Indexed OCR Text

Pages 541-560

وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ .. وإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِى سَفَرَةٍ. كرِاَمٍ بَرَرَةٍ﴾ (٢) ..
وقوله عزَّ وجلّ: ﴿وإنّ عليكمْ لَحَافِظِينَ. كرامًا كَاتِبِينَ ﴾ (٣) إلى غير ذلك من
الآياتِ .
السادس : فى كَثْرتهم :
قال الله سبحانَهُ وتعالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّ هُوَ﴾ (٤) ..
روَى البَزَّارُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَنْدة فى كتاب: ((الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ)) عن ابنِ عُمَر
رَضىَ الله تعالَى عنْهما، قالَ: ((خَلَقَ الله تعالَى الملائكةً من نُورِ )) ، وينفُخُ فى ذلك، ثم يَقولُ :
(( لِيَكُنْ مِنْكُمُ ألفٌ أَلْفَانِ فإنّ من الملائكةَ خَلقًّا أصغَرُ منَ الذُّبَابِ، وليسَ شىءٍ أكثرُ مِنَ
الملائكةِ)) (٥) ..
ورَوَى البيهقِىُّ فى ((الشُّعَب)) عن ابن مسعودٍ رَضىَ الله تعالَى عنْه، قالَ: «إِنَّ. (٦) فى
السَّمَوَاتِ لسَمَاء مافيها موضعُ شبر إلّ وَعَلَيْهَا جَبْهَةٌ مَلَكِ، أو قَدَمَاهُ)) ثمّ قرأَ: / [و٣٧٩]
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ ﴾ (٧) ..
قالَ: رَوَى أبُوالشّيخِ، عنْ سعيدِ بنِ جُبَيْرِ (٨) قالَ: «مَا فِى السَّمَاءِ موضعٌ إلّ عليْه
مَلَّكٌ، إمّا سَاجِدٌ ، وإمَّا قائِمُ حتّى تقومَ السَّاعَةُ)) (٩) ..
ورَوَى أحمَدُ ، والتُّرمذِىُّ، وابْنُ ماجةَ ، والحاكِمُ ، عنْ أبىٍ ذَرَّ رَضىَ الله تعالَى عنْه
قال: قالَ رَسُولُ اللهِ وَل: ((إنى أرى ما لاترون، وأسمع ما لا تسمعون))(١٠)،
(١) سورة الصافات: الآيتان (١٦٥، ١٦٦).
(٢)) سورة عبس: الآيتان (١٥، ١٦).
(٣) سورة الانفطار: الآيتان (١٠، ١١).
(٤) سورة المدثر: الآية (٣١) .
٠٠ ١٠
(٥) كتاب العظمة لأبى الشيخ (١٥٣) برقم (٣١٨) إسناده ضعيف، فى سنده محمد بن إسحاق: إمام المغازى، وهو فى نفسه
صدوق ، لكنه بدلس، وقد رواه بالعنعنة، وأورده الهيثمى فى مجمع الزوائد (٨/ ١٣٤ - ١٣٥) وقال: رواه البزار، ورجاله
رجال الصحيح، وأخرجه عبد الله بن أحمد بنحوه فى كتاب السنة (١٩٠) حديث رقم (١٠٠٨).
(٦) فى النسخ ((إن من)) والمثبت من المصدر.
(٧) سورة الصافات: الآية (١٦٥) والحديث رواه البيهقى فى الشعب (١/ ٤٣٤، ٤٣٥) برقم (١٥٧) إسناده ضعيف، وأخرجه
الطبرانى فى الكبير (٩ / ٢٤٢ - ٢٤٣) برقم (٩٠٤٢) ومجمع الزوائد (٧/ ٩٨) والطبرى فى تفسيره (٢٣ / ١١٢) والدر
المنثور (٧/ ١٣٥).
(٨) سعيد بن جبير بن هشام، مولى بنى والبة بن الحارث من بنى اسد، كنيته: ابو عبدالله، من عباد المكيين، وفقهاء
التابعين ، قتله الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين صبرا ، وله تسع واربعون سنة .
له ترجمة فى: طبقات ابن سعد (٦ / ٢٥٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ٧٦) والحلية (٤ / ٢٧٢) ووفيات الأعيان (٢/ ٣٧١).
(٩) العظمة لأبى الشيخ (٢٢٨) برقم (٥٠٨) إسناده ضعيف، واورده ابن كثير فى تفسير (٤ / ٢٣) والدر المنثور (٥/ ٢٩٢)
والحبائك للسيوطى، باب كثرة الملائكة حديث رقم (٧) والتقريب (٢ / ٢١).
(١٠) زيادة من الترمذى .
٥٤١

((أَطَّتِ (١) السَّمَاءُ، ، وحُقَّ لَهَا أنْ تَئِطَ، مَافِيهاَ موضعُ أربع أصَابَعَ إلَّ وَعَلَيْهِ مَلَكٌ ، وَاضِعُ
جَبْهَتَهُ، [ساجداً لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم
بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ، لوددت أنى كنت شجرة
تعضد](٢) ..
وروَى أبو الشيْخِ،، عن عائشةَ رَضىَ الله تعالَى عنها قالتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَالَ: « مَا
مِنَ السَّمَاءِ موضعُ قَدَمٍ إلَّ عليْهِ مِلَّكْ ساحِدٌ، أو قَائِمٌ)) .. فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّ
لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ . وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾ (٣) ..
ورَوَى ابنُ أبِى حاتمٍ، والطَّبَرَانِىُّ، والضِّياءُ فى ((المختارةِ)) وأبُوالشَّيخ ، عن حكيمِ
:
ابنِ حزامٍ(٤). رَضىَ الله تعالَى عنْه، قالَ: بينَا رَسُولُ اللهِوَ ﴿َ معَ أصحابِهِ، فقالَ لهمْ: «هَلْ
تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟)) قالُوا: مانَسمعُ منْ شىءٍ، قَالَ: ((إِنَّى لَاِسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ ، وَمَا
ثُلَمُ أنْ تَئِطَّ، مَافِيهَا موضعُ قَدَمٍ إِلَّ وَعَلَيهِ مَلٌَّ سَاجِدٌ أو قَائِمْ)) [ أو ملك راكع ](٥) ..
وَرَوَى الطبرانىُّ، عن جابرِ بنِ عِبْدِ الله رَضىَ الله تعالَى عنهما، قالَ : قَالَ رسُولُ الله
مَّ: ((مَا فى السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، مَوْضِعُ قَدَمٍ، وَلَ شِبْرٌ وَلَاَ كَفِّ إِلَّ وفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، ((أَوْ
مَلَّكْ راكع)) (٦) أَوْ مَلَكْ سَاجِدٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القيامةِ قَالُوا جَمِيعًا: ((سبحانَكَ ماعبدْنَاكَ
حقَّ عِبادتَ، إِلَّ أَنّا لَمْ نُشْرِكْ بَكَ شَيْئًا)) (٧) ..
(١) الت السماء: الأطيط: صوت الأقتاب، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها: أى: إن كثرة الملائكة فى السماء قد أثقلها حتى
الت ، وهذا كناية عن كثرة الملائكة : أريد بها تقرير عظمة الله تعالى .
(٢). مابين الحاصرتين زيادة من الترمذى (٤ / ٥٥٦) برقم (٢٣١٢) وانظر: المسند (٥/ ١٧٣) وابن ماجة (٤١٩٠) والحاكم (٢/
٥١٠) وابو نعيم فى دلائل النبوة (٣٧٩) والبغوى (١٤ / ٣٧٠) والحلية (٢ / ٢٣٦) وابن أبى شيبة (١٣ / ٣٤١) والعظمة
(٢٢٨) برقم (٥٠٩) إسناده حسن .
(٣) سورة الصافات: الآيتان (١٦٤، ١٦٥) والحديث فى العظمة لأبى الشيخ (٢٢٩) برقم (٥١٠)، وأخرجه ابن جرير فى تفسيره
(٢٣ / ١١ - ١١٢) وابن نصر فى قيام الليل، كما فى تفسير ابن كثير (٤ / ٤٤٥) والسلسلة الصحيحة (١٠٥٩) والجرح
والتعديل (٧/ ٦١) .
(٤) حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن
النضر بن كنانة، وأمه حكيمة بنت زهير بن الحارث بن أمية، كنيته: أبو خالد الأسدى القرشى ، عداده فى أهل الحجاز
عاش فى الجاهلية ستين سنة، وفى الإسلام ستين سنة، ومات سنة خمسين، وقد قيل: سنة ستين، وهو ابن عشرين ومائة
سنة ، قد قيل: مات سنة أربع وخمسين وهو الصحيح، وكان مولده قبل الفيل بثلاث عشرة سنة ، دخلت أمه الكعبة
فمخضت به فولدت حكيم بن حزام فى جوف الكعبة ، وله اولاد ثلاثة: هشام وخالد وعبدالله بنو حكيم له ترجمة فى: الثقات
(٣/ ٧٠) والإصابة (٤٣٩/١) وتاريخ الصحابة (٦٧) ت (٢٣٤).
(٥). مابين الحاصرتين زيادة من (ب) والحديث أخرجه الطبرانى فى الكبير (٣/ ٢٢٤، ٢٢٥) برقم (٣١٢٢) وكنز العمال
(٢٩٨٤١، ٢٩٨٤٢، ٢٩٨٦٥، ٢٩٨٦٦) والسلسلة الصحيحة (١٠٦٠) والحلية (٢ / ٢١٧) والطبرى (١٠/١٧).
(٦) زيادة من المصدر.
(٧) المعجم الكبير للطبرانى (٢ / ١٨٤) برقم (١٧٥١) قال فى المجمع (١ / ٥٢) وفيه عروة بن مروان ..
٥٤٢

ورَوَىَ الدِّينَوَرِىُّ (١) فى ((المجالسةِ)) (٢) عِنْ عبْدِ الرحمَنِ بنِ زيدِ بنِ أَسْلَمَ ، قَالَ:
((لَيْسَ مِنْ خَلْقِ الله أكثرَ مِنَ الملائكةِ، لَيْسَ مِنْ بَنىِ آدَمَ أحدٌ إلّ ومعهُ مَلَكَانٍ، سائِقٌ
يسوقهُ ، وشاهدٌ يشهدُ عليهِ، فَهَذَا ضعفُ بَنىِ آدَمَ، ثَمَّ بَعد ذَلْكَ السَّمَواتُ والأرضُ
مكبوسَاتٌ، وَمِنْ فَوْقِ السَّمَواتِ بَعْدَ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ أكثرَ ممَّا فى السَّمواتِ)) ..
وروَى أبوُ الشّيخ، عنْ أبى سعيدٍ رَضىَ الله تعالَى عنْهِ، عن رسول اللهِوَ ﴿ قَالَ: «إِنَّ
فى الجنَّةِ لَنهرًاما (٣) يدخلُه جبريلُ (عليه السلام)) (٤) مِنْ دخله فيخرجُ فَيَنْتَفِضُ إلَّ خَلَقَ
الله (عز وجل)) (٥) مِنْ كلِّ قطرةٍ تَقْطُرُ مِنْهُ مَلَكاً)) (٦)
ورَوَى أبوُ الشّيخ، عن وهْبٍ بنِ مُنَّبٍ (٧) أَنَّ لله نهراً فى الهواءِ سعةُ الأَرَضين كلِّهاَ
سبْعَ مرَّاتٍ يَنْزِلُ عَلَى ذَلكَ النَّهْرِ مِلَّ فى (٨) السَّمَاءِ فَيَعْلُؤْهِ وَيَسُدُّ مَابيْنْ أطرافِهِ ، ثُمّ يغتسلُ
مِنْهُ ، فِذَا خرجَ قَطُرتْ مِنْه قَطَراتٌ مِنْ نُورِ فيخلق (٩) منْ كلّ قطرةٍ مِنْها مَلَكُ، يُسَبِّحُ الله
تعالَى بجميع تسبيحِ الخلائقِ كلِّهِمْ)) (١٠)
ورَوَى أبُو الشّيْخِ، عِنْ الأوْزَاعِىِّ (١١) قالَ: قَالَ مُوسَ عليْهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ : يَارَبُّ
مَنْ مَعَكَ فِى السَّمَاءِ؟ قَالَ: ((مَلَئِكَتَى)) قَالَ: وَكَمْ هُمْ ياربّ؟، قالَ: اثْنَاَ عَشَرَ
(١) أبو بكر أحمد بن مروان بن محمد الدينورى، نسبة إلى دينور، بلد بين الموصل واذربيجان، القاضى المالكى، نزيل مصر،
المتوفى بها، سنة ثمان وتسعين ومائتين، وله اربع وثمانون سنة . . الرسالة المستطرفة للكتانى (٥٣).
(٢) المجالسة وجواهر العلم ، وقد جمع فيه الدينورى علوما كثيرة من التفسير وعظمة الله والأحاديث والآثار، وغير ذلك ، فى
ستة وعشرين جزء فى مجلد .
«الرسالة المستطرفة "(٥٣، ٥٤))).
(٣) فى الأصل ((نهرا)) والتصويب من المصدر.
(٤) زيادة من المصدر .
(٥) زيادة من المصدر .
(٦) العظمة لأبى الشيخ (١٥٤) حديث رقم (٣١٩) إسناده: موضوع، وأورده السيوطى فى اللآلىء المصنوعة (١/ ٩٢) نقلا عن
المصنف، فى سنده زياد بن المنذر، أبو الجارود الأعمى ، كذبه ابن معين، وقال الدار قطنى: متروك، انظر : الميزان (٢ /
٩٣) والتهذيب (٣/ ٣٨٦)، وفى سنده عطية العوفى من الضعفاء.
(٧) وهب بن منبه بن كامل بن سيج بن سحسار من أبناء فارس، كنيته أبو عبدالله، كان ينزل ذمار على مرحلتين من صنعاء ، كان
ممن قرأ الكتب ، ولزم العبادة ، وواظب على العلم ، وتجرد للزهادة ، صلى اربعين سنة صلاة الصبح بوضوء عشاء الآخرة ،
ومات فى المحرم ثلاث عشرة ومائة.
له ترجمة فى: الثقات (٥/ ٤٨٧) وطبقات الحفاظ السيوطى (٤١) وشذرات الذهب (١/ ١٥٠) ومعجم الأدباء (١٩ / ٢٥٩)
والبداية (٩ / ٢٧٦) .
(٨) فى النسخ (من)) والتصويب من المصدر.
(٩). فى النسخ ((فيخرج)) والتصويب من المصدر.
(١٠) كتاب العظمة لأبى الشيخ (١٥٤) وبرقم (٣٢٠) فيه من لم أجده، وأورده السيوطى فى الحبائك / باب كثرة الملائكة، حديث
رقم (١٤) وهذا الأثر من الإسرائيليات التى رواها وهب بن منبه.
(١١) هو أبو عمرو عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعى، ولد سنة ٨٨ هـ / ٧٠٧ م عاش فى دمشق وبيروت ، وسمع من عطاء بن رباح
وقتادة والزهرى وغيرهم ، امتاز بالخلق الحميد والمعرفة الشاملة ، وهو من الأوائل الذين الفوا كتبا مبوبة فى السنن ،
وتوفى ببيروت سنة ١٥٧هـ / ٧٧٤م .
من مصادر ترجمته: الطبقات لابن سعد (٧/ ١٨٥) والمعارف لابن قتيبة (٢٤٩) وتاريخ الطبرى (٢٥١٤/٣) ومروج الذهب
للمسعودى (٦/ ٢١٣) والأعلام للزركلى (٤/ ٩٤) وتاريخ التراث العربى لسيزكين (٢ / ٢٢٠).
٥٤٣

سِبْطًا)) (١) قَالَ: وكُمْ عددُ كُلِّ سِبْطٍ؟ قالَ: عدَدُ التُّرَب)) (٢).
ورَوَى أبوُ الشَّيْخِ، عِنْ كعب، قالَ: ((لا تَقْطُر عيْنُ مَلَكِ منهمْ ، إِلا كانَتْ مَلَكاً ، يَطِيرُ
منْ خشيةِ الله تعالَى)) (٣) .
وَرَوَى أبوُ الشَّيْخِ ، عَنْ العَلَاءِ بنِ هَارُونَ ، قال لجبريلَ فى كُلِّ يومِ اغتماسة فى
الكَوْثَرِ، ثُمَّ يَنْتَفضُّ فكلّ قطرة يُخْلَقُ منْها ملَكَ)). (٤)
ورَوَى أَبوُ الشّيخ، عنِ الحكمِ [بن عتَيْبَهِ ] (٥)، قالَ: بلغَنىِ أنَّهُ يَنْزِلُ معَ المطَرِ مِنَ
الملائكةِ أكثرُ منْ وَلَدِ آَدَمَ، وَوَلَدِ إبليسَ، يُحْصَوْنَ، كلَّ قطرةٍ ، وأين تَقَعُ؟ / [ظ٣٧٩] وَمَنْ
يَرْزُقْ ذَلِكَ النَّبَتَ)). (٦)
وَرَوَى أبوُ الشَّيخ، عِنْ وَهْبِ، قالَ: ((إنَّ فى السَّمَوْاِتِ السَّبْعِ مِحْشُوَّةٌ مِن الملائكة ،
لوْ قِيسَتْ شعرةً مَا انْقَسَتْ، منْهِمِّ الذاكرُ ، والرَّاكِعُ، والسَّاجِدُ تُرعْد فَرائصُهُمْ ، وَتَضْطَرِبُ
أَجْنِحَتُهُمْ ؛ فَرقاً منَ الله تعالى، ولَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عيْنِ، وَإِنَّ حَمَلَهَ العرشِ مابيْنْ كعب
أحدِهِمْ إِلَى مُخِّهِ مسيرةَ خَمْسِمَائَةِ عامٍ)). (٧) ..
ورَوَى ابْنُ المنذرِ فى ((تفسيرهِ )) عنْ عبدِ الله بن عُمَرَ، يرفعُهُ، قَالَ : الملائكةُ عَشْرَةُ
أجزاء ، تسعَةُ أجزاءٍ : الكُرُوبِيُّونَ ، الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لايفتُرُونَ، وقدْ وُكَّلُوا
بِخزانةِ كلّ شيءٍ ، ومَا مِنَ السَّمَاءِ موضعُ إهابٍ إلَّ وَفِيهِ مِلٌَّ ساجدٌ، أو ملَكُ راكعُ، وأَنَّ
الحرمَ بِحِيَالِ العرشِ، وأَنَّ البَيْتَ المعمورَ لَبِحِيَالِ الكعبةِ، لو سَقَطَ لسَقَطَ عَلَيْها، يُصَلّى
فيهِ كلّ يومٍ سبعونَ ألفَ مَلَّكِ، ثمَّ لَا يَعودُونَ إلَيْهِ)) (٨).
و
(١) السبط: الشجرة لها أغصان كثيرة واصلها واحد، والسبط: ولد الولد، جمعه اسباط، والأسباط: القبائل، وكل قبيلة
من نسل رجل .
(٢) كتاب العظمة لأبى الشيخ (١٥٦) حديث رقم (٣٢٥) .
(٣) المرجع السابق صفحة (١٥٧) حديث رقم (٣٣٠) فى إسناده من لم أجده، والأثر من الإسرائيليات ، ذكره السيوطى فى
الحبائك ، باب كثرة الملائكة ، حديث رقم (١٦) وعزاه للمصنف مختصرا .
(٤) كتاب العظمة لأبى الشيخ (١٥٨) حديث رقم (٣٣١) إسناده ضعيف، فيه انقطاع، والعلاء بن هارون راوى الأثر ، ليّنه
الأزدى كما فى الميزان (١٠٥/٣) واورده السيوطى فى اللآلىء المصنوعة (١/ ٩٢) نقلا عن المصنف، كما ذكره فى الدر المنثور
(١/ ٩٣) وعزاه للمصنف، وذكره فى كتاب الحبائك / باب كثرة الملائكة، حديث رقم (١٧) وعزاه للمصنف ايضا.
(٥) زيادة من ب
(٦) كتاب العظمة (٢٢٤ - ٢٢٥) حديث (٤٩٥) إسناده منقطع، وأخرجه ابن جرير فى تفسيره (١٤ / ١٩) واورده السيوطى فى
الدر المنثور (٤ / ٩٥) وعزاه إلى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، والمصنف
(٧) كتاب العظمة (٢٢٣) حديث رقم (٤٩٠) إسناده موضوع، واورده السيوطى فى الحبائك / باب فى كثرة الملائكة ، حديث رقم
(٢٠) وعزاه إلى المصنف، فى سنده عبدالمنعم بن إدريس ووالده .
(٨) الكوكب الأجوج فى أحكام الملائكة والجن والشياطين ويأجوج ومأجوج، للسيد علوى بن أحمد السقاف (١٥٤)
٥٤٤

ورَوَى ابْنُّ المنذرِ، عِنْ عُمَرَ البُكَالِىّ، قالَ: ((إِنَّ الله جزّأَ الملائكةَ عَشرَةَ أجزاءٍ ، منهمُ
الكُرُوبِيُّونَ ، وهمُ الملائكةُ، الَّذِينِ يَحْمَلَوُنَ العرشَ، ومنهمْ أيضاً: الَّذِين يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ
والنَّهَاَ لَا يَفْتُرُونَ، قَالَ: ((ومَنْ بَقِىَ مِنَ الملائكةِ لأمْرِ الله ورسَالَاتِ الله)).
وَرَوَى ابْنُ أبىِ حاتِم، من طريقِ حبيبٍ بِنِ عِبْدِ الرحمن بن سلْمان: أَنَّ أَباً
الأعْيَسِ (١)، عن أبيهِ، قالَ: «الإنْسُ والجنُّ عشَرةُ أجزاءٍ، فَالإِنْسُ مِنْ ذَلِكَ جُزْءٌ،
والجنُّ تسعةُ أجْزاءٍ ، والجنُّ والملائكةُ عشَرةُ أجزاءٍ ، فالجِنُّ جزءٌ ، والملائكةُ تسعةُ أجزاءٍ ،
والملائكةُ والرُّوحُ عشرةُ أجزاءٍ ، فالملائكةُ جزءً، والرُّوحُ تَسعةُ أجزاءٍ ، فالرُّوحُ والكُرُوبِيُّونَ
عشرةُ أجزاءٍ ، فالرُّوحُ منْ ذلك جزءٌ، والكُرُوبِيُّونَ تسعةُ أجزاءٍ ) (٢).
وروَى أبُو الشيخِ، والبيهقىُّ فى ((شعَبِ الإِيمانِ » والخطيبُ ، وابنُ عساكر، منْ
طريقِ عبَّدٍ عنْ ابنِ منصورٍ، عنْ عدِىٌّ بنِ أرطاةَ، عنْ رجُلٍ منَ الصحابةِ، سَماةً ، قال
عبَّادٌ: فنسيتُ اسْمُهُ، عنَّ رَسُول اللهِ وََّ، قال: ((إِنَّ لِلِهِ مِلائكةً تُرْعَدُ فُّرَائِصُهمْ، مِنْ
مَخَافَتِهِ ، مَا مِنْهُمْ مَلَّكْ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْةِ دَمْعَةً إِلّ وقعتْ ملَكًّا قائماً يُسَبِّحُ ، وملائكة سجودا
مِنْذُ خَلَقِ الله السمَواتِ والأرضِ ، لم يرفعُوا رُءُوسهُمْ ، ولا يَرفعونَهاَ إلى يومِ القيامةِ
[ وملائكة ركوعًا، لم يرفعُوا رؤوسهمْ ولا يرفعونَها، إلى يوم القيامة ] (٣) وصفوفاً لم
ينصرفوا عنْ مصافهِمْ، ولا ينصرفُونَ عنْها إلى يومِ القيامة، [ فإذا كان يوم
القيامة ] (٤)، تجلى لهْ ربهمْ عزّ وجلّ فنظروا إليه وقَالُوا: ((سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ كما
ينبغى لك)» (٥) .
السابع : فى رؤسائهمُ الأربعةُ الّذين يُدَبِّرونَ أمْرِ الدُّنيا :.
روَى ابنُ أبى حاتمٍ، وأبوُ الشَّيْخِ فى ((العَظَمة))، والبَيْهقىُّ فى ((الشُّعَب)) عنْ ابن
سابطٍ، قالَ: ((يُدبِّرُ أمْرَ الدُّنْيَا أربعةٌ: جبريلُ، وميكائيلُ، وملك الموت؛ وإِسْرافيلُ، فأمّاً
جبريلُ : فوكّلَ بالرِّياحِ والجنودِ ، وأما ميكائيلُ فَوَكَّلَ بالقَطْرِ والنباتِ ، وأمّا ملكُ الموتِ فَؤُكَّلَ
(١) فى النسخ (( حبيب بن عبدالله بن سليمان أبى الأعيس)) والتصويب من المصدر.
(٢) كتاب العظمة لأبى الشيخ (١٩٧) حديث رقم (٤٢٢) فيه من لم أجده، وأورده السيوطى فى الدر المنثور (٤ / ٢٠٠) والحبائك
حديث رقم (٢٢٦) وعزاه إلى المصنف، والإسناد مقطوع، فمثل هذه الأمور لاتعلم إلا من قبل القرآن الكريم ، والسنة
النبوية الصحيحة .
(٣) مابين الحاصرتين زيادة من (ب) ومن الكوكب الأجورج للسقاف (١٥٤) .
(٤) مابين القوسين المعقوفين زيادة من (ب) .
(٥) فى (ب) ((حق عبادتك، وراجع: الكوكب الأجوج (١٥٤ - ١٥٥).
٥٤٥

بقبض الأرواح، وأمّاً إسرافيلُ فهوُ ينزلُ بالأمر عَلَيْهِمْ )) (١)
ورَوى أبوُ الشَّيخ، عن ابن سابطٍ قَالَ: فى أُمِّ الكتابِ كُلّ شىءٍ ، هُوَ كائِنٌ إلى يومٍ
القيامَةِ ، ووكّل ثلاثةٌ منَ الملائكةِ أنْ يحفظوهُ ، فَوكّل جبريلُ بالكتاب أنْ ينزلَ بهِ إلى الرَّسُلِ ،
وَكَّلَهُ أيضًا بالهلكات، إِذَا أَرَادَ الله أنْ يُهلكَ [ قِومًا]. (٢)، ووكَّله ((أَيضا)) (٣) بالنَّصر
عنْد القتال («هذا جبريل عليه السلام)) (٤) ووكّلَ ميكائيلُ بالحفظِ للقَطْرِ (٥)، / [و٣٨٠]
ونباتِ الأرْضِ ، ووكَلَ ملك الموتِ بقبضِ الأنفِس ، فإذا ذهبتِ الدُّنيا جَمَعَ بينْ حفظهمْ ، وما
فى أمّ الكتابَ فيجدونَهُ سواءً)) (٦)
وروَى البيهقىُّ، والطبرانىُّ، وأبو الشيخ، عن ابنِ عباس، رَضى الله تعالَى عنهمَا
قالَ رَسُولِ اللهِوَ﴿ ومعهُ جبريلُ ((عليه " سلام)) (٧) يناجيه إذ انْشَقَّ أُفق السماءِ فأقبلَ
جبريل يتضاءلُ ويدخلُ بعضُهُ فى بعضٍ ، ويدنُو من الْأرض ، فإِذا ملَكٌ قَدْ مَثُلَ بيْنْ يدَىْ
رسُول الله ﴿، فقالَ: يا محمدُ إنّ ربكَ يقرئك السلام، وَيُخيركَ بينَ أن تكونَ نبيًّا ملَكاً ، أو
نبيًّا عبْدًا، قالَ رسُولُ اللهِوَ﴿ فأشارَ إلىَّ جُبريلُ بيده أنْ تواضَعَ، فعرفتُ أنَّهُ لی ناصح ،
فقلتُ لهُ : نبيًّا عبدًا، فَعَرجَ ذلكَ الملكُ إِلَى السَّمَاءِ ، فقلتُ: ياجبريل قد كنتُ أردتُ أن
أسألكَ عنَ هذاَ ، فرأيتُ من حَالِكَ ما شغلَنِى عنِ المسألةِ، فمن هَذا ياجبريلُ؟ قالَ : هَذا
إسرافيلُ ، خَلقهُ الله يومَ خلقه بين يديه صافًّا قدميهِ ، لا يرفعُ طرفُه بينهُ وبيْنَ الرَّبِّ سبعونَ
نورًا، ما منها نور يدنو منه إلا احترق بين يديه اللوح المحفوظُ، فإذَا أَذِنَ الله فى شىءٍ من
السماءِ أو فى الأرْضِ ارتفعَ ذَلكَ اللوحُ يَضْرِبَ جبينهُ، فينظرُ فيهِ ، فإن كانَّ من عملى
أمرنىٍ بهِ ، وإذَا كانَ من عملٍ ميكائيلَ أمرهُ بهِ ، وإنْ كانَ منْ عملٍ ملَكِ الموتِ أمره بهِ ،
فقلتُ : ياجبريلُ على أىِّ شىءٍ أنْتَ ؟ قالَ : على الرياحِ والجُنُودِ ، قلتُ: عَلَى أَّ شىءٍ
ميكائيل ؟ قال : عَلَى النَّبَاتِ والقَطْر، قلتُ: علَى أىِّ شىءٍ ملك الموتِ ؟ قالَ : على قبضِ
(١) شعب الإيمان للبيهقى (١ / ٤٣٣) حديث رقم (١٥٦) عن عبدالرحمن بن سابط، وذكره الشيخ فى كتاب العظمة (١٧٤) حديث
رقم (٣٨٠) إسناده ضعيف، وهو مقطوع. فى سنده أبو حذيفة، صدوق سىء الحفظ، وذكره الشيخ أيضا برقم (٣٧٨) عن
ابن سابط. إسناده منقطع، رجاله كلهم ثقات ماعدا عبدالجبار بن العلاء لاباس به ، وعزاه السيوطى إلى عبدبن حميد ،
وابن اطنذر، وابن أبى حاتم فى الدر المنثور (٦/ ٣١١) كما ذكره فى الحبائك باب رؤوس الملائكة الأربعة الذين، يدبرون امر
الدنيا حديث رقم (٢٧) بلفظ ((أما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم)).
(٢) زيادة من (ب) والمصدر.
(٣) زيادة من المصدر .
(٤) زيادة من المصدر .
(٥). فى النسخ ((بالحفظ وبالقطر)) والتصويب من المصدر.
(٦) كتاب العظمة لأبى الشيخ (٢٢٥، ٢٢٦) حديث رقم (٤٩٨) إسناده منقطع، ورجاله ثقات، وأخرجه عبدبن حميد ، وابن
أبى شيبة، وابن المنذر كما فى الدر المنثور (٦/ ١٣).
(٧) زيادة من شعب الإيمان .
٥٤٦

الأنفس ، وماظننتُ أنَّهُ هَبَطِ إِلّ بقيامِ السَّاعةِ ، وما ذَاكَ الَّذِى رأيتَ مِنِّى إلا خوفًا مِنْ قيامِ
السَّاعةِ))(١) . .
· ورَوَى أبوُ الشَّيْخِ فى ((العَظَمةِ)) عن جابرِ بنِ عَبْد الله رَضى الله تعالى عنهما، قال: قالَ
رَسُولُ اللهِوَالَ: ((إِنَّ أَقْربَ الخَلْقِ من الله (٢) تعالى جبريل ، وميكائيلُ وإسرافيلُ، وإنهمْ.
منَّ الله تبارك وتعالى لمسيرة خمسة آلاف سنة ، جبريلُ عنْ يمينِهِ ، وميكائيلُ عنِ الأَخْرى ،
وإسرافيلُ بَيْنَهُمَا )»(٣)
وروَى أَبُو الشَّيْخِ » عنْ وَهْبِ ، قالَ: هَؤلاء الأربعة أملاكَ: جبريلُ وميكائيلُ ،
وإِسْرافيلُ ، ومَلَك الموتِ، أولُ مَنْ خَلَّقْهُم الله تعالَى مِنَ الخلْق، وآخر منْ يمُيتهمْ ، وأوَّلُ من
يحييهمْ، همُ المدَبِّرَاتُ أمرًا، والمقَسِّماتِ أمرًّا)).
ورَوَى أبوُ الشّيْخِ، عن خالدِ بنِ أبي عمرانَ، قَالَ: ((جبريلُ أمينُ الله تعالى إلى
رُسُلِهِ، وميكائيلُ يتلقَّى الكتب التى ترفعُ منْ أعمال النَّاسِ، وإسرافيلُ بمنزلةٍ
الحاجب ))
ورَوَى أبوُ الشيْخِ، عِنْ عكرمةَ بنِ خالدٍ ، أن رجلاً قالَ يأَرَسُولَ اللهِ: أَىُّ الملائكةِ أكرمُ
عَلَى الله تعالَى؟ قال: ((لَا أَدْرِى)) فجاءهُ جبريلُ فقالَ : ياجبريلُ : أىّ الخلقِ أكرمُ علَى الله ؟
قالَ: لا أَدْرِى، فعرجَ جبريلُ ثم هبطَ فقالَ : جبريلَ ومكائيل وإسرافيلَ وملكَ الموتِ ، فأما
جبريلُ، فصاحبُ الحرب، وصاحبُ المرسلينَ ، وأما ميكائيلَ فصاجبُ كُلَّ / [ظ ٣٨٠]
قطرة تسقطُ ، وُكُلّ ورقةٍ تَسقطُ ، وكلّ حبَّةٍ ذتُتبتُ وأمَّا مَلَكُ الموتِ فَهَوَ موكّلُ بقبضٍ روحٍ كلّ
(١) الشعب للبيهقى (١/ ٤٣١ - ٤٣٣) برقم (١٥٥) إسناده ضعيف، والحديث أخرجه الطبرانى فى الكبير (١١ / ٣٧٩ - ٣٨٠)
برقم (١٢٠٦١) عن محمد بن عبدالله الحضرمى. وانظر: مجمع الزوائد (٩/ ١٩) ونسبه السيوطى فى الدر المنثور (١/
٢١٦) إلى أبى الشيخ فى العظمة والمؤلف، وقال: إسناده حسن .
(٢) فى الأصل ((إلى الله)) والمثبت من المصدر.
(٣) كتاب العظمة لأبى الشيخ (١٣٧) حديث رقم (٢٧٧) إسناده ضعيف، أورده الذهبى فى العلو (ص٧٢) وعزاه إلى ابن منده فى
الصفات، والسيوطى فى الدر المنثور (١ /٩٤) وعزاه إلى المصنف، وكذا فى اللآلىء المصنوعة (١/ ١٧) وفى الحبائك / باب
رؤوس الملائكة الأربعة الذين يدبرون أمر الدنيا حديث رقم (٣٠) .
فى سنده: الأحوص بن حكيم، من الضعفاء: انظر: الميزان (١/ ١٦٧) والتهذيب (١٩٢/١).
(٤) كتاب العظمة لأبى الشيخ (١٤٣) حديث رقم (٢٩٤) إسناده ضعيف، أورده السيوطى (١٠ /٩٤) فى الدر المنثور، وعزاء إلى
المصنف، فى سنده عبدالقاهر، من المجهولين، انظر: الميزان (٢ / ٦٤٢) والتهذيب (٦/ ٣٦٨) وأورده السيوطى فى
الحباتك / باب رؤوس الملائكة الأربعة الذين يدبرون أمر الدنيا حديث رقم (٣٢) وعزاه للمصنف فقط.
ورواه أبو الشيخ كذلك فى صفحة (١٧٥) حديث رقم (٣٨١) برواية: « جبريل أمين الله إلى رسله، يتلقى الكتب .. » الخ
إسناده ضعيف .
٥٤٧

عبدٍ فى بَرِّ أو بحرِ، وأمَّا إسْرافيلُ فأمينُ الله بينهُ وبينهْم)) (١).
ورَوَى الطّبرانِىُّ، والحاكم، عن أبِى الَلِيح (٢)، عنْ أبيه أنَّهُ صلَّى مَعَ النَّبِىِّ ◌ِّ
رَكْعَتَىِ الفجرِ، فصلَّى قريباً مِنْهُ، فصَلَّى النَّبِىُّ ◌َ﴿ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْن، فسمعتُهُ يقولُ :
« اللَّهُمَّ ربَّ جِبْرِيلَ ومِيكَائيلَ واسْرَافِيل ومحمدٍ أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ)) ثلاثَ مرَّاتٍ (٣).
وَرَوَى أحمدُ فى ((الزُّهد)) عن عائشةَ رَضَ الله تعالَى عِنْها، أنَّ النَّبِىِّ وَ أُغْمِىَ عليهِ،
ورَأْسُهُ فى حِجْرِهَا، فجعلتْ تمسحُ وجههُ، وتدعُولَهُ بالشِّفَاءِ ، فلمَّا أفَاقَ قَالَ: لَ ، بَلْ اسْأَلَى
الله الرفيقَ الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيلَ عليهم الصلاةُ والسلامُ
(١) كتاب العظمة لأبى الشيخ (١٧٥) برقم (٣٨٢) إسناده ضعيف، وأورده السيوطى فى الدر المنثور (١/ ٩٣) وعزاه الى
المصنف، فى سنده مسلم بن خالد الزنجى، من الضعفاء، وفيه إرسال من عكرمه بن خالد ، وهو تابعى .
(٢) أبو المليح الهذلى عامر بن أسامة بن عمير، كان عامل الحجاج على الأبلة، مات سنة ثمان وتسعين . له ترجمة فى : التهذيب
(١٢ / ٢٤٦) .
(٣) المعجم الكبير للطبرانى (١/ ١٩٥) برقم (٥٢٠) ورواه ابن السنى (١٠١) والحاكم (٣/ ٦٢٢) وفى سنده يحيى بن أبى زكريا
الغسانى، قال ابن حبان فى كتاب المجروحين (١٢٦/٣) كان ممن يروى عن الثقات المقلوبات، حتى إذا سمعها - من الحديث
صناعته ، لم يشك أنها مقلوبة ، لايجوز الرواية عنه ولما أكثر من مخالفة الثقات فيما يروى عن الاثبات . وقال ابن معين :
ضعيف ، وقال النسائى: ليس بالقوى ، وقال ابن عدى : عامة مايرويه مما لايتابع عليه، وكان أحمد يثنى عليه وعباد بن
سعيد، قال الذهبى فى المغنى (١ / ٣٢٥) ليس بشىء، ومبشربن أبى المليح اتهمه الحافظ ابن حجر بحديث منكر ، فهذا
إسناد ظلمات بعضها فوق بعض، كما. ترى انظر: اللسان (٣/ ٢٢٩) إما الحافظ الهيثمى فقد قال فى المجمع (١٠/ ١١٠)
رواه البزار، وفيه من لم أعرفه، ولم ينسبه إلى المعجم الكبير .
وقال فى المجمع (٢ / ٢١٩) رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه عباد بن سعيد، عن مبشر لاشىء، قلت: قد زكاه ابن حبان فى
الثقات .
٥٤٨

[الثّامنُ: فى معرفةِ أسماءٍ من سمّى منهم، فى الكتاب والسّنة ، وكلامِ السلفِ :
وفيهِ فرعانِ :
الأوَّل: أن جميعَ أسمائِهِمِ غير عربيةٍ: رضوانُ، ومالكًا، ومنكرًا، ونكيرًا
ولا ينصرفُ من أسمائهِمْ إلا مَالِك ومَنْ بَعْدَهُ] (١).
الفَرعُ (٢) الثَّانىِ : وردَ فى القرآنِ العظيمِ (٣) ذكرُ جبريلَ وميكائيلَ ، وفى اسمهمَا
لغاتٌ تقدَّمتْ فى أبوابِ المعراجِ (٤).
التَّاسِعُ: قال الشيخُ فى ((الحَبَائِكِ)) سئلتُ قديمًا: أَيُّهمَا أفضلُ جبريلُ
أوْ (٥) إسرافيلُ؟ والجوابُ: لمْ أقفْ علَى نقْلٍ فى ذلكَ لِحَدٍ منَ العلماءِ ، والآثارُ المتقدِّمةُ
متعارضةٌ، فحديثُ الَّطَبَرَانِىّ مرفوعًا: ((أَلَ أخْبركمْ بأفْضَلِ الملائكة: جبْريل (٦))).
وَأَثَرُ وهْبٍ: ((إِنَّ أَدْنَى الملائكةِ من الله جَبَرِيلُ، ثُمَّ ميكائيلُ )) يَدُلُّ علَى تفضيلِ
جبريلَ » (٧).
وحدِيثُ ابْنِ مسعودٍ مرفوعا: إِن أقربَ الخلْقِ من (٨) الله إِسْرافِيلُ)) (٩).
وحديثُ أبى هريرةَ مرفوعًا: ((إنَّ الملَكَ الَّذِى يليه اسرافيلُ، ثم جبريلُ، ثمّ
ميكائيلُ، ثمّ مَلك الموتِ)) .
وحديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: ((اسرافيلُ صاحبُ الصُّورِ، وجبريلُ عنْ يمينِهِ ،
وميكائيلُ عن يَسَارهِ)) (١٠).
وحديثُ عائشةَ مرفوعًا: ((إسرافيلُ مَلَكُ الله ليسَ دونَهُ شىءٍ))(١١).
وأثر كعب: ((إِنَّ أقربَ الملائكةِ إلى الله إسرافيلُ إلى آخرهِ (١٢) .
(١) مابين الحاصرتين سقط من (ب) .
(٢) فى (ب) (( الثامن)).
(٣) فى (ب) ((الكريم)).
(٤) سبل الهدى والرشاد (١٧٣/٣ - ١٤٢) تحقيق أستاذنا عبدالعزيز عبدالحق حلمى رحمه الله رحمة واسعة .
(٥) فى النسخ ((أم)) والتصويب من المصدر.
(٦) الحبائك فى أخبار الملائك للسيوطى (٢٧٤) برقم (٨٠١) .
(٧) المرجع السابق حديث رقم (٨٠٢) .
(٨) فى النسخ . إلى، والمثبت من المصدر.
(٩) المرجع السابق حديث (٨٠٣).
(١٠) المرجع السابق صفحة (٢٧٥) برقم (٨٠٤).
(١١) المرجع السابق برقم (٨٠٥).
(١٢) المرجع السابق برقم (٨٠٦) .
٥٤٩

وأثَّرُ أَبِىِ بكرِ الهُذَلِىّ: «ليسَ شىءٌ منَ الخلقِ أقربُ إِلَى الله مِنْ إسرافيل » إلى آخره .
وحديثُ ابن أَبِى جَبلة: ((أوَّلُ مَنْ يُدعى يومَ القيامةِ إسْرَافِيلُ)) إلى آخره (١) )).
وأثرُ ابنُ سابط: ((يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْياَ أربعةٌ: جبريلُ، وميكائيلُ ، ومَلَّكُ الموتِ ،
وإسرافيلُ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمّاَ إِسْرَافِيلُ فهَوَ يَنْزِلُ بالأمْرِ عليهِمْ)) (٢) .
وحديثُ عكرمةَ بنِ خالدٍ مرفوعًا: ((وَأَمّاَ إِسْرَافِيلُ فأمينُ الله بينهُ وبينهم )) أى: بين
الله، وبين جبريل ، وميكائيل ، وملك الموت . (٣) .
وأثَّرُ خَالِدِ بنِ أبىٍ عِمْرَانَ: (٤) « وإِسْرَافِيلُ بِعُنزِلَةِ الحاجب (٥))).
ومَا شَاكَلَ ذَلْكِ، يدلُّ على تَفْضِيلِ إِسرافيلَ (٦) .
العاشر: ذكرَ الإمامُ الحليمِىُّ (٧) فى ((شُعَبِه » وتبعهُ البيهقىُّ، والقاضى عياضُ،
والقُونَوِىُّ: ((أَنَّ مِنَ الملائكةِ رُسُلَاً وغير رسُلٍ، وأطلقَ الإمامُ الرَّازِىُّ القولَ بأنَّ الملائكةَ
رُسُلُ الله ، واحتجّ عليهِ بقولهِ تعالى: ﴿جَاعِلِ المَلَئِكَةِ رُسُلًا﴾ (٨) واعْتُرِضَ عليْهِ بقولهِ
تعالى: ﴿اللّه يَصْطَفىِ مِنَ الْلَئِكَةِ رُسُلَا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٩). / [و٣٨١ ]
واجْابَ: بأنَّ ((مِنْ)) للتَّبْيين ، أو للتبعيض ، واطلقَ ذكر الخلافِ فى عِصْمتهم،
والجمهورُ الأعظمُ من علماءِ الدِّينَ علَى عصمةِ كلِّ مِنَ الملائكةِ عن جميعِ الذنوبِ .
ومِنَ الحَشَوِيَّةِ مَنْ خالفَ فى ذلك ، وفى كلامِ غيره ، نظر ، من العلماءِ منهمُ القاضىِ
عياضٌ وغيرُهُ ما يَدُلّ على أنّ منهمُ الرُّسُلَ ، ومنهمْ مَن لَيَسَ برسولٍ ، وجعلَ القاضى عياضٌ
الخلافَ مَبْنِيًّا علَى ذَلْكِ، وسيأتىِ نقلُ كلامهِ بحروفِهِ .
(١) الحباتك فى أخبار الملائك للسيوطي صفحة (٢٧٥) برقم (٨٠٨).
(٢) المرجع السابق برقم (٨٠٩).
(٣) المرجع السابق برقم (٨١٠).
(٤) خالد بن أبى عمران ، من الأثبات فى الروايات ، وجلة المصريين من الثقات ، وكان شيخا صالحا.
ترجمته فى: طبقات ابن سعد (٥٢١/٧) وشذرات الذهب (١٧٦/١) والمشاهير (٢٩٩) ت (١٥٠٦).
(٥) الحبائك برقم (٨١١).
(٦) الحبائك رقم (٢٧٥) .
(٧) الحليمى : الحسين بن الحسن ، فقيه، قاض، محدث ، كان رئيس أهل الحديث فيما وراء النهر ، ولد سنة ٣٣٨ هـ بجرحان،
أخذ عن أبى بكر القفال الشاشى، والأودنى وتوفى سنة ٤٠٣هـ له المنهاج فى شعب الإيمان ثلاثة أجزاء.
انظر: طبقات ابن هداية الله (١٢٠) وشذرات الذهب (١٦٧/٣) وطبقات الشافعية الكبرى (٣٣٣/٤).
(٨) سورة فاطر: الآية (١) .
(٩) سورةالحج: الآية (٥٥).
٥٥٠

الحادى عشر :
فى عصمتهْمْ : (١)
قال القاضى رحمهُ الله تعالى : اتَّفقَ أئمةُ المسْلِمينَ أنّ حكمَ المرسلينَ من الملائكةِ حُكمَ
النبيينَ سواءٌ فى العِصْمَةِ مما ذكرنَا عِصْمِتهمْ مِنْهُ ، وأنهْ فى حقوقِ الانبياءِ والتبليغِ إليهمْ
كالأنبياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ .
واختلفُوا فى غير المرسَلِينَ مِنْهمْ ، فذَهَبَتْ طائفةٌ إلى عصمةِ جميعِهِمْ عَنِ المعاصىِ ،
واحتَجُوا بقولِهِ تعالى : ﴿لَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢).
قال الإمَامُ الرَّازِىُّ رَحِمَهُ الله تعالىَ: هَذِهِ الآيةُ تتناوَلُ جميعَ الملائكةِ فى فعل جميعِ
المأموراتِ ، وتَرْكِ جميعِ المنهياتِ، لأنَّ كلّ ما أمرَ بفعلهِ فقد نُهِىَ عَنْ ضِدِّهِ .
والدليلُ علَى العمومِ: صحةُ الاستثناءِ ، وبقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ
لَ يَفْتُرُونَ﴾ (٣) ومِنْ هَذِهِ صِفَتْهُ لَا يَتَصَوَّرُ مِنْهُ صُدُورُ الذَّنْبِ، إذْ لَوْ صَدَرَ مِنْهُ الذَّنْبُ لَفَتَرَ
عَنِ التَّسْبِيحِ، وَلِلْمَنْعِ فى هذا الوجْهِ ، والَّذِى قبلهُ مجالٌ واضحٌ بقولهِ تعالى ﴿بَلْ عِبَادٌ
مُكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٤) وهذا يقتضى توفّقُهُم فى كلّ الْأُمُوُر
عَلَى أمر الله تعالى، ومن كان كذلك لم يصْدُرْ منه الذنبُ وقررهُ الآمدىُّ بأن قال : المعصيةُ إما
بمخالفة الأمر أو النهى ، لاجائز أن يقع مخالفة الأمر ، إذ هو خلاف الآية ، ولا جائز أن يقع
المخالفة النهى ، لأن النهى عن الشىء أمرٌ بأحد أضدادهٍ ، ومخالفة النهى إنما تكون
بارتكاب المنهىّ عنه ، وارتكاب المنهىّ يقتضى عدم التلبس ، وهذا بناءً على أن النهى عن
الشىء أمر بضده ، وهى مسألة مشهورة .
واحتج الإمام مع من ذكر بوجهين آخرين .
أحدهما : أنهم طعنوا فى البشر بالعصمة ، فلو كانوا عصاةً لما حسُن منهم هذا
الطعن ، ولا يخفى ما فيه .
الثانى : أنهم رسل الله تعالى ، بقول تعالى: ﴿جَاعِلِ الملائكةَ رُسُلًا﴾ (٥) والرسول.
معصومُ لقوله تعالى: ﴿الله أَعْلَمُ حِيثُ يَجْعَلُ رسَالَتَهُ﴾ (٦) وهو بناءً على أن الكل رسلٌ ،
(١) فى ((١) العاشر والمثبت من (ب).
(٢) سورة التحريم: الآية (٦) وراجع الشفا للقاضى عياض (١٧٤/٢، ١٧٥).
: (٣) سورة الأنبياء: الآية (٢٠) .
(٤) سورة الأنبياء: الآيتان (٢٦، ٢٧).
(٥) سورة فاطر: الآية (١) .
(٦) سورة الأنعام : الآية (١٢٤) .
٥٥١

وقد تقدّم الكلامُ فيه، وعلى أن قوله تعالى: ﴿اللّه أَعْلَمُ حِيثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١) من أدلة
العصمة فى غير الأنبياء ، ولمانعٍ أن يمنع ذلك .
قال القاضى رحمه الله تعالى : وذهبت طائفة إلى أن هذا خصوصٌ للمرسلين منهم ،
والمقربين ، واحتجوا بأشياء ذكرها أهل الأخبار والتفاسير ، فنذكرها (٢) - إن شاء الله
تعالى .. بعدُ ، ونبينُ الوجهَ فيها إن شاء الله تعالى .
والصواب : عصمةُ جميعهم ، وتنزيهُ نصابهم (٣) الرفيع ، عن جميع ما يحطُّ من
رتبتهم (٤) ومنزلتهم عن جليل مقدارهم (٥) / [ ظ ٣٨١ ]
واحتج من لم يوجب عصمةَ الملائكة جميعهمْ بأمور .
أحدِهما : قصة هارُوتَ وماروتَ ، وهى قصةً مشهورةٌ ، وخلاصتها : أن هاروتَ
وماروت كانا مَلَكين ، وعَجِبًا من عصيانِ بنى آدم ، وقالا: لو رُكِّبتْ فينا شهوةُ بنى آدم لماَ
عصيْنَا ، فأنزلهما الله تعالى إلى الأرض ، وركّب فيهما الشهوةَ ، وقيَّض الله لهما الزهرةُ ،
وكانت من أجمل نساء وقتها ، واعجبتْهُما وحملتهمُاَ على السجود للصنم ، وقتْل النَّفس ،
وشرب الخمر ، وتعلمتْ منهما الاسمَ الأعظم ، وصعدت به إلى السماء فمسخت إما كوكبا ،
وإما سحابا ، وإنهما استشفعا بإدريس ، فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا ، وعذاب
الآخرة فاختارا عذاب الدنيا ، فلبسا الحديد ، ومكثا فى بيوتهما ببابلَ ، بينهما وبين الماء
أربعة أصابع، ويوجد فى هذه القصة زيادة ونقصان ، واختلاف كثير .
قال الشيخ كما الدين: وأئمة النقل لم يصحِّحوا هذه القصة ، ولا أثبتوا روايتها ، عن
على ، وابن عباس رضى الله تعالى عنهما .
قال القاضى رحمه الله تعالى : إن هذه الأخبار لم يرو منها شىء ، لاصحيح ولا سقيم ،
عن النبى وَّر، قال: وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم (٦).
فان قيل: ففى كتاب الله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَىَ الْلَكّينِ ببابِلَ هَارُوتَ ومَارُوتَ ومَا يُعَلِّمَانِ
مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَ إنَّمَاَ نَحْنُ فِتْنَةٌ فلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَايُفَرَّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ
وَزَوَجْهِ ﴾ (٧) .
(١) سورة الأنعام: الآية (١٢٤) .
(٢) فى (ب) ((ونحن نذكرها)).
(٣) فى النسخ ((جانبهم)) والتصويب من الشفا (١٧٥/٢).
(٤) فى ١ ((مرتبتهم، والمثبت من المصدر و (ب).
(٥) الشفا للقاضى عياض (١٧٥/٢).
(٦) الشفا (١٧٥/٢) .
(٧) سورة البقرة: الآية (١٠٢) .
٥٥٢

قلت : للناس فى ذلك أقوال كثيرة ، والمحقُّقون: ذهبوا فى معناها إلى غير ماذُكِر أوَّلا فى
قصة هاروت وماروت ، وقالوا فى الآية : قراءتان فى ( مَلَكَيْن ) إحداهما - بكسر اللام - وهى
شاذة ، والمشهور - بفتح اللّم، ولكن ذكروا فى تأويل ذلكً: أن الله تعالى كان قد امتحنَ
الناسَ بالملكين ، فإن السِّحر كان قد ظهر ، وظهر قولُ أهلِهِ ، فأنزل الله تعالى ، ملكين يعلِّمان
الناسَ حقيقةً السِّحر، ويوضّحان أمرَهُ : ليعلم الناس ذلك ، ويميزوا بينه وبين المعجزة،
والكرامة ، فمن جاء يطلبُ ذلك منهما ابتدراه وعلّماهُ: إنّا إنّما أُنزلناَ فتنةً لتعليم السِّحر ،
فمن تعلّمه ليجتنبه ويعلم الفرقَ بينه وبين المعجزاتِ والكراماتِ، وَما يُظهرى الله تعالى على
أيدى عباده المؤمنين ، فذلك هو المرضىّ ، ومن تعلمه لغير ذلك أدّى به إلى الكفر ، فلهذا كان
الملكان يقدِّمان للملكين هذه المقالة ، ثم يقولان له : إنْ فَعَلَ الساحرُ كذا فَرَّق بين المرء وزوجهٍ
فلا تَتَحَيَّل بهذه الحِيلة، ولاتقُلْ هذا القولَ فإنه من قول السَّحرة، ويؤدى إلى الكفر ، ثم على
هذا يكون فعل الملكين طاعةً لأمر الله تعالى ، (١) ومن الناس من ذَكر وجهًا آخر ، وهو : أن
الله تعالى لما بيَنَّ أن الكفار واليهود ادّعَوْا على سليمان أنه ساحرٌ ، وقالوا : إن الجنَّ دَفَنَتْ
كتبَ السِّحرِ تحتَ مصلّاهُ ثم أظهرتْها بعد موته ليقولَ الناسُ كان ساحرًا ، وأن سليمانَ قد
جمع كتب السحر ودفنها لتضيع على الناس ، وأخرجها الجنُّ واليهودُ بعد / [و٣٨٢]
موته ، وصارت فى أيديهم ، وفشا السّحرُ فيما بينهم ، ولهذا كثرُ ما يُؤخذ من السحر عند
اليهود، وكان اليهود يعْزُون ذَلك إلى سليمان، فقال تعالى: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولَكِنَّ
الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (٢) ثم إن اليهودَ ادّعت بعدَ ذلكَ أن السحرَ الَّذى فى أيديهمْ من ميراث
سليمانَ، وأن جبريلَ وميكائيلَ نزلا به ، فأكذبهمُ الله تعالى فى الأمرين، فقال: ﴿وَمَا أُنْزِلَ
عَلَى المَلَكَينْ﴾ (٣) فتكون ما نافية على هذا القول، عطفا على قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَانُ﴾ ويكون قوله ﴿بِبَابِلَ﴾ متعلق بقوله ﴿يُعَلِّمُونَ الناسَ السِّحْرَ﴾ وعلى هذا فقيل
هاروت وماروت رجلان تعلَّما السِّخْر.
وروَى الحسنُ أنه قال: ((هاروتُ وماروتُ عِلْجَانِ من أهلِ بابلَ)) ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى
الْلَكَيْنْ﴾ بكسر اللّم، لكن ما على هذه القراءة اسميَّة ، ويكون الإنزال من الشياطين،
ويجوز أن تكون نافية.
وقَرأَ كذلك عبد الرحمن بَن أَبْزَى ، وفسَّر الملكين بداودَ وسليمانَ ، ولاتكون ما على هذا
القول إلّ نافية » (٤).
٠
(١) الشفا (١٧٥/٢، ١٧٦).
(٢) سورة البقرة من الآية (١٠٢).
(٣) سورة البقرة من الآية (١٠٢).
(٤) الشفا (١٧٧/٢).
٥٥٣

وقال الإمام الرازىُّ : ويدل على بطلان هذه القصة التى تُروى فى حديث هاروتَ
وماروتَ أنهم ذكروا فيها أن الله تعالى قال لهما : لو ابْتُلِيتُماَ بما ابْتُلِيَ به بنو آدم
لعصيتمَانِى)) فقالا: «لو فعلتَ ذلك يارب ما عصيناك)»، وهذا لايجوز نسبته إلى ملكين ،
فإنه ردّ على الله تعالى .
ويدلّ على بُطلائها أيضاً: أن التخيير وقع بين عذاب الدُّنيا وعذاب الآخرة ، والله تعالى
خَيَّرِ العصاة بلِ الكفار بين التوبة والعذاب، ولذلك روَوْا أنّهما ﴿ يُعَلَّمَانِ النَّاسَ
السِّحْرَ﴾ (١) حال كونهما معذَّبَيْن، وهذا من أعجب العَجَب ، ثم إنهم يَرْوونَ أَنّ المرأةَ التى
فَجَرَتْ صعِدتْ إلى السَّماء ومُسِخَتْ كوكباً مضيئاً من السَبعةِ السيارةِ وهذا مخالفٌ
للإِقْسَامِ بالخُنَّسِ الجَوَارِ الكُتَّس
قال الشيخُ فى ((الحبائك)) وقال الصفَوِىُّ الْأُمَوىّ فى ((رسالته)» بعد أن ذكر
عصمتهمْ ، واستدلّ عليها ، واحتج المخالف بقصة هاروت وماروت ، وبقصة إبليس مع
آدَمَ، وباعتراضهِمْ على الله تعالَى بقولهم: ﴿ أَتَجَعْلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (٢) وجوابهُ على
سبيل الإجمال : إن جميعَ ماذكرتم محتملٌ احتمالاً بعيداً أو قريباً، وعلى التقديرين
لايُعارِضُ مادلّ على عصمتهم زمنَ الصرائحِ والظواهرِ .
قال الشيخُ : وهذا الجواب فى قصة هاروتَ وماروتَ أَعقدُ من الجواب الذى قبله ، لما
تقدم عند ذكرهما من الأحاديث الصحيحة (٣).
وقال القَرَائىُّ من أئمة المالكيةِ : ومنِ اعْتقد فى هاروتَ وماروتَ أنهما (٤) يُعَذَّبانِ
بأرضِ الهند على خطيئتهما مع الزهرة فهو كافرٌ ، بل هم رسلُ الله وخاصتهُ يجب تعظيمُهُم
[وتوقيرهم] (٥) وتنزيههم عن كل ما يُخِلَ بعظيمٍ قدرهمْ ، ومن لم يفعلْ
ذلكَ وجبَ إراقةُ دَمِهِ .
وقال البُلْقِينِىُّ فى ((منهج الأصليين)) (٦) العصمةُ واجبةٌ لصفةِ النُّبوّةِ
والملكية (٧) وجائزةٌ لغيرهمَا، ومنْ وجبتْ لهُ العصمةُ فَلاَ يَقعُ منْه كبيرةٌ ولا. / [ظ٣٨٢]
(١) سورة البقرة من الآية (١٠٢).
(٢) سورة البقرة من الآية (٣٠).
(٣) انظر: الحبائك فى أخبار الملائك للسيوطى من (٦٩) حديث رقم (٢٤٨) ماجاء فى هاروت وماروت .
(٤) فى ب ((إنما)).
(٥) مابين الخاصرتين زيادة من (ب) .
(٦) فى ب ((الأصلين)).
(٧) ف ب ((والملائكية)).
٥٥٤
۔
٠

صغيرةٌ ، ولذلكَ نعتقدُ عصمةَ الملائكةِ المرسلينَ منهم ، وغير المرسلينَ ، وإبليسُ لم يكنْ منَ
الملائكةِ، وإنّما كانَ من الجنّ ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (١)، وأمَّا هاروتُ وماروتُ [ فَلا
يصحُّ فيهما خبرٌ. وفى كتاب ((الجامعِ مِن المحلَّى)) لابْن حزْمٍ: إِنَّ هاروتَ
وماروتَ ] (٢) مِنَ الجِنّ ، وليسَامَلَكَيْنِ .
قال الشيخُ : قلتُ : فإن صحَّ هَذَا لم يَحتَجْ إلى الجواب عَنْ قِصّتهمَا، كما أنّ إِيلِيسَ
لم يكنْ منَ الملائكة ، وإنّما كانَ بينهمْ وهُو مِنَ الجِنّ .
وقالَ الإمامُ أبُومنصورِ الَاتُرِيدِىُّ (٣)، إمامُ الحنفيةِ فى ((العقائد)) (٤) كما أن
الشيخَ أبَا الحسنِ الأشْعَرِىّ (٥) إمامُ الشَّافِعِيةِ [ فى ذلك ما نصه] (٦): ((ثم إنّ الملائكة
كُلُهُمْ معصومونَ خُلِقُوا للطاعَةِ إلّ هاروتَ وماروتَ)) .
وقَالَ القَرَائِىُّ : اعلمْ أنّهُ يجبُ علَى كلِّ مكلفٍ تعظيُمِ الأنبياءِ بأسرهمْ ، وكذلك الملائكةُ
ومن قال (٧). فى أعراضهمْ شيئاً فقدْ كَفَرَ، سواء كانَ بالتَّعريضِ، أوْ بالتصريحِ ، فمن قالَ
فى رَجُلٍ يراهُ شديدَ البطشِ هذا أقسى قلباً من مالِكِ خازنِ النَّارِ، وقال فى رجلٍ يَراهُ مشوَّهَ
الَخِلْقِ هذا أوْحشُ مِنْ منكر ونكير فهوَ كافِرٌ ((إِذْ قَالَ ذلك فى معرضِ النَّقْصِ بِالْوَحَاشَةِ أوَ
الْقَسَاوَةِ)).
(١) سورة الكهف من الآية (٥٠) .
(٢) مابين الحاصرتين ساقط من (ب) .
(٣) الماتريدى : هو أبومنصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدى ، أصله من ماتريد ( أوماتريت ) من أعمال سمرقند كان رأس
المدرسة الماتريدية التى سمت باسمة وهى والمدرسة الأشعرية تمثلان مذهب أهل السنة . وهاتان المدرستان اختلفتا فيما
بينهما اختلافا عرضيا، وذلك فى ثلاث عشرة مسألة ، ولقد اعترفت المدرسة الماتريدية بحرية الارادة ( عند الإنسان ) وذلك
وفقا للقاعدة التى وضعها أبو حنيفة فى حين دافع الأشعرى على الأخص عن القول بعدم تقيد إرادة الله ، ولانعرف شيئا يذكر
عن حياة الماتريدى وتوفى سنة ٣٣٣هـ / ٩٤٤م.
مصادر ترجمته: الجواهر للقرشى (١٣٠/٢ - ١٣١) وتاج التراجم لابن قطلوبغا (٤٣ - ٤٤) والأعلام للزركلى (٢٤٢/٧)
ومعجم المؤلفين لكحالة (٣٠٠/١١) وتاريخ التراث العربى لفؤاد سيزكين (٣٧٨/٢).
(٤) فى ب ((الاعتقادات)).
(٥) هو أبو الحسن على بن إسماعيل بن إسحاق الأشعرى، ولد فى البصرة سنة (٢٦٠هـ / ٨٧٤م) ونحن لانعرف الكثير عن
حياته كان تلميذا للجبائى المعتزلى ، يقال: إنه عندما بلغ أربعين عاما تحول إلى مذهب أهل السنة ، وذلك بسبب نزاع بين
شيخه وبين المعتزلة . ولقد استطاع التغلب على اعتراض علماء المسلمين القدامى عن الجدل حول العقيدة ، ورد على
المعتزلة ، وطوائف الغلاة الأخرى ، وهذا هو جهده الذى نال به مكانته ، وكان الأشعرى فى الحقيقة حلقة اتصال بين
المعتزلة وأحمد بن حنبل ، ومع ذلك فلا ينطبق هذا بالضرورة على كل تعاليمه ، وقد كانت فى مركز وسيط فى عدد من القضايا :
حرية الإرادة ( أفعال العباد ) وطبيعة القرآن ، ويعد الأشعرى بحق مؤسس علم الكلام عند أهل السنة ، وقد وجدت
تعاليمه عند الشافعية تفهما أكثر من غيرهم ، وأخذ اتباعه : الباقلانى، وابن فورك ، وإمام الحرمين الجوينى ، وعلى الأخص
الغزالى آراءه وعلموها غيرهم ونشروها فى كل مكان، وتوفى الأشعرى سنة (٣٢٤هـ / ٩٣٥م) (تختلف المصادر فى تاريخ
وفاته ) .
مصادر ترجمته : الفهرست لابن النديم (١٨١) وتاريخ بغداد للخطيب البغدادى (٣٤٦/١١ - ٣٤٧) وطبقات الشافعية
للسبكى (٢٤٥/٢ - ٣٠١) .
(٦) مابين الحاصرتين زيادة من (ب) .
(٧) فى ب ((نال من)).
٥٥٥

الثّانى: من الأدلةِ التى استدَلّ بهَا مِنْ قالَ بعدِم عصمتهمْ فى قصَّةِ آدَمَ ، وأمرهمْ
بالسُّجُودِ لهُ، وما قَالُوهُ عنْد خلقهِ، والاحتجاجِ بِهَا منْ وجوهٍ :
أَحَدِهَا: اعتراضُهُمْ بقولِهِمْ ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ (١).
والثّانى : غِيبَتُهُمْ لبنىٍ آدَمِ بذلك .
والثَّالِثِ : إعجابُهُمْ وافتخارهمْ على بنى آدمَ بقولهمْ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بَحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ
لَكَ﴾ (٢).
والرّابعِ : مخالفةُ إبليسَ فى الأمْرِ بالسُّجودِ ، معَ أنّه كانَ مِنَ الملائكةِ .
فهذهِ الوجوهُ الأربعةُ أشبهُ ما احتَجَ بهِ المخالفُ مِنْ هذه الآيةِ ، وإنْ كانَ فِيهَا وَجُوهٌ
أُخَرُ مِنَ الأحتجاجِ ، لكنْ أعْرضناً عنْها، لضَعْفِهَا، ووضُوحِ الجولبِ عَنْها .
والجوابُ عنْ هذه الوُجوه :
أما الأوّلُ : وهوَ أنّهُمُ اعترضُوا عَلَى الله تعالَى ، فقد أجابَ عنْه أهلُ السُّنَّةِ بوجوهٍ
ثلاثة
أحدِهَا : أنَّ هَذَا ليسَ علَى سبيلِ الاعتراضِ، وإنّما هُو على سَبِيلِ التَّعلُّم لأمرِ الله
تعالَى ،
ومعنَاهُ : أنّهِمْ قالُوا ذلك ليظهرُوا عظمةَ حِكْمَةِ الله تعالَى، وأنّه جعل فى الأرْضِ من
هذه صَنعتُهُ ، وهذا الّذِى ظهر منْ حاله بحكمةِ علمها (٣) ، ومصلحة قدرها، هُوَ أعلمُ
بِهَا ، فكأنهمْ قالُوا: سُبحانَكَ ربَّنَا، وتعاليتَ، ما أعظمَ شَأْنَكَ وحكمتكَ ، فعلمكَ بخفاياً
الأمُورِ، حيثُ تجعلُ فى الأرْضِ مَنْ يفسدُ فيهاَ ويسفِْ الدِّماءَ ، وأنتَ أعلمُ بموضعِ
المصلحةِ فى ذلك ، ولهذا أجابَهُمْ بقولهِ :
(١) سورة البقرة من الآية (٣٠).
(٢) سورة البقرة من الآية (٣٠) .
(٣) فى ب ((بحكمه عليها)).
٥٥٦

إِنِّى أَعْلَمُ مَالَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) فكأنه (٢) تقريرٌ لهم على ما اعتقدوهُ مِنْ خَفى حكمة الله
تعالى وعلْمِهِ .
والثّانى: أنّهم لشّدةٍ محبّتهم الله تعالَى، وحِرْصِهِمْ عِلَى الطاعةِ ، كَرِهُوا المعصيةَ،
فَسَأَلُوا أَعْلَامَهُمْ، بِما خَفِىَ مِنَ الحكمةِ فى ذلك؛ ليطمئِنُوا، ويسكُنُوا إليْهِ ، وهُوَ قولُ
الأخْفَش (٣)
والثالثُ: وهوَ الَّذى اختارهُ القَقَّالُ: أنَّ ذلك على سبيلِ الإثباتِ والإيجاب ، فهوَ
استفهامُ تقريرٍ وإيجاب، وليسَ المرادُ بِهِ: الاستعلامُ ولَ الإِنْكَارُ، فكأنَّهُمْ قَالُواَ : يفعَلُ
ذلْكَ ، وهُو كَقُولِ الشَّاعِرِ :
اَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ (٤) / [و٣٨٢]
أْ : أَنْتُم كذلِكَ، وقَدْ قيلَ غيرُ هذه الأجوبةِ، لكنْ هذه أقواها .
فإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ عَلِمَ الملائكةُ أنَّ بَنى آدمَ يَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ ، ويُفْسِدُونَ فى الأرضِ ؟ وكيفَ
أضَافُوإِ ذلك إلى جميعهِمْ، مَعَ انَّهُ مضافٌ إلى البَعْضِ ؟
قلنا: لعَلَّهم كانُوا قد اطّلعُوا عَلَى ذلك مِنَ اللوحِ المحفوظِ، وأنّ الله تعالَى أعلمهُمْ بذلْكَ ، أو
عَلِمُوهُ من جهةِ أنّهم رأوْا خَلْقهُ مركّبًاً علَى الغضب والشَّهْوةِ ، ومَنْ كانَ كذلك فالظَّاهِرُ أنَّه يُفسدُ
ويَسْفِذُ، أو عَلِمُوهُ لأنَّهم لما رأَوْا ما خُلِقِ للإنسانِ من العذابِ فى النّارِ ، أوْ لتسميةِ الله تعالَى آدَمَ
خليفةٌ ، فإنّه قيِّمُ بِفَصْلِ الخصُومَاتِ ، فَعَلمِوا أحْوالهُ من جهةِ خلافتهِ ، وَكلّ هذه الوجوهِ
منقولةٌ .
(١) سورة البقرة من الآية (٣٠).
(٢) فى ب ((فإنه».
(٣) أبو الخطاب الأخفش كان من أكابر علماء العربية ومتقدميهم، وأخذ عنه أبوعبيدة معمر بن المثنى ، قال أبو عبيدة : سالنى
أباالخطاب الأخفش ، وكان مؤدبا لأبى عبيدة: هل تجمع اليد الجارحة على أيادى؟ فقال: نعم ، ثم سالت ابا عمرو بن العلاء
فأنكر ذلك ، فقلت لأبى الخطاب: إن أبا عمرو قد انكر ماأثبته، فقال: أوماسمع قول عدى:
ساءها ما تأملَتْ فى ايادي نا واشفاقها إلى الأعناق.
ثم قال: هى فى علم الشيخ، لكننى قد أنسيته، وهو كما قال أبوالخطاب قال الشاعر :
فمن ليد تطاولها الأيادى
وإن كان الأغلب أن يراد بها النعمة .
انظر: تاريخ الأدباء : المسمى: نزهة الألباء فى طبقات الأدباء لابن الأنبارى (٢٩).
(٤) المقتضب لأبى العباس محمد بن يزيد المبرد (٢٩٢/٣) تحقيق أستاذنا محمد عبدالخالق عضيمة، والبيت من قصيدة لجرير
فى مدح عبدالملك بن مروان، وهى فى الديوان ص (٩٦ - ٩٩) وانظر: المغنى (١٦/١).
٥٥٧

وأَماً إضافتُهُمْ ذلك إلى جميعِ بنىِ آدَمَ ، فليسَ فى الكلامِ صريحُ إضافة إلى الجميعِ ، ولَوْ
صدَّرَ هذا مِنْ واحدٍ صَحَّ أنْ يقالَ: جَعَلَ فى الأرْضِ مِنْ يُفْسِدُ فِيهاَ، وَيَسْفِلُ الدِّمَاءَ؛ لأنَّ مَنْ
تَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ وَالجمْعِ .
والجوَابُ عنِ الوجهِ الثَّانِى: وهُوَ أنّ قولَهُمْ : أنّ هذهِ غِيبَةٌ لبنىِ آدَمَ ، أنّ الغِيبةَ قدْ تباحُ
للمصلحةِ فى مواضعَ : منهَا نصيحةُ المسْلِمِ فى عبْدٍ يشتريهِ، أو زوجٍ يتزوجُهَا ، أوْ مَا نَاسَبَ
ذَلِكَ، لحديثِ فاطمةَ بنتٍ قيس١ُ لمأَ خَطبها معاويةُ وأبُوجَهْمٍ، وقولُ رسُولِ اللهَِّ لَهاَ: أمَّا
معاويةُ فَصُغْلُولٌ، وأمَّا أَبُوجَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ العصى عنْ عاتقهِ ، ومِنْها : إعلامهُ بما يُقالُ فيهِ
ليتجنّبهُ ، ومنْهاَ: الإعلامُ بحالٍ مِنْ لَايصلُحُ لأمرِ مُهِمَ منْ أمورِ المسلمينَ مثلَ وَلىِّ أمر ، يريدُ أنْ
يُوَلّىَ رجلاً على ما لا يصلحُ لهُ، ومثلُ رَجُلٍ يريدُ أنْ يَسْتَفتى فاسقًا ، أو يتعلَّمَ منهُ، ومنَّهاَ أن يكونَ
ذلك للتعريفِ كالأَلْقَاب. ومنْهاَ ما يقعُ فى الفتْوى والتَّعَلُّم، فيجوزُ للمتعلّم والمستفتِى أنْ يوضّح
الحالَ فيمَا أريد السّؤَالُ عِنْه كقولِ المرأةِ للمفتىِ زوجى كذا، فما أفعلُ؟ وقد صح فى هذا .
حديثُ هندٍ امرأةٍ أبىٍ سفيانَ، وأنهاَ قالتْ النَّبِّمَ: ((إِنّ أباَسُفيانَ رَجُلٌ شحيحٌ، » وجاز ذلك
لحاجتها إلى علْمِ ما يجوزُ لَهَا أن تتناوُلَ من مالِهِ. وقصّةُ الملائكةِ مِنْ هَذا الباب ؛ لأنّ قصدهُمْ
إنّما كانَ لمعرفةِ الحكمِ ، وإزالةِ الإِشْكَالِ فى ذلك ، والتعلّم فكانَ ذلك من الغِيبَةِ الجَائِزةِ. (٢)
والجواب عنِ الوجهِ الثَّالِثِ: وهو: أنَّ قولهُمْ ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (٣) إِلى آخرهِ جارٍ
مَجْرَى الإعجاب مِنْ وَجْهَيْنْ :
أحدِهِمَا : أنَّا لا نسلّم أَنَّ ذلك مِنْ باب مدحِ النَّفْس بلْ هُوَ مِن التحدُّث بِنِعَمِ الله عزَّ وجلّ،
والتحدّثُ بنعمِ الله شكرٌ، وقد قالَ تعالَى لِنَبِّهِ وَ ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. (٤).
والثّانىِ : أن ذلك جار مَجْرَى الاعتذار عما ذكروهُ؛ لأنّ قولهُمْ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ
فيهَا﴾ (٥) فى صُورة الاعتراض، فأرادَ الملائكةَ نَفْى توهّم ذلك عنهم، فأَتْبعُوا سُؤَّالهْم بقولِهِمْ
(١) فاطمة بنت قيس بن وهب بن شيبان بن محارب بن فهر، الفهرية، أخت الضحاك بن قيس، قال لها النبى #: «لاسكنى لك
ولانفقة )).
لها ترجمة فى: الثقات (٣٣٦/٣) والطبقات (٢٧٣/٨) والإصابة (٣٨٤/٤) والمشاهير (٢٠٩) ت (١١١٤).
(٢) هى هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبدشمس ، امرأة أبى سفيان بن حرب أم معاوية .
لها ترجمة فى: الثقات (٤٣٩/٣) والطبقات (٢٣٥/٨) والإصابة (٤٢٥/٤) وتاريخ الصحابة (٢٥٩) ت (١٤٣٧).
(٣) سورة البقرة من الآية (٣٠).
(٤) سورة الضحى ، الآية (١١).
(٥) سورة البقرة من الآية (٣٠) .
٠ ٥٥٨

﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (١) يَعْنُونَ الله تعالى أعلم، أنَّا لِسْنَا نعترضُ عليكَ فى أمرِكَ
فإِنأَّ عَبِيدُكَ الْمُسَبِّحُوَن المقَدِّسُونَ .
والجوابُ عنِ الرّابع : وهوَ أنّ إبليسَ كانَ مِنَ الملائكةِ وعَصَى أنَّ النَّاسَ اختلفُوا / [٣٨٣]
فيهِ :
قالَ الإمامُ النَّوَوِىُّ: رُوِىَ عنْ طاوُوسٍ (٢)، ومجاهدٍ (٣)، عنَ ابْن عبَّاس رَضىَ الله تعالَى
عنهما: أنّهُ كانَ مِنَ الملائكةِ، واسمُهُ عزازيل، فلمّا عَصَى الله تعالىَ لَعَنَهُ، وجعلَهُ شيطاناً مرَيدًا (٤).
وسمَّاهُ: إبليسَ ؛ لأن الله أبْلَسَهُ مِن الخير كلّه، أْ: أيسَ مِنْ رحمةِ الله تعالَى، والُبْلِسُ :
المكتئبُ الحزينُ .
قال الوَاحِدِىُّ : والاختيارُ أنّهُ ليسَ بمشتقٌّ؛ لإجماعِ النَّحويِّينَ على أنَّهُ مُنِعَ من الصَّرْفِ
للعجمةِ والمعرفةِ، ثم قالَ : وبهذا أى بِالْقَولِ إِنَه كانَ مِنَ الملائكةِ قالَ ابن مسعودٍ ، وابنُ
المسَيِّب، وقَتَادَةُ، وابن جَرِيرِ ، وابنُ جُرَيْجٍ، واختارهُ الرازِىّ، وابنُ الأَنْبَارِىّ ، قالُوا : وهذا
مستثنىٍّ منَ المستثنىَ مِنْه قالُوا : وقولُ الله تعالَى ﴿كَانَ مِنَ الجِنِّ﴾ أْ: طائفةٌ مِنَ الملائكةِ يقالُ
لهمُ الجِنّ (٥) .
وقالَ الحسنُ ، وعبدُ الله بنُ زيدٍ ، وشَهْرُ بنُ حَوْشَب : ما كانَ مِنَ الملائكةِ قطُ ،
والأستثناءُ ، منقطعُ، والمعنىَ عندهْ : أنَّ الملائكةَ وإبليسَ أُمِرُوا بالسُّجُودُ فأطاعتِ الملائكةُ
حكمهْ ، وعَصَ إبليسُ (٦) .
والصحيحُ : أنَّهُ من الملائكةِ ؛ لأنَّهُ لم يُنْقَلْ أنّ غير الملائكةِ أُمِرَ بالسُّجُودِ . والأصْلُ فى
الاستثناءِ أن يكونَ مِنْ جنسِ المستثنىَ منُه والله تعالى أعلم .
وأمَّا إِنْظَارُهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ فَزيادةٌ فى عقوبتهِ ، وتكفيرُ مَعَاصِيهِ وغِوَايَتِهِ . انتهى .
وقالَ القاضىُّ: الأكثرونَ يَنْفُونَ أنَّهُ ليسَ مِنَ الملائكةِ ، ويقولونَ : إِنّه أبُو الجِنّ كما أنّ آدَمَ
أبُو الإِنْسِ .
(١) سورة البقرة من الآية (٣٠) .
(٢) طاووس بن كيسان الهمدانى الخولانى، أمه من أبناء فارس، أبوه من النمر بن قاسط ، كنيته : أبو عبدالرحمن ، من فقهاء
أهل اليمن وعبادهم وخيار التابعين وزهادهم ، فمرض بمنى ، ومات بمكة سنة إحدى ومائة، وصلى عليه هشام بن عبدالملك
ابن مروان بين الركن والمقام .
له ترجمة في: الجمع (٢٣٥/١) والتهذيب (٨/٥) والتقريب (٣٧٧/١) والكاشف (٣٧/٢) والمشاهير (١٩٨) ت (٩٥٥).
(٣) مجاهد بن جبر، وقد قيل: ابن حبير مولى عبدالله بن السائب القارىء ، كنيته أبوالحجاج ، كان مولده سنة إحدى وعشرين
وكان من العباد والمتجردين فى الزهاد مع الفقه والورع ، مات بمكة وهو ساجد ، سنة اثنتين أو ثلاث ومائة .
ترجمته فى: الحلية (٢٧٩/٣) وتذكرة الحفاظ (٨٦/١) وطبقات ابن سعد (٤٦٦/٥) والإصابة ت (٨٣٦٣).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (٢٩٥/١) .
(٥) الجامع لأحكام القرآن (٢٩٤/١) .
(٦) المرجع السابق .
٥٥٩

جُمَّاعُ
أبواب ما يخصُّهُ ﴿ مِن الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيّةِ، وَمَا يَطرأُ عليْهِ منَ
العَوارضِ البَشرِيَّةِ، وكذَا سائر الأنبياءِ} (١) [ عليهمُ الصّلاة
والسَّلامُ ](٢)
(١) مابين المعقوفتين زيادة من (ب) .
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من (جـ).