Indexed OCR Text
Pages 81-100
فإن التأريخ الإِسلامي ليس محصوراً بما جرى تدوينه من الأحداث في كتب بعض المؤرخين من متقدمين ومحدثين كما يتوهم بعضهم، وإنما يتكون من هذه الفروع الأربعة التي لا يمكن لأحدها أن يغفل إذا أريد للفظة التاريخ أن تكون صحيحة، فليس هناك حَدَث إلا ووراءه سبب ما، وأحداث التاريخ سببها الرِّجال، وأعظم الرِّجال في تاريخنا كله بلا شك هو نبيّنا محمد وَّر، الذي غيّر ببعثته مجرى التاريخ كله، فكانت رسالته الحدّ الفاصل بين عهدين في حياة بني الإِنسان على وجه الأرض، عهدٍ سادت فيه القوة الغاشمة، واستعبد فيه القويّ الضعيف، واستغلّ فيه الغنيُّ الفقير أبشع استغلال، وعهدٍ عادت فيه الحقوق إلى أهلها، وألغيت فيه عبودية الإِنسان للإِنسان إلى يوم القيامة، وأصبح فيه الغنيُّ والفقير، والقويُّ والضعيف، والأبيض والأسود في ميزان الفضل سواءً بسواء. وكذلك الحال، فإن علم الأنساب حفظ لنا الأسماء والألقاب والكنى من الخلط والتحريف والتصحيف والضياع. وتدوين الحوادث التي مرّت في تاريخنا الإسلامي في بعض الكتب التي اختصّت بذلك - ومنها ((شذرات الذهب)) - حفظ لنا الصورة الصحيحة التي كان عليها واقع الحال للمسلمين بما فيه من صور مشرقة وأخرى مؤلمة دون أن يضيع منها شيء. وأما كتب الرِّجال فإنها لم تترك لنا صغيرة ولا كبيرة في سِيَر الأعلام المتقدمين إلا وذكرتها، والأهم من ذلك، فقد جعلت هذه الكتب في مقدورنا معرفة الصفات التي كان عليها الرواة للأحداث، والأخبار، والأحاديث، والأمثال، والأشعار، فأصبح بمقدورنا لدى الرجوع إليها معرفة الصادق من الكاذب، والمتقن من المتهاون، والضابط من الواهم، والسليم النّة من المُغرِض، فيما يعرض لنامن أسماء أولئك الرواة في كتب التاريخ، والحديث، والأدب. ولله درّ أولئك الأئمة الأعلام الذين خلَّفوا لنا كتب فروع هذا الفن الذي هو من أهم الفنون التي ترتكز عليها حضارتنا العربية الإِسلامية . ومما تجدر الإشارة إليه أن معظم هؤلاء الأعلام الذين تكلمت عليهم فيما ٨١ سبق هم أهم أصحاب المصادر التي نقل عنها ((ابن العماد)) مباشرة، أو بالواسطة، ومعظمهم اشتغلوا بالحديث النبوي، وصنّفوا فيه مصنفات مشهورة منتشرة، الأمر الذي يجعلني أجزم بأن خير المؤرخين المسلمين من العرب والعجم هم المؤرخون الذين كانت لهم عناية ودراية بحديث رسول الله ولهم ورجاله، فإن هؤلاء تأثروا بمنهج المحدِّثين من المسلمين، الذين اشترطوا لقبول رواية الراوي أن يتمتع بصفات محددة، أهمها أن يكون مسلماً، مؤمناً، صادقاً، عادلاً، ضابطاً، متقناً، محتاطاً، وإلا فإن روايته تكون موضع الشك والريبة، الأمر الذي يُفقدها أهم مقوّمات القبول، فتصبح ضعيفة، بل ومردودة أيضاً إذا كان صاحبها ممّن اتَّهم بالوضع أو الكذب. وهذا ما يجعلني أجزم أيضاً بأن فنيّ التأريخ والحديث عند علماء المسلمين الثقات يتمتعان بمصطلح أقرب ما يكون إلى التطابق والانصهار في بوتقة واحدة، فقد أثبتت التجربة لي أثناء عملي في خدمة هذا الكتاب، وكتاب ((الأمصار ذوات الآثار)) للذهبي من قبلُ بإشراف والدي حفظه الله، بأن أهل الدراية بالحديث هم الجديرون حقاً بتحقيق كتب التاريخ والرِّجال، أو الإِشراف على تحقيقها والكلام على ما يرد من النصوص الحديثية فيها على أقل تقدير، لأنهم من أعلم الناس بالأسماء، والأنساب، والكنى، والألقاب، وهي من أهم ما يقع فيه التصحيف، والتحريف، والخطأ، والسَّقْط في كتب التراث. لذا يجدر بكل مَن يودّ تحقيق أو طبع أيِّ كتاب من كتب التأريخ أو الرجال أن يرجع إلى أحد علماء الحديث المتقنين الثقات - وما أقلّهم في هذا العصر - ليتزوّد منه بالتوجيهات القيمة التي تجعل کتابه یصدر على أحسن وجه، وأن يوكل إليه الحكم على الأحاديث التي قد ترِد في كتابه من جهة الصحة والضعف إن استطاع، لكي يستكمل الكتاب شروط النشرة العلمية المتقنة، وإلا كان الكتاب عرضة لظهور الكثير من الأخطاء والتحريفات فيه، كتلك التي تظهر في معظم الكتب التي تغلب على طبعاتها الصفة التجارية، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى التحقيق والنشر من جدید. ٨٢ مصادر ومراجع مختارة (١) ١ - أخبار القضاة: لوكيع محمد بن خلف بن حيّان، عالم الكتب، بيروت بدون تاریخ. ٢ - الأخبار الطوال (*): لأبي حنيفة الدينوري، تحقيق الأستاذ عبد المنعم عامر، ومراجعة الدكتور جمال الدين الشيال، مصوّرة مكتبة المثنى، بغداد بدون تاريخ. ٣ - الأذكار(*): للنووي، تحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ، دار الملاح ، دمشق ١٣٩١ هـ. ٤ - أسد الغابة في معرفة الصحابة (*): لابن الأثير، تحقيق الأساتذة: محمد إبراهيم البنّا، ومحمد أحمد عاشور، ومحمود عبد الوهاب فايد، كتاب الشعب، القاهرة ١٣٩٠ هـ. ٥ - الأعلام: للعلامة الأستاذ خير الدين الزركلي - الطبعة الرابعة - دار العلم للملایین، بيروت ١٣٩٩ هـ. ٦ - إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين (*): لابن طولون الدمشقي، حقّقه وقدّم له وعلّق عليه محمود الأرناؤوط، قرأه ونظر في تحقيقه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٣ هـ. ٧ - الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التأريخ: للسخاوي، بعناية الأستاذ حسام الدين القدسي، مصوّرة دار الكتاب العربي، بيروت ١٣٩٩ هـ. ٨ - الأنساب: للسمعاني، الجزء الأول، تحقيق الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني. طبع محمد أمين دمج. بيروت ١٣٩٦ هـ. (١) الكتب التي عقب أسمائها نجمة بين هلالين هي التي استفدت من مقدماتها فقط. ٨٣ ٩ - تاريخ أبو زرعة (*): تحقيق الأستاذ شكر الله بن نعمة الله القوجاني، مجمع اللغة العربية، دمشق ١٤٠٠ هـ. ١٠ - تاريخ الأمم والملوك (*): للطبري، الجزء الأول، تحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، مصوّرة دار سويدان، بيروت بدون تاريخ. ١١ - تاريخ خليفة بن خياط (*): تحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري، مؤسسة الرسالة ببيروت، ودار القلم بدشمق، ١٣٩٧ هـ. ١٢ - التاريخ العربي والمؤرخون: للدكتور شاكر مصطفى، دار العلم للملايين، بیروت ١٣٩٩ هـ. ١٣ - الترغيب والترهيب (*): للمنذري، تحقيق الأستاذ مصطفى محمد عمارة، شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ١٣٨٨ هـ. ١٤ - التكملة لوفيّات النقلة (*): للمنذري، تحقيق الدكتور بشّار عوّاد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠١ هـ. ١٥ - جامع الأصول في أحاديث الرسول وَله: لابن الأثير، تحقيق والدي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط. مكتبة الحلواني، مطبعة الملاح، مكتبة دار البيان، دمشق ١٣٨٩ هـ. ١٦ - الجرح والتعديل (*): لابن أبي حاتم، بعناية وتقديم الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني، دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن في الهند، ١٣٧١ هـ. ١٧ - جمهرة أنساب العرب (*): لابن حزم، تحقيق الأستاذ عبد السلام محمد هارون، دار المعارف بمصر، ١٣٨٢ هـ. ١٨ - دائرة المعارف الإسلامية، لجماعة من المستشرقين، الطبعة العربية، الجزء الأول، إعداد وتحرير الأساتذة: إبراهيم زكي خورشيد، وأحمد الشنتناوي، وعبد الحميد يونس، كتاب الشعب، القاهرة ١٣٥٣ هـ. ١٩ - دول الإِسلام: للذهبي، تحقيق الأستاذين فهيم محمد شلتوت، ومحمد مصطفى إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ١٣٩٤ هـ. ٢٠ - سُنن ابن ماجه: تحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٣٧٣ هـ. ٢١ - سير أعلام النبلاء: للذهبي، تحقيق جماعة من الأفاضل، بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠١ - ١٤٠٣. ٨٤ ٢٢ - السيرة النبوية (*): لابن إسحاق، تهذيب ابن هشام، تحقيق الأساتذة: مصطفى السقًا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي، مصوّرة مؤسسة علوم القرآن بدمشق وبیروت بدون تاريخ. ٢٣ - شذرات الذهب: لابن العماد، بعناية الأستاذ حسام الدين القدسي، مصوّرة دار المسيرة، بيروت ١٣٩٩ هـ. ٢٤ - طبقات الحفّاظ: للسيوطي، تحقيق الأستاذ علي محمد عمر، مكتبة وهبة، القاهرة ١٣٩٣ هـ. ٢٥ - الطبقات الکبری (*): لا بن سعد، تقدیم الدکتور إحسان عباس، دار صادر ودار بيروت، بيروت ١٣٨٠ هـ. ٢٦ - عناقيد ثقافية: تأليف محمود الأرناؤوط، دار المأمون للتراث بدمشق وبيروت ١٤٠٥ هـ. ٢٧ - لسان العرب: لابن منظور، تحقيق الأساتذة: عبد الله علي الكبير، ومحمد أحمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي، وسيد رمضان أحمد، دار المعارف بمصر، بدون تاريخ. ٢٨ - المسند: للإِمام أحمد بن حنبل، المكتب الإِسلامي، ودار صادر، بيروت ١٣٨٩ هـ. ٢٩ - المعرفة والتاريخ (*): للفسوي، تحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠١ هـ. ٣٠ - المغازي (*): الواقدي، تحقيق المستشرق الدكتور مارسدن جونس، مصوّرة عالم الكتب ببيروت بدون تاريخ. ٣١ - موارد الخطيب البغدادي: للدكتور أكرم ضياء العمري، دار القلم، دمشق ١٣٩٥ هـ. ٣٢ - النور السافر: للعيدَرُوس، بدون تاريخ ومكان الطبع. ٨٥ الفَصْل الثَّانِى لابن العماد هو الإِمام الفقيه الأديب المؤرّخ الأخباري أبو الفلاح عبد الحيّ بن أحمد بن محمد العَكري(١) الدمشقي الصالحي الحنبلي، المعروف بـ ابن العماد. ولد في صالحية دمشق، وذلك يوم الأربعاء الثامن من شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وألف، وكان ذلك في أيام العثمانيين حكام الدولة الإِسلامية الكبيرة التي عرفها التاريخ آنذاك، التي كانت فرائص أقوى الممالك في أوروبة ترتعد فرقاً من سلاطينها لفترة طويلة من الزمن، تلك الدولة التي امتدت رقعتها من المحيط الأطلسي إلى بلاد فارس إلى أواسط أوروبة، والتي انتزعت القسطنطينية من أيدي الروم، وذلك قبل أن تتفق على تحطيمها الدول الاستعمارية الكبرى التي كانت تطمع في ممتلكاتها كما هو معلوم. نشأ ابن العماد في دمشق، وقرأ القرآن الكريم، وطلب العِلم مشمِّراً عن ساعد الجِدّ والاجتهاد، فأخذ من أعلام الأشياخ، وأجلّهم الشيخ أيوب الخَلْوَتي(٢). (١) قال العلامة الشيخ محمد كمال الدين بن محمد الغزّي العامري في ((النعت الأكمل)) ص (٢٤٠): العُكري بضم العين. قلت: وقال العلامة الأستاذ خير الدين الزركلي في ((الأعلام)) (٢٩٠/٣) ما معناه: العكري في ((تاج العروس)) للزبيدي، بفتح الكاف مخفة أو مع التشديد، إلّ أن ((بيت العكر)) معروفون في دمشق إلى اليوم بفتح العين وسكون الكاف. وانظر ((تاج العروس)) ((عكر)) (١٢١/١٣) طبعة حكومة الكويت. (٢) هو أيوب بن أحمد بن أيوب القرشي الماتريدي الحنفي الخلوتي، شيخ من كبار المتصوفين، = ٨٦ وتلقى الفقه قراءةً وأخذاً عن ابن فَقِيه فُصَّة (١) مفتي الحنابلة في الشام في عصره، وعن الشيخ شمس الدين بن بَلْبَان(٢). ثم رحل إلى القاهرة وأقام بها مدة طويلة للأخذ عن علمائها، فأخذ بها عن الشيخ سلطان المَزَّاحي (٣) والنُّورِ الشَّبْرامَلِّسي(٤)، وشَمْسُ الدِّين البَابِلِي(٥)، = أصله من البقاع العزيزي في الشام، ومولده ومنشؤه ووفاته في دمشق، وكان شيخ وقته في الشام، له عدة رسائل، منها ((ذخيرة الفتح)) و((وصية)) أوصى بها ولده محمداً المكنّى بأبي الصفاء، مات سنة (١٠٧١هـ). انظر ((الأعلام)) للزركلي (٣٧/٢). (١) هو عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر البعلي الأزهري الدمشقي، ولد في بعلبك ونسبته إلى قرية ((فصّة))، ورحل إلى القاهرة فتعلم في الأزهر، وعاد إلى دمشق فتوفي بها، من تصانيفه ((العين والأثر في عقائد أهل الأثر)) و((فيض الرزّاق في تهذيب الأخلاق))، و«ریاض أهل الجنة في آثار أهل السنّة)) و((شرح صحيح البخاري)) لم يكمِّله. مات سنة (١٠٧١ هـ. انظر ((الأعلام)) للزركلي (٢٧٢/٣). (٢) هو محمد بن بدر الدين بن عبد الحق بن بلبان، فقيه حنبلي، أصله من بعلبك، اشتهر وتوفي بدمشق كان يقرىء في المذاهب الأربعة، وأخذ الحديث عنه جماعة من كبراء عصره، منهم المحبي صاحب ((خلاصة الأثر))، له تآليف، منها ((الرسالة في أجوبة أسئلة الزيدية)) و((كافي المبتدي من الطلاب))، و((أخصر المختصرات))، و((عقيدة في التوحيد))، و((بغية المستفيد في التجويد))، وغيرها، مات سنة (١٠٨٣) هـ. انظر ((الأعلام)) للزركلي (٥١/٦). (٣) هو سلطان بن أحمد بن سلامة بن إسماعيل المزاحي الشافعي، كان شيخ الإِقراء بالقاهرة، من مصنفاته ((حاشية على شرح المنهج للقاضي زكريا))، و((القراءات الأربع الزائدة عن العشر)) و((أجوبة عن أسئلة وردت إليه في القرآآت)). مات سنة (١٠٧٥) هـ. انظر ((الأعلام)) للزركلي (١٠٨/٣). (٤) هو علي بن علي الشبراملسي، أبو الضياء، فقيه شافعي مصري، كُفَّ بصره في طفولته. تعلم وعلَّم بالأزهر، وصنّف كتباً منها ((حاشية على المواهب اللدنية للقسطلاني)) و((حاشية على الشمائل)) باسم ((حواشٍ على متن الشمائل))، و((حاشية على نهاية المحتاج»، مات سنة (١٠٨٧) هـ. انظر ((الأعلام)) للزركلي (٣١٤/٤). (٥) هو محمد بن علاء الدين البابلي، أبو عبد الله، فقيه شافعي من علماء مصر، ولد ببابل من قرى مصر، ونشأ وتوفي في القاهرة، وكان كثير الإِفادة للطلاب قليل العناية بالتأليف، وكان ينهى عن التأليف إلا في أحد أقسام سبعة: إما في شيء لم يسبق إليه المؤلف يخترعه، أو شيء ناقص يتمّمه، أو شيء مستغلق يشرحه، أو طويل يختصره - على أن لا يخلّ بشيء من معانيه - أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه يبيّنه، أو شيء مغرق يجمعه. له = ٨٧ وشهاب الدِّين القَلْيُوبي(١) الشافعيين، وغيرهم. ثم رجع إلى دمشق ولزم الإِفادة والتدريس، وانتفع به كثير من أبناء عصره، منهم المُحِّي(٢) صاحب ((خلاصة الأثر))، والشيخ عثمان بن أحمد بن عثمان النجدي الحنبلي، والشيخ مُصْطَّفى الحَمَوي (٣)، والشيخ عبد القادر البصري . قال المُحِّى في ((خلاصة الأثر)) (٢/ ٣٤٠ - ٣٤١): وكان مع كثرة امتزاجه بالأدب وأربابه، مائلاً بالطبع (٤) إلى نظم الشعر، إلّ أنه لم يتفق له نظم شيء فيما علمته منه، ثم أخبرني بعض الإِخوان أنه رأى في المنام كأنه ينشد هذين البيتين، قال: وأظن أنهما له، وهما: كُنْتُ فِي لُجَّةِ المَعَاصِي غَرِيْقَاً لِمْ تَصِلْنِي يَدٌ تَرُومُ خَلَاصِي أَنْقَذَتَنِي يَدُ العِنَايَةِ مِنْهَا بَعْدَ ظَنِّي أَنْ لاتَ حِيْنَ مَنَاصٍ وقال: وكنت فى عنفوان عمري تلمذت له وأخذت عنه، وكنت أرى = كتاب ((الجهاد وفضائله)) ألجىء إلى تأليفه، مات سنة (١٠٧٧) هـ. انظر ((الأعلام)) للزركلي (٦ /٢٧٠). (١) هو أحمد بن سلامة القليوبي، أبو العباس، فقيه متأدب من أهل قليوب في مصر، له حواشٍ ورسائل، وكتاب في تراجم جماعة من أهل البيت سمّاه ((تحفة الراغب)) و((فضائل مكة والمدينة وبيت المقدس وشيء من تاريخها))، مات سنة (١٠٦٩) هـ. انظر ((الأعلام)) للزركلي (٢٧٠/٦). (٢) هو محمد أمين بن فضل الله بن محبّ الله بن محمد المحبي الحموي الأصل الدمشقي، مؤرّخ، باحث، أديب، عُنِي كثيراً بتراجم أهل عصره، فصنّف ((خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر)) وغير ذلك من المصنفات المختلفة، مات سنة (١١١١) هـ. انظر ((الأعلام)) للزركلي (٤١/٢). (٣) هو مصطفى بن فتح الله الشافعي الحموي ثم المكّي، مؤرّخ من أدباء عصره، أصله من حماة، رحل منها إلى دمشق، فقرأ على بعض علمائها، وسافر إلى اليمن فتوسّع في الأخذ عن أهلها، واستقر بمكة، وتوفي بذمار من أرض اليمن، له ((فوائد الارتحال ونتائج السفر في أخبار أهل القرن الحادي عشر))، مات سنة (١١٢٣) هـ. انظر ((الأعلام)) للزركلي (٢٣٨/٧). (٤) في ((خلاصة الأثر)) المطبوع: ((مائل بالطبع)). ٨٨ لُقيته فائدة أكتسبها، وجملة فخر لا أتعدّاها، فلزمته حتى قرأت عليه الصرف والحساب، وكان يُتحفني بفوائد جليلة ويلقيها عليَّ، وحباني الدهر مدة بمجالسته، فلم يزل يتردد إليّ تردّد الآسي إلى المريض، حتى قدّر الله تعالى الرحلة عن وطني إلى ديار الروم، وطالت مدة غيبتي وأنا أشوق إليه من كل شيق، حتى ورد عليَّ خبر موته وأنا بها، فتجددتْ لوعتي أسفاً على ماضي عهوده، وحزناً على فقد فضائله وآدابه. مات في السادس عشر من ذي الحجة سنة تسع وثمانين وألف في مكة المكرمة عقب أدائه لفريضة الحج، رحمه الله تعالى برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جنانه، وحشرنا وإياه يوم القيامة تحت لواء سيد المرسلين. وقد خلَّف ابن العماد رحمه الله عدداً من المصنفات في علوم مختلفة منها : ١ - بغية أولي النهى في شرح المنتهى. شرح فيه كتاب ((منتهى الإِرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات)) للعلامة تقي الدين أبي البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي (١)، الشهير بابن النَّجَّار، المتوفى سنة (٩٧٢) هـ(٢). ٢ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب. وهو كتابنا هذا الذي قامت شُهرة ابن العماد عليه، والذي نقوم بتحقيقه للمرة الأولى . ٣ - شرح بديعية ابن حجّة الحموي الشهيرة التي مطلعها: (١) قلت: وقد تحرّفت ((الفتوحي)) في ((هدية العارفين)) للبغدادي (٥٠٨/١) إلى ((التنوخي)) وهو خطأ، وتبعه على ذلك الأستاذ عمر رضا كحالة في ((معجم المؤلفين)) (١٠٧/٥) فيستدرك فيهما . (٢) انظر ((البديعيات)) لصديقنا الفاضل الأستاذ المحقّق علي أبو زيد ص (٩٤) و(١٩٦). ٨٩ لِيْ فِي ابْتِداءِ مَدْحِكُمْ يَا عُرْبَ ذِي سَلَمٍ بَرَاعَةٌ تَسْتَهِلُّ الدَّمْعَ فِي الْعَلَّمِ ٤ - معطية الأمان من حنث الأيمان. وهو في الفقه. ٥ - نزهة ذات العماد على تفسير العلّامة البيضاوي لسورة يس. وهو مخطوط في دار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم (٥٥٤٣)(١). ٦ - وله بعض الشعر(٢). (١) انظر ((فهرس مخطوطات الظاهرية)) (علوم القرآن الكريم) (٤٥٠/٣). (٢) انظر ((النعت الأكمل)) ص (٢٤٢ - ٢٤٨). ٩٠ مصادر ومراجع مختارة ١ - الأعلام: للعلامة الأستاذ خير الدين الزركلي، الطبعة الرابعة، دار العلم للملايين، بیروت ١٣٩٩ هـ. ٢ - البديعيات: للأستاذ علي أبو زيد، عالم الكتب، بيروت ١٤٠٣ هـ. ٣ - خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، للمحبي، مصوّرة دار صادر، بيروت بدون تاريخ. ٤ - فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية (علوم القرآن الكريم): للأستاذ صلاح محمد الخيمي، طبع مجمع اللغة العربية بدمشق ١٤٠٥ هـ. ٥ - معجم المؤلفين: للأستاذ عمر رضا كحالة، مطبعة الترقي، دمشق ١٣٧٦ هـ. ٦ - النعت الأكمل لأصحاب الإِمام أحمد بن حنبل: للشيخ محمد كمال الدين بن محمد الغزّي العامري، تحقيق وجمع الأستاذين محمد مطيع الحافظ، ونزار أباظة، دار الفكر، دمشق ١٤٠٢ هـ. ٧ - هَدْيَة العارفين: للبغدادي، مصوّرة مكتبة المثنى، بغداد بدون تاريخ. ٩١ : الفَصَْلِ الثَالِث القِيمَة الفنّة لِكِتَاب ◌َذَرَاتِ الذّهَب يعتبر هذا الكتاب من الوجهة الفنية من أهم مصنفات التاريخ العربي الإِسلامي المختصرة، وقد استطاع مصنفه أن يؤرّخ فيه أحداث القرون الهجرية العشرة الأولى، كالحروب، والغزوات، والمعارك، والولادات، والوفيات، وسِيّر الأعلام، وغير ذلك من الأحداث التي شهدها تاريخنا العربي الإسلامي خلال هذه الفترة الطويلة من عمر الزمن، باختصار من غير إخلالٍ ولا إطناب إلا فيما ندر. أضف إلى ذلك أنه يمتاز من غيره من كتب التاريخ بأمرين اثنين: أولهما: كونه يؤرّخ من السنة الأولى إلى سنة ألف للهجرة، الأمر الذي يجعله من أوسع كتب التاريخ الإسلامي المختصرة من جهة استيعابه لما يقرب من ثلاثة قرون زيادة على كتب التاريخ الأخرى كـ ((تاريخ الإِسلام)» للذهبي، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير، وغيرهما من مصنفات التاريخ. وثانيهما: صفة الحياد التي حاول المؤلف أن يتمسك بها في معظم المواطن التي ألمح فيها إلى الأحداث الأليمة التي شهدها التاريخ الإِسلامي، ولا سيما في القرن الأول الذي شهد العدد الكبير جداً من تلك الأحداث، ولا يخفى على الدارسين بأن صفة الحياد إن وُجدت لدى المؤرّخ فهي تعزّز الثقة بكلامه، وتجعل كتابه مصدر ثقة لكل باحث أو ناقل، والعكس بالعكس. ولا بدّ من الإِشارة أيضاً إلى تمكّن المؤلف - رحمه الله - من فهم ٩٢ النصوص القرآنية، والحديثية، والفقهية، وذلك ما يظهر واضحاً في أكثر من موطن من مواطن الكتاب، كما في قصص الظُّهار، وابن صيّاد، والتحكيم من هذا المجلد من الكتاب. وإنك لتجد فوائد في الكتاب فيما يتصل بتراجم الأعيان من المحدِّثين، والمؤرخين، والأدباء، والشعراء، والفرسان، والقادة، والأمراء، لا تجدها في غيره من المراجع إلّ بعد تتّع واستقراء كبيرين، لذلك إن اعتبر ابن العماد أحد المؤرخين المتأخرين الذين اعتمدوا على النقل واختصار الأحداث من مصنفات المؤرخين من العلماء السابقين لهم، إلا أن منهجيته في الاختصار والنقل والتدوين تكاد تكون هي المنهجية المُثلى لمن يريد التصنيف المختصر في أيٍّ من الموضوعات العلمية أو الأدبية في نظري. ولقد عُنِي المؤلّف في المقام الأول بذكر وفيات أعيان المحدِّثين من رجال القرون العشرة التي استوعبها كتابه، وإنك لو تصفّحت الكتاب كله لوجدت منهم العدد الكبير جداً، الأمر الذي يجعل الباحثين في كتب الحديث النبوي الشريف يستفيدون فوائد قيّمة من هذا الكتاب، لدى رجوعهم إلى طبعته المحقّقة هذه إن شاء الله . ولا بدّ لي من التنويه إلى أن المؤلف قد اقتصر على ذِكْر بعض الأحداث التي شهدها القرن الأول، وأغفل غيرها من الحوادث المهمة، الأمر الذي جعلني أُذْيِّلُ عليه في بعض المواطن، وأسجل بتعليقات مسبوقة بالنجوم أهم ما شهده هذا القرن من الحوادث التي ارتأيت أن تدوينها في الكتاب أمر ضروري لاستكمال ما فيه من النقص. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن المؤلف - رحمه الله - اعتمد على عدد كبير من الكتب والمصنفات التي لم يُشِر إليها في مقدمته لكتابه، ولا في معرض نقله عنها في المواطن التي أثبت النقول منها، وقد ظهرت لي أثناء العمل، ويمكن للقارىء الكريم أن يلحظ أسماء معظمها في الحواشي التي أثبتها في هوامش الصفحات. ٩٣ وهناك أمر مهم تجدر الإشارة إليه، وهو أن المؤلِّف لم يكن ممّن يعوّل على النقل من غير تدقيق ولا تمحيص، بل على العكس من ذلك نراه يناقش أصحاب الكتب التي نقل عنها مناقشة تثبت تعمّقه في فهم التأريخ، ونرى ذلك جليّاً في الردود التي أثبتها في كتابه على عددٍ من أصحاب الكتب التي نقل عنها، الأمر الذي يجعلنا نجزم بأن المؤلف كان أهلاً لتدوين حوادث هذه الفترة الزمنية الطويلة من التاريخ، لأنه كان صاحب مشاركة في العديد من العلوم العقلية منها والنقلية. وخلاصة القول: إن ((شذرات الذهب)) هو أحد كتب التاريخ الإِسلامي التي استوعبت التأريخ لهذا العدد الكبير من السنوات الهجرية من غير إخلال ولا إطناب إلا فيما ندر، وهو الكتاب الوحيد من كتب المؤلّف، الذي يمكن للمرء أن يقف من خلاله على المستوى الرفيع الذي كان عليه ابن العماد بين علماء عصره، وهو الكتاب الوحيد أيضاً الذي يمكنه أن يغني معظم القرّاء عن اقتناء الكثير من المصنفات فيما يتصل بالوفيات بشكل خاص والتراجم، والأحداث بشكل عام بعد اكتمال تحقيقه وطبعه إن شاء الله تعالى. ٩٤ الفصَل التَرَّابع عَمَلنَا فِي تحقِْقِ الكِتَاب إن أهم ما يُراد من تحقيق أيِّ كتاب من كتب تراثنا العربي الإِسلامي العظيم، هو الوصول به إلى جادة الصواب: قال ابن منظور: حَقِّ الأُمْرَ يُحِقُّهُ حقاً وأحَقَّهُ: كَانَ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ، تَقُولُ: حَقَقْتُ الأمر وأُحْقَقْتُهُ: إذا كنتَ على يقين منه(١). وقال أيضاً: وأَحْقَفْتُ الشَّيْءَ أَيْ أَوْجَبْتُهُ. وَتَحقَّقَ عِنْدَهُ الخَبَرُ، أَيْ صَحَّ. وحَقَّقَ قَوْلَهُ وَظَنَّهُ تَحِقِيْقاً، أيْ صَدَّقَ. وَكَلامٌ مُحَقَّقٌ، أَيْ رَصِينٌ، قالَ الرَّاجِزُ: (دَْ ذَا وَحَبِّرْ مَنْطِقاً مُحَقَّقًا))(٢) وفن التحقيق كما تعلمته على يدي والدي - حفظه الله - يتفق تمام الاتفاق مع ما قاله ابن منظور، فإن والدي علّمني بأن التحقيق يعني محاكمة النص الذي يُراد تحقيقه، بحيث لا يدع مَن يتصدى لتحقيق كتاب من الكتب كلمة أوردها المؤلّف دون أن يكون منها على يقين، وخاصة منها ما يحتمل التحريف والتصحيف والخطأ، كالآيات، والأحاديث، والأسماء، والكنى، والألقاب، وأسماء الأمصار، والأبيات الشعرية، والأمثال، والأقوال، وغير ذلك مما قد يرِد في نص المؤلف، وذلك لتقويم ما قد يقع فيه من الخطأ، واستدراك السَّقْط، لأن العلماء المتقدمين الذين خلفوا لنا هذا التراث العظيم هم مثلنا من بني (١) ((لسان العرب)) ((حقق)) (٩٤٠/٢). طبعة دار المعارف بمصر. (٢) المصدر السابق، ص (٩٤٢). ٩٥ البشر، وبنو البشر عرضة للخطأ والنسيان، مهما كان موقع أحدهم من أهل عصره. ومن ثم تخريج كل ما يحتاج إلى التخريج من الآيات، والأحاديث، وأبيات الشعر، والأمثال، والتعليق على المواطن التي لا بدّ من التعليق عليها، وتجنّب الإطناب في التعليق على المواطن التي لا فائدة من التعليق عليها، وخاصة في المصنفات التي يقتنيها الباحثون بشكلٍ عام، ثم فهرسة الكتاب(١). ولقد اجتهدت في أثناء خدمتي لهذا الكتاب في تحقيق هذا المنهج على أفضل وجه، وإن كنت لا أدّعي بأني قد اقتربت من صفة الكمال، لأن الله عزّ وجلّ يأبى إلّ أن يكون الكمال لكتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولا بدّ من الإِشارة إلى أن الذي حملني على العمل في تحقيق هذا الكتاب العظيم، هو ما وقع في طبعته السابقة المنتشرة من الخطأ، والسَّقْط، والتحريف، والتصحيف، وسوء الإِخراج، إضافة إلى أنها خَلَت من الضبط، والترقيم، والتخريج، الأمر الذي قلّل من إمكانية الاعتماد عليها من قبل الباحثين إلى حدَّ بعيد، فكان لا بدّ من العمل على إخراجه إخراجاً جديداً يليق به من (١) قلت: ويخطىء مَنْ يعتقد بأن التحقيق هو أن يقوم المرء بإخراج النص كما ورد في الأصل الخطّي أو أحد المصوّرات للكتاب الذي يتصدى لتحقيقه، مقتفياً في ذلك آثار المستشرقين الذين لا يحسن معظمهم فهم النصوص ناهيك عن تحقيقها. ولقد ظن البعض ممّن لا علم لديهم ولا ثقافة ممّن اقتحموا عالم تحقيق التراث عن غير أهلية، بأن المستشرقين هم الذين سبقوا المسلمين إلى العمل في فن التحقيق. والصواب أن الذي يقوم به معظم المستشرقين من العمل في كتب التراث العربي الإِسلامي إنما هو نشر لتلك الكتب، وليس تحقيقاً لها، وبين النشر والتحقيق فرق كبير. ولعلّ من أهمّ ما ينبغي أن يتصف به المحقّق هو فهم اللغة، أو الرجوع إلى المصادر التي تُعينه على فهمها في أسوأ الحالات، ومن أين للمستشرق أن يفهم لغةً شرع بتعلّمها في العشرين من عمره؟. وما ينبغي التأكيد عليه أخيراً هو أن فن التحقيق فنَّ نشأ وترعرع في بلادنا، ووضعت بـ أصوله وفروعه على أيدي علمائنا القدامى رحمهم الله، ولو نظر الباحث في كتب الرجال لوجد الكثير من العلماء موصوفين بـ المحققين. ٩٦ جهة الشكل والمضمون، إنصافاً له، ولمؤلفه العالم الكبير. وقد جرى العمل في تحقيق الكتاب - وهذا المجلد منه على وجه الخصوص - وفق ما يلي : ١ - قمت بقراءة المطبوع على والدي - المشرف على تحقيق الكتاب - وذلك لمقابلة المطبوع على الأصل، فصحّحنا الخطأ، والتحريف، والتصحيف الذي لحق بالنصوص، واستدركنا السَّقْط، وكنت في أثناء ذلك، أُدوِّن ملاحظات والدي القيّمة التي انحصرت بشكل أساسي فيما يتصل بضبط الأسماء، والأبيات الشعرية، والنصوص القرآنية منها والحديثية. ٢ - وبعد ذلك قمت بتفصيل النصوص، وترقيمها، وضبط الألفاظ التي رأيت أن ضبطها أمر ضروري، ولا سيما الآيات، والأحاديث، وأسماء الأعلام، والبلدان، والأبيات الشعرية، وغير ذلك مما يراه القارىء الكريم في أثناء مطالعته للكتاب، وقد استعنت في ذلك بكتب اللغة والرِّجال ودواوين الشعر. ٣ - وقمت بالتذييل على هذا الجزء من الكتاب بشكل خاص، وذلك في المواطن التي تبين لي بأن المؤلف اختصر فيها من إيراد الحوادث التي جرت إلى حدٍّ بعيد، فأثبتُّ ما صحَّ من الأخبار في عدد من المصادر بعد التحقيق فيها، أو ما رأيت أن هناك شبه إجماع من المؤرخين المتقدمين عليه، وهذا ما تطلّب منّي جهداً إضافياً، ووقتاً طويلاً لإِخراج هذا المجلد. ٤ - وقمت بترقيم الآيات، وتخريج أبيات الشعر من مصادرها بالقدر الممكن، وشرحت ما ورد في النصوص من الألفاظ الغريبة، وعلّقت على عدد من المواطن من الكتاب، وعرَّفت بعدد من الأعلام ممّن دَعَت الحاجة إلى التعريف بهم، ولا سيما الذين لم ترد لهم تراجم مستقلة في الكتاب، وتتبعت النقول التي وردت في الكتاب في مصادرها، فصحّحت ما وقع فيها من الخطأ، واستدركت ما حصل فيها من السَّقْط. ٩٧ ٥ - ثم قمت بكتابة هذه المقدمة التي اجتهدت في جعلها مقدِّمة تليق بهذا الكتاب العظيم وصاحبه بعد دراسة وإعداد طويلين. ومن ثم شرعت بتقديم مواد الكتاب إلى والدي حفظه الله على مراحل لكي يقوم بمراجعته وتخريج النصوص الحديثية الواردة فيه تمشياً مع المنهج الذي وضعته لتحقيق الكتاب، وقد أضاف - حفظه الله - إلى تعليقاتي على الكتاب عدداً من التعليقات جعلها مختومة بحرف (ع). بقي أن أشير إلى أننا اعتمدنا في تحقيق الكتاب على مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي تحت رقم (٣٤٦٥) عام، وعدد أوراقها (٥٤٦) ورقة بقياس (٣٠ × ٤٢) سم، وكل ورقة تتألف من صفحتين، وفي كل صفحة ثمانية وثلاثون سطراً، وفي كل سطر ما يقرب من ثماني عشرة كلمة، وقد جاء في آخر هذه النسخة الخطية ما يلي : وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة الشريفة صبيحة يوم الجمعة رابع عشر شهر شوّال، من شهور سنة خمس وثمانين وألف، على يد أحقر العباد، الفقير إلى الله تعالى شعبان بن عبد الله بن يوسف بن علي الشافعي الخزرجي، غفر الله له ولوالديه، ولمن دعا له بالمغفرة آمين. ونقلت هذه النسخة المباركة من خط مؤلفها بلَّغه الله مُناه، وجعل الجنة جزاه، وهي ثالث نسخة تمّت، فللَّه الحمد والمنّة، وصلى الله على مَن لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأحزابه وسلّم تسليماً كثيراً. وقيمة هذه النسخة تعود إلى نسخها عن نسخة المؤلف في حياته، ولعلها قوبلت عليه . وأرى من الواجب عليَّ أن أتقدم بجزيل الشكر والعرفان بالجميل إلى العالِم الكبير الأستاذ الدكتور شاكر الفحّام نائب رئيس مجمع اللغة العربية العامر بدمشق الذي أذِن لي بالحصول على مصوّرة النسخة الخطبة من الظاهرية، وشجَّعني على المضيّ في تحقيق الكتاب حين أطلعته على مقدمتي للكتاب، ٩٨ وعلى نماذج مما تمّ طبعه من هذا المجلد، حفظه الله ذخراً للعلم وطلبته في هذا البلد. ولقد كتبت إلى كل مَن أعلم أن في مقدوره مساعدتي في الحصول على مصوّرات لنسخ خطية أخرى من الكتاب، فجاءتني رسالة الأستاد الدكتور خالد عبد الكريم جمعة مدير معهد المخطوطات العربية في الكويت تُعلمني عن وجود نسختين خطيتين من الكتاب في دار الكتب المصرية في القاهرة جزاه الله تعالى خيراً، وقد تعذّر عليَّ الحصول على أيِّ من النسختين، ولكن عزائي كان في أن الأستاذ حسام الدين القدسي رحمه الله تعالى وأحسن إليه قد اعتمد في طبعته على النسختين المذكورتين، الأمر الذي حملني على اعتماد طبعته كأصل ثانٍ في العمل أثناء تحقيق الكتاب. وجاءتني أيضاً رسالة الأستاذ أحمد مشاري العدواني الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت تعلمني عن وجود نسخة من مخطوطات الكتاب في الهند، وعدد من الأوراق منه في ألمانيا، جزاه الله تعالى كل خير، وأقوم الآن بالسعي للحصول على النسختين المذكورتين . .. وبعد: فهذه هي أهم الأسس التي ارتكز عليها عملنا في تحقيق هذا المجلد من الكتاب، وحسبنا أننا بلغنا فيه ما استطعناه من الجودة والإتقان، فإن أحسنّا فذلك من توفيق الله عزّ وجلّ، وإن قصَّرنا وأخطأنا، فلسنا ممّن يدّعي العصمة، وإنّا لنرجو جميع العاملين بإخلاص على إحياء التراث العربي الإِسلامي على اختلاف اختصاصاتهم أن لا يبخلوا علينا بملاحظاتهم واستدراكاتهم، لأننا سوف نرحب بما يردنا منها، وسوف نذكر بالجميل أصحابها، فإن هذا الكتاب هو في نهاية الأمر إرث لأفراد الأمة جميعهم، والنصح للقائمين على تحقيقه وإخراجه هو نصح للناطقين بالعربية في مشارق الأرض ومغاربها . وختاماً أتوجه بالشكر الجزيل إلى والدي وأُستاذي المُحدِّث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، الذي كان لخبرته الواسعة في مضمار التحقيق أكبر الأثر في ظهور ٩٩ الكتاب على هذا الوجه الذي يسعد له فؤاد كل محبّ في الله، جزاه الله تعالى عنّي كل خير، وجعلني ممّن يترسمون خطاه ويسيرون على منواله. وأسأله تعالى أن يمدّ في عمره، وأن يجعله من الرِّجال الذين يجري النفع على أيديهم للمسلمين أجمعين. وأتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذ الدكتور خالد عبد الكريم جمعة المدير الفذ لمعهد المخطوطات العربية في الكويت، والمحبّب إلى نفوس العاملين بصدق على تحقيق ونشر ما ينفع الناس من تراث أمتنا، لتفضله بتقديم الكتاب، على الرغم من ازدحام أوقاته بأعمال هي في مردودها أنفع لأهل العلم دون شك، جزاه الله تعالى كل خير ونفع به وأعلى مقامه في الدُّنيا والاخرة . وإلى الأستاذ الدكتور عدنان درويش مدير إدارة إحياء التراث العربي بوزارة الثقافة الذي أفدت من ملاحظاته التي تناولت مقدمتي للكتاب لدى اطلاعه على تجربة طبعها الأولى، حفظه الله تعالى ونفع به. وإلى الأخ الصديق الأستاذ علي أبو زيد الذي أفدت من ملاحظاته أثناء عملي في تحقيق هذا المجلد، حفظه الله تعالى وزاده توفيقاً. وأرى من الواجب عليَّ أيضاً أن أذكر بالجميل الأخ الصديق الأستاذ علي مستو صاحب ((دار ابن كثير)) الذي بذل كل ما في وسعه لظهور هذا الكتاب على أحسن وجه من جهة الشكل والمضمون، وإني أسأل الله عزّ وجلّ أن يعوِّضه أضعاف ما أنفق من المال في طبعه هذا الكتاب وكل كتاب مما نشره في الماضي أو سينشره في المستقبل، لأنه والحقّ يُقال، من أفاضل الناشرين في أيامنا هذه، سدّد الله خطاه، وأنجح مسعاه، وأحسن مثوبته يوم القيامة. والأستاذ الفاضل محيي الدين مستو الذي شجعني على الاستمرار في تحقيق الكتاب، وكان من أسعد الناس بظهور هذا المجلد منه بهذا الاتقان لدى اطلاعه على تجارب طبعه الأولى، بارك الله فيه. ١٠٠