Indexed OCR Text

Pages 1-20

شَدَرَات الذهب
في أخبَار مَنْ ذَهَبُ
لابن العماد
الإِمَامِشِهَابِ الّذِين ◌َبِ الْفَلَاحِ عَبْدِ الحَيّب ◌َ عْمَد بِ مَقَدِ العَكَرِيّالخَبَلِالدِّمَشِقِي
(١٠٣٢ - ١٠٨٩هـ)
المجدّد الثانى
أُشرف على تحقيقه وخرج أحاديثه
عبد القادر الأرناؤوط
حققه وعلّق عليه
محمُود الأرناؤوط
دار اتكتير
دمشق - بيروت

بِسْمِاللهِالرَّحمِ الرَّيَمِ

شَدَرَات الذهب
في أخبَار مَنْ ذَهَبُ

جميع الحقوق محفوظة للنا شر
الطبْعَة الأولى
١٤٠٨هـ -١٩٨٨مـ
بن
لِلطَّبَاعَةِ وَالنّشْرِ وَالتّوزيع
دمشق- شارع مستم البارودي - بناء خولي وصلاحي - ص.ب ٣١١ - هاتف ٢٢٥٨٧٧
بيروت - ص. ب ١١٣/٦٣١٨

سنة إحدى ومائة
في رجب منها توفي الخليفة العادل، أمير المؤمنين وخامس الخلفاء الراشدين
أَبُو حَقْص عُمَرُ بن عَبْدالعَزِيْزِ(١) بن مَرْوَان الأمويُّ بِدَيْرِ سِمْعَان من أرض المَعَرَّةِ(٢)
(١) في المطبوع: ((عمر بن العزيز)) وهو خطأ.
(٢) قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (١٤٤/٥): روى خليفة بن خيَّاط وغيره، أن عمر بن عبد
العزيز مات يوم الجمعة لخمسٍ بقين من رجب سنة إحدى ومئة بدير سَمْعَان من أرض
حمص. قال: وإنما هو من أرض المَعَرَّة، ولكن المعرَّة كانت من أعمال حمص هي وحماة.
قلت: وذكر ابن قتيبة في ((المعارف)) ص (٣٦٣)، والسُّيُوطي في ((تاريخ الخلفاء)) ص (٢٤٦)
بأنه توفي في دير سمعان من أرض حمص. وفي ذلك تأييد لما ذكره الذهبي في (سير أعلام
النبلاء)»، وتقوية لما ذهب إليه المؤلف ابن العماد رحمه الله.
واضطرب الفيروزآبادي في «القاموس المحيط)) والزبيدي في «تاج العروس)) (دیر) في تحديد مكان
وفاته، فجزما بأنه مات بدير سمعان من أرض دمشق وبه دفن، ثم ذكرا في مادة (سمع) بأنه
دفن في دیر سمعان من أرض حمص.
وجزم ياقوت في ((معجم البلدان)) (٥١٧/٢)، والحميري في ((الروض المعطار)) ص (٢٥١)
بأنه دفن في دير سَمْعَان بنواحي دمشق. قال ياقوت: وروي أن صاحب الدير دخل على
عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه بفاكهة أهداها له، فأعطاه ثمنها، فأبى الدَّيراني
أخذه، فلم يزل به حتى قبض ثمنها، ثم قال: يا ديراني إني بلغني أن هذا الموضع ملككم،
فقال: نعم، فقال: إني أحب أن تبيعني منه موضع قبرٍ سنةً، فإذا حال الحول فانتفع به.
فبكى الدَّيْرانِيُّ، وباعه، فدفن فيه. وقال كُثَيِّرٌ:
سَقَى رَبُّنا من دَيْرٍ سِمْعَانَ حُفْرَةٌ بِهَا عُمَرُ الخَيْرَاتِ رهناً دَفِيْنُهَا =

وله أربعون سنة (١) وخلافته سنتان وستة أشهر وأيام كخلافة الصِّدِّيق،
وكان أبيض جميلاً نحيف الجسم، حسن اللحية، بجبهته أثر حافر فرس
شجّه وهو صغير، فلذا كان يقال: أشجُّ بني أمِيَّة، يذكر أن في ((التوراة))
أشجُّ بني أُمَّةَ تقتله خشية الله، حفظ القرآن في صغره، وبعثه أبوه من مِصْرَ
إلى المدينة فتفقه بها حتى بلغ رتبة (٢) الاجتهاد. جده لأمه عَاصِمُ بنُ عُمَرَ بن
الخَطَّاب، وذلك أن عُمَرَ خرج طائفاً ذات ليلة فسمع امرأة تقول لُبُنيَّة لها:
اخلطي الماء في اللبن، فقالت البنية: أما سمعت مناديَ عُمَرَ بالأمس ينهى
عنه؟ فقالت: إنَّ عُمَرَ لا يدري عنكِ، فقالت البنية: والله ما كنت لأطيعه
علانية وأعصيه سرًّاً، فَأَعْجَبَ عُمَرَ عَقْلُهَا، فزوجها ابنه عاصماً، فهي جدة
عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ.
قال السيد الجليل رَجَاءُ بنُ حَيْوَةِ(٣): استشارني سُلَيْمَانُ بن عَبْدِ المَلِكِ
فِيمن يعهد إلَيه بالخلافةِ، فأشرتُ بِعُمَرَ، فقال: فكيف ببني عَبْدِ المَلِكِ؟!
فقلت: اكتب العهد واختمه وبايع لمن فيه، ففعل، فلما مات كتمنا موته، ثم
قلت: بايعوا لأمير المؤمنين ثانياً على السمع والطاعة لمن في الكتاب،
ففعلوا، فقلت: أعظم الله أجركم في أمير المؤمنين، ثم أخرجتُ الكتاب
= صَوَابِحَ مِنْ مُزْنٍ ثِقَالاً غَوَادِيا دَوَالِحَ دُهْماً مَاخِضَاتٍ دُجُونُهَا
وقال الشريف الرضي :
ـنُ فَتَيِّ مِنْ أُمَيَّة لَبَكَيْتُك
يَا بَنِ عَبْدِ العَزِيْزِ لَوْ بَكَتِ الْعَدْ
م فَلَوْ أَمْكَنَ الجزَا لَجزيتُك
أَنْتَ أَنْقَذْتَنا مِنَ السَّبِّ والشَّتْ
خَيْرِ مَيْتٍ مِنْ آلِ مَرْوَانَ مَينُك
دَيْرَ سِمْعَان لا عَدَتْكَ العَوَادي
وانظر (آثار البلاد وأخبار العباد)) للقزويني ص (١٩٦).
(١) قلت: وفي ((المعارف)) أنه كان ابن تسع وثلاثين سنة. وفي ((سير أعلام النبلاء))، و((تاريخ
الخلفاء)» أنه كان ابن تسع وثلاثين سنة ونصف السنة.
(٢) في المطبوع: ((مرتبة)).
(٣) في الأصل: ((رجاء بن حياة)) وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب، وانظر
ترجمته في ص (٦٤) من هذا المجلد.
٦

فَوَجَموا(١) ولم يقولوا شيئاً، ثم خرجوا في جنازته رُكباناً، وخرج عُمَرُ يمشي،
فلما رجعوا(٢) أرسل عُمَرُ إلى نسائه من أرادت منكن الدُّنيا فلتلحق بأهلها،
فإن عُمَرَ قد جاءه شغلٌ شاغلٌ، فَسُمِعَتِ النوائحُ في بيته يومئذٍ.
وقال أيضاً: قُوِّمت ثياب عُمَرَ وهو يخطب باثني عشر درهماً، وكانت
حلته قبل ذلك بألفٍ درهمٍ لا يرضاها، وقال: إن لي نفساً ذوَّاقةً توَّاقة، كلما
ذاقت شيئاً تاقت [إلى](٣) ما فوقه، فلما ذاقت الخلافة - ولم يكن شيء في
الدُّنيا فوقها - تاقت إلى ما عند الله في الآخرة، وذلك لا يُنال إلَّ بترك الدُّنيا.
ومن كلامه - رضي الله عنه - : ينبغي في القاضي خمسُ خصالٍ :
العلم بما يتعلق به، والحلم عند الخصومة، والزّهد عند الطمع، والاحتمال
للأئمة، والمشاورة لذوي العلم.
وعاتب مَسْلَمَةُ بن عَبْدِ الملِكِ أخته فَاطِمَةَ زوجة عُمَر في ترك غسل ثيابه
في مرضه(٤) فقالت: إنه لا ثوب له غيره.
وكان مع عدلِهِ وفضلِهِ حليماً رقيق الطبع.
ومن ألطف ما حُكي عنه ما ذكره في ((مروج الذهب))(٥) قال: كان رجل
من [ أهل ] العِرَاقِ أتى المدينة(٦) في طلب جاريةٍ وصفت له قارئة(٧) قَوَّالة،
(١) أي: سكتوا على غيظ. انظر ((لسان العرب)) (وجم).
(٢) تحرفت في الأصل إلى ((رجوا))، وأثبت ما في المطبوع.
(٣) لفظه ((إلى)) سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع. وتاقت أي: اشتاقت.
(٤) في المطبوع: ((في مرض)) وهو تحريف.
(٥) ((مروج الذهب)) (١٩٧/٣ - ١٩٩) بتحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، والمؤلف
ينقل عنه بتصرف.
(٦) في الأصل، والمطبوع: ((كان رجل من المدينة أتى العراق)) وهو خطأ، والتصحيح من ((مروج
الذهب)) ولفظة ((أهل)) التي بين حاصرتين زيادة منه.
(٧) تحرفت في ((مروج الذهب)) إلى ((قارئة)) فتصحح فيه.
٧

فسأل عنها، فوجدها عند قاضي البلد، فأتاه، ثم سأله أن يعرضها عليه، فقال:
يا عَبْد الله لقد أَبْعَدْتَ الشُّقَّةَ(١) في طلب هذه الجارية، فما رغبتك فيها؟ لِمَا
رأى من شدة إعجابه [بها](٢) قال: إنها تغنّي فتجيد، فقال القاضي:
ما علمت بهذا، فألح عليه في عَرْضها، فَعُرِضَتْ (٣) بحضرة مولاها القاضي،
فقال لها الفتى: هاتٍ، فتغنّت(٤):
إلى خَالِدٍ حَتَّى أَنَخْنَ (٥) بِخَالِدٍ فَنِعْمَ الفَتَىْ يُرْجَىْ وَنِعْمَ الْمُؤمِّلُ
ففرح القاضي بجاريته وَسُرَّ بها(٦)، وغشيه من الطرب أمرٌ عظيمٌ حتَّى أقعدها
على فخذِه وقال: هات بأبي أَنْتِ وأمي شيئاً، فتغنّت(٧):
أَرُوْحُ إلى القُصَّاصِ كُلّ عَشِيَّةٍ أُرَجِّي ثَوَابَ اللَّهِ فِي عَدَدِ الخُطَا
فزاد الطرب على القاضي، ولم يدر ما يصنع، فأخذ نعله فعلَّقَها في
أذنه وجثا على ركبتيه، وجعل يأخذ بإحدى أذنيه(٨) والنعل معلّق فيها
ويقول: أُهْدُوني [إلى البيت الحرام] (٩) فإني بدنة، فلما أَمْسَكَتْ قال
للفتى: يا حبيبي، انصرف، فقد كنا فيها راغبين قبل أن نعلم أنها تقول،
ونحن الآن فيها أرغب، فانصرف الفتى، وَبَلَغَ ذلك عُمَّرَ بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ فقال:
(١) في الأصل، والمطبوع: ((أجدت الشقة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((مروج الذهب)). والشُقّةُ:
بعد مسيرٍ إلى الأرض البعيدة، والشّقّةُ أيضاً السفر الطويل. انظر ((لسان العرب)) (شقق).
(٢) لفظة ((بها)) سقطت من الأصل والمطبوع، واستدركتها من ((مروج الذهب)).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((فعرضها)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
(٤) في ((مروج الذهب)): ((فغنت)).
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((حتى أنخنا)) والتصويب من ((مروج الذهب)).
(٦) في ((مروج الذهب)): ((وسُرَّ بغنائها)).
(٧) في ((مروج الذهب)): ((فغنت)).
(٨) في ((مروج الذهب)): ((وجعل يأخذ بطرف أذنه)).
(٩) ما بين حاصرتين زيادة من («مروج الذهب)).
٨

قاتله الله، لقد استرقَّه الطَّرَبُ، وأمر بصرفه عن عمله(١)، فلما صُرِفَ قال:
نساؤه طوالقُ،، لو سمعها عُمَرُ لقال: ارْكَبُوْني فإني مطية، فَبَلَغَ ذلك عُمَرَ،
فأشخصه، وأشخص الجاريةَ، فلما دخلا على عُمَرَ، قال له: أُعِدْ ما قلتَ،
قال: نعم، فأعاده، ثم قال للجارية: قولي، فتغنَّت(٢):
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُون إلى الصَّفَا أَنْسُ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُوْدُ الْعَوَائِرُ(٣)
فما فرغت [من هذا الشعر](٤) حتَّى طَرِبَ عُمَرُ طَرَباً بيِّناً(٥)،
وأقبل يستعيدها ثلاثاً، وقد بَلَّتْ دُمُوعُهُ لحيته، ثم أقبل على القاضي فقال:
لقد قاربْتَ في يمينك، ارجع إلى عملك راشداً. انتهى.
وبالجملة فمناقبه عديدةٌ قد أفردَتْ بالتصنيف.
ومما رثاه به جَرِیرٌ:
تَأْتِي رَوَاحاً وَتِبْيَانَاً(٦) وَتَبْتَكِرُ
لَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ وَالأَقْدَارُ غَالِبَةٌ
بِدَيْرِ سَمْعَانَ لَكِنْ يَغْلِبُ الْقَدَرُ (٧)
رَدَدْتُ عَنْ عُمَرَ الْخَيْرَاتِ مَصْرَعَهُ
وفيها، أو في سنة مائة، توفي رِبْعِيُّ بِنُ حِرَاشٍ أَحَدُ عُلَمَاءِ الْكُوْفَةِ وَعُبَّادِهَا،
(١) في ((مروج الذهب)): ((وأمر بصرفه من عمله)).
(٢) في ((مروج الذهب)): ((فغنت)).
(٣) في ((مروج الذهب)): ((والجدود العوائر)).
(٤) ما بين حاصرتين زيادة من ((مروج الذهب)).
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((حتى اضطرب عمر اضطراباً مبيناً) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
(٦) في الأصل، والمطبوع: ((وتبيتاً) وهو خطأ، والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء))، و((البداية
والنهاية)).
(٧) لم أجدهما في (ديوانه)) المطبوع في دار المعارف بمصر بتحقيق الدكتور نعمان محمد أمين
طه، وقد أوردهما الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (١٤٧/٥)، والعامري في ((غربال الزمان)»
ص (٩٤) ونسباهما لجرير. وأوردهما الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٢١٢/٩) مع
أربعة أبیات، أخری ونسبهما لمحارب بن دثار.
٩

قيل: إنه لم يكذب قطّ، وشهد خُطبة [عُمَرَ](١) بالجَابَةِ(٢) وحلّفَ
لا يضحك حتَّى يعلم أفي الجنَّةِ هو أم في النَّار.
وفيها مِقْسَمُ(٣) مولى ابن عَبَّاس، ولم يكن مولاه، بل مولى عَبْد الله بن
الحَارِث بن نَوْفَل، وأضيف إلى ابن عَبَّاس لملازمته إياه.
ومحمّد ◌ِينُ مَرْوَان بنُ الحَكَمِ ، الأميرُ، ولد الخليفة مَرْوَان، وكان بطلًا
شُجاعاً شديد البأس ، له عدة مَصَافَّاتٍ(٤) مع الرُّوْمِ، وكان متولي
الجَزِيرَةِ(٥) وغيرها.
وفيها، وقيل: في سنة خمس وتسعين، الحَسَنُ بنُ مُحمَّد بن الحَنَفِيَّة
الهاشميُّ العَلَويُّ(٦).
روي أنه صنف كتاباً في الإِرجاءِ ثم ندم عليه، وكان من عُقلاءِ قومه
وعلمائهم .
وفيها استعمل يزيدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ أخاهُ مَسْلَمَة على إمرة العِرَاقَيْنِ،
وأمره بمحاربةِ يَزِيْد بن المُهَلِّب - وكان قد خرج عليهم - فحاربه حتَّى قُتِل في
السنة الآتية.
(١) لفظة ((عمر)) التي بين حاصرتين سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع.
(٢) الجابية: قرية من أعمال دمشق، ثم من عمل الجيدور من ناحية الجولان قرب مرج الصُفِّر في
شمالي حوران، إذا وقف الإِنسان في [ بلدة ] الصنمين واستقبل الشمال ظهرت له، وتظهر
من نوى أيضاً، وهي جابية الملوك، وباب الجابية بدمشق منسوب إليها. انظر ((معجم
ما استعجم)) للبكري (٣٥٥/١)، و ((معجم البلدان)) لياقوت (٩١/٢).
(٣) قال الحافظ ابن حجر: هو مقسم بن بُجْرة، بضم الموحدة وسكون الجيم، ويقال نَجْدَة
بفتح النون وبدال، أبو القاسم. ((تقريب التهذيب)) (٢٧٣/٢) بتصرف.
(٤) أي: عدة مقابلات. انظر ((لسان العرب)) ((صفف)).
(٥) يعني جزيرة أقور التي بين دجلة والفرات والمقسمة الآن بين أراضي سورية والعراق وتركيا. انظر
((الأمصار ذوات الآثار)) للذهبي ص (٥٧) بتحقيقي، طبع دار ابن كثير.
(٦) نسبة إلى جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
١٠

قال الذهبيُّ في ((العبر))(١): وممن توفي بعد المائة:
إِبْرَاهِيمُ بنُ عَبْد الله بن حُنَيْنِ المَدَنِيُّ، له عن أبي هُرَيْرَةً.
وإبْرَاهِيمُ بنُ عَبْدِ الله [ بن مَعْبَد ](٢) بن عَبَّاس الهاشميُّ المَدَنِيُّ. له عن
ابن عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونَةِ(٣).
وَعَبْدُالله بنُ شَقِيقِ العُقَيْلِيُّ البَصْرِيُّ، سمع مِنْ عُمَرَ، والكِبَارِ.
والقُطَاميُّ الشاعر المشهور(٤).
ومُعَاذَةُ العَدَويَّةُ (٥) الفَقْهَةُ العَابِدَةُ بِالْبَصْرَةِ.
وعِرَاكُ بنُ مَالك المدنيُّ.
ومُؤَرِّق، العِجْلِيُّ .
وبَشِير بن يَسَار، المدنيُّ الفقيهُ.
(١) ((العبر في خبر من عبر)) (١٢٢/١) بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد، طبع وزارة
الإِعلام في الكويت.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من الأصل، وأثبته من المطبوع، و((العبر)).
(٣) هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية المتوفاة سنة (٥١) هـ: انظر خبرها في المجلد
الأول من كتابنا هذا ص (٢١٩) و (٢٤٨).
(٤) اختلف في اسمه فقيل: عمرو بن شييم، وقيل: عمير بن شييم، القُطامي، واختلف في سنة
وفاته أيضاً. انظر ((طبقات فحول الشعراء)) (٥٣٤/٢)، و((الأعلام)) (٨٨/٥ - ٨٩).
(٥) هي معاذة بنت عبدالله العدوية البصرية، أمُّ الصَّهْبَاءِ. روت عن علي بن أبي طالب،
وعائشة، وهشام بن عامر.
وحدَّث عنها أبو قلابة الجرمي، ويزيد الرِّشك، وعاصم الأحول، وعمر بن ذر، وإسحاق بن
سوید، وأيوب السَّختياني، وآخرون.
وحديثها محتج به في الصِّحاح، وقد ساق الحافظ عبد الغني المقدسي أحد الأحاديث التي
روتها عن السيدة عائشة مما أخرجه الشيخان وغيرهما في كتابه ((عمدة الأحكام)) ص
(٥٣ - ٥٤) بتحقيقي.
وقد ذكرت بعض المصادر والمراجع التي بين يديَّ أنها ماتت سنة (٨٣) هـ خلافاً لما ذكره
المؤلف ابن العماد رحمه الله، منها «سير أعلام النبلاء)) (٥٠٨/٤ - ٥٠٩)، و((الأعلام))
(٢٥٩/٧).
١١

وأبو السِّوَّار العَدَوِيُّ(١) البَصْرِيُّ، صاحِب عِمْران بن حُصَيْن.
وعَبْدُ الرَّحمن بن كَعْب بن مالك الأنصاري.
وابن أخيهِ عَبْدُ الرَّحمن بن عَبْد الله.
وَحِفْصَةُ بنت سِيْرِيْن، الفقيهةُ العابدة.
وَعَائِشَةُ بنت طَلْحة التيميَّة، التي أصدقها مُصْعَبُ بن الزُّبِيْرِ مائة ألفٍ
دینار.
وَعَبْدُ الرحمن بن أبي بكرة، أوَّلُ مَنْ ولِدَ بالبَصْرَةِ.
وَمَعْبَد بن كَعْب بن مالك.
وَذو الرُّمَّة الشاعر المشهور. انتهى.
قلت: وذو الرُّمَّةِ أَحَدُ فحول الشعراء، واسمه غَيْلان، (٢) وأحد العشّاق
(١) قلت: جزم ابن معين في ((معرفة الرجال)) (٩٨/٢) طبع مجمع اللغة العربية بدمشق،
والبخاري في (التاريخ الصغير)) (١٩٤/١)، وابن حبَّن في ((مشاهير علماء الأمصار)) ص
(٩٦) بأن اسمه حَسَّان بن حُرَيْث، وفي ((العبر)): ((صاحب عمران بن حنين)) وهو خطأ.
وقال ابن حجر في ((تقريب التهذيب)) (٤٣٢/٢): قيل اسمه حسان بن حريث، وقيل:
حريث بن حسان، وقيل: حريف، آخره فاء، وقيل: مُنقذ، وقيل: حُجَير بن الربيع.
وذكر الذهبي في ((الكاشف)) (٣٠٣/٣) بأنه روى عن علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين
رضي الله عنهما. وذكره بکنیته ولم يذكر اسمه.
(٢) قال الزركلي: هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، من مضر، أبو الحارث، ذو
الرُّمَّة، شاعر من فحول الطبقة الثانية في عصره. قال أبو عمرو بن العلاء، فتح الشعر بامرىء
القيس، وختم بذي الرُّمَّة. وكان شديد القصر، دميماً، يضرب لونه إلى السواد، أكثر شعره
تشبيب وبكاء أطلال، يذهب في ذلك مذهب الجاهليين. وكان مقيماً بالبادية، يحضر إلى
اليمامة والبصرة کثیراً. وامتاز بإجادة التشبيه. قال جرير: لو خرس ذو الرُّمَّةِ بعد قصيدته: ((ما
بال عينك منها الماء ينسكب)) لكان أشعر الناس. مات سنة (١١٧) هـ.((الأعلام)) (١٢٤/٥)،
وانظر ((شرح أبيات المغني)) للبغدادي (٢٣٣/١).
قلت: وقد طبع ديوانه أربع مرات أفضلها وأجودها التي صدرت بتحقيق الدكتور عبد القدوس
أبو صالح.
١٢

المشهورين من العرب، وصاحبته مَيَّةُ ابنةُ مُقَاتل بن طَلبة(١) بن قَيْس بن
عَاصم المِنْقَرِي التميميّ، [ وقيْسُ بن عَاصِمْ هو](٢) الذي قال فيه رسول
اللهِ - رَ﴾ - حين وفد عليه: ((هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الوَبَرِ)(٣) وَهُوَ أَوَلُ من وَأَدَ البنات غَيْرَةً
وأَنَفةٌ .
وسبب فتنته بها، أنه لحظها وهي خارجة من خِبَائِها(٤)، فَخَرَّقَ
إداوتّهُ(٥) ثم دنا يَسْتَطِعِمُ حديثها، فقال إني مسافر(٦) وقد تَخَرَّقَتْ
إداوتي(٧) فأصلحيها لي، فقالت: والله إني لَخَرْقَاءُ (٨) - والخرقاء التي
لا تحسن العمل لكرامتها على أهلها(٩) - فشَبَّبَ بالخَرْقَاءِ أيضاً، وهي ميَّة(١٠).
(١) في الأصل، والمطبوع: ((مقاتل بن طليب)) وهو تحريف، والتصحيح من ((وفيات الأعيان))
لابن خلكان (١١/٤) مصدر المؤلف.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من الأصل، والمطبوع، واستدركته من ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان.
(٣) قلت: قال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (١٩٧/٨): قال ابن سعد: كان - قيس بن
عاصم - قد حرَّم الخمر في الجاهلية، ثم وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وفد بنيٍ
تميم، فأسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((هذا سَيِّدُ أهل الوبر))، وكان سيداً
جواداً، ثم ساق بسند حسن إلى الحسن، عن قيس بن عاصم قال: أتيت النبيَّ صلى الله
عليه وآله وسلم، فلما دنوت منه قال: ((هذا سَيِّدُ أهل الوبر)» فذكر الحديث.
وذكر الحديث أيضاً ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) على هامش ((الإصابة)) (١٨٠/٩)، وابن
الأثير في ((أسد الغابة)) (٤٣٢/٤) كلاهما في ترجمة قيس بن عاصم رضي الله عنه.
(٤) أي من بنائها.
وفي ((ديوان ذي الرُّمَّة)) و(«وفيات الأعيان)): ((وهي خارجة من خباءٍ)).
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((فخرق ثيابه أو دلوه)) وهو خطأ، والتصحيح من ((ديوان ذي الرُّمَّة))
(٣٧٠/١)، و((وفيات الأعيان)). قال الزبيدي في ((تاج العروس)): الإِدواة - بالكسر -
المطهرة، وهي إناء صغير من جلد يتخذ للماء.
(٦) في ((ديوان ذي الرُّمَّة))، و((وفيات الأعيان)): ((إني رجل على ظهر سفر)).
(٧) في الأصل والمطبوع: ((أرداني)).
(٨) في الأصل، والمطبوع: ((إني خرقاء)) وأثبت ما في ((ديوان ذي الرُّمة))، و((وفيات الأعيان)).
(٩) في ((وفيات الأعيان)): ((والخرقاء التي لا تعمل شغلاً لكرامتها على أهلها))، وعبارة كتابنا
موافقة لعبارة («ديوان ذي الرُّمة)).
(١٠) قال الدكتور عبد القدوس أبو صالح في تعليقه على ((ديوان ذي الرُّمَّة)) (٣٦٩/١): اختلف في =
١٣

ويروى(١) أن ذا الرُّمَّةٍ لم يَرَ ميَّةَ قَطُّ إلَّ فِي بُرْقُعٍ، فأحبّ أن ينظر
إلى وجهها فقال:
عَنِ الفِتْيَانِ شَرَّأَ مَا بَقِينَا
جَزَىُ الله البَرَاقِعَ مِنْ ثِیَّابِ
وَيُخْفِيْنَ القِبَاحَ فَيَزْدَهِيْنَا (٢)
يُوَارِينَ المِلاَحَ فَلاَ نَرَاها
فنزعت البرقع عن وجهها فقال:
عَلَى وَجْهِ مَيِّ مَسْحَةٌ مِنْ مَلَاحَةٍ وَتَحْتَ الثِّيَابِ العُّ(٣) لَوْ كَانَ بَادِياً (٤)
= خرقاء أهو لقب لميَّة، أم هو اسم لغيرها؟ .. وقد نقل في ((الخزانة)) (٥٢/١) عن ثعلب
قوله: وكان ذو الرُّمَّة يسمي ميَّة خرقاء لقولها: إني خرقاء. وذهب ابن قتيبة في ((الشعر
والشعراء)) ص (٥٠٩) إلى قوله: وكان يشبب أيضاً بخرقاء. وهي من بني البكاء بن عامر بن
صعصعة. وقد ورد هذا النسب في ((جمهرة الأنساب)) ص (٦٤)، و((صفة جزيرة العرب))
الهمداني ص (٣٣٤)، و((معاهد التنصيص)) (٢٦٢/٢)، و((شواهد المغني)) للسيوطي
(١٥٠)، و((الخزانة)) (٤٩٥/٤)، و((الصحاح))، و((اللسان))، و((القاموس)) (خرق)، أما
صاحب الأغاني (١١٦/١٦ - ١٢٠) فهو يذكر حيناً أن خرقاء لقب لمية، ويذكر حيناً آخر أنه
لقب أو اسم لامرأة من بني عامر، وينقل أن ميَّة أغضبت ذا الرُّمَّة فتغزل بخرقاء، يريد أن
يغيظها بذلك، فقال فيها قصيدتين أو ثلاثاً، ثم لم يلبث أن مات. وقد عمدتُ إلى استعراض
((الديوان)) كله، فرأيت ذا الرُّمَّةِ ذكر خرقاء وحدها في قصيدتين فقط، وذكرها مع ميَّة في سبع
قصائد، ويكاد الناظر في هذه القصائد المشتركة بينهما يجزم بأن خرقاء غير ميَّة، ولا سيما أن
الشاعر ما يلبث بعد ذكره ميَّة في مطلع القصيدة (٥) أن يتغزل بحِسان ربيعة عامر وهم قوم
خرقاء كما تقدم. بل إن أبا الفرج يعدد الأسباب التي قيلت في سبب عدوله إلى خرقاء
((الأغاني)) (١١٩/١٦). وهكذا لا نجد بدأً من ترجيح ما ذهب إليه الأصمعي هنا، ولا سيما
أن أبا نصر يذكر بعد قليل نسب خرقاء، وينقل خبراً عن لقاء محمد بن الحجّاج الأسدي بها،
كما ينقل ابن قتيبة لقاء المفضل الضبي بها. ثم إن أبا الفرج يذكر أخباراً كثيرة عن خرقاء
ويورد شعراً للقحيف العقيلي يتغزل فيه بها، وانظر ((الأغاني)) (١٤٠/٢٠).
(١) في الأصل، والمطبوع: ((يروى)) وقد أثبت الواو من ((وفيات الأعيان)).
(٢) البيتان في ملحق ((ديوانه)) (١٩١٧/٣).
(٣) في المطبوع، و((وفيات الأعيان)): ((العار))، وفي ملحق ((الديوان)): ((الخِزْيُ))، والعُرُّ:
الجربُ. انظر ((لسان العرب» (عرر).
(٤) البيت في ملحق ((ديوانه)) (١٩٢١/٣).
١٤

فنزعت ثيابها وقامت عريانة فقال:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الماءَ يَخْبُثُ طَعْمُهُ وَإِنْ كَانَ لَوْنُ الماءِ أبيضَ صَافِيا(١)
فَيَا ضَيْعَةَ(٢) الشِّعر الذي لجَّ فانقضى بميٍّ وَلَمْ أملكْ ضَلَاَلَ فُؤَادِيا
فقالت [له](٣): أتحب أن تذوق طعمه؟ فقال: إي والله، فقالت:
تذوّق الموت قبل أن تذوقه.
ومن شعره السائر [ فيها ](٤) قوله :
إذَا هَبَّتِ الأَرْوَاحُ مِنْ نَحوِ جَانِبٍ بِهِ أَهْلُ مِيِّ هَاجَ شوقي هُبُوبُهَا (٥)
هَوِىَّ تَذْرِفُ العَيْنَانِ مِنْهُ وَإِنَّمَا هَوَى كُلِّ نَفْسٍ حَيْثُ(٦) حَلَّ حَبْيُهَا(٧)
وكان ذو الرُّمَّةِ يُشَبِّبُ بِخَرْقَاءَ أيضاً، ومن قوله فيها:
تَمَامُ الحَجِّ أن تَقِفَ المَطَايا عَلى خَرْقَاءَ وَاضِعَة اللَّثَام (٨)
قيل: كانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة .
ولما حضرته الوفاة قال: أنا ابن نصف الهَرَمِ، أنا ابن أربعين سنةً، وأنشد:
يا قَابِضَ الرُّوْحِ مِنْ نَفْسٍ إِذَا اخْتُضِرَتْ وَغَافِرَ الذَّنْبِ زَحْزِحْنِي عَنِ النَّار (١)
(١) البيت في ملحق ((الديوان)) (١٩٢١/٣).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((فواضيعة)) وأثبت لفظ ملحق ((الديوان)) (١٩٢٣/٣).
(٣) لفظة ((له)) التي بين حاصرتين سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركتها من ((وفيات
الأعيان».
(٤) لفظة ((فيها)) التي بين حاصرتين لم ترد في الأصل، والمطبوع، وأثبتها من ((وفيات
الأعيان)».
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((هاج قلبيّ هبوبها)) والتصحيح من ((ديوانه)).
(٦) في الأصل، والمطبوع: ((أين)) وأثبت ما جاء في ((ديوانه)).
(٧) البيتان في ((ديوانه)) (٦٩٤/٢ - ٦٩٥).
(٨) البيت في ملحق ((ديوانه)) (١٩١٣/٣).
(٩) لم أجد البيت في ((ديوانه)) وهو في (الشعر والشعراء)) (٥٢٥/١) و((وفيات الأعيان)) (١٦/٤)
مع بعض الخلاف اليسير.
١٥

وإنما قيل له: ذو الرُّمَّةِ بقوله في الوقِد:
أشعث باقي رُمَّةِ التّقْلِيدِ(١)
والرُّمَّة: بضم الراء: الحبل البالي، ويكسرها: الحبل البالي.
وممن توفي بعد المائة على ما قاله في ((العبر))(٢).
أَبُو الأَشْعَثِ الصَنْعَانِيُّ الشَّامِيُّ.
وَزِيَادُ الأَعْجمُ الشاعر [ المشهور ](٣)
.
وَسَعِيدُ بن أَبي مِنْد، والد عَبْدالله(٤).
وَأَبُو سَلَّمِ مَمْطُور الحَبَشِيُّ الأَسْودُ.
وَأَبُو بَكْر (٥) بن أبي مُوسَى الأَشْعَرِيُّ القَاضِي. انتهى.
(١) في الأصل: ((التقليل)) وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. وهذا صدر بيت
في ((ديوانه)) (٣٥٨/١) عجزه:
نعم فَأَنْتَ اليومَ كالعمودِ
(٢) (١٢٣/١).
(٣) زيادة من ((العبر)).
(٤) هو عبدالله بن سعيد بن أبي هند الفزاري مولاهم المدني، أبو بكر. قال ابن حبَّان: كان
يهم في الشيء بعد الشيء. مات سنة (١٤٧). انظر («مشاهير علماء الأمصار)) ص (١٣٧)،
و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٠/٥)، و(تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٢٣٩/٥).
(٥) قال الحافظ ابن حجر: يقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر. روى عن أبيه، والبراء بن عازب،
وجابر بن سمرة، وابن عبّاس، والأسود بن هلال. وروى عنه أبو جمرة نصر بن عمران
الضبعي، وأبو عمران الجوني، وبدر بن عثمان، وعبدالله بن أبي السفر، والأجلح بن عبدالله
الكندي، وأبو إسحاق السبيعي، ويونس بن أبي إسحاق، وغيرهم. قال الآجري: قلت لأبي
داود: سمع أبو بكر من أبيه؟ قال: أراه قد سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة، وكان
يذهب مذهب أهل الشام. جاءه أبو غادية الجهني قاتل عمار، فأجلسه إلى جانبه، وقال:
مرحباً بأخي، وقال محمد بن عبدالله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة، وقال: مات في ولاية
خالد بن عبدالله، وذكر ابن حبَّان في (الثقات)) قلت: اسمه كنيته، وقال: مات في ولاية =
١٦

سنة اثنتين ومائة
كان أمير البَصْرَةِ يزيدُ بن المُهَلَّب، المتقدم آنفاً، فلما تولَّى عُمَرُ بن عَبْد
العَزِيْزِ عَزَلَ يَزِيْدَ بِنَ الْمُهَلَّبِ وسجنه، فلما توفي عُمَرُ أخرجه خواصُّه من
السِّجْنِ، فوثب على البَصْرَةِ وَهَرَبَ منه عامِلُها عَديُّ بن أرطاة الفَزَارِيُّ،
ونصب يَزِيْدُ راياتٍ سودٍ، وتسمى بالقَحْطَانِيِّ، وقال: أدعو إلى سيرة عُمَرَ بن
الخطّاب، فوجه إليه يَزِيْدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ أخاهُ مَسْلَمَةَ، فحاربه، وقتله في
صفر في المعركة، وقيل: بل حبسه الحَجَّاجُ وعذَّبه، وهو الذي جزم به
الإِسْنَويُّ(١) في ((طبقاته)).
وكان يَزِيدُ بنُ المُهَلَّب كريماً مُمدَّحاً، وكان المهالبة في دولة الأمويين
= خالد، ومن زعم أن اسمه عامر فقد وهم، عامر اسم أبي بردة. وقال عبدالله بن أحمد في
((العلل)): قلت لأبي: فأبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: لا، وقال أبو بكر بن
عَيَّاش: سمعت أبا إسحاق يقول: أبو بكر بن أبي موسى أفضل من أخيه أبي بردة. وقال
العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو سعد: اسمه كنيته، وكان قليل الحديث يستضعف، ومات في
ولاية خالد، وكان أكبر من أخيه أبي بردة، وقال خليفة: مات سنة ست ومائة. ((تهذيب
التهذيب)) (٤٠/١٢ - ٤١).
(١) هو جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن إبراهيم
القرشي الأموي الإِسنوي المصري الشافعي. الإمام العلامة، وكتابه هو ((طبقات الشافعية))
توفي سنة (٧٧٢) هـ. وسوف ترد ترجمته مفصلة في المجلد الثامن من كتابنا هذا إن شاء
الله، فراجعها هناك.
١٧

كالبرامكة في دولة العباسيين، في الكرم، وكان كثير الغزو والفتوح.
وفيها يَزِيدُ بن أبي مُسْلم الثَّقَفيُّ مولاهم، مولى الحَجَّاج، وكاتبه،
وخليفته على العِرَاقِ بعد موته، وأقره الوَليدُ.
قال الوَلِيدُ في حقه: مَثَلي ومثلُ الحَجَّاجِ وَيَزِيد، کرجلٍ ضاع له دِرْهَمُ
فلقي ديناراً.
فُضِّل يَزِيدُ لعقله وبلاغته.
واستحضره سُلَيْمَانُ بعد موت الوَلِيْد فرآه دميماً، كبير البطن، فقال:
لعن الله من أشركك في أمانته. فقال: يا أمير المؤمنين! رأيتني والأمور مُدْبرةٌ
عني، ولو رأيتني وهي مقبلةٌ إليَّ لعظّمتني، فقال: قاتله الله ما أَسَدَّ قوله
وأغضب لسانه، ثم قال له سليمان: أترى صاحبك - يعني الحجّاج - بهوي
في النَّار أم قد استقرَّ في قعرها، فقال: عن يمين الوَلِيدِ، ويسار عَبْد المَلِكِ،
فاجعله حيث أحببت. وروي: يحشر بين أبيكَ وأخيكَ، فقال سُليمانُ: قاتله
الله ما أوفاه لصاحبهِ، إذا اصطُنِعَتِ الرِّجَالُ فليصنع مثل هذا.
وَهِمَّ سُلَيْمَانُ باستكتابه، فقال له عُمَرُ بن عَبْدِ العَزِيْزِ: لا تحيي ذِكر
الحَجَّاج. فقال: إني كشفتُ عنه فلم أجد له خيانةً في دينارٍ ولا في درهم.
فقال عُمَرُ: إِبْلِيْسُ لم يخن فيهما، وهذا قد أهلك الخلقَ، فتركه سُلَيْمَانُ.
وفيها توفي الضَّحَّاكُ بن مُزَاحِم الهلاليُّ بِخْرَاسَان. وثقه الإِمامُ أحمد
وغيره .
ذُكر أنه كان فقيه مكتبٍ عظيمٍ فيه ثلاثةُ آلافٍ صبي، وكان يركب
حماراً يدور عليهم إذا عيي.
١٨

سنة ثلاث ومائة
فيها توفي عَطَاءُ بنُ يَسَار المدنيُّ الفقيه، مولى مَيْمُونة أُمِّ المؤمنين، ثقةٌ
إمامٌ، كان يقصُّ(١) بالمدينة. روى عن كبار الصحابة. قاله الذهبيُّ(٢).
وقال ابن قُتَيْبَةً(٣): كان عطاء قاصِّاً(٤) ويرى القدر، ويكنى أبا محمد،
ومات سنة ثلاث ومائة، وهو ابن أربع وثمانين سنة. انتهى.
وفيها الإِمام أبو الحَجَّاجِ مُجَاهد بن جَبْر، الإِمام الحَبْرِ المَكِّيُّ، عن
نيِّفٍ وثمانين سنة.
قال خُصَيْف(٥): كان أعلمهم بالتفسير.
وقال مُجَاهِدُ: عَرَضْتُ القرآن على ابن عَبَّاس ثلاثين مَرَّةً (٦).
(١) في المطبوع: ((كان يقضي)) وهو خطأ.
(٢) ((العبر في أخبار من عبر)) (١٢٥/١).
(٣) ((المعارف)) ص (٤٥٩).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((قاضياً)) وهو تحريف، والتصحيح من ((المعارف)) لابن قتيبة.
(٥) هو خصيف بن عبد الرحمن الجزري الحرَّاني. انظر ترجمته والتعليق عليها في ص (١٨٣ - ١٨٤)
من هذا المجلد.
(٦) قلت: وقد ساق هذا الخبر الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٤ / ٤٥٠) وقال أيضاً: وروى ابن
إسحاق، عن أبَان بن صالح، عن مجاهد، قال: عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن
عبَّاس، أقفه عند كُلِّ قَية، أسأله فيمَ نزلت، وكيف كانت.
١٩

وقال [له](١) ابن عُمَرَ: ودِدْتُ أَنَّ نافعاً يحفظ حفظك.
وقال سَلَمَةُ بنُ كُهَيْل: ما رأَيْتُ أحداً أراد بهذا العلم وَجْهَ الله تعالى إلَّ
عَطَاءً وطَاووساً ومجاهداً (٢).
وقال الأَعْمَشُ: كنتَ إذا رَأَيْتَ مُجَاهِداً تراهُ مغموماً، فقيل له في ذلك،
فقال: أخذ عبدالله - يعني ابن عُمَرَ(٣) - بيدي، ثم قال: أخذ رَسُولُ الله
- ◌َ * - بيدي وقال لي: ((يا عَبْدَ اللهِ! کنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ
سَبِيْلٍ))(٤).
ومات مُجَاهِدُ بمكَّةَ وهو ساجدٌ.
وفسر ابن قتيبة(٥) النَّيَّفَ بثلاثٍ (٦)، فقال: مات [ وهو ](٧) ابن
ثلاث وثمانين سنة.
وفيها مُصْعَبُ بن سَعْد بن أبي وَقَّاصِ الزُّهْرِيُّ المدنيُّ، كان فاضلاً كثير
الحدیث.
(١) لفظة ((له)) سقطت من الأصل، واستدركتها من المطبوع.
(٢) لفظة ((ومجاهداً) ليست عند الذهبي في ((العبر)) الذي ينقل عنه المؤلف رحمه الله.
(٣) في الأصل والمطبوع: ((ابن عباس)) وهو خطأ، صوابه: ((ابن عمر)) (ع).
(٤) رواه البخاري رقم (٦٤١٦) في الرقاق: باب قول النّبِيِّ وَّ: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو
عابر سبیل)).
والترمذي رقم (٢٣٣٣) في الزهد: باب ما جاء في قصر الأمل، وابن ماجه رقم (٤١١٤) في
الزهد: باب مثل الدُّنيا، وأحمد في ((المسند)) (٢٤/٢ و٤١) وعندهم في آخره ((وعُدَّ نفسك
من أهل القبور)).
وعند البخاري والترمذي في آخر الحديث: وكان ابن عُمَرَ يقول: إذا أمسيت فلا تحدث
نفسك بالصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء. وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك
لموتك.
(٥) في ((المعارف)) الذي ينقل عنه المؤلف.
(٦) قال في ((مختار الصحاح)): النّيَّفُ، بوزن الهيِّن: الزيادة، يخفف ويشدَّد، يقال: عشرة
ونيف، ومائة ونيف، وكل ما زاد على العقد فهو نيِّفُ حتى يبلغ العقد الثاني. انظر ص
(٦٨٧).
(٧) لفظة ((وهو)) التي بين حاصرتين سقطت من الأصل، واستدركتها من المطبوع، و((المعارف)).
٢٠