرج أخوه عَبْدُ الله
فيمن بقي إلى ساحل المندب (٥) بنَاصِع وأرض البَجَاء(٦) وقطعوا البحر إلى
جُدَّة، فظُفر به وأودع السِّجن إلى أيام الرَّشِيْد وهلك.
وروي أن عَبْدَالله هذا حدَّث أبا جَعْفَرِ المَنْصُور بما جرى له مع ملك
النَّوْبَةِ، وملخص القصة على ما ذكره صاحب ((العقد الفريد))(٧): ذكر
سُلَيْمَانُ بن جَعْفَرُ قال: كنت واقفاً على رأس المَنْصُور ليلةً وعنده جماعة
فتذاكروا(٨) زوال ملك بني أميّة، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين في حَبْسِكَ
عَبْدالله بن مَرْوَان بن مُحمَّد، وقد كانت له قصة عجيبة مع ملك النَّوْبَة، فابعث
إليه فاسأله عنها، فقال المَنْصُور: يا مُسَيِّب عليَّ به، فأُخرج وهو مقيِّدٌ بقيدٍ
ثقيلٍ ، وغُلَّ ثقيلٍ، فمثل بين يديه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين
ورحمة الله وبركاته، فقال له المَنْصُورُ: يا عَبْدَ الله، إن رَدَّ السَّلامِ أُمْنٌ ولم
تسمح لك نفسي بذلك بعدُ، ولكن اقعد، فجاؤوه بوسادة فقعد عليها، فقال
(١) في الأصل، والمطبوع: ((أرض البجة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((معجم البلدان)) لياقوت
(٣٨٨/٤) وفيه قال: والبجَّاء قوم سودٌ أشد سواداً من الحبشة.
(٢) في الأصل: (متيممين)) وأثبت ما في المطبوع.
(٣) قال ياقوت: ناصع من بلاد الحبشة. ((معجم البلدان)) (٢٥١/٥).
(٤) قلت: ويعرف الآن بالبحر الأحمر.
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((ساحل المعدن)) وهو خطأ، والتصحيح من (العقد الفريد)) لابن
عبد ربه (٢١٥/٥) طبع دار الكتب العلمية. وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٢٠٩/٥).
(٦) في الأصل، والمطبوع: ((أرض البجة)) والتصحيح من ((معجم البلدان)) لياقوت (٣٨٨/٤).
(٧) ((العقد الفريد)) (٢١٧/٥ -٢١٨) طبع دار الكتب العلمية.
(٨) في الأصل: ((فتذكروا)) وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
١٤٠