Indexed OCR Text

Pages 221-240

ومُعَيْقيبُ بن أبي فَاطِمة الدَّوسي من مهاجرة الحبشة، قيل: وشهد
بدراً.
والأشْعَثُ بن قَيْس الكندي بالكوفة في ذي القعدة، وكان شريفاً مطاعاً
جواداً شجاعاً، وله صحبة، ارتدَّ زمن الرِّدَّة، ثم أسلم وتزوج أخت أبي بَكْرٍ
بالمدينة، فأمر غلمانه أن يذبحوا ما وجدوه من البهائم في شوارع المدينة
ففعلوا، فصاح النَّاسُ عليهم، فقال: أيها النَّاس، قد تزوَّجتُ عندكم، ولو
كنتُ في بلادِي لَأَوْلَمْتُ وليمةً مُثْلى، فاقبلوا ما حضر من هذه البهائم، وكل
من تلف له شيء فليأتني(١) لثمنه، وكان هاجر في أول الإِسلام من اليمن في
ثمانين رجلاً، منهم عَمْرو بن مَعْدي کَرِب الزبيدي، ثم ارتدًا زمن الرِّدَّة،
وأسلما، وحسن إسلامهما، وحُمِدَتْ مواقفُهما.
وفيها استُشهد أميرُ المؤمنين سامي المناقب أبو الحَسَنَيْن عَليُّ بن أبي
طالِب الهاشمي رضي الله عنه، ضربه عَبْد الرَّحمن بن مُلْجَم الخارجي في
يافوخه(٢)، فبقي يوماً، ثم مات(٣) - وقُتِلَ ابنُ ملجَم وأُحرِق - وكان ذلك
= وفاته، فقال خليفة بن خياط في ((تاريخه)) ص (١٦٦): مات سنة ثلاثين، وأيده الواقدي كما
ذكر ابن الأثير في ((أسد الغابة)) (٢٤/٥)، ورجح الذهبي في ((تاريخ الإِسلام)) (٢٦٦/٢)،
وابن حجر فى ((الإصابة)» (٤٩/٩) وفاته سنة ستين، قال الحافظ ابن حجر: وقيل: مات سنة
أربعين. وهو آخر من مات من البدريين. وانظر ((المعارف)) لابن قتيبة ص (٢٧٢)
و((الاستيعاب)) لابن عبد البر على هامش ((الإصابة)) (١٢١/١١ -١٢٤)، و((الأعلام))
للزركلي (٢٦١/٥).
(١) في الأصل: ((فليأتي)) وأثبتنا ما في المطبوع.
(٢) اليافوخ: مُلْتَقَى عَظْم مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَمُؤْخْرِهِ. ((لسان العرب)) ((يفخ)) (٤٩٦٣/٦).
(٣) قلت: قال الطبري في ((تاريخه)) (١٤٧/٥ - ١٤٨)، وابن كثير في ((البداية)) (٣٢٨/٧ -
٢٣٩): فلما حضرته الوفاة أوصى، فكانت وصيته:
((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على =
٢٢١

صبيحةً يوم الجمعة وهو خارج إلى الصلاة سابع عشر رمضان، وله ثلاث
وستون سنة، وقيل: ثمان وخمسون، وصلى عليه ابنُه الحَسَن، ودُفن بالكوفة
في قصر الإِمارة عند المسجد الجامع، وغيِّبَ قِبرُه.
وخلافته أربع سنين، وأشهر، وأيام.
قيل: والسبب في قتل عليٍّ كرَّم الله وجهه، أن ابنَ مُلْجَم خطب امرأة
منِ الخوارجِ على قتل عليٍّ ومُعَاوِيةَ وعَمْرو بن العاص(١)، فانتدب لذلك ابن
= الدين كله ولو كره المشركون. ثم إن صلاتي، ونُسُكي، ومحيايَ، ومماتي لله رب العالمين،
لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين، ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي
بتقوى الله ربَّكم ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا، فإني
سمعتُ أبا القاسمِ وَهَ يقول: ((إن صلاح ذات البين أفضلُ من عامَّة الصلاة والصيام)) انظروا
إلى ذوي أرحامكم فَصِلُوهم يهوّن الله عليكم الحسان، الله الله في الأيتام، فلا تعنوا
أفواههم، ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في جيرانكم، فإنهم وصية نبيّكم ®، ما زال
يوصي به حتى ظننا أنه سيورِّته. الله الله في القرآن، فلا يسبقنُكم إلى العمل به غيرُكم، والله
الله في الصلاة، فإنها عمود دينكم. والله الله في بيت ربّكم فلا تخلَّوه ما بقيتم، فإنه إن تُرِك
لم يناظر، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة، فإنها
تطفىء غضب الرب، والله الله في ذِمَّةٍ نبيِّكم، فلا يظلمن بين أظهركم، والله الله في أصحاب
نبيكم، فإن رسول وهي أوصى بهم، والله الله في الفقراء والمساکین فأشرکوهم في معایشکم،
والله الله فيما ملكت أيمانكم. الصلاة الصلاة لا تخافّن في الله لومة لائم، يكفيكم من أرادكم
وبغى عليكم. وقولوا للناس حُسْناً كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، فيولى الأمر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتوصل والتباذُل،
وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان،
واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم. أستودعكم
الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله)).
ثم لم ينطق إلا ((بلا إله إلا الله)) حتى قبض رضي الله عنه، وغسله ابناه الحسن والحسين،
وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكبر عليه الحسن تسع
تكبيرات.
(١) انظر ((تاريخ الطبري)) (١٤٣/٥ - ١٤٥)، و((الكامل)) للمبرد)) (١٤٦/٢).
٢٢٢

مُلْجَمٍ، والحَجَّاجِ بن عَبْد الله الصُّرَيْمِيُّ (١)، وزَاذَوَيْهِ (٢) العَنْبري(٣)، فكان
من أمر ابن ملجَم ما كان، وضرب الحجّاجُ معاويةً في الصلاة بدمشق فجرح
أَلْيَتَهُ(٤) قيل: إنه قطع منه عِرْق النَّسْلِ، فلم يُحْبِل معاويةُ بعدها، وأما
صاحب عمرو فقدم مصر لذلك فوجد عَمْراً قد أصابه وجع في تلك الغداة
المعينة، واستخلف على الصلاة خَارِجة بن حُذَافة الذي كان يَعْدِلُ(٥) ألف
فارس، فقتله يظنه عَمْراً ثم قُبِضَ فأدخل على عمرو فقال [له] (٦): أردتَ
عَمْراً وأراد الله خارجةَ، فصارت مثلاً.
٦
وإلى فداء عمرو بخارجة أشار عَبْد المَجِيْد بن عَبْدون (٧) الأندلسي في
((بسامته)) بقوله :
وَلَيْتَها إِذْ فَدَتْ عَمْرَاً بِخَارِجَةٍ فَدَتْ عَلَيًّبمن شَاءَتْ مِنَ الْبَشَرِ
(١) في الأصل والمطبوع: ((والحجاج بن عبد الله الضمري)) وهو خطأ، والتصحيح من ((الكامل
في التاريخ)) لابن الأثير (٣٨٨/٣)، و((الكامل)) للمبرد (١٤٦/٢).
قلت: ويعرف الحجاج بن عبد الله الصريمي بالبُرَك أيضاً، وهو أول من عارض في
التحكيم لما سمع بذكر الحكمين بين عليٍّ ومعاوية، فقال: لا حكم إلا الله، وخرج على
الفريقين. وانظر ((الأعلام)) للزركلي (١٦٨/٢).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((دادويه)) وهو تحريف، والتصحيح من ((الكامل)) للمبرد (١٤٦/٢)،
وزاذويه هو مولی لبني عمرو بن تميم.
(٣) في الأصل: ((العنزي)) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وهو موافق لما في المطبوع.
وانظر ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص (٢٠٧).
(٤) في الأصل: ((ألييه)) وهو تحريف.
(٥) كذا في الأصل، والمطبوع، وفي ((الإصابة)) لابن حجر (٤٧/٣)، و((الأعلام)) للزركلي
(٢٩٣/٢) ((يُعَدُّ بألف فارس)).
(٦) لفظة ((له)) سقطت من الأصل، وأثبتناها من المطبوع.
(٧) في الأصل، والمطبوع: ((عبد الحميد بن عبدويه)) وهو خطأ، والتصحيح من ((الأعلام))
للزركلي (١٤٩/٤)، ومن الجدير بالذكر أن قصيدته ((البسامة)) طبعت في أوروبة ثم أعيد
طبعها في مصر، وقد نظمها ابن عبدون المتوفى سنة (٥٢٩هـ) في رثاء بني الأفطس،
وشرحها ابن بدرون وغيره، وترجمت إلى الفرنسية والإسبانية. ويعود الفضل في وقوفي على
هذا التحريف الذي لحق باسم ابن عبدون في الكتاب إلى الأستاذ الدكتور رضوان الداية،
جزاه الله تعالى خيراً.
- آعه
٢٢٣

وكان علي رضي الله عنه ربعة إلى القصر، أدعج العينين، حسن الوجه،
آدم، ضخم البطن، عريض المنكبين، لهما مُشاش(١) كالسبع، أصلع ليس
له شعر إلا من خلفه، عظيم اللحية، وهو أول من أسلم عند كثيرين بعد
خديجة، وعلى كل حال لم يشرك بالله بالغاً، شهد المشاهدة كُلُّها، وحُمِدَتْ
مَواقفه، وكان اللواءُ معه في أكثرها، وفُضِّلَ على خالد بن الوليد في
الشِّجاعة، لأن شجاعةَ خالد فارساً، وعليّ فارساً وراجلاً، ومناقبه لاتُعَدُّ، من
أكبرها تزويجُ البتول، ومُؤاخاة الرسول [{[*]، ودخوله في المباهلة والكِسَاء، وحمله
في أكثر الحروب اللواء، وقول النبي وَّه: ((أما تَرْضَى أن تكون مِني بمنزلةٍ
هَارون مِنْ موسى))(٢)، وغير ذلك مما يطول ذِكْره ويَعِزُّ حَصْرُه، وقد نقل
اليافِعي(٣) الخلاف بين أهل السُّنَّة في المفاضلة بينه وبين عثمان، واختار هو
تفضيله على عثمان، وأشار إلى ذلك في قصيدة جُملتها خمسة وثلاثون بيتاً
منها :
وَاللّه أَعْلَمُ مَا فِي بَاطِنِ الْحَالِ
وَالظَّاهِرُ الآن عِنْدِي مَا أَقُولُ بِهِ
تَفْضِيْلُهُ قَبْلِ ذِي النَّورَيْنِ مِنْ تالِ
انتھی .
مِنْ بَعْدِ تَفْضِيْلِنَا الشيْخَيْنِ مُعْتَقَدي
والصحيح تفضيل عُثْمَان كما هو معلوم، ولما استقر الخوارج في حَرَوراء(٤)
(١) في الأصل: ((مساس)) وهوخطأ، وأثبتنا ما في المطبوع، والمشاش رؤوس العظام مثل
الركبتين، والمرفقين، والمنكبين. ((لسان العرب)) ((مشش)) (٤٢٠٨/٦) وانظر تتمة كلامه فيه.
(٢) رواه البخاري رقم (٣٧٠٦) في فضائل علي رضي الله عنه، ورقم (٤٤١٦) في المغازي،
باب غزوة تبوك ومسلم رقم (٢٤٠٤) (٣١) و(٣٢) في فضائل علي رضي الله عنه، من
حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
(٣) انظر ((مرآة الجنان)) (١٤٤/١) وقد حصل فيه بعض التحريف في البيت الثاني الذي اختاره
ابن العماد.
(٤) قال ياقوت: حروراء: بفتحتين، وسكون الواو، وراء أخرى، وألف ممدودة ... هي قرية
بظاهر الكوفة، وقيل: موضع على ميلين منها نزل به الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي
طالب رضي الله عنه، فنسبوا إليها .. وانظر تتمة كلامه في ((معجم البلدان)) (٢٤٥/٢).
٢٢٤

بعد النَّهْرَوان(١) وكانوا ستة آلاف مقاتل، وقيل: ثمانية آلاف،
أتاهم عليّ وخَطَبَهم، وَوَعَظَهم، فرجعوا معه إلى الكوفة، وأشاعوا أن علياً
تاب من التحكيم، فأتاه الأشْعَثُ بن قَيْس فقال له: إن النَّاس قائلون: إنك
رأيتَ الحكومة ضلالاً، وتبت منها، فقام في النَّاس فخطبهم(٢) وقال: من
زعم أن الحكومة ضلال فقد كذب، فثارت الخوارج وخرجوا من المسجد،
فقيل له: إنهم خارجون عليك، فقال: ما أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون،
فبعث إليهم ابن عبّاس رضي الله عنهما يناظرهم، فاحتج عليهم ابن عباس
بالتحكيم في إتلاف المحرم الصيد، والتحكيم بين الزوجين، وبأن النّبِيَّ وَيه
أمسك عن قتال الهُدنة يوم الحديبية، فصدَّقوه في ذلك كُلُّه، وقالوا له: إن
علياً محا نفسه من الخلافة بالتحكيم، فقال لهم ابن عباس: إن رسول الله
** محا اسم الرسالة يوم الحديبية فلم يزلها ذلك عنه، فرجع منهم ألفان،
وبقي أربعة أو ستة آلاف أصرُّوا، وبايعوا عَبْدَ اللهِ بنَ وَهْبِ الراسِبِي، فخرج
بهم إلى النَّهْرَوان(٣) فسار إليهم عليٍّ، وأوقع بهم، وقتل منهم ألفين
وثمانمائة. منهم ذو الثَّدَيّة (٤) علامة الفرقة المارقة، ثم كلمهم أيضاً، فأصرُّوا
وقالوا: إن عدتَ إلى جهاد العدوِّ سِرْنا بين يديك، وإن بقيت على التحكيم
قاتلناك، ثم قال لهم: أيُّكم قاتل عَبْدَ اللهِ بنَ خَبَّاب، فقالوا: كُلُّنا قتله، وكانوا
(١) النهروان: كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي حدّها الأعلى متصل ببغداد، وفيها
عدة بلاد متوسطة، منها: إسكاف، وجرجرايا، والصافية، وديرقُنى، وغير ذلك، وكان بها
وقعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج، وقد خرج منها جماعة
من أهل العلم والأدب. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٣٢٤/٥ - ٣٢٧).
(٢) لفظة ((فخطبهم)) سقطت من المطبوع.
(٣) تقدم التعريف بها قبل قليل.
(٤) لا يعرف اسمه، والظاهر أنه لقب بهذا اللقب لأن إحدى ثَدْبَيْه كانت مثل ثدي المرأة، عليها
شعيرات مثل الذي على ذنب اليربوع. انظر خبره في ((الإصابة)) لابن حجر (٢١٢/٣ -
٢١٣).
٢٢٥

قَبْلُ لَقُوا مسلماً ونصرانياً، فَأَعْفَوا النصراني وقالوا: احفظوا وصية نبيكم فيه،
وقتلوا المسلم، ثم لقوا عَبْدَ اللهِ بنَ خَبَّابِ الصحابي وفي عُنُقِهِ الْمُصْحَفُ،
فقالوا: إن المُصْحَفَ يأمُرُنا بقتلك، فَوَعَظهم، وذَكَّرهم، وحدَّثهم، عن أبيه،
عن رسول الله وَّر، فلم يقبلوا، وقالوا له: ما تقول في أبي بكرٍ وَعُمَر، فأثنى
عليهما، فقالوا: ما تقول في عليٍّ قبل التحكيم، وعُثْمَانَ قبل الحدَث، فأثنى
عليهما خيراً، قالوا: فما تقول في التحكيم والحكومة، قال: أقول: إن علياً
أعلمُ مِنْكم، وأشدُّ توقّياً على دِينه، فقالوا: إنك لستَ تتبع الهُدى، فربطوه
إلى جانب النهر وذبحوه، فاندفق دمه على الماء يجري مستقيماً.
وروي أن رجلاً قال لعليٍّ: ما بالُ خِلافةِ أبي بكرَ وعُمْرَ كانت صافية،
وخلافتُك أنتَ وعُثْمَانُ مُتَكَدِّرَة؟ فقال: إن أبا بَكْر وَعُمَر، كنتُ أنا وعُثْمَانُ من
أعوانهما، وكنتَ أنتَ وأمثالك من أعواني وأعوان عُثْمان.
وقال له رجل من اليهود: ما أتى عليكم بعد نبيكم إلا نّيِّفٌ وعشرونَ
سنة حتى ضربَ بعضُكم بعضاً بالسيف، فقال رضي الله عنه: فأنتم ما جَفَّتْ
أقدامكم من البحر حتى قلتم: ﴿يا مُوْسى اجعَل لَنَا إِلَهاً كما لَهُم آلِهَةٌ ﴾
[الأعراف: ١٣٨].
ومما رُئي به عليٌّ كرم الله وجهه :
ألا قُل للخَوَارِجِ أَجْمَعِيْنَا فَلا قَرَّتْ عُيُونُ الشَّامِتَيْنَا
بخّيْرِ النَّاس ◌ُرَّاً أجمعينا (٢)
أفي(١) شَهْرِ الصِّيامِ فَجَعْتُمُونَا
وَذَلَّلَها وَمَنْ رَكِبَ السَّفْنَا
قَتَلْتُمْ خَيْرِ مَنْ رَكِبَ المَطايا
وَمَنْ قَرَأَ المِثَاني والمِثْنَا
وَمَنْ لَبِسَ النِّعَالِ وَمَنْ حَذَاهَا
(١) سقطت الألف من لفظة ((أفي)) من الأصل، وأثبتناها من المطبوع.
(٢) في الأصل والمطبوع: ((ابتعينا)) وهو تحريف، والتصويب من ((تاريخ الطبري)) (١٥٠/٥) وقد
نسب الأبيات إلى أبي الأسود الدؤلي.
٢٢٦

وَكُلُّ مَنَاقِب الخَيْرَاتِ فيهٍ وَحُبُّ رَسُولِ رَبِّ العَالِمِيْنَا
وبعد وفاة عليٍّ بويع لابنه الحسن رضي الله عنهما، فتممت بأيامه
((خلافة النبوة ثلاثون سنة)) وظهر تصديق الخبر النبوي(١).
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٢٠/٥)، وأبو داود في ((سننه)) رقم (٤٦٤٦) في السنة، باب في
الخلفاء، والترمذي رقم (٢٢٢٦) في الفتن، باب في الخلافة، من حديث سفينة رضي الله
عنه، وهو حديث حسن.
ولفظه عند أبي داود بتمامه عن سفينة قال: قال رسول اللّه ◌َله: ((خلافة النبوة ثلاثون سنة،
ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه من يشاء)).
٢٢٧

سنة إحدى وأربعين
في ربيع الأول منها سار أمير المؤمنين الحَسَنُ بنُ عَليٍّ بجيوشه نحو
الشَّامِ ، وعلى مقدمته قَيْسُ بن سَعْد بن عُبَادَة، وسَار مُعَاوية بجيوشه فالتقوا
بناحية(١) الأَنْبَار (٢)، فوفَّق الله الحسن، فحقن(٣) دماء المسلمين، وترك الأمر
لمعاوية كما هو مقرَّر في ((صحيح البخاري)) (٤).
وظهر حينئذ صدق الحديث النبوي فيه حيث قال وسلم: ((إن ابني هذا
سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين))(٥).
ولما تم الصلح بشروطه برز الحسن بين الصَّفَّين وقال: إني قد اخترت
(١) في المطبوع: ((في ناحية)).
(٢) الأنبار: في العراق، بينها وبين بغداد ثلاثة عشر فرسخاً، وهي مدينة صغيرة متحضرة لها
سوق، وفيها قلعة وفواكه كثيرة، وهي على رأس نهر عيسى. ((الروض المعطار)) للحميري
ص (٣٦).
(٣) في المطبوع: ((في حقن)).
(٤) رواه البخاري رقم (٢٧٠٤) في الصلح، باب قول النبي ◌َّ للحسن بن علي: ((إن ابني هذا
سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين)) وقوله جل ذكره: ﴿فأصلحوا بينهما﴾.
(٥) رواه البخاري رقم (٣٧٤٦) في مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما، وفي الصلح، باب
قول النبي * للحسن بن علي: ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين
عظيمتين)) وفي الأنبياء باب علامات النبوة في الإِسلام، وفي العتق، باب قول النبي وَاذ
للحسن بن علي: ((إن ابني هذا لسيد)) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
٢٢٨

ما عند الله وتركت هذا الأمر لمعاويةً، فإن كان لي فقد تركته الله، وإن كان له
فما ينبغي لي أن أنازعه، ثم قرأ: ﴿وإن أُدري لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لكُم وَمَتَاعٌ إِلى
حِيْنٍ﴾ [الأنبياء: ١١١]، وكَبَّ النَّاسُ فرحاً، واختلطوا من ساعتَهم، وسُمِّيت
سَنَّةَ الجماعة، وتمت الخِلافَةُ لمُعَاوِية رضي الله عنه، ولله الحمد.
وفيها توفيت أُمُّ المؤمنين حَقْصَةُ بَنْتُ عُمَرَ رضي الله عنها، وقيل: في
سنة خمس وأربعين، وكان النبيُّ بِّهِ طلقها مَرّةً، فبكى عُمَرُ، واشتد عليه،
فنزل جبريل وقال للنبيِّ ◌َّه: إن الله يأمرك أن تُراجع حفصة بنت عمر رحمة
العمر (١).
وفي روايةٍ: فإنها صَوَّامة قَوَّامة، وإنها زوجتُك في الجنة(٢).
وفيها مات صَفْوَانُ بِنِ أُميّة بن خَلَفٍ القُرَشي الجُمَحِي، وكان من
أشراف قريش، ومُسْلِمَةِ الفتح، وكان هَرَبَ يومئذٍ إلى جُدَّة(٣)، فاستؤمن له
فرجع وطلب من النبيِّ وَّ خيار شهرين فقال له: ((لك أربعة)) وشهد حنيناً
فأكثر له وَ﴿ من غنائمها، فقال: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي،
وحسن إسلامه، وقدم المدينة فقال له النبيُّ وَله: ((لا هجرة بعد الفتح)) (٤)
(١) ذكره الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (١٩٨/١٢) من طريق موسى بن عُليَّ بن رباح عن أبيه
عن عقبة بن عامر، فنزل عليه جبريل، فقال: ((إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر))
والذي في ((سنن أبي داود)) رقم (٢٢٨٣)، و((النسائي)) (٢١٣/٦)، و((ابن ماجه)» رقم
(٢٠١٦) في الطلاق، عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله وَلاير طلق حفصة ثم راجعها، وهو
صحيح بهذا اللفظ.
(٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (٨٤/٨) من حديث قيس بن زيد أن رسول الله ويليه طلقها ثم
ارتجعها وذلك أن جبريل قال له: ((ارجع حفصة فإنها طوقة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة))
وهو حديث مرسل. وانظر («مجمع الزوائد» للهيثمي (٢٤٤/٩).
(٣) هي مدينة كبيرة على ساحل البحر الأحمر، تبعد عن مكة قرابة (٣٠) ميلاً. انظر خبرها في
(((معجم البلدان)) لياقوت (١١٤/٢ و١١٥)، و((الروض المعطار)) للحميري ص (١٥٧).
(٤) رواه البخاري في الجهاد، باب لا هجرة بعد الفتح، وفي فضائل أصحاب النبي 18، وفي =
٢٢٩
۔

فرجع إلى مكة، وكان من الأغنياء، قيل: ملك قنطاراً من الذهب،
[ و] شهد اليرموك أميراً.
وفيها لَبِيْد بن رَبِيْعَةَ الشَّاعرِ العَامِري، الذي صدَّقه النبيُّ وَّ(١)،
وحسن إسلامه، وقيل: مات في خلافة عثمان بالكوفة عن مائة وخمسين
سنة .
= المغازي ومسلم رقم (١٣٥٣) و(١٨٦٤) من حديث عبد الله بن عباس، وعائشة رضي الله
عنهما.
(١) قال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) في ترجمة لبيد (٧/٩): وقد ثبت أن النبيَّ وَّ قال:
((أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد)) وهو قوله:
((ألا كل شيءٍ ما خَلا اللّه بَاطِلٌ))
وانظر ص (١١٦) من هذا المجلد.
٢٣٠

سنة اثنتين وأربعين
فيها افتتح عَبْدُ الرَّحمن بن سَمُرَة سِجِسْتَان(١)، أو بعضها، وافتُتِحَتْ
السِّنْدُ(٢).
وفيها توفي عثمان الحجبي .
وفيها سار راشد بن عمرو(٣)، فشنَّ(٤) الغارات، وأوغل في بلاد
السند(*).
(١) قال ياقوت: سجستان: ولاية واسعة، بينها وبين هراة عشرة أيام، وهي جنوبي هراة. ((معجم
البلدان)) (١٩٠/٣ - ١٩٢)، وانظر ((الأمصار ذوات الآثار)) للذهبي ص (١٠٣) طبع دار ابن
كثير. قال الذهبي في ((تاريخ الإِسلام)) (٢٠٩/٢): وكان معه في تلك الغزوة من الشباب،
الحسن البصري، والمهلب بن أبي صفرة، وقطري بن الفجاءة.
(٢) قال ياقوت: السند: بلاد بين بلاد الهند، وكرمان، وسجستان، قالوا: السند، والهند كانا
أخوين من ولد بوقير ابن يقطن بن حام بن نوح، يقال للواحد من أهلها سِندي. ((معجم
البلدان)) (٢٦٧/٣). وانظر تعليقنا على ((الأمصار ذوات الآثار)) للذهبي ص (١١٠ - ١١١).
(٣) في ((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (٢٠٥) ((راشد بن عمرو الجديدي))، وعنده ص (٢١١) أنه
قتل في الهند سنة خمسين.
(٤) في المطبوع: ((وشن))، وما في الأصل الذي بين أيدينا موافق لما عند الذهبي في ((تاريخ
الإسلام» (٢٠٩/٢).
(*) قلت: وفيها غزا المسلمون اللّن، وهي بلاد واسعة في طرف أرمينية، قرب باب الأبواب
مجاورون للخَرَز. انظر ((تاريخ الطبري)) (١٧٢/٥)، و((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير
(٤٢٠/٣)، و((معجم البلدان)) لياقوت (٨/٥).
٢٣١

سنة ثلاث وأربعين
فيها افتتح عُقْبَةُ بنُ نَافِعِ كُورَاً(١) من بلاد السُّوْدَان.
وسبى بُسْرُ بنُ أَرْطَاة(٢) بأرض الروم.
وفي ليلة عيد الفطر توفي أبو عبد الله عَمْرو بن العَاص القرشي السَّهمي
بمصر أميراً لمعاوية، كان من الدهاة المجرِّبين، أسلم في هُدنة الحديبية،
وهاجر وولي إمرة جيش ذات السلاسل، وكان من أجلاء قريش، وذوي الحزم
: وفيها غزا المسلمون الروم أيضاً، فهزموهم هزيمة منكرة، وقتلوا جماعة من بطارقتهم. انظر
((تاريخ الطبري)) (١٧٢/٥)، و((الكامل)) لابن الأثير (٤٢٠/٣)، و((البداية)) لابن كثير
(٢٤/٨).
وفيها مات الأَسْوَدُ بن سَرِيْعِ التَّميميُّ السَّعديُّ المِنْقَرِيُّ، أبو عبد الله رضي الله عنه. انظر
((تهذيب الكمال)) للمزي، والتعليق عليه لمحققه الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف
(٢٢٢/٣)، و((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (٢٠٩/٢).
(١) جمع ((كُورَة)) وهي الْقُرْيَةُ. انظر ((اللسان العرب)) ((كور)) (٣٩٥٤/٥). وانظر الخبر في ((تاريخ
الإسلام)» للذهبي (٢١٠/٢)، و((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (٢٠٧)، وهو فاتح إفريقية.
انظر ترجمته ومصادرها في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٥٣٢/٣ - ٥٣٤).
(٢) في الأصل: ((بشر بن أرطاة))، وفي المطبوع: ((بشر بن ارطأة)) وكلاهما محرف، والصحيح
ما أثبتناه.
وقال الحافظ ابن حجر: هو بُسْرَ بن أرطاة، أو ابن أبي أرطاة. وقال ابن حبَّان: من قال ابن
أبي أرطاة فقد وَهِمَ. وانظر ((الإصابة)) (٢٤٣/١).
٢٣٢

والرأي، وحديث وفاته وتثبّته عند النزع، مذكور في ((صحيح مسلم))(١)، وفيه
عِبْرة، وقال آخر أمره: اللّهُمَّ إنك أمرتَنا فعصينا، ونهيتَ فارتكبنا، فلا أنا
بريء فأعتذر، ولا قويٌّ فأنتصر، ولكن لا إله إلا أنت، ثم فاضت روحه
رحمه الله تعالی ورضي عنه.
وفيها توفي عبد الله [بن](٢) سلام الإِسرائيلي حليف الأنصار، من سبط
يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام، وقصة إسلامه مشهورة في
((الصحاح))(٣)، وشهد له النبيُّ ◌َّر بالجنة، وهو المراد عند بعض المفسرين
(١) رواه مسلم في (صحيحه)) رقم (١٢١) في الإِيمان، باب كون الإِسلام يهدم ما قبله، وكذا
الهجرة والحج من حديث ابن شحاتة المهري، قال: قال: حضرنا عمرو بن العاص وهوٍ في
سياق الموت، فبكى طويلاً وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بشّرك
رسول الله* بكذا، أما بشرك رسول الله # بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما
نُعِدُّ شهادة أن لا إله إلّ الله وأن محمداً رسول الله، إني قد كنت على أطباق (أي أحوال) من ثلاث
لقد رأيتُني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله وَّه مني، ولا أحب إليَّ أن أكون قد
استمكنتُ منه فقتلته، فلومت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإِسلام
في قلبي أتيت النبي وه فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه قال: فقبضت يدي،
قال: ما لك يا عمرو؟ قال: قلت: أريد أن أشترط؟ قال: ((تشترط بماذا؟)) قلت: أن يُغْفَر لي،
قال: ((أما علمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم
ما كان قبله؟)) وما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﴿ ولا أجلَّ في عيني، وما كنتُ أطيق أن
أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقتُ، لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو
مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم وُلُّينا أشياء ما أدري ما حالي فيها،
فإذا أنامت فلا تصحبني فائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنّوا عليَّ التراب شَنّاً، ثم أقيموا حول
قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي .
وفي هذا الحديث عبرة كما ذكر المؤلف رحمه الله.
(٢) لفظة: ((ابن)) سقطت من الأصل، واستدركناها من المطبوع، ومن كتب الرجال.
(٣) رواها البخاري رقم (٣٣٢٩) في الأنبياء، باب خلق آدم وذريته وهي بتمام سياقتها.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله صلقر المدينة،
فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام =
٢٣٣

بقوله تعالى: ﴿وَمَن عنده علم الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣]، وقوله تعالى:
﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِه ﴾ [الأحقاف: ١٠].
وفي صفر منها محمد بن مَسْلمة الأنصاري البدري، وكان ممن اعتزل
الفتنة، واتخذ سيفاً من خشب، ولزم المدينة حتى مات.
= يأكله أهل الجنة، ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه، ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال
رسول اللّه ◌َله: ((خَبَّرني بهنّ جبريل آنفاً) قال: فقال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة.
فقال رسول الله *: ((أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب،
وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد حوتٍ، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا
غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها)) قال: أشهد أنك رسول
الله، ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بُهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني
عندك، فجاءت اليهود ودخل عبدالله البيت، فقال رسول الله وكليقول: ((أي رجل فيكم عبد الله بن
سلام؟)) قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله وَله: ((أفرأيتم إن
أسلم عبد الله؟)) قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبدالله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله
وأن محمداً رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه.
ورواه أيضاً أحمد في ((المسند)) (١٠٨/٣).
٢٣٤

سنة أربع وأربعين
في ذي الحجة منها، توفي أبو موسى الأشعري، اليمني، المقرىء،
الأمير، نسب إلى الأشعر أخي حِمْيَر بن سبأ، وكان من أهل السابقة والسبق
في الإِسلام، هاجر من بلده زَبید (١) في نحو اثنين وخمسين رجلاً، ورجع،
فركب البحر، فألقتهم الريح إلى النَّجَاشي(٢) بالحَبَشة، فوقف مع جَعْفَرَ
وأصحابه حتى قدم معهم في سفينته، وجَعْفَرُ وأصحابه في سفينة أخرى،
وأسهم رسولُ الله ◌َّ لسفينتهم ولمن جاء معهم، ولم يسهم لمن غاب
غيرهم، واستعمله النبيُّ ◌َ﴿ على عَدَن، واستعمله عمر على الكُوفَةِ،
والبَصْرَة، وفتحت على يده عدة أمصار، وقال علي فيه: صبغ بالعلم صبغة.
وفيها افتتحِ عَبْدُ الرَّحمنِ بن سَمُرَةٍ كَابُلَ (٣).
وغزا المُهَلَّبُ بن أبي صُفْرَة أرض الهِنْد، وهزم العدو.
(١) قال ياقوت: زَبِيدٌ: اسم واد به مدينة يقال لها: الحُصَيب، ثم غلب عليها اسم الوادي فلا
تعرف إلا به، وهي مدينة مشهورة باليمن أحدثت في أيام المأمون. ((معجم البلدان)»
(١٣١/٣). وانظر ((الروض المعطار)) للحميري ص (٢٨٤، ٢٨٥).
(٢) تقدم التعريف به ص (١٢٨). من هذا المجلد.
(٣) هي عاصمة أفغانستان المعاصرة سلَّمها الله تعالى. انظر خبرها في ((معجم البلدان))
لياقوت (٤٢٦/٤).
٢٣٥

وفيها توفيت أُمُّ المؤمنين أُمُّ حبيبة رَمْلَة بنتُ أبي سُفْيَانَ الأموية،
هاجرت [إلى](١) الحَبَشة مع زوجها عُبَيد الله (٢) بن جَحْشٍ، فتنصَّر هناك
ومات، فأرسل رَسُولُ اللهِ وَّ عَمْرو بنَ أُميَّةَ الضَّمري وكيلاً في زواجها(٣)،
فلما بُشِّرَتْ بذلك نثرت سوارين كانا في يدها، وأصدقها النجاشيُّ عن النبيِّ
﴿* أربعمائة دينار، أو أربعة آلاف درهم(٤)، وحضر عقدها جَعْفَرُ وأصحابه.
(١) لفظة ((إلى)) سقطت من الأصل، وأثبتناها من المطبوع.
(٢) في الأصل والمطبوع: ((عبد الله بن جحش))، وهو خطأ، لأن زوج أم حبيبة رملة بنت أبي
سفيان الذي تنصِّر، هو عبيد الله بن جحش، تنصر بالحبشة ومات بها نصرانياً، وأما عبد الله
بن جحش، فإنه هاجر إلى المدينة، وشهد بدراً وقتل يوم أحد رضي الله عنه، ودفن هو وخاله
حمزة بن عبد المطلب عم النبي وَلي في قبر واحد.
(٣) قلت: وهو الذي حمل إلى النجاشي أيضاً رسالة النبيِّ وَ﴿. انظر («إعلام السائلين عن كتب
سيد المرسلين)) لابن طولون، بتحقيقي ص (٤٧ - ٥٤)، وفي الأصل: ((عمرو بن أمية
الضميري)» وهو تحريف.
(٤) في الأصل: ((وأربعة آلاف درهم))، والصواب ما في المطبوع.
٢٣٦

سنة خمس وأربعين
فيها غزا مُعَاوَةُ بن حُدَيْج (١) إفريقية.
وتوفي فيها، وقيل: سنة إحدى وخمسين أبو خارجة زيد بن ثابت بن
الضحاك الأنصاري المقرىء الفرضيُّ (٢) الكاتب، عن ست وخمسين سنة،
قتل أبوه يوم بُعَاثْ(٣)، وهو ابن ست، وهاجر النبيُّ وَّ وهو ابن إحدى
عشرة، واجتمع له شرف العلم والصحبة، وأول مشاهده الخندق، وكان عُمَرُ
(١) في الأصل، والمطبوع: ((معاوية بن خديج)) وهو تصحيف.
(٢) في الأصل: ((القرشي)) وهو خطأ، والصواب ما في المطبوع. قال السمعاني في ((الأنساب))
(٢٧٢/٩): الفرضي: هذه النسبة إلى الفريضة، والفرض، والفرائض، وهو علم المقدرات،
ويقال في النسبة إليه: فَرَضي، وفارض، وفرائضي.
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((بغاث)) بالغين. وهو تصحيف.
قال البكري: بُعَاث: بضم أوله، وبالثاء المثلثة: موضع على ليلتين من المدينة، وفيه كانت
الوقيعة، واليوم المنسوب إليه بين الأوس والخزْرَج. ((معجم ما استعجم)) (٢٥٩/١، ٢٦٠)،
وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٤٥١/١، ٤٥٢)، و((الروض المعطار)) للحميري
ص (١٠٩)، و((جامع الأصول)) لابن الأثير (١٧٠/٩).
وروى البخاري (٣٧٧٧) في مناقب الأنصار: باب مناقب الأنصار، و(٣٨٤٦) باب القسامة
في الجاهلية، و(٣٩٣٠) باب مقدم النبيِّ ﴿ وأصحابه رضي الله عنهم المدينة من حديث
عائشة رضي الله عنها قال: كان يوم بعاث يوماً قدَّمه الله تعالى لرسوله وَ﴿ه، فَقَدِمَ رسول الله
** وقد افترقَ مَلُّهم، وقتلت سرواتهم وجرحوا، فقدمه الله تعالى لرسوله وَي1 في دخولهم
الإِسلام.
٢٣٧

وعُثْمَانُ يستخلفانه على المدينة، وكان ابن عَبَّاس يأتيه إلى بيته للعلم ويقول:
العِلْمُ يؤتى ولا يأتي، وكان إذا ركب أخذ بركابه، ويقول ابن عَبَّاس: هكذا
أمرنا أن نفعل بالعُلماء، فيأخذ زَيْدٌ كَفَّهُ ويُقبِّلها، ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل
بأهل بيت نبينا وَل﴾ .
وفيها عَاصِمُ بنُ عَديِّ سيد بني العَجْلان، وكان قد ردَّه النبيُّ ◌َّ من
بدرٍ في شُغْلٍ، وضرب له بسهمه.
وقتل أخوه مَعْنُ يوم اليمامة .
٢٣٨

سنة ست وأربعين
فيها وَلِيَ الرَّبِيْعُ بنُ زِيَادٍ الحَارِثِيُّ سِجِسْتَان، فزحف كابل شاه في جمع
من الترك وغيرهم، فالتقوا على بُسْت(١)، فهزمهم(٢).
وفيها تُوقِّي عَبْدُ الرَّحمن بنُ خَالِد بن الوَلِيد مسموماً على ما قيل، وكان
أحدَ الأَجواد، وكان بيده لواءُ مُعَاوِيَة يوم صِفِّين، وكان أخوه مُهَاجِرُ مع عَليٍّ
رضي الله عنه، وقيل: إن مُعَاوِيَة خطب النَّاس حين كَبِرَ وأسنَّ، واستشارهم
فيمن يستخلف، وكان مرادُه أن يشيروا بَيَزِيْد، فأشاروا بِعَبْدِ الرَّحمن بنِ
خَالِدٍ، وغزا عَبْدُ الرَّحمنِ الرُّومَ غيرَ مَرَّةٍ(*).
(١) قال ياقوت: بست: بالضم مدينة بين سجستان، وغزنين، وهراة، وأظنّها من أعمال كابُل.
وقال السمعاني: بلدة من بلاد كابل بين هراة وغزنة، وهي بلدة حسنة كثيرة الخضر،
والأنهار، والبساتين.
قلت: وهي الآن في إيران. وقد أنجبت هذه البلدة عدداً كبيراً من العلماء في القرون
الهجرية الأولى. انظر ((معجم البلدان)) (٤١٤/١ - ٤١٩)، و((الأنساب)) (٢٠٨/٢ - ٢١٠)،
و ((الروض المعطار)) للحميري ص (١١٣).
(٢) انظر هذا الخبر في ((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (٢٠٨)، و((تاريخ الإِسلام)) للذهبي
(٢١١/٢).
(*) قلت: وفي هذه السنة حج بالناس عُتْبة بن أبي سفيان. انظر ((تاريخ خليفة بن خياط))
ص (٢٠٨)، و((تاريخ الطبري)) (٢٢٨/٥)، و((الكامل)) لابن الأثير (٤٥٤/٣).
٢٣٩

سنة سبع وأربعين
فيها غزا رُوَيْفِعُ بنُ ثَابِتٍ الأَنصاريُّ أَميرُ طَرَابُلُس إِفريقيةً، فدخلها ثم
انصرف.
وفيها حجَّ بِالنَّاس عَنْبَسَةُ بنَ أَبِي سُفْيَانَ.
وفيها جَمَعَتِ التِّرْكُ فَالْتَقَاهُمْ(١) عَبْدُ اللهِ بنُ سَوَّارِ العَبْدِيُّ ببلاد
القِيْقَان(٢)، فاستُشهد عَبْدُ الله، وعامَّةُ جُنْدِهِ، وَغَلَبَتِ التُّرْكُ على القيقان(*).
(١) في المطبوع: ((فالتقى بهم)).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((بلاد القيفان)) وهو تصحيف.
قال ياقوت: وقيقان: بلاد قرب طبرستان. انظر ((معجم البلدان)) (٤٢٣/٤). وانظر ((تاريخ
خليفة بن خياط)) ص (٢٠٨)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي (٢١١/٢)، و((دول الإسلام))
للذهبي (٣٥/١).
قلت: والقيقان الآن في بلاد إيران.
(*) قلت: وفيها شَتَّى مالك بن هبيرة في أرض الروم، وشَتَّى أبو عبدالرّحمن القيني في أنطاكية. انظر
((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (٢٠٨)، و((تاريخ الطبري)) (٢٢٩/٥)، و((تاريخ الإسلام)»
للذهبي (٢١١/٢).
وفيها ولي على العراق زياد بن أبيه، فوجه على أرض الهند سِنَّان بن سَلَمة الهُذَلي عوض
ابن سوار الذي استشهد. عن «دول الإسلام)» للذهبي (٣٥/١).
٢٤٠