Indexed OCR Text

Pages 121-140

السنة الرابعة
في صفر منها غزوةُ بئر معونة (١) وكانوا سبعين، وقيل: أربعين(٢).
وفي ربيع الأول منها غزوة بني النَّضِير (٣) نزلوا صلحاً، وارتحلوا إلى
خيبر.
وفي محرِّمها غزوةُ ذات الرِّقاع(٤)، وغزوةُ الخندق عند بعضهم(٥)، وكان
مقام الأحزاب فيها خمسة عشر يوماً، وقيل: أكثر من عشرين يوماً .
وفيها نزل الْتُمَّيُّ، وقصة الإِفك وبراءة عائشةَ رضي الله عنها.
(١) انظر ملخص هذه الوقعة في ((زاد المعاد)) لابن قيم الجوزية (٢٤٦/٣).
(٢) في الأصل: وقيل: أربعون، وفي المطبوع: أربعين، وهو أصوب.
(٣) انظر التعليق رقم (٤) في الصفحة السابقة.
(٤) وهي غزوة نجد. وسميت ذات الرقاع، لأنهم رقعوا فيها راياتهم، أو لما كانوا يربطون على
أرجلهم من الخرق من شدة الحر. قال النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٠/١)
والأصح أن غزوة ذات الرقاع في سنة خمس من الهجرة.
(٥) وهو الصحيح، ففي ((الصحيحين)) عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: عرضتُ على النبي
* يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن
خمس عشرة فأجازني .
١٢١

السنة الخامسة
فيها صلاة الخوف عند بعضهم، وغزوة دُوْمَةَ الجَنْدل (١) ، وغزوة ذات
الرِّقاع عند بعضهم (٢)، وقيل: وغزوة الخندق (٣)، ثم غزوة بني قُرَيظة،
وصحح في ((الروضة)) أن الخندق في الرابعة، وبني قريظة في الخامسة،
وجزم ابن ناصر الدِّين (٤)، أنهما في الخامسة كما سيأتي، وهذا هو الصحيح،
لأنه توّجَّه صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة في اليوم الذي انصرف فيه من
الأحزاب.
وفيها توفي سعدُ بن معاذ سيِّدُ الأوس، واهتزٍّ لموتِه عرش الرَّحمن(٥).
(١) وهي على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول وَ له، وسميت (دومة الجندل) لأن
حصنها مبني بالجندل، وهي الحجارة. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٤٨٧/٢، ٤٨٩)،
و((الروض المعطار)) ص (٢٤٥).
(٢) وهو الأصح.
(٣) والصحيح أنها كانت في الرابعة، كما قال النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٠/١).
(٤) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن مجاهد القيسي الدمشقي الشافعي، شمس
الدين، الشهير بابن ناصر الدِّين، الإمام الحافظ المؤرخ، صاحب التصانيف المتنوعة،
المتوفى سنة (٨٤٢) هـ. انظر ((الأعلام)) للزركلي (٢٣٧/٦).
(٥) روى البخاري في «صحيحه)) (٩٣/٧) في فضائل سعد بن معاذ، ومسلم رقم (٢٤٦٧) في
فضائل سعد، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله زيلين:
((اهتز العرش لموت سعد بن معاذ)). وسعد بن معاذ الأنصاري الأوسي، من الأبطال من
أهل المدينة، رمي بسهم يوم الخندق فمات من أثر جرحه ودفن بالبقيع سنة (٤) هـ. وانظر
((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٢٧٩/١ - ٢٩٧).
١٢٢

السنة السادسة
فيها بيعة الرضوان(١)، وموت سَعْد بن خَوْلَة، الذي رثى له النَّبيُّ
صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة(٢).
قيل: وفيها غزوة بني المصطلق.
وفيها فرض الحج (٣)، وقيل: سنة خمسٍ .
وكَسَفَتِ الشَّمْسُ.
ونزل حُكْم الظَّهار(٤) (*).
(١) وذلك في صلح الحديبية، وقد بايع المسلمون تحت الشجرة بيعة الرضوان، حيث قال الله:
﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ [الفتح: ١٨].
(٢) والصحيح أنه مات في حجة الوداع. انظر ((الإِصابة)) (١٣٩/٤)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير
(٣٤٣/٢، ٣٤٤). وهو سعد بن خولة القرشي العامري .
(٣) والصحيح في السنة التاسعة أو العاشرة. وأما الآية الكريمة: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله ﴾
فإنها وإن كانت قد نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فرضية الحج، وإنما فيها الأمر
بإتمامه، وإتمام العمرة بعد الشروع فيها، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء، وانظر ((زاد المعاد
لابن قيم الجوزية (١٠١/٢).
(٤) في الأصل والمطبوع: منزل حكم الطهارة، وهو خطأ. وانظر ((تهذيب الأسماء واللغات))
للنووي (٢١/١).
والظّهارُ: أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي. وكانت العرب تطلق نساءها في
الجاهلية بهذه الكلمة، وكان الظهار في الجاهلية طلاقاً، فلما جاء الإِسلام نهوا عنه وأوجبت
الكفارة على من ظاهر من امرأته، وذلك حين نزل قول الله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من =
١٢٣

السنة السابعة
فيها غزوة خيبر(١)، وفتحها في صفر، وَأكرم بالشهادة بضعة عشر.
= نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبه من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون
خبير، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين
مسكيناً ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ﴾ (المجادلة: ٢ -
٤). وانظر ((لسان العرب)) لابن منظور ((ظهر)) (٢٧٧٠/٤)، و((تفسير ابن كثير)) (٣١٨/٤ -
٣٢٢)، و((زاد المعاد)) لابن القيم (٣٢٢/٥) فقد توسعوا في الكلام حول هذا الموضوع.
وانظر كلام المؤلف في ص (١٣٨ - ١٤٢) من هذا المجلد.
(*) قلت: وفي سنة ست من الهجرة أيضاً أرسل رسول الله﴿﴿ رسائله إلى ملوك الأمم.
وزعماء القبائل. انظر كتاب ((إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين صلى الله عليه وآله
وسلم)) لابن طولون بتحقيقي ص (١٨ - ٢١)، طبع مؤسسة الرسالة.
(١) قال الإِمام ابن القيم: قال موسى بن عقبة: ولما قدم رسول اللّه مسلم المدينة من الحديبية،
مكث بها عشرين ليلة أو قريباً منها، ثم خرج غازياً إلى خيبر، وكان الله عز وجل وعده إياها
وهو بالحديبية. وقال مالك: كان فتح خيبر في السنة السادسة. والجمهور: على أنها في
السابعة. وقطع أبو محمد بن حزم: بأنها كانت في السادسة بلا شك، ولعل الخلاف مبنيّ
على أوَّل التاريخ، هل هو شهر ربيع الأول شهر مقدمه المدينة، أو من المحرم في أول
السنة؟ وللناس في هذا طريقان. فالجمهور على أن التاريخ وقع من المحرم، وأبو محمد بن
حزم يرى أنه من شهر ربيع الأول حين قدم. ((زاد المعاد)) (٣١٦/٣). وانظر خبر هذه الغزوة
فیه .
وخيبر على ثمانية بُرُد من المدينة المنورة لمن يريد الشام، وتشتمل على سبعة حصون،
ومزارع، ونخل كثير. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٤٠٩/٢ - ٤١١)، و((الروض المعطار))
للحميري ص (٢٢٨).
١٢٤

وتزوج رسولُ اللهِ وَّهِ صَفِيَّةَ(١)، ومَيْمُونَةَ(٢)، وأُمَّ حَبْبَةَ (٣)، وجاءته
مَارِيَةُ القِبطية (٤).
وقدم جَعْفَرٌ وَمُهَاجِرَةُ الحَبَشَةِ رضي الله عنهم.
وأسلم أَبُو هُرَيرَةً(٥) رضي الله عنه .
وفيها عُمْرة القضاء.
(١) هي أم المؤمنين صفية بنت حُيي بن أُخْطَب، سبيت في فتح خيبر سنة سبع من الهجرة،
فوقعت في سهم دحية الكلبي رضي الله عنه، فاشتراها رسول الله وَطلقة بسبعة أرؤس، ثم إن
النبيَّ ◌َ﴿ لما طهرت تزوجها، وجعل عتقها صداقها، وكانت شريفة عاقلة ذات حسب،
وجمال، ودين، لها عشرة أحاديث في كتب السنة، منها واحد متفق عليه، توفيت سنة
(٥٠) هـ رضي الله تعالى عنها وأرضاها. انظر ((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (٨٢، ٨٣)،
و ((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (٢٣١/٢ - ٢٣٨)، و((الأعلام)» للزركلي (٢٠٦/٣).
(٢) هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوج النبيُّ ◌َّز، وأخت أم الفضل زوج
العباس، وخالة خالد بن الوليد، وخالة ابن عباس. تزوجها النبيِّ نَّ في وقت فراغه من
عمرة القضاء سنة سبع في ذي القعدة، وكانت من سادات النساء، روي لها سبعة أحاديث في
((الصحيحين)) وانفرد لها البخاري بحديث، ومسلم بخمسة، وجميع ما روت ثلاثة عشر
حديثاً، وتوفيت في ((سَرِف)) وهو الموضع الذي كان فيه زواجها بالنبيُّ وَّ قرب مكة، ودفنت
به، وذلك سنة (٥١) هـ. انظر ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٢٣٨/٢ - ٢٤٥)، و((الأعلام))
للزركلي (٣٤٢/٧).
(٣) هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب القرشية الأموية، تزوجها رسولُ الله واله
وهي ببلاد الحبشة مهاجرة، وأصدقها عنه النجاشي أربعمئة دينار، وسيقت إليه من هناك،
مسندها خمسة وستون حديثاً اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وتفرد مسلم بحديثين.
توفيت في أيام أخيها معاوية سنة (٤٤) هـ، وقيل سنة (٤٢) رضي الله عنها وأرضاها. انظر
((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٢١٨/٢ - ٢٢٣)، و((زاد المعاد)) لابن القيم (١٠٩/١).
(٤) وقد أرسلها إليه المقوقس ملك مصر والإسكندرية مع حاطب بن أبي بلتعة حين قدم إليه
برسالة النبيِّ#. انظر («إعلام السائلين)) لابن طولون ص (٧٧ - ٨١) بتحقيقي.
(٥) واسمه عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسِيُّ، وهو سيد الحفاظ الأثبات. انظر ترجمته ومصادرها
في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٥٧٨/٢ - ٦٣٢).
١٢٥

السنة الثامنة
فيها غزوة مؤتة(١)، واستشهد بها الأمراء الثلاثة: زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ، الذي
نوّه القرآن بقدره، وذِكْره، وجعله النبيُّ صلى الله عليه وسلم [هو](٢) وابنَهُ(٣)
كفؤاً للعربيات والقرشيات.
ثانيهم جَعْفَرُ بنُ أبي طَالِبِ الطّيَّار، واستشهد وله إحدى وأربعون سنة،
ومناقبه عديدة، قال له النّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((أَشْبَهتَ خَلْقِي
وَخُلُقي)) (٤)، وناهيك بها فضيلة.
ثالثهم عَبْدُ الله بنُ رَوَاحة الخزرجيُّ، أحد النُقباء، الصادق في طلب
الشهادة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
(١) وذلك في شهر جمادى الأولى منها. انظر خبرها في ((زاد المعاد)) (٣٨١/٣ - ٣٨٦)، و((تاريخ
خليفة بن خياط)) ص (٨٦، ٨٧)، و((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٢٣٤/٢ - ٢٣٨) وغير
ذلك من المصادر.
(٢) لفظة ((هو)) سقطت من الأصل، وأثبتناها من ((المطبوع)).
(٣) هو أسامة بن زيد حِبُّ رسول اللّه وَّل وابن حِبِّه. انظر ترجمته ومصادرها في ((سير أعلام
النبلاء)» للذهبي (٤٩٦/٢ - ٥٠٧).
(٤) وهو قطعة من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما رواه البخاري رقم (٢٦٩٩) في
الصلح: باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان، فلان بن فلان، وإن لم ينسبه إلى
قبيلة أو نسبة، و(٤٢٥١) في المغازي: باب عمرة القضاء، وليس الحديث عند مسلم، وقد
وهم من نسبه إليه.
١٢٦

وفتح الله فيها على يد خَالِدٍ بنِ الوَليد، وهي أول مشاهده في الإِسلام.
وفي رمضان منها فتح مكة.
وغزوة حنين في شوال.
ثم حصار الطائف، ونصب النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليهم
المنجنيق، ثم رحل عنها عن غير فتح، وأسلم أهلها في العام القابل.
وفيها غزوة ذات السَّلاسِل.
وفيها غلا السِّعْر فقالوا: يا رسول الله سعِّر لنا، فقال ◌َله: ((إن الله هو
المُسَعِّرُ، والقابض الباسط))(١).
وفيها ولد إبراهيمُ ابْنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووهبَ(٢)
النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبي رَافِعٍ (٣) لِمَّا بشَّره بولادته عبداً،
وتنازعت الأنصار في رَضَاعِهِ، فدفعه صلى الله عليه وسلم إلى أبي سيف(٤)،
وزوجتِهِ أُمِّ سيف(٥).
وتوفيت ابنته زينب، وهي أكبر أولاده وَالتّد .
(١) هو قطعة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه رواه الترمذي رقم (١٣١٤) في البيوع:
باب ما جاء في التسعير، وأبو داود رقم (٣٤٥١) في الإِجارة: باب التسعير، وابن ماجه رقم
(٢٢٠٠) في التجارات: باب من كره أن يسعر، وإسناده صحيح. وانظر ((جامع الأصول))
لابن الأثير (٥٩٥/١) بتحقيقي .
(٢) حرف الواو الأول سقط من الأصل، وأثبتناه من المطبوع.
(٣) اختلف في اسمه، فقيل: أسلم، وقيل إبراهيم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت. وقيل: غير
ذلك، وقال ابن عبد البر: أشهر ما قيل في اسمه أسلم. انظر ترجمته ومصادرها في ((سير
أعلام النبلاء)) للذهبي (١٦/٢). وانظر خبر هبة النبيِّ وَّر له عبداً في ((الاستيعاب)) لابن
عبد البر على هامش ((الإصابة)) (١٠٦/١) في ترجمة إبراهيم بن النبيُّ رَّد.
(٤) هو أبو سيف القين، وهو الحداد، كان من الأنصار انظر ((الإصابة)) لابن حجر (١٨٥/١١،
١٨٦)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٦١/٦).
(٥) انظر خبرها في ((الإصابة)) (٢٣٢/١٣)، و(«أسد الغابة)) (٣٤٩/٧).
١٢٧

السنة(١) التاسعة
فيها غزوة تبوك في رجب(٢).
وحجَّ أبو بكر رضي الله عنه بالنَّاس.
ومات النَّجاشيُّ(٣) في رجب.
وتوفيت أمُّ كلثوم بنت رسول الله وصله.
وعبد الله بن أبي بن سَلول (٤) رأس المنافقين، وكان موته في ذي
القعدة، وهو القائل: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأزلَّ، فلما
رجعوا من غزوة تبوك منعَهُ ابنه عبد الله، المفلح، الصالح من دخول المدينة
حتى يأذنَ له النبيُّ ◌ِچ .
(١) لفظة ((السنة)) سقطت من الأصل، وأثبتناها من المطبوع.
(٢) انظر خبر هذه الغزوة والتعليق عليها في ((زاد المعاد)) لابن القيم (٥٢٦/٣ - ٥٢٨).
(٣) النجاشي: هو لقب من ملك الحبشة في ذلك العهد، واسم المعني هنا أصحمة بن
أبجر، وأصحمة يعني بالعربية ((عطية)) وهو الذي كتب إليه رسول اللّه وَ ير يدعوه إلى الإِسلام
مع عمرو بن أمية الضمري، فأسلم وصدق، وكتب بإسلامه إلى رسول اللّه وَّة، ولما بلغ
النبيَّ وَّ موته نعاه، وخرج بالصحابة إلى المصلى فصف بهم، وكبر أربعاً. وقد وهم من قال
بأن النجاشي الذي كتب إليه رسول الله و لل غير النجاشي الذي صلى عليه، لأن كتب التاريخ
والسُّنَّة لم تذكر لنا سوى نجاشي واحد، وإلا لكانت ألمحت إلى الآخر دون شك. انظر
((عمدة الأحكام)) للمقدسي ص (١١٧) بتحقيقي.
(٤) وهو الذي نزل فيه قول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَل عَلى أحدٍ منهم مَّات أبداً
ولا تَقُم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ (التوبة: ٨٤). وانظر
((تفسير ابن كثير)) (٣٧٨/٢ - ٣٨٠)، و((الأعلام)) للزركلي (٦٥/٤).
١٢٨

وفيها قتل عُرْوَةُ الثقفيُّ، قتله قومه أن دعاهم إلى الإِسلام، وكان مِنْ
دُهَاةِ العرب.
وتوفي سهيلُ بنُ بيضاءَ الفِهْريُّ، وصلى عليه رسول الله وَّ في
المدينة .
وقتل ملك الفرس، وملَّكوا بُورانَ (١) - بضم الباء الموحدة وبالراء -
وإليها الإِشارة بقوله وَله: ((لن يُفْلِحَ قَومٌ وَلَّوْا أَمْرَهُم امرأةً)) (٢).
(١) في الأصل، والمطبوع: ((بورب)) وهو خطأ، والتصحيح من ((فتح الباري)) لابن حجر
(١٢٨/٨) وهي بوران بنت شيرويه بن كسرى بن برويز.
(٢) هو قطعة من حديث رواه البخاري رقم (٤٤٢٥) في المغازي: باب كتاب النبيِّ ◌ٌَِّ إلى
كسرى وقيصر، و(٧٠٩٩) في الفتن: باب رقم (١٨)، والترمذي رقم (٢٢٦٢) في الفتن:
باب رقم (٧٥)، والنسائي (٢٢٧/٨) في القضاة: باب النهي عن استعمال النساء في
الحكم، وأحمد في ((المسند)) (٥ /٣٨ و٤٣ و٤٧ و٥١).
١٢٩

٠
السنة (١) العاشرة
فيها حجة الوداع (٢)، ولم يحج ◌َلّ بعد الهجرة سِواها(٣)، ولم ينضبط
عدد حجَّاته قبلها، لكن كان نفلاً، إذ فَرضُ الحج كان في السنة السادسة كما
تقدم (٤).
وفيها توفي إبراهيم بنُ النّبِيِّ وََّ، وهو ابن سنةٍ ونصف، وكَسَفَتِ
الشمس يوم مات(٥) .
ذكر بعض الشافعية أن كسوفها يوم مات إبراهيم يردّ على أهل الفلك،
لأنه مات في غير يوم الثامن والعشرين، والتاسع والعشرين، وهم يقولون
لا تنکسف إلا فيهما.
قال اليافعي(٦): وهذا يحتاج إلى نقل صحيح، فإن العادة المستقرة
المستمرة كسوفها في اليومين المذكورين.
(١) لفظة ((السنة)) سقطت من الأصل، وأثبتناها من المطبوع.
(٢) سميت حجة الوداع لأن رسول الله وال خطب فيها خطباً كثيرة ودع المسلمين بها، ومات
بعدها بقليل، ولم يحج بعدما فرض الحج سواها.
(٣) وهو الصواب.
(٤) انظر التعليق على حوادث السنة السادسة ص (١٢٤).
(٥) قلت: قال رسول الله وَ له: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته
فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصلوا وتصدقوا)). انظر نص الحديث وتخريجه في ((عمدة
الأحكام)) للمقدسي بتحقيقي ص (١١١).
(٦) هو عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي، عفيف الدين، مؤرخ باحث، متصوف، من شافعية =
١٣٠

وفيها أسلم جرير(١)، وظهر الأسود العَنْسِيُّ(٢)، وكان له شيطان يخبره
بالمغيَّات فَضلَّ به كثيرٌ من النَّاس، وكان بين ظهوره وقتله نحو من أربعة
أشهر، ولكن استطارت فتنته استطارة النار، وتطابقت عليه اليمن والسواحل،
كجادٍ عَثْرِ (٣)، والشَّرجَة (٤)، والحَرْدة(٥)، وغَلَافِقَة(٦)، وعدن، وامتد إلى
الطائف، وبلغ جيشه سبعمائة فارس، وكان عَكُّ(٧) بتهامةِ اليمن معترضين
عليه، وقد كانوا أول مُرتَدّ (٨) بعد رسول الله وَّل، وتجمَّعوا على
غَيْرِ(٩) رئيسٍ بالأعلاب(١٠) وأوقع(١١) بهم الطاهر بن أبي هالة(١٢)، ومعه
= اليمن، نسبته إلى يافع من حمير، من كتبه ((مرآة الجنان وعبرة اليقظان في حوادث الزمان))
وقد نقل المؤلف عنه (٥١/١ -٥٢) بتصرف. انظر ((الأعلام)) للزركلي (٧٢/٤).
(١) هو جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه. انظر ترجمته ومصادرها في ((سير أعلام النبلاء))
للذهبي (٥٣٠/٢ - ٥٣٧).
(٢) انظر ((إعلام السائلين)) لابن طولون ص (١١٠ - ١١١) بتحقيقي.
(٣) كذا الأصل، والمطبوع، وفي ((تاريخ الطبري)) (٢٣٠/٣): ((حاز عثر)) ولعل الصواب ((حازَّةُ عثر)) والله
أعلم. انظر ((معجم البلدان)) (٢٠٥/٢) و(٨٥/٤) لأن ((حازَّة)) أقرب بلدة إلى ((عثر)) ولعلها
من أعمالها .
(٤) في الأصل والمطبوع: ((الشريحة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((تاريخ الطبري)) (٢٣٠/٣).
وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٣٣٤/٣)، و((القاموس المحيط)) للفيروزآبادي (٢٠٣/١).
(٥) قال ياقوت: حَرْدَةٌ: بالفتح: بلد باليمن له ذكر في حديث العنسي، وكان أهله ممن سارع
إلى تصديق العنسي. ((معجم البلدان)) (٢٤٠/٢).
(٦) غلافقة: بلد على ساحل بحر اليمن مقابل زبيد. انظر ((معجم البلدان)) (٢٠٨/٤).
(٧) عك: اسم قبيلة تنسب إلى عك بن عُدْثان بالثاء المثلثة ابن عبد الله بن الأزد، وليس ابن
عدنان أخا معد. انظر ((القاموس المحيط)) للفيروز أبادي (٣٢٤/٣).
(٨) في المطبوع: ((وقد كانوا أول مرشد)) وهو تحريف، وفي المصادر التي بين أيدينا أن ذلك
وقع في السنة الحادية عشرة من الهجرة. انظر على سبيل المثال: ((تاريخ الطبري)) (٢٢٧/٣
- ٢٣٠) و(٣٢٠/٣ - ٣٢٢)، و((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٣٧٤/٢، ٣٧٥).
(٩) في الأصل، والمطبوع: ((غمير)) وهو خطأ، والتصحيح من ((تاريخ الطبري)) (٣٢٠/٣).
(١٠) في الأصل، والمطبوع: ((الأغلاب)) وهو خطأ، والأعلاب: أرض لعك بين مكة والساحل، لها
ذكر في حديث الردة. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٢٢٢/١).
(١١) في الأصل: ((ووقع)) وما أثبتناه من المطبوع.
(١٢) قال الطبري: وقال في ذلك الطاهر بن أبي هالة رضي الله عنه:
=
ـوْلَا اللهُ لَا شَيءَ غَيْرُهُ لَما فُضُّ بالأجراعِ جَمْعُ العَشَاعِثِ
١٣١

مسروق العَكِّي وبدَّدهم، وسمَّاهم أبو بكر رضي الله عنه الأخابثَ(١).
وكثرت الوفود فيها، وقيل: في التاسعة، وكانت غَزَواته ◌َ خمساً
وعشرين، وقيل: سبعاً وعشرين، وسراياه ستاً وخمسين، وقيل: غير ذلك،
والله أعلم.
فلم تَرَ عيني مِثْلَ يومٍ رأيتهُ
=
إلى القِيعَةِ الْحَمِراءِ ذاتِ النَبائِثِ
جهاراً وَلِم نَحْفِلْ بتلكَ الهتاهِثِ))
بجَنْبِ صُحَارٍ في جموعِ الأَحَابِثِ
قَتَلْنَاهُمُ ما بينٍ قَنَّةٍ خَامِرٍ
وَفِئْنَا بأموالِ الْأَخَابِثِ عَنْوَةٌ
((تاريخ الطبري)) (٣٢١/٣)، وانظر ((الإِصابة)) لابن حجر (٢١٨/٥)، و((أسد الغابة)) لابن
الأثير (٧٣/٣).
(١) في المطبوع: ((الأخابت)) وهو تصحيف.
١٣٢

الحادية عشرة
فيها توفي النَّبِيُّ نَّهَ فِي وَسَطِ نهارِ الإِثنين، في ربيع الأول، وما قيل:
إنه توفي في الثاني عشر فيه إشكال، لأنه وس لو كانت وقفته في الجمعة في
السنة العاشرة إجماعاً، ولا يتصور مع ذلك وقوع الإِثنين ثاني عشر شهر ربيع
الأول من السنة التي بعدها، فتأمل.
وَبُعِثَ رسول الله وَّر على رأس أربعين، فأقام بمكة ثلاث عشرة(١)،
وقيل: عشراً، وقيل: خمس عشرة، وأقام بالمدينة عشراً بالإِجماع، وتوفي
وَّ وهو ابن ثلاثٍ وستين سنةً على الصحيح، وولد نََّ عامَ الفيل في شعب
بني هاشم، وتوفي جده عَبْدُ المطّلب وهو ابن ثمانٍ على قول وشهد بناء
قريش الكعبة، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة على قول.
وفي ((الصحيح)) أنه كان ينقل معهم الحجارة وهو صغير، وكانوا
يجعلون أَزْرَهُم على عواتقهم تقيهم الحجارة ففعل مثلهم ، فسقط مغشياً
علیه(٢).
(١) في المطبوع: ((ثلاثة عشر)).
(٢) رواه البخاري رقم (٣٦٤) في الصلاة: باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها، و(١٥٨٢)
في الحج: باب فضل مكة وبنيانها، و(٣٨٢٩) في مناقب الأنصار: باب بنيان الكعبة،
ومسلم رقم (٣٤٠) (٧٦) و(٧٧) في الحيض: باب الاعتناء بحفظ العورة، وأحمد في
((المسند)» (٣١٠/٣ و٣٣٣). ولفظ الحديث في البخاري: حدَّثَنَا مَطَرُ بن الفضلِ قال: حدَّثْنَا
رَوحٌ قالٍ: حدَّثنا زكريَّاءُ بن إسحاق، حدَّثنا عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله
يُحدِّث أنَّ رسول الله وَّ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عَمُّهُ : =
١٣٣

فإن حُمِلَ على أنَّ قريشاً بنت الكعبة مرتين، أو في أمر غير بناء الكعبة
فلا إشكال، وإلا فأحد النقلين ساقط.
وتزوج خَدِيْجَةَ وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي بنت أربعين على
الصحيح فيهما، ورجّح كثيرون أنها ابنة ثمان وعشرين
وفرضت الصلاة بمكة ليلة الإِسراءِ بعد النَّبوة بعشر سنين وثلاثةِ أَشْهُرِ (١).
وفرض الصوم بعد الهجرة.
وفُرضت الزكاة قبل الصوم، وقيل: بعده.
وهو ◌ََّ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللّهِ، بنِ عَبْدِ المُطَّلب، بنِ هَاشِمٍ ، بنِ عَبْدِ
منافٍ، بنِ قصيٍّ، بن كلابٍ، بن مُرَّةً،َ بنِ كعبِ، بنِ لُؤيٍ ، بن غَالِب، بنِ
فِهرٍ، بنِ مَالِكِ، بنِ النَّضر، بنِ كِنَانَة، بن خُزَيمَةَ، بنِ مَدْرَكَة، بنِ إلياسٍ ،
ابن مُضَر، بنِ نِزَار، بنِ مَعْدٍّ، بَنِ عَدنان.
هذا المتفق عليه.
وجَدُّه هَاشِمٌ هو الذي سَنَّ لقريشِ الرِّحلتين للتجارة، ومات بغَزَّةَ(٢) من
أرض الشام، البلدة التي ولد فيها الشافعيُّ رحمه الله .
وفي السنة الحادية عشرة (٣) أيضاً من الهجرة، توقّت فَاطِمَةُ بنتُ
رسولِ اللهِوَم بعد وفاة أبيها [وَلَه] بستة أشهر، تزوجها عَليُّ رضي الله عنه وهي
بنتُ خمس عشرة سنةً، وخمسة أشهر ونصف، وعمرُه إحدى وعشرين سنة
وخمسة أشهر، ولم يتزوَّجْ عليها حتى ماتت، كأمِّها لم يتزوجْ عليها النبيُّ ◌َِّ
حتى ماتت، وَغَسَلَ فاطمَةَ أسمَاءُ بنتُ عُمَيْسٍ ، وَعَليٍّ، ودفنها ليلاً.
= يا ابن أخي لو حَلَلْتَ إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة. قال: فحله، فجعله على
منكبيه فسقط مغشياً عليه، فما رُئي بعد ذلك عرياناً چ .
(١) انظر تفصيل ذلك في ((جامع الأصول)) لابن الأثير (١٨٣/٥، ١٨٤).
(٢) انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٢٠٢/٤)، و((الروض المعطار)) ص (٤٢٨).
(٣) في الأصل: ((الحادية عشر)) وأثبتنا ما في المطبوع.
١٣٤

وفيها ماتت أُمُّ أَيْمنَ(١) حاضنةُ رسولِ الله وَ، وأُّهُ بعد أُمِّهِ، ومنزلَتُها
من النبيِّ وََّ، ومنزلةُ زوجِها وبنتِها لا تُوصَفُ ولا تُكِيَّفُ(٢)، وخرجتْ مهاجرةً
وليس معها زادٌ ولا ماءً، فكادت تموتُ من العطش ، فلما كان وقتُ الفطر
وكانت صائمةً، سمعتْ حِسَّأَ على رأسها، فرفعْتُهُ، فإذا دَلْوٌ برشاءٍ(٣) أبيضَ
معلَّقٍ فشربتْ منه حتى رَوِيَتْ، وما عَطِشَتْ بقيةَ عُمُرِها.
وفيها مات عُكَّاشَةُ الأَسَدِيُّ(٤) أحَدُ السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة
بغير حساب .
وفيها قَتَل خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ مَالِكَ بِنَ نُوَيْرَةَ فِي رَهطٍ من قومه بني حنظلة
ممن منع الزكاة، وكان مالكٌ من دُهَاةِ العرب، وكان عرض على خالدٍ الصلاة
دون الزكاة، فقال خالدٌ: لا نقبل(٥) واحدةً دون الأخرى، فقال مالِكٌ: كذلك
كان يقول صاحبك(٦)، قال خالد: وما نراه لك صاحباً، والله لقد هَمَمتُ أن
أضرب عُنُقَك، ثم تجادلا في الكلام، فقال خالد: إني قاتلك، قال: أو
كذلك أمر صاحبك، قال خالد: وهذه ثانية بعد تلك، والله لأقتلنك، فكلمه
عَبْدُ اللّهِ بن عُمَرَ، وَأَبُو قَتَادَةً(٧) في اسْتِبْقَائِهِ فأبى، فقال له مالك: فابعثني إِلى
(١) واسمها بَرَكَة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان. انظر
((الإصابة)) لابن حجر (١٧٧/١٣)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٢٢٣/٢)، و((زاد المعاد))
لابن القيم (٨٣/١).
(٢) في الأصل: ((لا يوصف ولا يكيف)) وما أثبتناه من المطبوع.
(٣) الرشاء: الحبل. انظر ((القاموس المحيط)) للفيروز أبادي (٣٣٦/٤).
(٤) هو عكاشة بن مِحْصَن الأسدي، أبو محصن، السعيد الشهيد، حليف قريش، من السابقين
الأولين البدريين، وقع ذكره في ((الصحيحين)) في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير
حساب كما ذكر المؤلف. انظر ((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (٣٠٧/١)، و((جامع الأصول))
لابن الأثير (١٩٠/٩، ١٩١).
(٥) في المطبوع: ((لا تقبل)) وهو تصحيف.
(٦) يقصد رسول اللّه اله .
(٧) هو الحارث بن ربعي رضي الله عنه، فارس رسول اللّه الر، وقيل: اسمه ((النعمان)) وقيل:
((عمرو)).
١٣٥

أبي بَكْرٍ فَيَكون هو الذي يحكم فيَّ، فقال خَالِدُ: يا ضِرَار(١) قُم فَاضْرِبْ
عُنْقَهُ، فَقَامَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ واشْتَرَىْ زَوْجَهُ (٢) من الفِيءِ، وتزوَّجها، فأنكر عليه
عُمَرُ، وَالصحابة، وسأل عُمَرُ أبا بَكْرٍ قتل خالِدٍ بِمَالِكِ أَوْ حَدَّهُ في زواجٍ
زوجته، فقال أبُو بَكر: إنه تَأَوَّلَ فأخطأ، فسأله عزله، فقال: ما كنت لأُشِيْمَ(٣)
سيفاً سَلَّهُ اللّهُ عليهم (٤) أبداً.
ولِمُتَّمِّم بن نُوَيْرَةَ(٥) في أخيه مَرَاثٍ كَثِيرٌ مَشْهُورَةٌ من أعجبَها قوله:
لقد لامني عند القبورٍ عَلَى الْبُكًا صِحَابِي لِتَذْرَافِ الدُّمُوعِ السَّوَافِكِ
لِغَيْرِ ثَوَىْ بَيْنَ اللَّوى والدّكَادِكِ(٦)
فَقَالوا: أَتْبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأَيْتَهُ؟
دَعَوْنِي فَهَذَا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِ(٧)
فَقُلْتُ لَهُمُ: إِنَّ الشَّجَا يَبْعَثُ الشَّجَا
وَلَحَافِظْ دِمَشْقَ ابنِ نَاصِر الدِّيْن(٨) قَصِيْدَةٌ سَمَّاها «بَوَاعِثُ الفِكْرَةِ فِي
(١) هو ضرار بن الأزور الأسدي، أبو الأزور، ويقال: أبو بلال، أحد الأبطال في الجاهلية
والإِسلام، وكان شاعراً مطبوعاً، له صحبة، مات سنة (١١) هـ. انظر ((الإِصابة)) لابن حجر
(١٨٨/٥ - ١٩٠) و((الأعلام)) للزركلي (٢١٥/٣).
وقال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)): إن ضرار بن الأزور قتل مالك بن نويرة بأمر خالد
ابن الوليد، وقال: فوافق أنه قتل، ولم يكن قتله من أجل المرأة، كما ظن.
(٢) في الأصل: ((زوجته)). وأثبتنا ما في المطبوع.
(٣) قال الفيروزأبادي: شام سيفه يشيمه: أغمده. ((القاموس المحيط)) (١٣٩/٤).
(٤) أي على المشركين.
(٥) انظر ((شرح أبيات مغني اللبيب)) للبغدادي (٢٠١/١) بتحقيق الأستاذين عبد العزيز رباح،
وأحمد يوسف الدقاق، طبع دار المأمون للتراث بدمشق، و((الأعلام)) للزركلي (٧٤/٥).
(٦) البيت في ((الكامل)) للمبرد (١٥٢/١):
لميت ثوى بين اللوى فالدكادك
وقالوا أتبكي كل قبرٍ رأيتهُ
(٧) البيت في ((الكامل)) للمبرد:
ذروني فهذا كله قبر مالك
فقلت لهم إن الأسى يبعث البُكًا
(٨) تقدم التعريف به في الصفحة (٧٢ - ٧٣).
١٣٦

حَوَادِثِ الهِجْرَة)) أَحْبَيْتُ أَنْ أَثْبَتَهَا هُنَا لِمَا فِيْهَا مِنَ الفَوَائِدِ وَهِي :
سِنُوا هِجْرةِ المُخْتَارِ فِيْهَا حَوَادِتٌ فَخُذْ نَثْرَهَا مِنْ كُلِّ عامٍ وَاحْكِمٍ
بُنِي وَبُيُوتَاً وَالصَّلاةَ فَأَتْمِمِ
بَرَاءٌ وَعَبْدُ اللّهِ أَسْلَمَ فَاسْلِمِ
وَغَزْوَةِ وُدَّانٍ بُواطَ المغنَّمِ
بَتُولُ ومَوْتٌ لابنِ مَظْعونَ أَكْرِمٍ
وَمَرْوَانُ والنُّعْمَانُ سُرُوا بِمَقْدَمٍ
أبو بنتِ هِنْد أنمارْ كانت بمعلمٍ
وذا أمَرٍ والخمرُ رُدَّت فَحَرِّمٍ
بزينبَ ذاتِ البرِّ كَسْباً لِمِعْدَمِ
أتى حَسَنْ قَبْلَ الحُسَينِ المقدِّمِ
نَضِيرٌ وَقصْرٌ والتيمُّمَ نَافْهَمِ
ورجمٌ وموتُ امِّ المَسَاكِيْنَ عَظُّمٍ
مُصلَّى قُبّاً في ﴿ أولٍ﴾ ثُمَّ مَسْجِداً
وَخَلْف أَذَانِ جُمْعَةٍ مَاتَ أَسْعَدٌ
و﴿ ثانٍ﴾ صِيَامُ فِطْرَةٍ أَمَّ كَعْبَةً
عَشِيرٌ وبَدْرٌ عُرْسُ عائشَ(١) مِثْلَهُ الْـ
سَوِيق سُلَيْمٍ قَيْنُقَاعَ ومِسْوَرٌ
كذَا ابْنُ زُبَيْرٍ مثلَ موتِ رُفِيَّةٍ
غزا أُحُداً في ﴿ ثالثٍ ﴾ قتلُ حمزةٍ
وحمراءُ مَعْ بدرٍ أخيراً بناؤه
كَذَا حَفْصَةٌ مَعَ أُمِّ كُلثُومَ زُوَّجَتْ
وَفي ﴿ رابعٍ ﴾ تزويجُ هندٍ معونٌ
مُرَيْسِيعُ إفكٍ والرِّقاعُ ومَوْعِدٌ
وصلَّى لخوفٍ ثم في ﴿ الخمس ﴾ خَنْدِقٌ قريظةُ سعدٍ مات دُومة قَدِّمِ
وعثمانٌ الداري التزلزل فاعلمٍ
ضِمَامٌ أتى إسلامَ عمروٍ وخالدٍ
وفي ﴿ سادسٍ ﴾ لَحْیانُ ذو قُرَد بِه
مُقَوْقِسُ أهْدىْ والظُّهَارُ وخاتم
وخيبرُ في ﴿سبعٍ ﴾ صَفِيَّةُ رَمْلَةٌ
قُدُوم أبي هِرِّ هَدَانَا عَطِيةً
﴿ وثامُن ﴾ عامٍ مؤتةُ الفتح أسلموا
حديبيةُ اسْتسقى ابنُ خَوْلَةَ أَعْظِمِ
لشيرويةَ الطَّاعونَ حَجِّ لمسلمٍ
زَواجهما ذو الحبس آبُوا بأنْعُمِ
قَضَا عُمرةً تَزْوِيجَ مَيمُونةَ اتممٍ
ومَوْلِدُ إبراهيم نَجْل المعظّمِ
(١) في الأصل: ((عائشة)).
١٣٧

حُنَيْنُ غلاء طائف نُصْبٍ مِنْبَرٍ وبنتُ رسولِ الله زينبُ سَلِّمِ
وحج أبي(١) بكرٍ وَمَوتُ أُمِّ كُلْثُمٍ
﴿بتسعٍ﴾ تبوكٌ والوفودُ وجزيةٌ
ومات ابنُ بيضا والنجاشي وعُروةٌ
لِعَانٌ وإيلاءُ وبُورانُ مُلَّكَتْ
وفي ﴿ العاشرِ﴾ ابراهيم مات ومولِدٌ
جَرِيرُ اهتدَى ضَلَّتْ بأسودَ عَنْسة
وسَبْعٌ وعِشْرونَ المَغَازِي وَمِثْلُهَا
أَصِبْنا ﴿لإِحدى عشرةٍ﴾ بنبيِّنا
بها بايَعُوا الصِّدِّيقِ ردَّةً وَابِكِيَنْ
قتيلُ ثقيفٍ والسَّلُوليَّ فافهمِ
لقتلِ فتَى شيروية بتظلَّمِ
لنجلِ أبي بكرٍ محمدُ أَعْظِمِ
كُسُوف بِخُلْفٍ حِجة التُّمِّ أعجمٍ
سَرَاياه مَعْ عشرين أُرِّخ لمقدَمٍ
فَيَا عُظْمَهُ رُزءً لدى كُلِّ مُسْلَمٍ
لفَاطِمَةٍ مَعْ أُمِّ أيمنَ وَاخْتِمٍ
انتهى ما أورده ابنُ نَاصِر الدِّين، وما ذكره في منظومته تَقَدَّمَ غالبه، وبقيته
مفهوم سوى قِصَّةِ الظُّهَارِ أحببتُ إِيرادها لِما فِيها مِن الفَوَائِدِ فأقول:
قَالَ العَلَّمَةُ الشَّيْخِ عَلي الحَلَبِي فِي ((سِيْرَتِهِ)»: وَقبل خَيْبَرَ، وقيلَ: بعد
خَيْبَرَ، نزلت آيَةُ الظِّهَارِ ﴿ قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾
[المجادلة: ١]، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَوْسَ بِنَ الصَّامِتِ، لَا عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ،
كَمَا قِيْلَ، أَي وَكَانَ شَيْخاً كَبِيْرَاً قَدْ سَاءَ خُلُقُهُ، وَفِي لَفْظٍ: كَانَ بِهِ لممُ(٢)، أي
نوع من الجنون، وكان فاقد البصر، قال لزوجته خَوْلَة بنت ثَعلبة (٣)، وفي لفظٍ
بنت خويلد، وكانت بنت عمه(٤)، وقد راجعته في شيءٍ فَغَضِبَ فقال لها: أنت
(١) في المطبوع: ((أبو)).
(٢) في الأصل: ((يلم)) وما أثبتناه من المطبوع.
(٣) وهو الصواب. وقال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (٢٣١/١٢): خولة بنت مالك بن
ثعلبة .
(٤) في المطبوع: ((بنت عمره)) وهو خطأ.
١٣٨

عليَّ كظهر أُمِّي، وكان ذلك في زمن الجاهلية طلاقاً، أي كالطلاق في تحريم
النساء، ثم راودها عن نفسها، فقالت: كلا لا تصل إليَّ وقد قلتَ ما قلتَ،
حتى أسأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
وفي لفظٍ: إنه لما قال لها: أنت عليَّ كظهر أُمِّي أُسْقِطَ في يده، وقال:
ما أراكِ إلا قد حَرُمْتِ عليَّ، انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاسأليه، فدخلتْ عليه وهو يمشط رأسه، أي عنده ماشطة، وهي عائشة
تمشط رأسه .
وفي لفظٍ: كان الظُّهَارُ أشدَّ الطَّلاق، وأحرمَ الحرام، إذا ظاهر الرجل من
امرأته لم يرجع أبداً، فأخبرته، فقال لها: ((ما أمِرنا بشيءٍ من أمركِ ما أراكِ
إلا قد حَرُمتِ عليه))، فقالت: يا رسولَ الله والذي أنزلَ عليك الكتاب ما ذكر
الطلاق، وإنه أبو وَلَدي، وأحبُّ النَّاس إليَّ، فقال: ((حَرُمْتِ عليه))، فقالت:
أشكو إلى الله فاقتي وتركي بغير أحد، وقد كبر سنِّي، ودقَّ عظمِيَّ.
وفي لفظٍ أنها قالت: اللهم إني أشكو إليك شِدَّة وَحْدتي، وما شقَّ عليّ
من فراقه، وما نزل بي وبِصِبْيتي .
قالت عائشة رضي الله عنها: فلقد بَكَّيْتُ وبكى من كان في البيت
رحمةً لها ورِقَّةً عليها.
وفي لفظٍ قالت: يا رسولَ إن زوجي أوسَ بنَ الصامت تزوَّجني وأنا
ذاتُ مالٍ وأهلٍ، فلما أكل مالي، وذهب شبابي، ونفضتُ بطني، وتفرَّق
أهلي، ظاهر مني، فقال لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أراكِ إلا قد
حَرُمتِ عليه))، فَبَكَتْ وصاحت، وقالت: أشكو إلى الله فقري، وَوَحْدتي،
وصبيةً صغاراً إنْ ضممتُهم إليه ضاعوا، وإن ضممتُهم إليَّ جاعُوا، وصارت
١٣٩

ترفعُ رأسها إلى السماء، فبينما فَرَغَ صلى الله عليه وسلم من شق رأسه،
وأخذ في الآخر، أنزل الله عليه الآية، فَسُرِّيَ عنه، وهو يبتسم، فقال لها:
((مُرِيه فَلَيُحَرِّرِ رَقَبَةً))، فقالت: واللّهِ مَا لَهُ خَادِمٌ غيري، قال: ((فَمُريهِ فليصم
شهرين متتابعين))، فقالت: واللّه إنه لشيخ كبير، إنه إن لم يأكلْ في اليوم
مرتينَ يندر بَصَرُهُ، أي لو كان مُبْصِراً، فلا ينافي ما تقدَّم أنه كان فاقدَ البصر،
قال: ((فليطعم ستين مسكيناً)، فقالت: واللّهِ ما لنا اليوم وقية، قال: ((مُرِيهِ
فِلِينْطَلق إلى فلان - يعني شخصاً من الأنصار - أخبرني أن عنده شَطْرَ وَسْقٍ من
تمر، یرید أن یتصدَّق به، فلیأخذه منه».
وفي رواية: ((مُرِيهِ فليأتِ أُمَّ المنذِرِ بنتَ قيس فليأخذ منها شَطْرَ وَسْقٍ
من تمرٍ فليتصَّدقْ به على ستين مسكيناً وَلْيُراجِعْكِ)»، ثم أتته فقصَّتْ عليه
القِصَّةَ فانطلق ففعل.
أي وفي لفظٍ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((فأنا سَأَعِينُهُ بِعَرَق(١)
من تَمْر)) فبكت، وقالت: وأنا يا رسولَ الله سَأَعينه بِعَرَق(١) آخر، قال: ((قد
أصبتٍ وأحسنتِ فاذهبي فتصدِّقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً».
وفي روايةٍ لما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أَعلَمُ إلا قد
حَرُمتِ عَلَيْهِ))، قالت لها عَائِشَة: وراءك، فتنحَّتْ، فلما نَزَلَ عليه الوحِي وَسُرِّيَ
عنه قال: ((يا عائِشَةُ أين المرأةُ؟)»، قالت: ها هي هذه، قال: (ادْعيها))(٢)،
(١) في الأصل، والمطبوع: ((بفرق)) بالفاء. والعَرَق: زَبِيلٌ منسوج من نسائج الخوص، وكل
شيء مَضْفُور فهو عَرَقٌ بفتح الراء فيهما. ((النهاية)) لابن الأثير (٢١٩/٣).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((ادعها)) وهو خطأ.
١٤٠