Indexed OCR Text

Pages 21-40

كان عالماً بالأنساب، واللغة، وأخبار العرب، ولد ونشأ في البصرة.
هذّب ((السيرة النبوية))، وسمعها من زياد البكَّائي صاحب ابن إسحاق،
وخفّف من أشعارها، وروى فيها مواضع عن عبد الوارث بن سعيد، وأبي عُبيدة.
وله كتاب ني ((المغازي))، وآخر اسمه ((التيجان لمعرفة ملوك الزمان».
وكان رحمه الله إماماً في النحو، والأنساب، وأخبار العرب، ويذكر لنا
الذهبي، وابن كثير، أنه حين جاء إلى مصر اجتمع به الشافعي، وتناشدا من
أشعار العرب أشياء كثيرة. وكان علامة أهل مصر بالعربية، والشعر.
مات سنة ثمان عشرة ومِئتین.
قلت: وقد قامت شهرته على تهذيبه لـ ((السيرة النبوية)) التي صنّفها ابن
إسحاق، حتى دعيت هذه ((السيرة)) بـ ((سيرة ابن هشام)) الأمر الذي جعل
العامة من الناس في هذا العصر يظنون أنها من تصنيفه، ناسين ما كان لابن
إسحاق من الفضل فيها، وهو الرائد الأول في هذا الفن تماماً كما أن تهذيب
الحافظ المزّي لكتاب ((الكمال في أسماء الرجال)) الذي صنّفه الحافظ عبد
الغني المقدسي قد قضى على فضل المقدسي في الكتاب في نظر البعض،
علماً بأن المقدسي هو السابق في الفضل لكثير من العلماء في عصره وبعد
عصره أيضاً في علم الرِّجال.
وقد طبع تهذيب ((السيرة النبوية)) المشار إليه عدة مرات، أفضلها التي
نشرت بتحقيق الأساتذة الأفاضل مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد
الحفيظ شلبي، وصدرت في مصر.
٤ - ابن سَعْد
هو محمد بن سعد بن منيع البغدادي، أبو عبد الله، كاتب الواقدي، مؤرّخ
من حفّاظ الحديث، صاحب ((الطبقات الكبرى)).
ولد سنة (١٦٨ هـ) بالبصرة، وطلب العلم في صباه، ولحق الكبار، وكان
من أوعية العلم.
٢١

سمع من: هشيم بن بشير، وابن عيينة، وأبي معاوية، وابن أبي فديك،
ووکیع، وأنس بن عیاض، وغيرهم.
وحدَّث عنه: أبو بكر بن أبي الدُّنيا، والحارث بن أبي أسامة،
والحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم، وغيرهم.
رحل إلى بغداد وأقام فيها ملازماً لأستاذه الواقدي يكتب له، حتى عُرف
بـ ((كاتب الواقدي))، وكانت له رحلة إلى المدينة، والكوفة، ولا ريب في أن
رحلته إلى المدينة تمّت قبل سنة (٢٠٠) هـ، فهو يذكر أنه لقي فيها بعض
الشيوخ عام (١٨٩) هـ كما أن أكثر الذين روى عنهم من أهلها أدركتهم المنّة
قبل مطلع القرن الثالث، وفي أثناء حلّه وترحاله كان شغله الشاغل هو لقاء
الشيوخ، وكتابة الحديث، وجمع الكتب، ولذلك اتصل بأعلام عصره من
المحدّثين، فروى عنهم، وقيد مرويّاته، وأفاد منها في تصنيف كتبه.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن ابن سعد فقال: صدوق، رأيته جاء
إلى القواريري وسأله عن أحاديث فحدَّثه.
وقال الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)): محمد بن سعد عندنا من أهل
العدالة، وحديثه يدلّ على صدقه، فإنه يتحرّی في كثير من مرویّاته.
مات ببغداد يوم الأحد لأربع خَلَون من جمادى الآخرة سنة (٢٣٠) هـ،
وهو ابن اثنتين وستين سنة.
قلت: وقد قامت شهرته على كتابه ((الطبقات الكبرى)) المعروف أيضاً
بـ ((طبقات ابن سعد))، وقد نشر هذا الكتاب على أيدي مجموعة من
المستشرقين الألمان، ولكن هذه النشرة تفتقر إلى التحقيق ودراسة الأسانيد
الواردة فيها .
٥ - خَلِيْفَةُ بنُ خَيَّاط
هو خليفة بن خياط العُصْفُري البصري، أبو عمرو، الملقب بـ ((شَبَاب))
٢٢

الإِمام المؤرخ العلّامة، صاحب ((التاريخ)) و((الطبقات)).
نشأ في البصرة في بيت علم، فقد كان جده أبو هبيرة خليفة بن خياط من
أهل الحديث، سمع الحديث من عمرو بن شعيب، وحميد الطويل، وروى عنه
محدّثون كبار، مثل: عمرو بن منصور، ووكيع بن الجراح، وأبي الوليد
الطيالسي، وذكر البخاري أن مسلماً حدّث عنه، ولعلّه مسلم بن إبراهيم
الفراهيدي البصري، أحد شيوخ البخاري المتوفى سنة (٢٢٢) هـ.
وذكر خليفة في ((الطبقات)) أن جدّه خليفة مات سنة (١٦٠)(١).
وقد سمع خليفة المترجم من أبيه، ويزيد بن زريع، وزياد بن عبد الله
البكّائي، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
وحدَّث عنه: البخاريُّ بسبعة أحاديث أو أزيد في ((صحيحه))، وبقيُّ بن
مخلد، وحرب الكرماني، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبو بكر بن أبي
عاصم، وغيرهم.
وكان صدوقاً، نسَّابةً، عالماً بالسِّير، والأيام، والرجال كما قال الذهبي.
وقال ابن عدي: هو صدوق من متيقظي الرواة.
وقال ابن حبّان: كان متقناً عالماً بأيامُ الناس وأنسابهم.
وقال ابن خلّكان: كان حافظاً عارِفاً بالتواريخ وأيام الناس، غزير الفضل.
ووصفه ابن كثير بأنه أحد أئمة التاريخ.
مات سنة (٢٤٠) هـ.
قلت: وقد قامت شهرته على كتابيه ((التاريخ)) و((الطبقات))، وكلاهما قام
بتحقيقه الأستاذ الدكتور سهيل زكَّار، ثُمَّ الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري،
وهما من الكتب الرائدة في التاريخ والرجال، ولقد عرفت لهذا المؤرّخ الكبير
فضله لدى رجوعي إلى كتابة ((التاريخ)) أثناء تحقيقي لهذا المجلد من الكتاب،
(١) انظر ((مشاهير علماء الأمصار)) لابن حبّان ص (١٥٧).
٢٣

فقد تأكد لي بأن اختصاره للتدوين يعود إلى أمانته وحذره رحمه الله.
٦ - البُخَارِ يُّ
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، أبو عبد الله،
الإِمام الكبير، صاحب ((الصحيح)) و((التاريخ الكبير)) وغيرهما.
ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَت من شوال سنة (١٩٤) هـ، ورحل
في طلب العلم إلى جميع محدّثي الأمصار، وكتب بخراسان، والجبال،
والعراق، والحجاز، والشام، ومصر، وأخذ الحديث عن مشاهير الحفّاظ،
منهم: مكّي بن إبراهيم البلخي، وعبدان بن عثمان المروزي، وعبيد الله بن
موسى العبسي، وأبو عاصم الشيباني، وورد على المشايخ وله إحدى عشرة
سنة، وطلب العلم وله عشر سنين. وأخذ عنه الحديث خلق كثير في كل بلدة
حدَّث بها.
ولما قَدِم بغداد، وسمع أصحاب الحديث بقدومه، اجتمعوا، وعمدوا إلى
مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإِسناد لإِسناد آخر،
وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفسٍ ، لكل رجل عشرة
أحاديث، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن
حديثٍ من تلك الأحاديث، فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال لا أعرفه،
حتى فرغ من العشرة، والبخاري يقول: لا أعرفه، فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنه
عارفٌ، وأمَّا غيرهم فلم يدركوا ذلك منه. ثم انتدب رجل آخر من العشرة،
فكان حاله معه كذلك، ثم انتدب آخر بعد آخر إلى تمام العشرة، والبخاري
لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه. فلما فرغوا، التفت إلى الأول منهم فقال: أما
حديثك، فهو كذا، والثاني كذا، على النسق إلى آخر العشرة، فرَدَّ كلَّ متن إلى
إسناده، وكل إسنادٍ إلى متنه، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، فأقرَّ الناس له
بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
وقال: خرَّجت كتاب ((الصحيح)) من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت
٢٤

فيه حديثاً إلا صليت ركعتين، وهو أول مَن وضع في الإِسلام كتاباً على هذا
النحو.
مات ليلة الفطر سنة (٢٥٦) هـ. وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر
يوماً.
قلت: وقد قامت شُهرته على كتابه ((الصحيح)) كما هو معلوم، ويأتي
بالمنزلة الثانية بعد ((الصحيح)) من كتبه كتابه ((التاريخ الكبير)) وقد تكلم فيه عن
رواة الحديث والآثار فأجاد وأفاد، جزاه الله تعالى عن المسلمين خير الجزاء،
وقد طبع بعناية العلامة المحقّق الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله،
وطبع في تركيا بدار مكتبة أزدمير بمدينة ديار بكر، وقد صدرت هذه الطبعة في
تسع مجلدات بعناية الدكتور محمد عبد المعيد خان.
٧ - ابنُ قُتَيْبَة
هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّيْنَوري، وقيل المَرْوَزِي، أبو عبد الله،
الإِمام العلامة الكبير، ذو الفنون، صاحب ((المعارف))، و((عيون الأخبار))،
و((أدب الكاتب))، وغير ذلك من المصنفات العديدة المفيدة.
ولد ببغداد سنة (٢١٣) هـ، وأخذ العلم بها عن: إسحاق بن راهَوَيْه،
ومحمد بن زياد بن عبيد الله الزيادي، وزياد بن يحيى الحساني، وأبي حاتم
السجستاني، وطائفة.
وأخذ العلم عنه: ابنه القاضي أحمد بن عبد الله، بديار مصر، وعبيد الله
السُّكَّري، وعبيد الله بن أحمد بن بكر، وعبد الله بن جعفر بن رستويه النَّحوي،
وغيرهم.
قال الذهبي: ليس ابن قتيبة بصاحب حديث، وإنما هو من كبار العلماء
المشهورين، عنده فنونٌ جمَّةٌ، وعلوم مهمة.
وقال قاسم بن أصبغ: كنا عند ابن قتيبة، فأتوه وبأيديهم المحابر، فقال:
٢٥

اللهمّ سلِّمنا منهم. فقعدوا، ثم قالوا: حدّثنا - رحمك الله - قال: ليس أنا ممّن
يُحدِّث، إنما هذه الأوضاع، فمن أحبَّ؟ قالوا له: ما يحلُّ لك هذا، فحدّثنا بما
عندك عن إسحاق بن راهويه، فإنه لا نجد فيه إلا طبقتك، وأنت عندنا أوثق.
قال: لست أُحدِّث. ثم قال لهم: تسألوني أن أُحدِّث وببغداد ثمانٍ مئة محدِّث،
كلهم مثل مشايخي!، لست أفعل. فلم يحدّثهم بشيءٍ.
وكان موته فُجَاءةً، وذلك سنة ست وسبعين ومائتين، وقيل: إنه أكل
هريسة، فأصابته حرارة، فصاح صيحة شديدة ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فما زال
یتشهد حتی مات.
قلت: وقد قامت شهرة ابن قتيبة على مجموعة من كتبه، ومن أهمها
الكتب المنوه عنها في صدر الترجمة. وقد طبع الأول منها مرتين، الأولى
بعناية الأستاذ محمد إسماعيل عبد الله الصاوي، وهي طبعة تجارية تفتقر إلى
التحقيق والضبط والتصحيح. والثانية بتحقيق وتقديم الأستاذ الدكتور ثروة
عكاشة، وهي طبعة جيدة. وطبع الثاني في دار الكتب المصرية، وهي طبع
جيدة، ولكنها تفتقر إلى المزيد من الخدمة والتحقيق. وطبع الثالث منها عدة
مرات، أفضلها التي صدرت عن مؤسسة الرسالة في بيروت بتحقيق الأستاذ
محمد أحمد الدالي .
٨ - الفَسَوِي
هو يعقوب بن سفيان بن جوان الفَسَوي، أبو يوسف، أحد الأئمة الكبار،
محدِّث بلاد فارس في عصره. صاحب ((المعرفة والتاريخ))، و((المشيخة)).
ولد في حدود سنة تسعين ومئة في دولة الرشيد ببلدة فَسَا(١)، وهي
(١) قال ياقوت: فَسًا: بالفتح والقَصْر، كلمة أعجمية، وعندهم ((بَسَا)) بالباء، وهكذا يتلفظون
بها، وأصلها في كلامهم: الشمال من الرياح؛ [وهي] مدينة بفارس أنزه مدينة بها فيما قيل،
بينها وبين شيراز أربع مراحل. ((معجم البلدان)) (٢٦٠/٤ - ٢٦١). ومن هنا نعت صاحب
الترجمة عند بعض العلماء بـ ((البَسَوي)).
٢٦
٠

حاضرة مقاطعة دار أبجرد في إقليم فارس، ولم تكن مدينة فَسًا من المراكز
العلمية في دراسة الحديث النبوي وعلومه في عصره، الأمر الذي جعله يرحل
إلى مراكز العلم في سنَّ مبكرة رغبة في سماع الحديث من أعلام المحدِّثين في
أمصار مختلفة، فسمع من أبي عاصم النبيل، وعبيد الله بن موسى، ومكِّي بن
إبراهيم، وأبي عبد الرحمن المقرىء، وغيرهم.
وحدَّث عنه: أبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي،
وإبراهيم بن أبي طالب، والحسن بن سفيان الفَسَوي، وغيرهم.
وقد حظي بتقدير العلماء، وكبار النقاد من أعصُر مختلفة وبيئات عديدة،
فقال أبو زُرْعة الدمشقي: كان نبيلاً جليل القدر. ووصفه ابن حبّان البستي
بالورع والنسك والصلابة في السُّنّة. وقال عنه أبو عبد الله الحاكم النيسابوري
صاحب ((المستدرك)): هو إمام أهل الحديث بفارس. ووثّقه ابن حجر في
((التقريب)). وقال ابن العماد: كان ثقة بارعاً عارفاً ماهراً.
مات سنة سبع وسبعين ومائتين.
قلت: وقد طبع كتابه ((المعرفة والتاريخ)) طبعة متقنة بتحقيق الأستاذ
الدكتور أكرم ضياء العمري في ثلاثة مجلدات في العراق أول الأمر، ثم صدرت
طبعته الثانية عن دار مؤسسة الرسالة في بيروت منذ سنوات قليلة.
٩ - أبو زُرْعَةَ الدِّمَشْقي
هو عبد الرحمن بن عمروبن عبد الله بن صَفوان بن عمرو النَّصْري
الدمشقي، أبو زرعة، الإِمام الصادق، محدِّث الشام في عصره، صاحب
((التاريخ))، وغير ذلك من التصانيف.
ولد قبل سنة مئتين، وروى عن أبي نُعَيْم الفضل بن دكين، وهَوْذَة بن
خليفة، وعفان بن مسلم، وأبي مسهر الغَسَّاني، وغيرهم.
وحدّث عنه: أبو داود في ((سننه))، ويعقوب الفَسَوي، وأحمد بن المعلَّى
٢٧

القاضي، وأبو بكر بن أبي داود، وغيرهم.
وقد جمع، وصنّف، وذَاكَرَ الحفّاظ، وتميّز، وتقدّم على أقرانه لمعرفته
وعلوِّ سنده.
١
قال الذهبي: لمّا قدِم أهل الرَّيِّ إلى دمشق أعجبهم علم أبي زرعة،
فكَنَّوا صاحبهم الحافظ عبيد الله بن عبد الكريم بكنيته.
وقال ابن ناصر الدين: عَلَم، حافظ، ثَبْت.
مات سنة إحدى وثمانين ومئتين(١).
قلت: و((تاريخه)) منشور في ((مجمع اللغة العربية)) بدمشق في مجلدين
بتحقيق الأستاذ شكر الله بن نعمة الله القوجاني، وهي نشرة جيدة متقنة.
١٠ - أَبُو حَنِيْفَةَ الدِّينَوَرِي
هو أحمد بن داود بن وَنْد الدينوري، أبو حنيفة، الإِمام المؤرّخ،
المهندس، النباتي، أحد نوابغ الدهر، صاحب ((الأخبار الطِوال))، وغير ذلك من
المصنفات .
ولد في مدينة الدينور من أعمال الجبال بأرض فارس(٢)، ونشأ في أسرة
من أصل فارسي، وقد عاش معظم حياته في تلك المدينة، وأمضى شبابه في
الرحلات، وقادته هذه الرحلات إلى بلاد ما بين النهرين، ثم امتدت به أسفاره
إلى المدينة المنورة، وإلى بيت المقدس، وإلى شواطىء الجزيرة العربية من
جهة الخليج، فعاش في هذه البلدان فترات مختلفة، ثم انتقل إلى أصفهان سنة
(٢٣٥) هـ وعاش بها مدة، اشتغل فيها برصد الكواكب.
قال أبو حيّان: الذي أقوله وأعتقده، وآخذ به، وأُسْتَهام عليه، أني لم أجد
(١) وهو ما ذكره الذهبي في ((سير أعلام النبلاء))، وابن العماد في ((شذرات الذهب))، وقيل غير
ذلك.
(٢) انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٥٤٥/٢).
٢٨

في جميع مَنْ تقدم وتأخر إلا ثلاثة، لو اجتمع الثَّقلان على تقريظهم ومدحهم
ونشر فضائلهم في أخلاقهم، وعلمهم، ومصنفاتهم، ووسائلهم مدى الدُّنيا إلى
أن يأذن الله بزوالها، لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم، أحدهم عمرو بن
بحر، والثاني أبو حنيفة بن داود الدينوري، فإنه من نوادر الرجال، جمع بين
حكمة الفلاسفة، وبيان العرب، له في كل فنٌّ ساق وقدم، ورواء وحكم.
وأما الثالث فهو أبو زَيْد البلْخي .
نعم لقد كان أبو حنيفة عالِماً في شتى العلوم والمعارف، حباه الله بعقلية
علمية واسعة، واستوعبت معارف كثيرة انفرد بها عن علماء فترته وما تلاها ممّن
كان لهم شأن في تاريخ الأدب العربي، وعلوم اللغة، فلقد كان أبو حنيفة عالِماً
في كثيرٍ من فروع العلم، وكان دائماً مجدّداً، وظل مع كل هذا مبدعاً دون
تكرار عن أسلافه ومعاصریه .
مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
وكتابه ((الأخبار الطوال)) من أهم المصادر التاريخية الأولى، وغَايَةٌ في سرد
حوادث الحياة المعاشية، والسياسية، والحربية عند الفرس، وفي الإِبانة عن
الأحداث الدقيقة في الدولة الإِسلامية حتى عهد الخليفة العباسي
المعتصم بالله، وقد طبع في مصر بتحقيق الأستاذ عبد المنعم عامر، ومراجعة
الدكتور جمال الدين الشيّال، وهي طبعة جيدة متقنة منتشرة.
١١ - الطَّبَري
هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، أبو جعفر، الإِمام المؤرّخ
المفسّر الكبير صاحب ((التفسير))، و((التاريخ)) ..
ولد في آمُل(١) طَبَرِسْتان سنة أربع وعشرين ومئتين، وطلب العلم بعد
(١) انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٥٧/١).
٢٩

الأربعين ومئتين، وأكثر الترحال، ولقي نبلاء الرِّجال، وكان من أفراد الدَّهر
علماً، وذكاءً، وكثرة تصانيف، قلَّ أن ترى العيون مثله.
وسمع من محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، وإسماعيل بن موسى
السُّدِّي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، ومحمد بن أبي معشر، وغيرهم.
وحدَّث عنه: أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحَرَّاني - وهو أكبر منه -،
وأبو القاسم الطَّراني، وأحمد بن كامل القاضي، وأبو بكر الشّافعي، وأبو
أحمد بن عدي، وغيرهم كثير.
واستقرّ في أواخر أمره ببغداد، وكان من كبار أئمة الاجتهاد.
قال الخطيب البغدادي: كان محمد بن جرير أحد أئمة العلماء، يُحكم
بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه
فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظاً لكتاب الله تعالى، عارفاً بالقرآآت، بصيراً
بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالِماً بالسُّنن وطرقها، صحيحها وسقيمها،
وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين، عارفاً بأيام الناس
وأخبارهم(١).
وقال الذهبي: كان ثقةً، صادقاً، حافظاً، رأساً في التفسير، إماماً في الفقه
والإِجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفاً بالقراءات وباللغة،
وغير ذلك.
قال ابن خزيمة: ما أعلمُ على الأرض أعلمَ من محمد بن جرير.
ووصفه ابن العماد بالحَبْر، البحر، الإِمام.
مات سنة عشر وثلاثمئة، وقد رثاه ابن دريد بقصيدة مطوّلة، منها قوله:
لَوْ تَعْلَمُ الأَرْضُ مَنْ وَارَتْ لَقَدْ خَشَعَتْ
أَقْطارُهَا لَكَ إِجْلالاً وَتَرْحِيْبَا
(١) وقد اقتبس السمعاني كلام الخطيب هذا في ((الأنساب)) (٢٠٥/٨) وزاد عليه، فراجعه.
٣٠
أ
أ

إِنْ يَنْدُبُوكَ فَقَدْ ثُلَّتْ عُرُوشُهُمُ
وَأَصْبَحَ العِلْمُ مَرْئِيَّاً وَمَنْدُوبَا
وَمِنْ أَعَاجِيْبِ مَا جَاءَ الزَّمَانُ بِهِ
وَقَدْ يُبِيْنُ لَنَا الدَّهْرُ الْأَعَاجِيْبًا
أَنْ قَدْ طَوَتْكَ غُمُوضُ الأَرْضِ فِي لَحَفٍ
وَكُنْتَ تَمْلُ مِنْهَا السَّهْلَ واللُّوبا
قلت: وقد قامت شهرته على كتابيه ((التاريخ))، و((التفسير))، وقد طبع
الأول منهما في مصر طبعة متقنة في دار المعارف بتحقيق المحقق المعروف
الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم.
وطبع من الثاني ستة عشر مجلداً في دار المعارف أيضاً، وقد تولى
تحقيقها العالِم المحقّق الأستاذ محمود محمد شاكر، بإشراف شقيقه العلّامة
المحقّق الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله في أجزائه الأولى، ثم انفرد
بتحقيقه في بقيتها. ونسأل الله عزّ وجلّ أن يُلهِم محقّقه متابعة تحقيق ما بقي من
أجزائه، إنه تعالى خير مسؤول.
١٢ - ابنُ أبي حَاتِم
هو عبد الرحمن بن محمد بن إِذْريس بن المنذر بن داود بن مهران الرَّازي
الحنظلي الغطفاني، أبو محمد، المعروف بابن أبي حاتم، لأن كنية أبيه أبو
حاتم. صاحب كتاب ((الجرح والتعديل))، وغير ذلك من المصنفات المشهورة.
ولد سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين بالرَّيِّ، ولم يدعه أبوه الإِمام
العالِم الكبير أبو حاتم الرازي يطلب الحديث حتى قرأ القرآن على الفضل بن
شاذان، وهو من العلماء المقرئين، ثم شرع في الطلب على أبيه، وعلى الإِمام
أبي زُرْعة الرازي، وغيرهما من محدّثي بلده الرَّي.
قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الرازي في ترجمة عملها لابن أبي حاتم:
٣١

كان رحمه الله قد كساه الله نوراً وبهاءً، يُسَرُّ مَنْ ينظر إليه. سمعته يقول: رحل
بي أبي سنة خمس وخمسين ومئتين، وما احتلمتُ بعد، فلما بلغنا ذا الحليفة
احتلمت، فسُرّ أبي، حيث أدركت حجة الإِسلام، فسمعت في هذه السنة من
محمد بن أبي عبد الرحمن المقرىء.
قال الذهبي: وسمع من أبي سعيد الأشج، والحسن بن عرفة،
والزعفراني، ويونس بن عبد الأعلى ... وخلائق من طبقتهم وممّن بعدهم
بالحجاز، والعراق، والعجم، ومصر، والشام، والجزيرة، والجبال.
وروى عنه: ابن عدي، وحسين بن علي التميمي، والقاضي يوسف
الميانجي، وأبو الشيخ بن حيَّان، وأبو أحمد الحاكم، وعلي بن عبد العزيز بن
مردك ... وخلق سواهم.
وقال أبو يعلى الخليلي: أخذ أبو محمد علم أبيه، وأبي زُرْعة، وكان
بحراً في العلوم ومعرفة الرِّجال. وقال أيضاً: يقال: إن السُّنّة بالرَّي ختمت بابن
أبي حاتم.
قال الذهبي: ومن كلامه قال: وجدت ألفاظ التعديل والجرح مراتب، فإذا
قيل: ثقة، أو متقن، احتُجَّ به، وإن قيل: صدوق، أو مَحَلَّه الصدق، أو لا بأس
به، فهو ممّن يُكتب حديثه، ويُنظر فيه، وهي المنزلة الثانية، وإذا قيل: شيخ،
فیکتب حديثه، وهو دون ما قبله، وإذا قيل: صالح الحديث، فیکتب حديثه وهو
دون ذلك يكتب حديثه للاعتبار، وإذا قيل: لَّيِّن، فدون ذلك، وإذا قالوا:
ضعيف الحديث، فلا يُطرح حديثه، بل يعتبر به، فإذا قالوا: متروك الحديث،
أو ذاهب الحدیث، أو كذّابٌ، فلا یکتب حديثه.
مات سنة سبع وعشرين وثلاث مئة بالرَّي، وله بضع وثمانون سنة .
قلت: وقد قامت شهرته على كتابه ((الجرح والتعديل)) وهو مطبوع في
حيدر أباد بالهند في تسع مجلدات بعناية العلّامة المحقّق الشيخ عبد الرحمن
المعلمي اليماني طيّب الله ثراه.
٣٢

١٣ - المَسْعُودي
هو علي بن الحسين بن علي المسعودي، أبو الحسن، من ذريَّة
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، صاحب ((أخبار الزمان ومن أباده الحدثان)»
و((مروج الذهب)) وغير ذلك من المصنفات التاريخية المتنوعة.
ولد في بغداد(١) وأخذ العلم فيها وفي غيرها من الأمصار. ورحل في
الآفاق إلى أن حطَّتْ رحاله في مصر، فأقام فيها إلى أن مات.
قال الذهبي: وكان أخباريّاً، صاحب مُلَحٍ وغرائب وعجائب وفنون،
وكان مُعْتَزلياً، أخذ العلم عن أبي خليفة الجمحي، ونفطويه، وعدَّة.
وقال ابن حجر: ذكره ابن دحية في ((كتاب صفين)) فقال: مجهول لا
یعرف، ونکرة لا يتعرف، كذا قال ولم يصب.
قال الذهبي: مات في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وثلاث مئة.
وذكر غيره بأنه مات سنة ست وأربعين وثلاث مئة.
قلت: وقد قامت شهرة المسعودي على كتابيه المشار إليهما في صدر
الترجمة، وقد ذكر الزركلي رحمه الله بأن كتابه ((أخبار الزمان)) يقع في ثلاثين
مجلداً بقي منه الجزء الأول مخطوطاً، ولم يذكر مكان وجوده. وأما كتابه («مروج
الذهب)) فقد طبع أول مرة في باريس بفرنسا في تسع مجلدات من الحجم
الصغير، ولكن آفة هذه الطبعة أنها قدمت إلى القرّاء وكتبت هوامشها باللغة
الفرنسية الأمر الذي قلل من إمكانية الفائدة منها. وطبع للمرة الثانية في
بيروت بتحقيق المستشرق شارل بلا، وقد صدرت هذه الطبعة في أربعة
مجلدات. ثم طبع في المكتبة التجارية الكبرى في مصر بتحقيق العلامة
المحقق الشيخ محمد محيي الدِّين عبد الحميد رحمه الله تعالى، وقد
صدرت هذه الطبعة في أربعة مجلدات أيضاً، وهي أفضل طبعة صدرت من
الكتاب، وهذا الكتاب هو أحد مصادر ابن العماد في كتابه .
(١) ونسبه النديم في ((الفهرست)) ص (١٧١) من طبعة الأستاذ رضا تجدد إلى المغرب.
٣٣

١٤ - ابنُ حِبَّان
هو محمد بن حِبَّن بن أحمد بن حبّان التميمي البُسْتي، أبو حاتم، الإِمام
العلّامة، شيخ خراسان في عصره، صاحب ((الصحيح))، و((مشاهير علماء
الأمصار))، وغيرهما من المصنفات المشهورة. ولد سنة بضع وسبعين ومئتين في
بُسْت من إقليم سجستان، وتنقل في الأقطار، فرحل إلى خراسان، والشام،
ومصر، والعراق، والجزيرة، ونيسابور، والبصرة، وغير ذلك من الأمصار.
وأكبر شيخ لقيه أبو خليفة الفضل بن الحُباب الجمحي، سمع منه
بالبصرة، ومن زكريا السَّاجي، وسمع بمصر من أبي عبد الرحمن النسائي،
وإسحاق بن يونس المنجنيقي، وعدّة، وبالموصل من أبي يعلى أحمد بن علي،
وبنَسَا من الحسن بن سفيان، وبجرجان من عمران بن موسى بن مجاشع
السَّختياني، وببغداد من أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصُّوفي وطبقته،
وبدمشق من جعفر بن أحمد، ومحمد بن خريم، وخلق، وفي غير ذلك من
الأمصار.
وحدَّث عنه: أبو عبد الله بن مندة، وأبو عبد الله الحاكم، ومنصور بن
عبد الله الخالدي، وأبو معاذ عبد الرحمن بن محمد بن رزق الله السجستاني،
وغيرهم.
قال أبو سعد الإِدريسي: كان على قضاء سمرقند زماناً، وكان من فقهاء
الدِّين، وحفّاظ الآثار، عالِماً بالطب، والنجوم، وفنون العلم، صنّف ((المسند
الصحيح))(١)، وكتاب ((التاريخ))، وكتاب ((الضعفاء))، وفقًه الناس بسمرقند.
وقال الحاكم: كان ابن حبّان من أوعية العلم في الفقه، واللغة،
والحديث، والوعظ، ومن عقلاء الرجال.
وقال الخطيب البغدادي: كان ابن حبّان ثقة نبيلاً فَهِماً.
وقال ابن العماد: كان حافظاً، ثَبْتاً، إماماً، حجّة، أحد أوعية العلم.
(١) وهو المعروف أيضاً بكتاب ((الأنواع والتقاسيم)).
٣٤

قال السمعاني: مات في شوّال سنة أربع وخمسين وثلاثمئة، ودفن بيست
في الصُّفَّة التي ابتناها بقرب داره التي هي اليوم مدرسة لأصحابه، ولهم جرايات
يستنفقونها .
قلت: وقد قامت شُهرته عند أهل العلم على كتابه ((المسند الصحيح))
الذي رتبه الأمير علاء الدين علي بن بلْبان الفارسي المتوفى سنة (٧٣٩) هـ،
وهو الذي يطبع في مؤسسة الرسالة في بيروت، وقد صدر المجلد الأول منه
بتحقيق الأستاذ حسين سليم الأسد، والشيخ شعيب الأرناؤوط.
وعلى كتابه الآخر ((مشاهير علماء الأمصار)) المطبوع بعناية المستشرق
الألماني الدكتور مانفريد فلايشهمر، وهي طبعة سقيمة تفتقر إلى الضبط،
والتحقيق، وجمال الإِخراج، وقد صدرت في مصر.
١٥ - أَبُو نُعَيْم الأَصْبَهَاني
هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران المهراني
الأصبهاني، أبو نعيم، الإِمام الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب «حلية الأولياء
وطبقات الأصفياء))، و((دلائل النبوة))، و((معرفة الصحابة))، وغير ذلك من
المصنفات المفيدة النافعة.
ولد في أُصْبَهَان سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأخذ العلم عن جمهرة كبيرة
من العلماء الأعلام، وأخذ العلم عنه طائفة كبيرة من أهل العلم.
وقد تضاربت الآراء فيما يتصل بتوثيقه وضعفه عند أصحاب السِّير
والتراجم، وإليك البعض مما قالوه:
قال ابن ناصر الدِّين: لا يلتفت إلى قول من تكلم فيه لأنه صدوق عمدة.
وقال الخطيب البغدادي: لم أرَ أحداً أطلق عليه اسم الحفظ غير أبي
نعيم، وأبي حازم.
وقال مردويه: لم يكن في أفق من الآفاق أحفظ ولا أسند منه.
٣٥

وقال ابن العماد: تفرّد في الدُّنيا بعلو الإِسناد، مع الحفظ والاستبحار في
الحدیث وفنونه.
وقال ابن كثير: قال الخطيب البغدادي: كان أبو نُعيم يخلط المسموع له
بالمجاز، ولا يوضّح أحدهما من الآخر.
وقال أيضاً: قال عبد العزيز النَّخْشَبي: لم يسمع أبو نعيم ((مسند الحارث بن
أبي أسامة)) من أبي بكر بن خلّد بتمامه، فحدَّث به كله.
وقال ابن الجوزي: سمع الكثير، وصنّف الكثير، وكان يميل إلى مذهب
الأشعري في الاعتقاد ميلاً كثيراً.
توفي في الثامن والعشرين من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة.
قلت: وقد قامت شهرة الرجل على كتابه الكبير الشهير ((حلية الأولياء))
الذي قال فيه ابن ناصر الدِّين: لما صنّف [أبو نُعيم] كتاب ((الحلية)) حملوه إلى
نيسابور، فبيع بأربعمائة دينار.
وقال ابن كثير: دلّت ((حلية الأولياء)) على اتساع روايته، وكثرة مشايخه،
وقوة اطلاعه على مخارج الحديث، وشعب طرقه.
وقد طبعت ((الحلية)) منذ عهد بعيد طبعة تجارية تفتقر إلى التحقيق
والتخريج والإِخراج اللائق بها، وقد صوِّرت تلك الطبعة مرات كثيرة فيما بعد.
وأما كتابه ((دلائل النبوّة)) فقد طبع مرتين، الأولى طبعة تجارية في مجلد
واحد، والثانية علمية جيدة، تولى تحقيقها الدكتور محمد رواس قلعجي،
وخرَّج أحاديثها الأستاذ عبد البرّ عباس، وقد صدرت مصوّرة جديدة عن هذه
الطبعة عن دار ابن كثير بدمشق، والمكتبة العربية بحلب.
وأما كتابه ((معرفة الصحابة)) فهو مخطوط، قال الزركلي: بقيت منه
مخطوطة في مجلدين، عليها قراءة سنة (٥٥١ هـ) في مكتبة أحمد الثالث
بطوبقبو سراي باستانبول رقم (٤٩٧) كما في مذكرات الميمني.
٦
٣٦

١٦ - ابن حَزْم
هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، أبو محمد، عالم الأندلس
في عصره، وأحد الأئمة الإِسلام، صاحب ((المحلّى))، و((جمهرة أنساب
العرب))، وغيرهما من المصنفات الكثيرة النافعة.
ولد بقرطبة من بلاد الأندلس في شهر رمضان سنة (٣٨٤) هـ، ونشأ في
نعمة سابغة، وجاوٍ عريض، وكانت له ولأبيه من قبله رياسة الوزارة وتدبير
المملكة، فزهد بها وانصرف إلى العلم والتأليف، فكان من صدور الباحثین،
فقيهاً، حافظاً، يستنبط الأحكام من الكتاب والسُّنّة، بعيداً عن المصانعة.
وكان إليه المنتهى في الذكاء، والعربية، والآداب، والمنطق، والشعر،
مع الصدق، والديانة، والحشمة، والسؤدد، والرياسة، والثروة، وكثرة الكتب.
قرأ ابن حزم على أبي عمر أحمد بن الحسين، ويحيى بن مسعود، وأبي
الخيار مسعود بن سليمان الظاهري، ويونس بن عبد الله القاضي، ومحمد بن
سعيد بن ساني، عبد الله بن الربيع التميمي، وعبد الله بن يوسف بن نامي،
وغيرهم.
وروى عنه أبو عبد الله الحميدي صاحب ((جذوة المقتبس)) فأكثر الرواية
عنه، كما روى عنه بالإجازة سريج بن محمد بن سريج المقبري، فكان خاتمة
مَنْ روی عنه.
ونشر علمه بالمشرق ولده أبو رافع، كما روى عنه ابناه: أبو أسامة
يعقوب، وأبو سليمان المصعب، وممّن تتلمذ له الوزير الإِمام أبو محمد بن
المغربي، صحبه سبعة أعوام سمع فيها جُلّ مصنفاته، واستمرت قراءته عليه إلى
سنة وفاته .
قال الغزالي: وجدت في أسماء الله تعالى كتاباً لأبي محمد بن حزم يدلّ
على عظم حفظه، وسيلان ذهنه.
وقال ابن صاعد في ((تاريخه)): كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة
٣٧

العلوم الإِسلام، وأوسعهم مع توسّعه في علم اللسان، والبلاغة، والشعر،
والسِّيَر، والأخبار.
وقال ابن خلِّكان: كان حافظاً، عالِماً بعلوم الحديث، مستنبطاً للأحكام
من الكتاب، والسُّنَّة ... وكان متفتناً في علوم جمّة، عاملاً بعلمه، زاهداً في
الدُّنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير المُلْك،
متواضعاً ذا فضائل وتآليف كثيرة.
ولكنه كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد أحد يَسلَم من
لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستملل من فقهاء وقته، فمالوا على بغضه، وردّوا
قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا
عوامَّهم عن الدنوّ إليه، والأخذ عنه، فأقصته الملوك، وشرّدته عن بلاده.
وقال ابن العريف: كان لسان ابن حَزْم، وسيف الحجّاج شقيقين.
مات مشرداً عن بلده من قِبَل الدولة ببادية لَبْلَة(١) بقرية له، ليومين بقيا من
شعبان سنة ست وخمسين وأربعمئة.
قلت: وقد اشتهر ابن حزم بكتابيه ((المحلى)) وهو في الفقه، وقد نشر في
مصر، وقام بتحقيقه العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر، والشيخ عبد الرحمن
الجزيري، وأتمه الشيخ محمد منير الدمشقي، وقد صدر في أحد عشر مجدداً.
و((جمهرة أنساب العرب)) وهو من خيرة كتب الأنساب، وقد نشر في دار
المعارف بمصر عام ١٣٨٢ هـ بتحقيق الأستاذ المحقّق عبد السلام محمد
هارون، وهي طبعة جيدة متقنة مفهرسة.
١٧ - الْخَطِيْبُ البَغْدَادي
هو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، أبو بكر،
(١) انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (١٠/٥)، و((الروض المعطار)) للحميري ص (٥٠٧ - ٥٠٨).
٣٨

المعروف، بالخَطِيْب(١)، أحد الأئمة الأعلام، وصاحب التآليف المنتشرة في
الإِسلام، وأشهرها ((تاريخ بغداد)) و((الكفاية في علم الرواية))، و((شرف أصحاب
الحديث))، و((اقتضاء العلم العمل))، وغير ذلك من المصنفات.
ولد في شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة في غزية بمنتصف
الطريق بين الكوفة ومكة، ونشأ في بغداد، ورحل إلى البصرة، وأصبهان،
وخراسان، والحجاز، والشام، والكوفة، والدينور، وغير ذلك من الأمصار،
وشيوخه أكثر من أن يذكروا، منهم القاضي أبو الطيب الطبري، وأبو الحسن
المحاملي، وأبو عمر بن مهدي، وابن الصلت الأهوازي.
قال السَّمْعَاني: كان إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة،
صنّف قريباً من مائة مصنَّف صارت عمدةً لأصحاب الحديث.
وقال الأمير ابن ماكولا: كان أحد الأعيان ممّن شاهدناه: معرفة، وحفظاً،
وإثباتاً، وضبطاً لحديث رسول الله وَله، وتفنناً في علله وأسانيده، وعلماً
بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره، قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني
مثله .
وقال ابن الأهدل: تصانيفه قريب من مائة مصنف في اللغة، وبرع فيها،
ثم غلب عليه الحديث والتاريخ.
وقال أبو علي البرداني: لعلّ الخطيب لم يرّ مثل نفسه.
قال ابن عساكر: سمعت الحسين بن محمد يحدّث عن أبي الفضل بن
خيرون أو غيره، أن الخطيب ذكر أنه لما حجّ شرب من ماء زمزم ثلاث شربات،
وسأل الله ثلاث حاجات، أخذاً بالحديث: ((ماء زمزم لما شرب له))(٢).
الحاجة الأولى: أن يحدِّث بتاريخ بغداد بها(٣).
(١) وهذه النسبة إلى الخطابة على المنابر.
(٢) وهو حديث صحيح (ع).
(٣) لفظة ((بها)) سقطت من ((طبقات الحفاظ)) للسيوطي صفحة (٣٢٥) بتحقيق الأستاذ علي محمد
عمر، وانظر ((تذكرة الحفّاظ)) للذهبي (١١٥٩/٣).
٣٩

الثانية: أن يُملي الحديث بجامع المنصور.
الثالثة: أن يدفن عند بِشْر الحافي.
فقضى الله له ذلك .
وقال أبو الحسن الهمذاني: مات هذا العلم (١) بوفاة الخطيب، وقد كان
رئيس الرؤساء(٢) تقدم إلى الوعاظ والخطباء ألّ يرووا حديثاً حتى يعرضوه على أبي
بكر، وأظهر بعض اليهود كتاباً بإسقاط النبيِّ وَّ الجزية عن الخيابرة، وفيه
شهادة الصحابة، فعرضه الوزير على أبي بكر فقال: هذا مزوَّر، قيل: من أين
قلت هذا؟ قال: فيه شهادة معاوية، وهو أسلم عام الفتح بعد خيبر، وفيه شهادة
سعد بن معاذ، ومات قبل خیبر بسنین.
ومات الخطيب في السابع من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربع
مئة .
قلت: وقد قامت شهرته على كتابه (تاريخ بغداد)) وهو كتاب عظیم جليل
القدر يضمّ سبعة آلاف وثمانمئة وثلاثةً وستين ترجمةً كما ذكر الأستاذ الدكتور
أكرم ضياء العمري في مؤلفه النافع ((موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد))
ص (٨٧)، وقد طبع ((تاريخ بغداد)) في مطبعة السعادة في مصر سنة
(١٣٤٩) هـ، وصدر في أربعة عشرة مجلداً(٣).
(١) أي فن الحديث النبوي.
(٢) في ((طبقات الحفّاظ)) للسيوطي: ((رئيس الخطباء)).
(٣) قال الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه ((موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد))
حاشية الصفحة (٨٧) ما ملخصه: في طبعة ((تاريخ بغداد)) المشار إليها سقط كثير، وأخطاء
متعددة، منها ما يتعلق بتصحیف الأسماء وقلبها، واختلاط إسناد رواية بإسناد رواية أخرى،
مع سقط الرواية الأولى، أو سقوط اسم وسط السند، وغير ذلك.
قلت: وأنا أسأل الله تعالى أن يلهم الأستاذ الدكتور أكرم العمري أن يتصدى لمهمة
تحقيق هذا الكتاب العظيم سيّما وقد درسه وسبر غوره ووقف على ما فيه من الأغلاط لدى
إعداده لكتابه المشار إليه، إنه تعالى خير مسؤول.
٤٠