Indexed OCR Text

Pages 161-180

سنة خمس عشرة
فيها وقعة اليرموك، وكان المسلمون ثلاثين ألفاً، والروم أزيد من مائةٍ
ألف، الخمسة والستة في سلسلة لئلا يفروا، فداستهم الخيل، وقيل: كان
المسلمون خمسين ألفاً، والروم ألف ألف، والرماة فيهم مائة ألف، ومعهم
جَبَلَةُ بن الأَيْهم الغسَّاني في ستين ألفاً من متنصِّرة العرب، فقدمهم الروم،
فانتقى لهم خَالِدٌ ستين رجلاً من أشرافِ العرب فقاتلوهم يوماً كاملاً، ثم نصر
الله المسلمين وهرب جَبَلَةُ، ولم ينجُ منهم إلا القليل، ثم التقى المسلمون
مع الروم مرة بعد أخرى حتى أبادوهم بالقتل وهربت بقيتهم تحت الليل.
واستشهد في اليرموك جماعة من فضلاء المسلمين منهم عِكْرِمَةُ بن
أبي جَهْلٍ، وكان قد حَسُنَ إسلامه بحيث إنه لا يقدر يثبت بصره في
المصحف من كثرة الدمع، وعيَّاش بن أبي ربيعة المخزومي، وعَبْد الرَّحمن
ابن العوام، أخو الزُّبير، وعامر بن أبي وقّاص أخو سعدٍ، وأما عُتْبَةُ بن أبي
وقّاص فلم يكن مُسْلِماً، وهو الذي كسر رَبَاعِيَةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم،
وظهرت بها نجدة جماعة منهم الزُّبير، والفَضْلُ بن العباس، وخالد بن
الوليد، وعَبْد الرَّحمن بن أبي بكر في آخرين رضي الله عنهم.
وفي شوال منها وقعة القادسية، وقيل: كانت في ستة عشرة، وكان أمير
١٦١
-.. . . --

المسلمين سَعْدُ بن أبي وَقَّاص، ورأس المجوس رُسْتُم ومعه الجالينوس، وذو
الحَاجِب، وكان المسلمون سبعة آلاف، والمجوس ستون ألفاً، ومعهم
سبعون فيلاً، فحصرهم المسلمون في المدائِن(١)، وقتلوا رؤساءهم الثلاثة
وخلقاً.
واستشهد بها عمرو (٢) بن أم مكتوم الأعمى المذكور في قوله تعالى:
﴿ أَن جَاءَهُ الأَعمَى﴾ [عبس: ٢]، وأبو زَيْدٍ الأنصاري.
وافتتحت الأَرْدُنُّ عنوةً، إلا طَبَرِيَّةُ صلحاً.
وتوفي سَعْدُ بنُ عُبَادة سيد الخزرج بحَوْرَان، جعل(٣) يبول في جحٍ
فخرَّ ميِّتاً، وسُمع يومئذ صائِحٌ من الجن في داره بالمدينة يقول:
نَحْنُ (٤) قَتَلنا سيِّدَ الْخَزْ رَجِ سَعْد بن عُبَادَة
فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَه(٦)
رَمَيْنَاهُ بسهْمَينٍ (٥)
(١) المدائن: مدينة على سبعة فراسخ من بغداد على حافتي دجلة. كانت دار مملكة الأكاسرة،
افتتحها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. عن ((الروض المعطار)) للحميري ص (٥٥٦،
٥٥٩)، وانظر: ((معجم البلدان)) لياقوت (٧٤/٥، ٧٥).
(٢) قال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٣٦٠/١): مختلف في اسمه، فأهل المدينة
يقولون: عبد الله بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشيُّ العامري، وأما أهل العراق،
فسموه عَمْراً.
(٣) في المطبوع: ((قعد)).
(٤) لفظة: ((نحن)) ليست في ((الاستيعاب)) لابن عبد البر، و((أسد الغابة)) لابن الأثير، و((سير أعلام
النبلاء)) للذهبي.
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((بسهم)) والتصحيح من ((أسد الغابة))، و((طبقات ابن سعد))، و((سير
أعلام النبلاء)».
(٦) البيت الأول في ((الاستيعاب)) لابن عبد البر على هامش ((الإصابة)) (١٥٨/٤)، و((أسد الغابة))
لابن الأثير (٣٥٨/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٢٧٧/١).
والبيت الثاني موافق لما في ((الاستيعاب))، وفي ((أسد الغابة))، و((طبقات ابن سعد))، و((سير .
أعلام النبلاء)): ((رميناه بسهمين)) وهو ما أثبتناه.
١٦٢

سنة ست عشرة
افتتحت حَلَبُ ، وأنطاكِيَةُ صُلحاً.
واختطَّ مصر(١) سَعْد بن أبي وَقَّاص، أي علم موضع البناء.
وحاصر المُسْلِمونَ بيت المقدِسِ مُدَّةً، فقالوا للمسلمين: لا تتعبوا
أنفسكم فلن يفتحها إلا رجُلٌ له عَلَامَةٌ عِنْدنا، فإن كان إمامكم(٢) بتلك
العلامة سلَّمناها من غير قتال، فلما وصل الخبر إلى عُمَرَ بذلك، ركب راحلته
ومعه غلام له يعاقبه الركوب، وتزوَّد شعيراً وتمراً وزيتً، ولبس مرقَّعة، فلما
قرب تلقَّاه المسلمون وسألوه تغيير تلك الهيئة، ففعل قليلاً، ثم قال:
أُقِيْلُونِي، فرجع إلى هيئته الأولى، فلما رآه الكفّار كَبَّروا وفتحوها وقالوا: هو
هذا .
وفيها ماتت مَارِيَةُ القِبْطِيَّة أُمُّ إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه
وسلم.
(١) قلت: المصر المقصود بكلام المؤلف مدينة الكوفة. انظر ((مرآة الجنان)) اليافعي
(١٠٥/١)، و((معجم البلدان)) لياقوت (٤٩١/٤)، و((الروض المعطار)) للحميري ص
(٥٠١، ٥٠٢).
(٢) في المطبوع: ((أمامكم)) وهو تحريف.
١٦٣

سنة سبع عشرة
فيها استسقى عُمَرُ بالعَباس رضي الله عنهما فسقوا، ثم خرج عمر إلى
الشام فرجع(١) لما سمع بالطاعون بعد اختلاف بين الصحابة في الرجوع
والقدوم على ما هو مقرر(٢).
(١) في المطبوع: ((ورجع)).
(٢) وذلك ((أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسَرْغُ لقيه أمراء
الأجناد - أبو عبيدة وأصحابه ـ فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، قال ابن عباس: فقال عمر:
ادع لي المهاجرين الأولين، فدعوتهم، فاستشارهم، وأخبر أن الوباء قد وقع بالشام،
فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجت لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقيّةً
الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تُقدمَهم على هذا الوباء،
فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادْعُ لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل
المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادْعُ لي من كان ها هنا من
مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن
ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر،
فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة ابن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها يا
أبا عبيدة؟ - وكان عمر يكره خلافه - نعم نفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك
إبلّ، فَهَبطتْ وادياً له عدوتان: إحداهما خصبةٌ، والأخرى جدبة، أليس إن رَعَيْت الخصبة
رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجَدْبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف
- وكان مُتَغَيِّاً في بعض حاجاته - فقال: إن عندي في هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم به بأرض: فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها: فلا
تخرجوا فراراً منه)) قال: فحمد الله عمرُ بن الخطاب، ثم انصرف، وانظر: ((جامع الأصول))
لابن الأثير (٥٧٧/٧، ٥٧٨)، و((الموطأ)» للإمام مالك (٨٩٤/٢ - ٨٩٦).
١٦٤

وفي سقياهم بالعباس يقول العباس بن عُتبة بن أبي لهب:
بِعَمِيِّ سَقَى الله الحِجَازَ وَأهْلَهُ عَشِيَّةً يَسْتَبْقِي بِشَيْيَتِهِ عُمَرْ
إِلَيْهِ فما إن رَامَ (١) حتى أتى الْمَطَّرْ
تَوَجَّهَ بِالعَبَّاسِ فِي الجَدبِ رَاغِباً
فَهَلِ فَوْقَ هَذَا للمُفَاخِرِ مُفْتَخَرْ (٢)
وَمِنَّا رَسُولُ اللّهِ فِيْنَا تُرَاثُهُ
وفيها زاد عمر في المسجد النَّبويُّ.
وافتتح أبو مُوسى الأشْعَري(٣) الأَهْوَاز (٤).
وفيها كانت وقعة جَلُولاء(٥)، وقتل من المشركين مقتلة عظيمة، وبلغت
الغنائم ثمانية عشر ألف ألف، وقيل: ثمانين ألف ألف.
وتزوج عُمَرُ أُمَّ كُلُومٍ بنت فَاطِمَة الزهراء رضي الله عنهم.
(١) في الأصل، والمطبوع: ((فما إن زال)) وما أثبتناه من ((تاريخ مدينة دمشق)) لابن عساكر (عبادة
ابن أوفى - عبادة بن ثوب) ص (١٨٧)، و«الكامل» لابن الأثير (٥٥٨/٢).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((فهل أحد هذي المفاخر مفتخر)) وما أثبتناه من ((تاريخ دمينة دمشق))
لابن عساكر، و«الكامل)» لابن الأثير.
والأبيات في ((تاريخ مدينة دمشق)) منسوبة للعباس بن عتبة بن أبي لهب كما في كتابنا، وأما في
((الكامل فقد نسبها ابن الأثير للفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب.
(٣) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضّار بن حرب الأشعري رضي الله عنه.
(٤) الأهواز إقليم يعرف أيضاً بخوزستان، وهو إقليم واسع كبير، ولعل أبا موسى رضي الله عنه لم
يفتح الإقليم بكامله، وإنما فتح قاعدة الإقليم سوق الأهواز. وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت
(٣٨٤/١ - ٢٨٧)، و((الروض المعطار)) للحميري ص (٦١، ٦٢).
(٥) في ((تاريخ الطبري)) (٢٤/٤)، و((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٥١٩/٢)، و«البداية
والنهاية)) لابن كثير (٦٩/٧)، و((معجم البلدان)) لياقوت (١٥٦/٢) أنها جرت في سنة (١٦).
وفي ((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (١٣٦) أنها جرت في سنة (١٧).
١٦٥

سنة ثماني عشرة
فيها طاعون عَمَواس(١) بناحية الأَرْدُنِّ، سُمِّيَ بها لأنه منها ابتدأ، لم
يسمع بطاعون مثله في الإِسلام.
واستشهد بها أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، وأمير (٢) الأمراء
بالشام، وهو ابن ثمانٍ وخمسين سنة .
واستشهد فيه(٣) الفضل (٤)، وكان من أشجع الناس قلباً، وأحسنهم
(١) قال الزبيدي في ((تاج العروس)) ((عموس)) (٢٨٦/١٦): عَمَواس: هكذا قيده غير واحد، وهو
بسكون الميم، وأورده الجوهري في ((عمس)» وقال: طاعون عَمْواس أول طاعون كان في
الإِسلام بالشام، ولم يزد على ذلك، وفي ((العُبَاب)) عَمْواس: كورة من فلسطين، وأصحاب
الحديث يحركون الميم، وإليه ينسب الطاعون، ويضاف فيقال: طاعون عَمْواس، وكان هذا
الطاعون في خلافة عمر رضي الله عنه، سنة ثماني عشرة، ومات فيه جماعة من الصحابة،
ذكرتهم في كتابي ((در السحابة في وفيات الصحابة)) قال: وقرأت في ((الروض)) للسهيلي عن
أبي إسحاق أن معاذ بن جبل رضي الله عنه مات في طاعون عَمْواس، قال: هكذا مقيد في
النسخة بسكون الميم، وقال البكري في كتاب ((المعجم)): من أسماء البقاع ((عَمَواس))
محركة، وهي قرية بالشام، عرف الطاعون بها، لأنه منها بدأ، وقيل: إنما سمي طاعون
عَمَواس لأنه عمَّ وآس، أي جعل بعض الناس أسوة بعض. وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت
(١٥٧/٤)، و((الروض المعطار)) للحميري ص (٤١٥)، و((لسان العرب)) ((عمس))
(٣١٠٦/٤).
(٢) في الأصل: و((أمين الأمراء بالشام))، وما أثبتناه من المطبوع.
(٣) أي في الطاعون، وفي المطبوع: ((واستشهد فيها)).
(٤) هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم النبيِّ صلى الله عليه =
١٦٦

وجهاً، وأسخاهم يداً، وله في الجود مآثر يضيق عنها هذا المختصر.
وفيه أيضاً(١) استشهد سلطان العلماء، وأعلم الأمة بالحلال والحرام
مُعَاذُ بن جَبَلٍ ، ورد أن العلماء تأتي تحت رايته يوم القيامة (٢) ، وقال له النبيُّ
صلى الله عليه وسلم: ((إني أُحِبُّكَ يا مُعَاذ))(٣)، وكان من فُضلاءِ الصَّحابة
وفقهائهم، وهو الذي بنى مسجد الجُنْدِ باليمن، وقيل: بُنيَ بعده، ومات عن
ست، أو ثمان وثلاثين سنة (٤).
وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قسم اليمن على خمسة رجالٍ، خالد
ابن سعيد بن العاص على صنعاء، والمُهَاجِر بن أُميَّةَ على كِنْدَةَ(٥)، وَزِيَادُ بن
= وسلم، كان أكبر الإخوة، وبه كان يكنى أبوه، وكان يكنى أبا العباس، وأبا عبد الله، ويقال:
كنيته أبو محمد، غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وحنيناً، وثبت معه يومئذٍ، وشهد
حجَّة الوداع، وحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، اختلف المؤرخون حول سنة
وفاته ووقتها، ورجح الحافظ ابن حجر خبر وفاته في طاعون عمواس كما ذكر المؤلف رحمه
الله. انظر ((الإصابة)) (١٠٢/٨).
(١) أي في طاعون عمواس.
(٢) عند الطبراني في ((المعجم الكبير)) وأبي نعيم في ((حلية الأولياء)) عن محمد بن كعب
مرسلاً، وغيرهما، أن معاذ بن جبل يكون أمامَ العلماء يوم القيامة برَتْوَةَ، وأخرجه محمد بن
عثمان بن أبي شيبة في ((تاريخه))، وأورده ابن عساكر من طرق، عن محمد بن الخطاب،
وهو حديث صحيح بطرقه.
والرتوة: رمية سهم، وقيل: درجة، وقيل: خطوة .
(٣) رواه أبو داود رقم (١٥٢٢) في الصلاة: باب في الاستغفار، والنسائي (٥٣/٣) في السهو:
باب الدعاء بعد الذكر، وإسناده صحيح، والحديث بتمامه، ((يا معاذ، والله إني لأحبك))،
فقال: ((أوصيك يا معاذ، لا تدَعنَّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك،
وشكرك، وحسن عبادتك».
(٤) وهذا ما عليه معظم الجمهور من العلماء.
(٥) قال ياقوت: كندة: بالكسر، مخلاف كندة باليمن اسم قبيلة: ((معجم البلدان)) (٤٨٢/٤)،
وقال الفيروزأبادي: وكندة بالكسر ويقال: كِندِيُّ لقب ثور بن عفير أبو حيٍ من اليمن، لأنه
كند أباه النعمة ولحق بأخواله. ((القاموس المحيط)) (٣٤٦/١).
١٦٧

لَبيدٍ على حضرموت، ومعاذ بن جبل على الجُنْدِ(١)، وأبو موسى على زَبيد (٢)
وعدن والساحل وغيرها(٣).
وفيها، وقيل: في التي بعدها، مات يَزيدُ بن أبي سفيان بن حربٍ
أفضَلُ إخوته، أسلم عام الفتح، وشهد حُنيناً، وأعطاه النبيُّ صلى الله عليه
وسلم مائة ناقةٍ وأربعينَ أوقية فضة، واستعمله أبو بكر على الشام، وعمر
بعده، ثم استخلف بعده عمر أخاه مُعَاويةَ، وأقره عُثْمَانُ إلى أن استقرت له
الخلافة ومات(٤) خليفةً حقاً رضي الله عنه.
وأبو جَنْدَل بن سهيل بن عمرو العامري، وقصَّته في صلح الحديبية
مشهورة في ((الصحيح))(٥).
وسُهَيْل بنُ عَمْرو والد أبي جندل، وكان من سادات قريش وخطبائهم،
ومن حِلْمِهِ وصحة إسلامه أنه قدم المدينة في شيوخٍ من قريش فيهم أبو
سفيان، فاستأذنوا على عُمَرَ فأبطأ عليهم، واستأذن بعدهم فقراء من المسلمين
فأذن لهم، فقال أبو سفيان: عجباً، يُؤذَن للمساكين والموالي، وكِبارُ
(١) قال الحميري: جند: مدينة باليمن كبيرة حصينة كثيرة الخيرات، بها قوم من خولان، وبها
مسجد جامع بناه معاذ بن جبل رضي الله عنه حين نزلها. ((الروض المعطار)) ص (١٧٥،
١٧٦).
(٢) قال ياقوت: زَبِيدٌ: بفتح أوله، وكسر ثانيه، ثم ياء مثناة من تحت: اسم وادٍ به مدينة يقال لها
الحُصيب، ثم غلب عليها اسم الوادي فلا تعرف إلا به، وهي مدينة مشهورة باليمن أحدثت
في أيام المأمون. ((معجم البلدان)) (١٣١/٣).
(٣) انظر ((معجم ما استعجم)) للبكري (٧٠٢/٢).
(٤) في المطبوع: ((حتى مات خليفةً)).
(٥) رواها البخاري رقم (٢٧٠٠) في الصلح: باب الصلح مع المشركين، وانظر ((جامع الأصول)»
لابن الأثير (٢٨٦/٨ - ٣٠١)، و((إعلام السائلين)» لابن طولون ص (١٤١، ١٤٢).
١٦٨

قريش واقفين، فقال سهيل: اغضبوا على أنفسكم، فإن الله دعا هؤلاء
فأسرعوا، ودعاكم فأبطأتم، والله إن الذي سبقوكم إليه من الخير خير من هذا
الذي تنافسون فيه من هذا الباب، ولا أرى أحداً منكم يلحق بهم إلا أن
يخرج إلى الجهاد، لعل الله يرزقه الشهادة، فخرج سريعاً إلى الشام، وكان
يتردد في مكة إلى بعض الموالي يقرئه القرآن، فعيَّه بعض قريش، فقال
سهيل: هذا والله الكِبر الذي حال بيننا وبين الخير، ولما رآه رسول الله صلى
الله عليه وسلم مُقبِلاً يوم الحديبية، قال: ((قد سَهُلَ لكم مِنْ أمرِكم))(١) أي
تفاؤلاً باسمه.
وفيها شرحبيل بن حسنة الكندي نُسب إلى أمه، وأبوه عبد الله بن مُطاع
هاجر إلى الحبشة، واستعمله عمر على بعض الشام، مات في طاعون
عمواس.
والحَارِثُ بن هِشَامٍ بن المُغِيْرَةِ أخو أبي جَهْلٍ بن هِشَام مات أيضاً في
الطاعون المذكور.
وفيها افتُتحت حَرَّانُ(١)، والمُوْصِلُ، والسُّوسُ(٢)، وتُسْتَرُ(٣).
(١) هو قطعة من حديث طويل رواه البخاري رقم (٧٣١) و(٢٧٣٢) في الشروط: باب الشروط
في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط، وأحمد في ((المسند)) (٣٣٠/٤)
واللفظ للبخاري.
(١) هي حرَّان جزيرة أَقُور. انظر ((الأمصار ذوات الآثار)) للذهبي ص (٥٨) الذي حققته بإشراف
والدي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، وهو من منشورات دار ابن كثير.
(٢) السوس من كور الأهواز، وهي معربة، واسمها بالفارسية ((شوش)). انظر ((معجم البلدان))
لياقوت (٢٨٠/٣، ٢٨١).
(٣) تستر مدينة بالأهواز، وهي معربة، واسمها بالفارسية ((شوشتر)). انظر ((الأمصار ذوات الآثار))
للذهبي ص (١٠٤ و١٠٥)، وراجع بشأن فتحها ((البداية والنهاية)) لابن كثير (٨٣/٧ - ٨٦).
١٦٩

.
سنة تسع عشرة
افتتحت تَكْرِيْتُ(١)، وقَيْسَارِيَّةُ (٢).
وتوفي أبو المُنذِر أبي بن كَعْب الخزرجي سيد القراء، كان من علماء
الصحابة، ومناقبه أكثر من أن تحصر، وقيل: توفي سنة اثنتين وعشرين(*).
(١) تكریت بلدة بين بغداد والموصل. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٣٨/٢).
(٢) قيسارية بلد على ساحل بحر الشام تُعَدُّ في أعمال فلسطين، بينها وبين طبرية ثلاثة أيام.
وقيسارية أيضاً مدينة كبيرة في بلاد الروم. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٤٢١/٤)،
و((الروض المعطار)) للحميري ص (٤٨٦)، وانظر خبر فتحها في ((تاريخ خليفة بن خياط))
ص (١٤١)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي (٢٦/٢)، و((تاريخ الطبري)) (١٠٢/٤).
(*) قلت: وفيها أسرت الروم عبد الله بن حذافة السهمي. انظر ((تاريخ خليفة بن خياط)) ص
(١٤٢)، و((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (٢٧/٢).
وفيها حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالناس. انظر ((تاريخ الطبري)) (١٠٣/٤)،
و ((الكامل)) لابن الأثير (٥٦٣/٢)، و((البداية)) لابن كثير (٩٦/٧).
وفيها مات خبَّاب مولى عُتْبَة بن غَزْوَان، وصلى عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. انظر
(تاريخ الإِسلام)) (٢٩/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٤/٢) للذهبي، و((أسد الغابة)) لابن
الأثير (١١٧/٢)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير (٩٦/٧).
١٧٠
.

سنة عشرين
فيها فتح عَمْرو بن العاص بعض ديار مصر(١).
وتوفي بِلالُ بنُ رَبَاحِ الحبشي، وأمه حَمَامَةٍ(٢)، مولى أبي بكرٍ، ومؤذن
رسول الله ◌َ*، كان صادق الإِسلام، وعُذَّب مي ذات الله أشدَّ العذاب،
وكانت امرأته عند موته تقول: واحرباه، فيقول: بل واطرباه، غداً نلقى الأحِبَّة
محمداً وصحبه، وكان موته بَدارَيًّا من أرض الشام، وقيل: بدمشق، ودفن
عند الباب الصغير، وعمره ثلاث وستون سنة(٣).
وفيها توفيت أُمُّ المؤمنين زَيْنَبُ بنت جَحْش الأُسَدية، التي زوجها الله
رَسُولَهُ(٤)، أُسْرَعُ أزواج النبيِّي ◌َّهِ لُحوقاً به، وأطولُهنَّ يداً بالصدقة، وهي التي
(١) انظر ((تاريخ الإسلام)) للذهبي (٢٩/٢)، و((الكامل)) لابن الأثير (٥٦٤/٢)، و((البداية)) لابن
كثير (٩٧/٧).
(٢) في المطبوع: ((وأمه وحمامه)) وهو خطأ .
(٣) انظر ((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (٣١/٢، ٣٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (٣٤٧/١ - ٣٦٠)،
و(تهذيب الكمال)) للمزي (٢٨٨/٤ - ٢٩١) بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف، طبع
مؤسسة الرسالة.
(٤) وذلك لما نزل قول الله تعالى: ﴿وإذ تقول للَّذي أنعمَ اللهُ عليه وأنعمتَ عليه أَمْسِكْ عليك
زَوْجَك واتَّقِ اللَّه. وتخفي في نفسِكَ ما الله مُبْدِيه وتخشى النَّاس والله أحَقُّ أن تَخْشَاهُ. فلما
قَضَى زيدٌ منها وَطَرَأْ زَوَّجْنَاكها﴾ (الأحزاب: ٣٧)، وانظر ((زاد المسير)) لابن الجوزي
(٣٨٤/٦/ ٣٩١)، و((تفسير ابن كثير)) (٤٩٠/٣ - ٤٩٢).
١٧١

كانت تُسامي عائشة في الحَظوَةِ والمنزلة عند النبيِّ
٠
وفيها مات أبو الهَيْثَم (١) بن التَّيِّهان الأنصاري الذي استضافه النبيُّ
وأكرمه بذلك، فقال: ((ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافاً مني)) (٢).
5
وأُسَيْدُ بن حُضَيْر الأنصاري الأشهلي، أحد النَّقَبَاء الذي شاهد السكينة
عياناً، وكان إذا مشى سبقه نورٌ عظيم.
روى البخاريُّ، أنْ عَبَّاد بن بِشْر(٣)، وأُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ خَرَجا مِنْ عِنْدِ
رَسُولِ اللهِ وَّ﴿ في ليلةٍ مظلمةٍ فأضاء لهما طَرَفُ السَّوط، فلما افترقا افترق
الضوء معهما (٤).
وعياضُ بن غَنْمِ الفِهْري نائبُ أبي عبيدة على الشام.
وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي ابنُ عمِّ النبيِّ وَّهه
اسمه المغيرة، وهو الذي كان أخذ يوم حنين بلجامِ بغلةِ النبيِّ نَّهَ، وثبت
يومئذٍ معه، وهو أخو نوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث.
(١) واسمه مالك. انظر ((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (٣٨/٢)، و((الإصابة)) لابن حجر (٨٣/١٢)،
و«أسد الغابة)) لابن الأثير (٣٢٣/٦).
قلت: وفي سنة وفاته خلاف بين المؤرخين.
(٢) هو قطعة من حديث طويل رواه مسلم رقم (٢٠٣٨) في الأشربة: باب جواز استتباعه غيره
إلى دار من يثق برضاه.
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((عباد بن بشير)) وهو خطأ، والتصحيح من ((صحيح البخاري))
و «مسند أحمد» و «کتب الرجال».
(٤) رواه البخاري رقم (٣٨٠٥) في مناقب الأنصار: باب منقبة أسيد بن حضير، وعباد بن بشر،
وأحمد في ((المسند)) (١٣٨/٣ و١٩٠ و٢٧٣) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
وانظر ((فتح الباري)) لابن حجر (١٢٥/٧).
١٧٢

٤٠
وسعيد بن عامر الجُمحي(١).
وهرقل ملك الروم، وقيل: إنه أسلم في الباطن(٢).
(١) في المطبوع: ((سعد بن عامر الجمحي)) وهو خطأ.
(٢) وذلك أنه لما وصلته رسالة النبيِّ ﴿﴿ مع دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه، دعا أبا
سفيان، وجماعة من قريش كانوا معه، فحاوره حواراً طويلاً، سأله فيه عن جوانب مختلفة من
سيرة رسول الله ◌َ﴿، وأقواله، وأفعاله، وأذن بعدها لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم
أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت
ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت،
فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإِيمان قال: ردوهم عليَّ. وقال: إني قلت مقالتي آنفاً
أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له، ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن
هرقل، وانظر نص رسالة النبيِّ وَّه، وخبر حوار هرقل مع أبي سفيان في ((إعلام السائلين))
لابن طولون ص (٦٤ - ٧٦) بتحقيقي، طبع مؤسسة الرسالة.
١٧٣

سنة إحدى وعشرين
افتُتحتْ مصرُ.
وتوفِّي سيفُ الله خالدُ بنُ الوليد المخزوميُّ عن ستين سنةً على فراشه
بعد ارتكابه عظيم الأخطار في طلب الشهادة، وفتحِه الفتوحاتِ العظيمةَ،
وَنِكايتِهِ في أعداءِ الله تعالى، وفيهِ عِبْرَةٌ لكل جَبَانٍ، وحاصر [حصناً](١)
فقالوا: لا نُسْلِمُ حتى تشربَ السُّمَّ، فشربه ولم يضرَّهُ(٢).
وفيها وقعة نَهَاوَنْد(٣) دامت المصافُّ ثلاثة أيام، ثم نزل النَّصْرُ.
(١) لفظة ((حصناً) سقطت من الأصل، وأثبتناها من المطبوع.
(٢) ذكر هذا الخبر الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٣٧٦/١) من حديث أبي السفر قال:
نزل خالد بن الوليد الحيرة على أم بني المرازبة فقالوا: احذر السم لا تسق الأعاجم، فقال:
أتوني به، فأتي فاقتحمه وقال: بسم الله، فلم يضره، وذكره الحافظ ابن حجر في ((المطالب
العالية)) رقم (٤٠٤٣) ونسبه إلى أبي يعلى، وذكره الحافظ الهيثمي في («مجمع الزوائد))
(٥٣/٩) وقال: رواه أبو يعلى، والطبراني بنحوه، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال
الصحيح، وهو مرسل، ورجالهما ثقات، إلا أن أبا السفر لم يسمع من خالد.
وذكره الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (٧٣/٣) في ترجمة خالد رضي الله عنه فقال: روى
ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عن خثيمة قال: أتى خالدَ بنَ الوليد رجلٌ معه زق خمرٍ فقال:
اللهم اجعله عسلاً فصار عسلاً. (ع).
(٣) قال ياقوت: نهاوند بفتح النون الأولى، وتكسر، والواو مفتوحة، ونون ساكنة، ودال مهملة،
هي مدينة عظيمة في قبلة همذان، بينهما ثلاثة أيام، وسميت نهاوند لأنهم وجدوها كما هي.
((معجم البلدان)) (٣١٣/٥) وانظر خبر فتحها فيه.
١٧٤

واستُشهد أميرُ المؤمنين النُّعمان بنُ مُقَرِّنِ المُزَنِيُّ (١)، وكان من سادةً
الصحابة، فنعاه عمر للناس يوم أصيب على المنبر، وأخذ حُذَيْفَةُ بنُ اليمانِ
الراية من بعده، ففتح الله عليه.
واستُشهد بها طُلَيحة بن خُوَيلد الأسديُّ، وكان قد ارتدَّ وادَّعى النُّبوةَ،
وكانت دعوتُهُ النبوةَ بجبل سَمَرْقَنْدَ من نَجْدٍ، ثم حَسُن إسلامه، وكان يُعَدُّ بألف
فارس .
وفيها ولَّى عُمَرُ عَمَّارَ بن يَاسر إمامةً الصلاة بالكوفة، لما اشتكى أهلُها
سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ ، وولَّى عبدَ الله بنّ مسعودٍ بيتَ المال.
وتُوقِّي العلاءُ بنُ الحَضْرَمِيِّ، كان عامِلَ النبيِّ وَّرَ، وكان يقول في
دعائه: يا عَلِيمُ، يا حَلِيمٌ، يا عَلِيُّ، يا عَظِيمُ، فُيُستجاب له، دعا الله بأنهم
يُسْقَوْن ويَتَوضَّؤون لما عَدِموا الماء، ولا يبقى الماء(٢) بعدهم فأجيبَ، ودعا الله
لما اعترضهم البحرُ ولم يَقْدِروا على المرور عليه، فمرَّ هو والعسكر بخيولهم،
ودعا الله أن لا يَرَوْا جَسَدَهُ إذا مات، فلم يجدوه في اللَّحْدِ.
(١) يعني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
(٢) لفظة ((الماء)) سقطت من المطبوع.
١٧٥

سنة اثنتين وعشرين
فيها افْتُتِحَتْ أَذْرَبِيجَان(١) على يد المُغيرةِ بنِ شعبة، ومدينة نَهَاوَنْد
صلحاً، والدِّيْنَوَر مع هَمَذَان عنوةً على يد حذيفة، وطرابلس المغرب (٢) على
ید عمرو بن العاص.
وافتتحت جُرْجانُ .
وتوفي أُبيُّ بن كَعْبٍ على خلافٍ تقدَّم، وهو أحد الأربعة الذين جمعوا
القرآن، وأمر الله نبيَّه أن يقرأ عليه سورة ﴿لم يكن﴾ [البينة: ١]، وسماه له،
وناهيك بها، وقال له: ((لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ(٣) يا أَبَا المُنْذِرِ)) (٤).
(١) هي بلدة شهيرة تقع في إيران الآن. وانظر ((الأمصار ذوات الآثار)) للذهبي ص (١١٤).
(٢) وهي اليوم عاصمة ليبيا وتعرف بطرابلس الغرب.
(٣) أي ليكن العلم هنيئاً لك.
(٤) هو قطعة من حديث رواه مسلم رقم (٨١٠) في صلاة المسافرين: باب فضل سورة الكهف،
وآية الكرسي، وأبو داود رقم (١٤٦٠) في الصلاة: باب ما جاء في آية الكرسي، وأحمد في
«المسند» (١٤٢/٥).
١٧٦

سنة ثلاث وعشرين
فيها توفي أبو حفص أمير المؤمنين عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ القُرشي العَدوي
شهيداً، طعنه أبو لؤلؤة غلام المُغِيْرَة بن شُعْبَة في ليالٍ بقين من ذي الحجة
بعد مرجعه من الحج، وكان آدم شديد الأدمة طوالاً صلباً (١) في دين الله،
لا تأخذه في الله لومة لائم، ومناقبه أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر،
وفي الأحاديث الصحاح من موافقة التنزيل له، وتزكية النبيِّ ◌ٍَّ له في وجهه،
وعزَّ الإِسلام بإسلامه، واتسعت دائرة الإِسلام في خلافته، وبركاته، ومناقبه،
وكراماته عديدة، ولما طعنه أبو لؤلؤة في صلاة الصبح جعل الأمر شورى بين
من بقي من العشرة، وأخرج نفسه وبنيه من ذلك، فأفضى الأمر بعد التشاور
إلى عُثْمَانَ، وقد ثبت في ((الصحيحين)) عن النبيِّ وَ﴿ أنه قال: ((قَدْ كَانَ فِي
الأممِ قَبْلَكم مُحدَّثون(٢)، فإن يَكُن في أُمتي أحدٌ فَعُمَرُ))(٣).
(١) في المطبوع: ((صليباً)).
(٢) قال ابن الأثير: أراد بقوله [﴿] ((محدَّثون)) أقواماً يصيبون إذا ظنوا وحدَسُوا فكأنهم قد حُدِّثوه
بما قالوا، وقد جاء في الحديث تفسيره: ((أنهم ملهمون)) والملهم: الذي يُلقى في نفسه
الشيء، فيخبر به حَدْساً وظناً وفراسة، وهو نوع يختصّ الله به من يشاء من عباده الذين
اصطفى، مثل عمر رضي الله عنه. ((جامع الأصول)) (٦١٠/٨).
(٣) رواه البخاري رقم (٣٦٨٩) في فضائل الصحابة: باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص
القرشي العدوي رضي الله عنه، ومسلم رقم (٢٣٩٨) في فضائل الصحابة: باب من فضائل
عمر رضي الله تعالى عنه. وانظر ((جامع الأصول)) لابن الأثير (٨ /٦٠٩، ٦١٠) بتحقيقي.
١٧٧

وفي الترمذي وغيره عن النبيِّ وَّهِ أنه قال: ((لَوْ لَم أُبعثُ فيكم لُبُعِثَ
فیکم عُمَرُ))(١).
وفي الترمذي أيضاً: (لو كان بَعْدي نبيِّ لكان عُمَرَ))(٢).
وفي حديث آخر: ((إن الله ضرب(٣) الحقَّ على لسان عمر وقلبه)) (٤).
وكان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما كنا(٥) نبعد أن السكينة
تنطق على لسان عمر. ثبت هذا عنه من رواية الشعبي (٦).
(١) ذكره المحب الطبري في ((الرياض النضرة)) (٢٤/٢) في مناقب عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، وقال: خرجه القَلْعي، وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٣٢٠/١)، والشوكاني في
((الفوائد المجموعة)) ص (٣٣٦).
(٢) رواه الترمذي رقم (٣٦٨٦) في المناقب: باب مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال
الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو كما قال.
ورواه أيضاً أحمد في ((المسند))، وابن حبان في ((صحيحه))، والطبراني في «الأوسط»،
والحاكم في ((المستدرك)) (٨٥/٣) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣) وفي بعض الروايات: ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)).
(٤) رواه الترمذي رقم (٣٦٨٢) في المناقب: باب في مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ورواه أيضاً أحمد في (المسند)) (٥٣/٢ و٩٥) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب
رضي الله عنهما.
ورواه أيضاً أحمد في ((المسند)) (٤٠١/٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) رقم (٢١٨٤) من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ورواه أيضاً أحمد في ((المسند)) (١٦٥/٥ و١٧٧)، وأبو داود رقم (٢٩٦٢) في الخراج
والإِمارة: باب في تدوين العطاء، وابن ماجه رقم (١٠٨) في المقدمة، من حديث أبي ذر
الغفاري رضي الله عنه.
ورواه أحمد في ((المسند)) (١٤٥/٥) من حديث غُضَيْف بن الحارث رضي الله عنه، وهو
حديث صحيح.
(٥) لفظة ((كنا)) ليست في المطبوع، ولا في ((مسند أحمد)) الذي بين أيدينا، وهي في («مشكاة
المصابيح)».
(٦) رواه أحمد في ((المسند)) (١٠٦/١)، والبيهقي في ((دلائل النبوة))، وهو حديث حسن.
١٧٨

وقال ابن عمر: وما كان عمر يقول لشيءٍ إني لأراه كذا إلا كان كما
يقول.
وعن قيس بن طلق: كُنَّا نتحدَّث أن عمرَ ينطق على لسان مَلَك، وكان
عمر يقول: اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون، فإنه تنجلي
لهم أمور صادقة.
وهذه الأمور التي أخبر أنها تنجلي للمطيعين هي الأمور التي يكشفها
الله لهم.
فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات، ومكاشفات (١) ولا شك أن أفضلَ
هؤلاء في هذه الأمة بعد أبي بكرٍ عُمَرُ رضي الله عنه، واستُشهد وله ثلاث
وستون سنة (٢)، وقيل: خمس وستون، ومدة خلافته عشر سنين، وسبعة
أشهر، وخمس ليالٍ، وقيل: غير ذلك، ودفن مع صاحبيه بإذن عائشة رضي
الله عنها.
وفي آخر خلافته توفيت أُمُّ المؤمنين سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ القُرْشِيَّة
العَامِرِيَّةِ (٣)، تزوجها ◌َّهِ بعد موت خديجة، وقبل الهجرة بنحو ثلاث سنين،
وكانت قبلَه تحت السَّكْرَانِ(٤) ابن عمها أخي سُهيل بن عمرو، وكانت طويلةً
جسيمةً، ووهبت نَوْبَتَها من القَسْمِ لعائشةَ رجاء أن تموت في عِصمَةِ النبيِّ
مثل، فتم لها ذلك.
(١) الأولى أن يقال: ثبت أن للأولياء فراسات وإلهامات من الله عز وجل كعمر رضي الله عنه
وغيره.
(٢) وهو الصواب.
(٣) كذا في ((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (٦٦/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٢٦٧/٢)،
و((الإِصابة)) لابن حجر (٣٢٤/١٢)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٥٨/٧).
(٤) في الأصل: ((السكراب)) وهو تصحيف، والسكران، هو السكران بن عمرو بن عبد شمس.
١٧٩

والصحيح أنها توفيت سنة خمس وخمسين في خلافة معاوية، والله
أعلم(١) .
وفيها مات قَتَادَةُ بن النعمان الأنصاري الأوسي، الذي رد النبيُّ نَِّ عَيْنَهُ
يوم أحدٌ حين سقطت، وكانت أحسن عينيه.
وسببه أن رماة المشركين كانوا يقصدونه ◌َ ل # بالرمي، وكان أصحابه
يقف الوَاحِدُ منهم بعد الوَاحِد في وَجِهِهِ وَلِ يتلقى عنه الرمي يَقدِّيه بنفسه،
حتى قتل عشرة، وكان قتادة الحادي عشر، فلما استتم أمر الوقعة وقد سالت
عينه، قال له: إن لي زوجةً وأنا ضَنينٌ بها، مُحِبُّ لها، وإنها تقذرني إذا رأتني
على هذه الحال، وأنا مَا فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ إلا لأنال الشهادة، أو كلاماً هذا
معناه، فردها ◌َّر، فكانت أضوأ عينيه وأحسنهما، وفي ذلك يقول ابنه: وقد
وفد على بعض خلفاء الأمويين فقال له: من أنت؟ فقال:
أَنا ابنُ الْذِي سَالَتْ عَلَى الْخَدِّ عَيْنُهُ فَرُدَّتْ بِكَفِّ المُصْطَّفِى أَحْسَنَ الرَّدِّ
(١) قلت: قال الذهبي في ((تاريخ الإِسلام)) (٦٧/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٧/٢): وماتت
بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين، وقال الواقدي: وهذا الثبت عندنا، وقال ابن حجر في
((الإصابة)) (٣٢٤/١٢)، ويقال: ماتت سنة أربع وخمسين، ورجحه الواقدي.
١٨٠