Indexed OCR Text

Pages 561-580

وكلام عيسى فى المهد ، فإنها ليست معجزات وإنما هى كرامات ، ظهورها على الأولياء
جائز . والأنبياء قبل نبوتهم لا يُقَصِّرُون عن درجة الأولياء - فيجوز ظهورها عليهم أيضا ،
ويُسَمَّى حنيئذ إرهاصا (١) أى تأسيسا للنبوة، وخرج بالمقارنة المتأخرة عن التحدى بما
يخرجه عن المقارنة العرفية (٢) نحو ما روى (٣) بعد وفاته و ال# من نطق بعض الموتى بما
تواترت به الأخبار .
وخرج بأمن المعارضة : السحر المقرون بالتحدى ؛ فإنه تمكن معارضته بمثله من
المرسل إليهم .
الرابع : أن تقع على وِفْقَ دْوَى المتحدى بها. فلو قال مُدَّعِّى النبوة: آية (٤) نُبُوَّتِى أن
تنطقَ يدى أو هذه الدابة بكذبه ، فقالت . كذبَ أو ليس هو [ نبيٌّ (٥)] فإن الكلامَ الذى
خلقه الله تعالى عز وجل دالٌّ على كذب ذلك المدَّعِى ؛ لأنَ ما فعله الله تعالى لم يَقَع على
وَفْق دعوَى المذَّعِى. كما رُوِى أن مسيلمة الكذاب - لعنه الله عز وجل - تَفَل فى بِثر ليكثُر
ماؤُها فَغَارت وذهَب ما فيها من الماء . فما اختل شرط من هذه الشروط لم تكن معجزة . ولا
يقال قضية كما قلتم : إن ما توافرت فيه الشروط الأربعة من المعجزات لا يظهر إلا على أيدى
العارفين وليس كذلك ... إن المسيخ الدجال يظهر على يديه من الآيات العظام ما هو
مشهور كما وردت به الأخبار الصحيحة . لأن ما ذكر فيمن يدعى الرسالة ، وهذا يدعى
الربوبية وقد قام الدليل العقلى على أن بعثه بعض الخلق [غير (٦) ] مستحيل. فلم يُبْعُد أن
يقيم الله عز وجل الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة ودلت القواطع على كذب
المسيخ الدجال فيما يدَّعيه للتغير من حال إلى حال . وغير ذلك من الأوصاف التى تليق
بالمحدثات ويتعالى عنها رب البريات سبحانه وتعالى .
(١) الإرهاص : هو ما يظهر من الغرائب على يد النبى قبل النبوة تمهيدا وتأسيسا لها .
(٢) هكذا فى م وصحفت فى الأصل وز فجاءت [ العربية ] .
(٣) هكذا فى م وجاء فى الأصل وز [ رئی ] والصواب ما فى م .
(٤) سقطت من م .
(٥) هكذا فى جميع النسخ ... وعلى قواعد العربية : ليس هو نبيا . .
(٦) زيادة تقتضيها صحة السياق وهى من م .
( ٣٦ - سبل الهدى والرشاد جـ ٩ )
٥٦١

الفصل الأول: ويؤخر هذا عنه (١)
الفصل الثانى
قال القاضى : (٢)
اعلم أن الله عز وجل قاده على خلق المعرفة فى قلوب عباده ، والعلم بذاته : أی کونها
موجودة ، وأسمائه الحسنى الدالّة على أحسن المعانى وصفاته (٣)، وجميع تكليفاته ، التى
ألزمها عباده ، فيعلمون أن لهم ربا موجودا ، ذا أسماء وصفاتِ كمال ، ابتداءً ودونَ واسطةٍ ،
لو شاء خلقَ ذلك فيهم ابتداء ودون واسطة ، لو شاء خلق ذلك فيهم ابتداء وبلا مرشد إليه ،
ومبين لهم إياه ، كما حكى عن سنن بعض الأنبياء . إذ خلق فيه ذلك إلهاما وإلقاء فى
· الروع، أو رؤيا إبراهيم مناما أن يذبح ولده ورؤياهم وَخْى . وذلك قول بعض أهل التفسير فى
قوله تعالى ﴿وما كانَ لِبَشرِ أنْ يُكلِّمه اللهُ إلا وَحْيا (٤) ﴾ أى وحى إِلهام، أو رؤيا بشهادة
﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ (٦). فإنه وَقع (٧) إلقاءً أو رؤيا. وكما هو تعالى قادر
على خلق ما ذكر فى قلوبهم ابتداءً بدون واسطة جائز أن يُوَصِّل إليهم جميعَ ذلك بواسِطة
تُبَلِّغُهم ما أمرَ بتبليغه إليهم ، مما يدل على ذلك من كلام يُهْدَى إليه . ویکون ذلك
الواسطة: إما من غير (٦) البشر كالملائكة مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يُوحون إليهم ما
أرسلوا به ، أو من جنسهم كالأنبياء مع الأمم يُنْبِئونهم ما أُنْزِلَ إليهم ، ولا مانع لهذا الذى ذكر
يمنع وصوله إلى عباده بواحدة من حالتى الابتداء والواسطة من دليل العقل بتجويزه إياه ، وإذا
جاز هذا له ولم يَسْتحِل . وجاءت الرسل بما دلَّ على صِدْقهم من معجزاتهم وجب
(١) هكذا فى جميع النسخ . ولعله كان عنوان ما بدأ به من أول كلام القاضى عياض .
(٢) انظر الشفا للقاضى عياض جـ ١ / ١٦٠ وما بعدها .
(٣) الشفا - القاضى عياض جـ ١ / ١٦٠ ط مصطفى البابى الحلبى ١٣٦٩ هـ - ١٩٥٠م.
(٤) سورة الشورى : من الآية : ٥١ .
(٥) سورة القصص : ( من الآية : ٧ ) .
(٦) جاء فى م والأصل [ قطع ] وما أثبتاه هو ما فى ز وهو الصواب.
٥٦٢

على المرسَل تصديقُهم فى جميع ما أتَوْا به مما كُلِّفوا؛ لأن العجز [ مع (١)] التَحدِّى من
النبى قائم مقام قول الله تعالى : صدق عبدى فأطيعُوه واتبعوه ، وشاهدٌ على صدقه فيما
يقول من دعواه النبوة والرسالة إلى من أرسل إليهم ، وهذا كاف فى قضائه بإمكان ما ذكر .
وأن المعجز مؤذنٌ بصدق النبى لقيامه مقام إخبار الله تعالى بأنه صادق تجری عادته بخلق
العلم بصدقه علما ضروريا(٢).
١
(١) فى م : عن .
(٢) الشفا فى حقوق المصطفى للقاضى عياض جـ ١ / ١٦٢.
٥٦٣

الفصل الثالث
قال القاضي :
اعلم أن معنى تسميتنا ما جاءت به الأنبياءُ من الآيات الخارقة للعادة معجزةً هو أن الخلق
عجزوا عن الإتيان بمثلها ، فكان عجزُهم عنها سببًا لتسميتها معجزة . من العجز المقابل
للقدرة ، وحقيقة الإعجاز إثبات عجز المرسل إليهم ، اسْتُعير لإظهارِ عجزهم . ثم استند إلى
ما هو سبب لإظهاره من الخوارق . وجعل اسماله .
والمعجزة على ضربين ، من حيث كونها مقدورة للبشر وغير مقدورة :
ضرب هو من نوع ما يمكن دخوله تحت قدرة البشر ، ویمکنهم الإتيان به فعجزوا عنه ،
فتعجيز الله تعالى إياهم عنه هو فعل الله تعالى دليل على صدق نبيه لأنه كصريح قوله : صدق
عبدى فى دعواه الرسالة لجزى العادة بخلقه تعالى عَقِبَه علما ضروريا بصدقه ، كمن قال لجمع
٠٠ .. أنا رسولُ الله تعالى إليكم. ثم نَتَقَّ فوْقَهُم جبلاً. ثم قال: إن كذَّبْتُمونى وقعَ عليكم ، وإلا
انصرف عنكم ، فكلَّما هموا بتصديقه بَعُد عنهم . أو تكذيبه قرُّبَ منهم ، فإنهم يعلمون ضرورة
صدقه مع قضاء العادة بامتناع صدور ذلك من الكاذب منهم كصرف اليهود عن تمنى الموت إذ
بعجزهم عن تمنيه مع إمكانه يعلمون ضرورةً أنه صادق (١) .
وضرب من المعجزة هو خارج عن قدرتهم فلم يقدروا على الإتيان بمثله [ كإحياء (٢) الموتى ]
:
إذ ليس من جنس أفعالنا ، وأما إحياؤهم على يد عيسى ◌َله معجزة له فكأنما كان من الله لأنه
. (٣) شهادة. وإحياء الموتى بإذن الله. وقلب العصا حية تسعى معجزة لموسى رَّيّ. وإخراج
ناقة من صخرة بلا واسطة وأسباب معهودة معجزة لصالح وَّ ر . وكلامُ الشجرة ونبع الماء من
بين الأصابع وانشقاق القمر معجزاتٌ لنبينا محمدٍ وَلّ مما لا يمكن أن يفعلهُ
(١) انظر الشفا للقاضى عياض جـ ١ / ١٦٢.
(٢) ما بين القوسين سقط من (م).
(٣) فى الأصل و(ز): [ لامنه شهادة] وما أثبتناه من الشفا.
٥٦٤

أحد إلا الله تعالى، فيكون ذلك على يَدَىْ النبى ◌َلَّ مِنْ فِعْل الله تعالى حقيقةً وتحدِّيه من
يكذِّبُه إن طلب (١) منْه أن يَأْتِى بمِثْلِه تعجيزٌ له عن ذلك .
واعلم أن المعجزات التى ظهرت على يد نبينا بَّ ودلائل نبوته وبراهين صدقه من هذين
النوعين معًا: أى ما هو من نوع قدرة البشر ، وما هو خارج عنها .
وهو أكثر الأنبياء معجزة وأبهرهم آيةً ، وأظهرهم برهانا . وهى مع كثرتها لا يحيط بها ضبط
فإن واحدا منها وهو القرآن لا يُحْصَى عَددُ معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر؛ لأن النبى وَّر
قد تحدَّی بسورة منه فعجزوا .
قال أهل العلم: وأقصرُ سُور القرآن: ﴿إِنَّا أعْطْيناكَ الكَوْثَرِ﴾. لأنها ثلاثُ آيات حروفها
أقل من حروف آيات سورة هى ثلاث مثلها ﴿ قُلْ هُو الله أَحَدٌ﴾. وكل آية منه طويلة بعدد
آياتها كلمات وحروفا أو آيات منه بعددها آيات وحروفا كلماتٌ معجزة لا تُعَارض مُوازَةً
وَمَدانَةً . ثم فى سورة الكوثر نفسها معجزات على ما سنفصله فيما اشتمل عليه القرآن من
(٢)
المعجزات التى فاتت الحصر
(١) فى الأصل وز : طلبه .
(٢) الشفا للقاضى عياض جـ ١ / ١٦٣.
٥٦٥

الفصل الرابع
قال القاضى أيضا :
معجزاته ردّ على قسمين :
الأول : ما علم قطعا . ونقل إلينا متواترا كالقرآن ، فلا مِرْيَة ولا خلاف فى مجىء النبى
إلا به ، وظهوره من قِبَلِه ، واستدلاله به على ثبوت نبوته . وكونه رسولا إلى الناس كافة ونحو
ذلك . وإن أنكر مجيئه به ، وظهوره من قبله واستدلاله به معاند جاحد عن منهج القصد ،
باغ یرد الحق مع علمه جاحد له منکر . فإنکارہ کانکار ( وجود (١)) محمد پیے فى الدنيا
وإنما جاء اعتراض الجاحدین فی کونه حجة له پ# كما ورد فى كونه كلام الله ، إذ قالوا:
أساطير الأولين . ما أنزل الله على بشرٍ من شىء . هذا سحرٌ مبين . فالقرآن فى نفسه وجميع
ما ( تضمنه) (٢) من معجز معلومٌ ضرورةً، كما شهد به الأعداءُ كالوليد بن المغيرة إذ قال
حين تُلِىّ عليه منه ؛ إن له لحلاوَةً وإن عليه لطَلاوةً وإن أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر وما
هو من كلام البشر .
ووجه إعجازه معلوم ضرورة بجزالة لفظه . وفخامة تأليفه ، وبلوغه أقصى درجات مراتب
البلاغة والفصاحة وحسن التئام كلماته ، ونظم آياته ، وبراعة إيجازه وغرابة فنونه ۔ وصَبَاحَة
وجوه فواتحه وخواتمه ، فلا یحتاجُ العلم به إلى دليل .
قال بعض الأئمة [ رحمهم الله] : يجرى هذا القسم من معجزاته الذى علم قطعا، ويُقِل
إلينا متواترا ، أنه قد جرى على يديه وَّلِّ آياتٌ وخوارقُ عادات إن لم يَبْلغ واحد منها مُعَيَّنًا
القطع فيبلغُه جميعها . فلا مِرية فى جريان (جميع) (٣) معانيها على يديه وَّ ناطقة
بصدقه . شاهدةً بنبوته ، ولا يختلف مؤمن ولا كافر أنه قد جرتْ علی یدیه آ عجائبُ وإنما
(١) فى م : جحود , وهو تصحيف.
(٢) سقط من م .
(٣) زيادة فى م .
++»
٥٦٦

صدر خِلافُ المعاند فی کون العجائب فائضةً من قِبل الله تعالى( فجعلوها (8) سحرا وإِفكا
مفترى، وقد قَدهنا كونها فائضة من قِبَل الله تعالى (١)) من حيث إن ذلك المعجز مع التحدى
من النبى بمثابة قوله تعالى: يا عبدى صدقتَ فيما تَدَّعِيه من الرسالة ، فقد علم وقوع مثل
هذا الذى قدمناه أيضا من نبينا محمد #* ضرورة لاتفاق معانيها فى كونها خوارقَ عادات
مفحم من تصدَّى لمعارضتها كما يعلم ضرورة جودُ حاتم . وشجاعة عنترة العَبْسِىِّ -
(بالموحدة). وحلمٌ أحنف بن قيس ( رضى الله (٢) عنه ) لاتفاق الأخبار الواردة عن (٣) كل
وأحد منهم : على كرم حاتم ، وشجاعة عنترة ، وحلم أحنف وإن كان كل خبر من أخبارهم
الثلاثة بنفسه لا يوجد العلم . ولا يقطع بصحته لعدم توافر كل واحد منها منفردا فى كل
عصر (٤) :
القسم الثانى : من معجزاته ، وهو ما لم يبلغ مبلغ الضرورة والقطع ، وهو على نوعين :
الأول : ما اشتهر وانتشر ورواه العدد الكثير ، وشاع الخبر به عند المحدِّثين والرواة ،
ونَقَلَةِ السِّيَر والأخبار كنبع الماء من بين أصابعه ، وتكثير الطعام .
الثانى : ما لم يشتهر ، ولا انتشر . اختص به الواحد والاثنان ورواه (٥) العدد اليسير ولم
يشتهر اشتهار غيره لكنه اذا جمع إلى مثله اتفقا فى المعنى المقصود به الإعجاز واتفقا على
الإتيان بالمعجز كما قدمنا من أنه لا مِرْية فى جَرَيان مَعانيها على يديه . وأنه إذا انضَمَّ
بعضها إلى بعض أفادَ القطع .
(١) ما بين الرقمين سقط من م .
(٢) زيادة فى م .
(٣) فى م : على.
(٤) انظر الشفا للقاضى عياض جـ ١ / ١٦٣ .
(٥) فى م : ورآه .
٥٦٧

تنبيهات
الأول: قال ابن الصلاح فى فتاويه: انتدب بعض العلماء لاستقصاء معجزاته وَل
فجمع منها ألفَ معجزة ، وعددناه مُقَصِّراً ؛ إذ هى فوقَ ذلك بأضعافٍ لا تُحصَى ، فإنها
ليست محصورةً على مبا وجد منها فى عصره وَّة، بل لم تزل (١) تَتَجَدَّد بَعْدَهُ وَلَه على
تعاقُب العصور . وذلك أن من (٢) كرامات الأولياء من أمته ، وإجابات المتوسلين به فى
حوائجهم ، ومعوناتهم عقب توسُّلِهم به (٣) فى شدائدِهم براهينَ له قواطعَ ، ومعجزاتٍ له
قواطعَ ، لا يعدها عاد ، ولا يحصرها جاد (٤).
الثانى : فَرَّق جماعة بين المعجزة والسحر والكرامة .
قال الإمام المازرى (٥) : الفرق بينهما أن السحر يكون بمعاناة أقوالٍ وأفعال حتى يتم
للساحر ما يريد ، والكرامة [ (٦) لا تحتاج إلى ذلك بل إنما تقع غالبا اتفاقا أما المعجزة
فتمتاز عن الكرامة (٦)] بالتحدى .
ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق ، وأن الكرامة لا تظهر
على يد فاسق .
ونقل النووى فى زيارة الروضة عن المتولى (٧) نحو ذلك.
وينبغى أن نعتبر بحال من يقع منه الخارق ، فإذا كان متمسكا بالشريعة متجنبا للموبقات
فالذى يظهر على يديه من الخوارق كرامة ، وإلا فهو سحر ، لأنه ينشأ عن أُخَذٍ (٨) وقواعد
بإعانة الشياطين .
(١) زيادة فى م .
(٢) زيادة فى م .
(٣) زيادة فى م .
(٤) انظر: الشفا جـ ١ / ١٦٣ - ١٦٤.
(٥) المازرى هو العلامة أبو عبد الله محمد بن على بن عمر التميمى المعروف بالمازرى ت ٥٣٦ .
(٦ - ٦) ما بين الرقمين زيادة من م وبها يستقيم المعنى وتصح العبارة وقد سقطت من الأصل وز .
ا (٧) المتولى هو عبد الرحمن بن مأمون النيسا بورى من فقهاء الشافعية ت ٤٧٨ هـ وله كتاب (تتمة الإبانة).
(٨) الأخذ بضم الهمزة وفتح الخاء جمع أخذة وهى رقبة كالسحر أو حرزة يؤخذ بها - القاموس المحيط.
L
٥٦٨
٣٠٠

وقال القرطبى : السحر حيل صناعية
الثالث : التحدى طلب المعارض (١) المقابلة. قال الجوهرى (٢): تحدیت فلانا إذا
باريته فى فعل ونازعته ، وفى الأساس (٣): حدا حدوا . وهو حادى الإبل . وحدا بها حداء
إذا غَنَّى . ومن المجاز : تحدَّى أقرانه إذا باراهم ونازعهم للغلبة . وأصله فى الحداء يتبارى
فيه الحاديان ، ويتعارضان فيتحدّى كل واحد منهما صاحبه أى يطلب حداءه .
وفى بعض حواشى الكشاف : كانوا عند الحداء يقوم حادٍ عن يمين (( القطار (٤))) وحادٍ
عن يساره ، یتحدی كل منهما صاحبه(٥) ، یعنی یتحدی به أى يطلب منه (٦) حداءه ، ثم
اتسع فيه حتى استعمل (٧) فى كل مباراة . ذكره الإمام الطيبى رحمه الله تعالى.
الرابع : الهاء فى المعجزة للمبالغة وتوكيد الصفة كما فى علاّمة ونسَّابة ، واختصت الهاء
بهذا المعنى دون باقي الحروف ؛ لأنها ــ كما قال السهيلى فى روضه (٨) - غاية الصوت
ومنتهاه . لأنها من أقصى الحلق ، إما قبل أو معها أو بعدها . وقبل الألف أو معها أو بعدها
أيضا - كما هو مذهب سيبويه . ومن ثم لم يكسّر (٩) ما هى فيه فلا يقال فى علامة ونسابة :
علاليم ونساسيب ، لئلا يذهب اللفظ الدال على المبالغة، كما لم يكسَّرْ المصغر لذلك
وقيل : الهاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية كما فى الحقيقة لأنها مأخوذة من العجز
المقابل للقدرة ، وحقيقة الإعجاز إثبات العجز ، واستعير لإظهاره . ثم أسند مجازا إلى ما
هو سبب العجز ، وجعل العجز آلة له .
(١) فى م : طلب للمعارض والمقابلة.
(٢) فى كتاب الصحاح .
(٣) أساس البلاغة للزمخشرى .
(٤) القطار : جماعة الابل المربوط بعضها إلى بعض .
(٥) ليست فى م .
(٦) ليست فى م .
(٧) فى م : جُعِل .
(٨) المراد : الروض الأنف للسهيلى فى شرحه على سيرة ابن هشام .
(٩) فى الأصل وز [ يكثر] بالثاء. وما أثبتناه من م. ومعنى: لم يكسَّز أى لم يجمع جمع تكسير ..
٥٦٩

الخامس : قال بعضهم : إن كبار الأئمة يسمون معجزات الأنبياء دلائل النبوة وآيات
النبوة ، ولم يرد فى القرآن ولا فى السنة لفظ المعجزة ، وإنما ورد فيهما لفظ الآية والبينة
والبرهان ((١) فأما لفظ الآية فكثير ، ولفظ المعجزة إذا أطلق لا يدل على كون ذلك آية إلا إذا
أخبر المراد به وكثرت شرائطه (١) ) وأطال فى توجيه ذلك ، وتضعيف التعبير بالمعجزة .
قلت : لفظ المعجزة وضعه جمهور المتكلمين على ما اشتمل عليه من الشروط الأربعة
السابقة من آيات الأنبياء صلى الله عليهم وسلم . ولا ضير فى ذلك خلافا لما زعمه .
والتعبير بالآية والبرهان والبينة لا ينافى ذلك . وكل معجزة آية وبرهان وبينة ، ولا عكس كما
يظهر بالتأمل فى الكلام على حد المعجز .
السادس: أكَّدَ مَِّ كون الحمد لله فى خبر ضماد : بإنَّ واسمية الجملة التى هى فى
الأصل إخبارية أريد بها الإنشاء تنزيلا لضماد قبل إسلامه منزلة منكر كون الحمد بالذات لله
تعالى. إزالة لما عسى أن يكون عنده من الإنكار وأردف - ◌َليه - تلك الجملة بجملة فعلية
تلويحا بأنه مقام تجديد نِعَم ، ويُؤْذِن الحمدُ بازديادها ، فناسب أن يورد ما يدل على التجدد
والحدوث . أو يحمد الله تبارك وتعالى بها مبالغة فى حمد الله ، لما مَنَّ به من شرائف النعم
وكرائم الشيم . أو حملا للأولى على الخبر ، وهذه على الإنشاء . وجىء بنون العظمة
إظهارًا لملزومها (٢) الذى هو (٣) ما أنعم عليه ربه به تعظيما وتبجيلاً. امتثالاً لقوله تعالى
( وأمَّا بِنِعْمة رَبِّك فَحَدِّثْ) (٤) ولم يقل ونَشْهد .. ليجرى على نسق ما قبله تَفَتَنَا فى الكلام
فإن نقله من أسلوب إلى آخر يزيده حسن نظرٍ به ، أى إحداثا وتجديدًا لنشاط السامع
وإيقاظا لإصغائه إليه .
(١) ما بين الرقمين زيادة فى م ساقط من غيرها .
(٢) هكذا فى م . وجاءت فى غيرها للزومها .
(٣) زيادة من م .
(٤) سورة الضحى : الآية ١١.
٥٧٠

فى بيان غريب ما سبق
السابع :
أثرة: (١) بفتح الهمزة والمثلثة وتقدم تفسيرها .
بَرَع: (بموحدة وراءين مهملتين ): فاق أقرانه .
البرهان (٢): [ الحجة الساطعة ] .
لم يَمْتَرِ : لم يشك .
استَبنت وجهه : ظهر لى ، تَبيَّن .
أبو رمته : ( براء مكسورة فميم ساكنة فمثلثة فتاء تأنيث: اسم (٣)
قاموس البحر (٤): وسطه ولجته .
الوَسْق : بفتح الواو وكسرها : ستون صاعا .
الخِطام : بكسر الخاء المعجمة والطاء المهملة : ما يقادُ يه البعير .
الظعينة : بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة وسكون التحتية وبالنون وتاء
التأنيث (٥) .
الجُلَنْدى : بضم الجيم ، وفتح اللام ، والدال ، بينهما نون ساكنة (٦).
عَمَّان : ( بفتح العين المهملة وتشديد الميم ) : مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء فأما
ما هو بالضم والتخفيف فصقع بالبحرين .
لا يبطر : لا يطغى إذا انتصر عليهم بل يسلك فيهم ما أمر به .
لا يضجر : لا يسأم ولا يتبرم من مكروه .
مُنَّ: بالبناء للفاعلين أو المفعولين (٧) .
(١) الأثرة هى الأنانية وحب الذات والرغبة فى الانفراد بالخير وضدها الايثار .
(٢) لم يفسرها وهى الحجة القاطعة والدليل الساطع .
(٣) ترجمنا له فى موضعه .
(٤) نقلنا اختلاف اللغويين والمحدثين فى اللفظ ومعناه فى موضعه ، والصواب قاموس بالقاف والميم .
(٥) ضبط الكلمة ولم يفسرها . والمراد بها المرأة .
(٦) ترجمنا له فى موضعه وقلنا ملك عُمَان هو وابناه جيفر وعباد وقيل : عبد .
(٧) لم يفسرها ومعنى مَنَّ بالبناء للفاعل : أحسن وأنعم .
٥٧١

الباب الثانى
فى إعجاز القرآن واعتراف مشركي قريش بإعجازه
وأنه لا يشبه شيئا من كلام البشر ، ومن أسلم كذلك
قال الله سبحانه وتعالى ﴿قُلْ لِئِن اجتَمعَتِ الإنس والجن (١) ﴾ فيهم العرب العاربة ،
وأرباب البيان وتعاونوا ﴿ علَىَ أنْ يأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرآن﴾ فى بلاغته وحسن نظمه.
وقوله ﴿لاَ يأُون بِمِثْلِهِ﴾ جواب قسم محذوف ﴿ولَو كانَ بعضهُمْ لَبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ معينا
على الإتيان بمثله ولم تندرج الملائكة فى الفريقين مع عجزهم أيضا لأنهما هما المتَحدَّوْن
به . ومن ثم تعجبت الجن من حسن نظمه - وبلاغته البالغة أقصى درجاتها فقالوا ﴿إنّا
سَمِعْنا قرآنًا عَجبًا يَهْدِى إلى الرُّشد فَآمَنَّاً به (٢) ﴾ .
وقال النبى بَّهُ: مَا مِن الأنبياء [ مِن (٣)] نَبِيِّ إلا [قد (٤)] أُعْطِىَ [ من الآيات (٥)] ما مِثْلُهُ
آمنَ عليه البَشَر - وإنما كانَ الذى أُوتِيتُه وحيًا (٦) أوحَاهُ الله عز وجل إلىَّ فأرجو أن أكون
أكثرَهم تابعًا (٧) رواه الشيخان .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: قوله ما مِن الأنبياء من نبى إلا قد أعطى هذا. دال على أن
النبى يََّ لابُدَّ له من معجزة تقتضى إيمان مَنْ شاهدها. ولا يَضرُّه من أصَرَّ على المعاندة.
قال ابن قرقول : مِنْ الأولى بيانية والثانية زائدة . وما موصولة أو نكرة موصوفة بما (٨) بعدها
(١) سورة الاسراء: من الآية: ٨٨.
(٢) سورة الجن الآيتان: ١ - ٢.
(٣ - ٤ - ٥) ما بين المعقوفين زيادة لإكمال لفظ الحديث. وكانت ضرورية لأنه أشار إليها فى شرحه وتعليقه على
الحديث - وهى من صحيح مسلم .
(٦) سقطت من م - وفى صحيح مسلم: أوتيت وحيًا أوحى الله إلىَّ.
(٧) الحديث أخرجه مسلم فى كتاب الإيمان - باب وجوب الإيمان برسالة النبى ◌َ# - جـ ٢ / ١٨٠ - بشرح النووي.
(٨) فى م : (لما) والصواب ما أثبتناه .
٥٧٢

وقعت مفعولا ثانيا لُأَعْطِى، ومثله : مبتدأ وآمن خبره . والجملة صفة للنكرة أوصلة
الموصول. والراجع (١) إلى الموصول: الضميرُ المجرور (٢) فى عليه أى مغلوبا عليه فى
التحدى والمباراة . والمراد بالآيات : المعجزات . وموقع المثل هنا موقعه فى قوله : ( فَأْتُوا
بِسُورَةٍ من مِثْله) أى مما هو على صفته فى البيان الغريب ، وعلوِّ الطبقة فى حسن النّظم .
والمِثْل يطلق ويراد به عين (٣) الشىء أو ما يساويه. والمعنى ليس نبىٌّ من الأنبياء إلا قد
أعطاه الله من المعجزات الدالة على نبوته الشىء الذى من صفته أنه إذا شُوهد اضطرّ
المشاهد إلى الإيمان به ، وتحريرُه أن كل نبى اختُصَّ بما يثبت دعواه من خوارق العادات
بحسب زمانه ، فخُصَّ كل نبى بما ثبتَ له من خوارق العادات المناسبة لحال قومه ، كقلب
العصا ثعبانا فى زمن موسى وكونها (٤) تَلْقَفُ ما صَنعُوا. وإخراج اليد بيضاءً . وإنما كان
كذلك لأن الغالبَ فى زمانه السحر إذا كان قليلا عند فرعون (٥) فأتاهم بما هو فوقه ،
فاضطرهم إلى الإيمان به ولم يقع ذلك لغيره .
وفى زمن عيسى [رَّ] الطبّ فجاءهم. بما هو أعلى منه: فى إبراء الأكمه . والأبرص
بل بما ليس فى قدرة البشر وهو إحياء الميت .
وأما النبى وَّ فأرسله الله من العرب أهل الفصاحة والبلاغة وتأليف الكلام على أعلى
طبقاتها . ومحاسن بدائعها ، فأتاهم بالقرآن فأعجزهم عن الإتيان بأقصر سورة منه .
وقوله : آمن ؛ وقع فى رواية حكاها ابن قرقول : أُومن - بضم الهمزة ثم واو - وقوله
(عليه) : على : فيه بمعنى اللام أو الباء الموحدة . والنكتة فى التعبير بها تضمنها معنى
الغلبة أى يؤمن بذلك مغلوبا عليه بحيث لا يستطيع دفْعَهُ عن نفسه ، لكن قد يُخْذّل فيُعانِدُ
كما قال تعالى ﴿ وَجَحِدُوا بها واسْتَيْقَنَتْها أنفسُهم ظُلْمًا﴾ (٦).
(١) سقطت من م .
(٢) صحفت فى م : المجزوم .
(٣) فى (ز) غيرُه وهو تصحيف .
(٤) فى م : لكنها .
(٥) السياق والواقع يقتضى ( إذ كان كثيرا عند فرعون) ولكن هكذا العبارة وردت فى سائر النسخ وأبقيناها على حالها .
(٦) سورة النمل الآية ١٤ .
٥٧٣

وقال الطيبى [ رحمه الله تعالى] : المجرور فى ( عليه) حال أى مغلوبا عليه فى التحدى
وموقع المثل موقعه من قوله ( فأتوا بسورة من مثله ) أى على صِفته من البيان وعلوّ الطبقة فى
البلاغة ، وقوله : ( وإنما كان الذى أوتيتُه وحيًا ... إلى أخره) معناه: معظم الذى أوتيتُه .
وإلا فقد أوتى من المعجزات مالا ينحصر . والمراد به القرآن ، وقد تقدم أنه المعجزة الباقية
على وجه الدهر إلى يوم القيامة ، ولبلوغه أعلى طبقات البلاغة ، وأقصى آيات الإعجاز ،
فلا يتأتى لأحد أن يأتى بأقصر سورة منه لجزالة تراكيبه ، وفخامة ترتيبه ، الخارج عن طوق
البشر، وليس المرادُ حصرَ معجزاته فيه . ولا أنه لم يؤْت من المعجزات ما أوَّتِى مَنْ تقدَّمه .
بل المراد أنه المعجزة العظمى التى اختص بها دون غيره ، تحدى بها قومَه ولذلك رَّب عليه
قوله : (وأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ) يريد لاضطرار الناس إلى الإيمان به إلى يوم
القيامة .
وذكر ذلك على سبيل الرجاء لعدم العلم بما فى الأقدار السابقة .
وقيل : المعنى أن معجزات الأنبياء [ عليهم الصلاة والسلام] انقرضَتْ بانقراض
أعصارهم فلا يشاهدها إلا من حضرها . ومعجزةُ القرآن مستمرة إلى يوم القيامة . وخرق
العادة فى أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شىء
مما أخبر به أنه سيكون - يدل على صحة دعواه ولهذا قال : فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم
القيامة .
قال الحافظ: [رحمه الله تعالى]: وهذا أقوى المحتملات وتكملته فى الذى بعده .
وقيل : المعنى أن المعجزات الماضية كانت حِسِّيَّ نُشَاهَد بالأبصار كناقة صالح وعصا
موسى [ عليهم الصلاة والسلام ] ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر
لأن الذى يُشاهَدُ بعين الرأس ينقرضُ بانقراض مُشَاهِدِه ، والذى يُشَاهَدُ بعين القلب باق
يُشَاهِدُه كلُّ أحد ممن جاء بعد الأول مستمرا.
قال الحافظ رحمه الله تعالى : ويمكن نظم الأقوال كلها فى كلام واحد فإن محصلَّها لا
٥٧٤

ينافى بعضها بعضا ورتَّب وَل قوله: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة على ما تقدم من
معجزة القرآن المستمرة لكثرة فوائده وعموم نفعه لاشتماله على الدعوة والحجة والإخبار بما
سيكون ، فَعَمَّ نفعه مَنْ حضرَ ومَنْ غاب . ومن وُجد ومَنْ سَيُوجد . فحسن ترتب الوجوه
المذكورة على ذلك وهذه الوجوه قد تحققت فإنه أكثر الأنبياء تابعا .
ولا خلاف بين العلماء [ على ] أن كتاب الله عز وجل معجز لم يقدر أحد على معارضته
بعد تحديهم بذلك ، قال تعالى ﴿وإن أَحَدٌ من المشركين اسْتَجارَك فأجِرْه حتى يَسْمَعِ
كَلَامَ (١) الله﴾ فلولا أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجة. وقال
سبحانه وتعالى: ﴿وقالُوا لولا أُنْزل عليه آيةٌ من ربّه قُل إنَّما الآياتُ عِنْد الله وإنَّما أنَا نَذِيرٌ
مبين * أوَ لمْ يَكْفِهِم أنَّا أنْزَلْنا عليكَ الكتابَ يُتْلِى عَلَيْهم﴾ (٢) فأخبر أن الكتاب آية من
آياته، كاف فى الدلالة . قائم مقامَ معجزات غيره وآيات من سواه من الأنبياء (٣) ، ولما جاء
به النبى وَّة [إليهم وكانوا](٤) أفصح الفصحاء. ومصاقع الخطباء، وتحدَّاهم على أن يأتوا
بمثله، وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا ، ثم تحدَّاهم بعشر سور منه ، ثم تحدَّاهم بسورة
فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء نادى عليهم
بإظهار العجز وإعجاز القرآن. هذا وَهُمُّ الخطباءُ - كانوا أحرصَ شىء على إطفاء نوره،
وإخفاء أمره . فلو كان فى مقدرتهم معارضته لعدَلُوا إليها ، قطعا للحجة ولم يُنْقَل عن أحد
منهم أنه حدَّث نفسَه بشىء من ذلك ، ولا رَامَه. بل عدَلُوا إلى العناد تارة . وإلى الاستهزاء
أخرى . فتارةً قالوا: سحر للطاقته؛ وتارة قالوا : شعر لحسنٍ نظمه وفصاحته . وقال آخرون
: أساطيرُ الأولين ، وقال آخرون : إفْكٌ؛ لاستغراب معانيه . وقال آخرون: قول الكهنة
لِتحيّرهم. كل ذلك من التحيُّر والانقطاع. ثم رضُوا بتحكيم السيف فى أعناقهم . وسَبْى
ذراريهم وحُرَمِهم ، واستباحَة أموالهم . وقد كانوا آنَفَ شىء وأشدَّ حَمِيَّةً . فلو علموا أن
الإتيان بمثله فى قُدْرتِهِم لبادَرُوا إليه ؛ لأنّه كان أهْوَنَ عليهم .
(١) سورة التوبة : من الآية : ٦ .
(٢) سورة العنكبوت: الآيات: (٥٠ - ٥١).
(٣) ليست فى م .
(٤) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق وهى من م .
٥٧٥

وقال بعض العلماء : والذى أوردَه ◌َّ على العرب من الكلام الذى أعجزَهُم عن الإتيان
بمثله (أعجب فى الآية (١)) وأوضح فى الدلالة من فَلْق البحر وإحياء الموتى، وإبْراءِ الأَكْمَه
لأنه أتى أهل البلاغة . وأرباب الفصاحة ورؤساء البيان والمتقدمين فى اللَّسَن بكلامٍ مفهوم
المعنى عندهم. وكان عجزهم عنه أعجبّ من عجز من شاهد عيسى - 18َ - عن إحياء
الموتى لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه . ولا فى إبراء الأكمه والأبرص . ولا يتعاطون علمه .
وقريشٌ كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة .
وقال القاضى : معجزات الرسل كانت واردة على أيديهم بقدر أحوال زمانهم ، وكانت
بحسب الفن الذى علا واشتهر فيه . فلما كان زمن موسى و لو كان غاية علم أهله بالسحر
بعث إليهم بمعجزة تشبه ما يدَّعُون قدرتهم عليه فجاءهم على يديه - رَليو، منها ما خرق
عاداتِهم ، من انقلاب العصا حيَّ واليد السمراء يدا بيضاء ، من غير سوءٍ ، ولم يكن ذلك
المعجزُ فى قدرتهم ، وقد أبطل ما جاءهم منها (٢). وكذلك زمن عيسَى وَّ كان انتهاء ما
كان علم أهله الطبَّ. وأوفر ما كان فى أهله، فجاءهم على يديه ربَّ ما لم يخطر لهم ببال
من إحياء الميت . وإبراء الأكمه الذى ولُد ممسوح العين ، والأبرص وهو الذى بيده بياض -
فكان يأتيه من أطاق الإتيان، ومَنْ لم يُطِقْ ذُهِبَ رَّ بِه إليه ، فربما اجتمع عنده الألوف
ممن به داءٌ فيداويهم من دون معالجة وطبٌّ بالدعاء ، وهكذا ساتُر معجزات الأنبياء كانت
بقدر علم زمانهم ، فكان كل نبى يُرْسَل إلى قومه بمعجزةٍ من جنس ما عانوه من علم وصناعة
وغيرها .
ثم بعث الله تعالى محمدا ◌َّ وجملة معارف العرب وعلومهم أربعة :
البلاغة ؛ وهى ملكة يبلغ بها المتكلم فى تأدية المعانى حدًّا يؤذن (٣) ( بتوفية ) خاصة كل
ترکیب (حقها ) (٣).
(١) ما بين القوسين سقطت من م.
(٢) زاد فى الأصل و (ز) كلمة (سحرهم) ونرى أنها لاقيمة لها .
(٣ -٣) زيادة من م وسقطت من غيرها.
٥٧٦

الشعر : وهو كلام موزون مُقَفَّى مراد به الوزن .
والخبر (١) .
والكهانة : وهى معاناة الخبر من الكائنات . وادعاء معرفة الأسرار ؛ فأنزل الله سبحانه
وتعالى عليه القرآن الخارق لهذه الأربعة فصول من أجل الفصاحة والإيجاز والبلاغة الخارجة
عن نوعه وطريقته . ( وكانت (٢) العرب) يتناضلون بالفصاحة وَيَتَبَاهَوْنَ فى تحبير الشعر (٣)
والبلاغة . وكانوا أفصح الفصحاء، ومصاقع الخطباء فأنزل الله تعالى على نبيه وَ له قرآنا
عربيا مبينا (٤) ، يشتمل على مذاهب لغة العرب، فتلا عليهم كلاماً متشابها فى الرَّصف ،
متجانس الوصف ، سهل الموضوع ، عذب المسموع ، خارجا عن موضوع لغة القريض
والأسجاع، مُسْتَعْذَبًا فى الأفهام (٥) والأسماع . فلما سمعوه استعذبوه . فقالوا فيه ما قالوا .
فتحدَّاهم أن يأتُوا بمثله فعجزوا ثم تحدَّاهم بعشر سور مِثله فعجزُوا . ثم تحدَّاهم بسورة من
مِثله. قالوا عند العجز : بل (٧) القتل والقتال. وجَنَحُوا للقصور إلى الجحود والجدال ،
فلما عدلوا عن معارضته التى لو [ تمت (٨)] لم يدلَّ على كذبه إلى قتاله الذى لو تم مرادهم
فيه لم يدلّ على كذبه كان الإعجاز باديا ظاهرا ، وعجزهم عن معارضته واضحا معلوما ،
فالقرآن أفضل المعجزات لبقائه بعد وفاة النبى مثله ، ولم يبق معجز غيره ، بعد وفاة أصحابه؛
ولأن الأحكام الشرعية مستنبطة منه ، ولم تستنبط من معجز سواه ، فالقرآن بحر لا تفنى
عجائبه ، ولا تنقضى غرائبه ، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن
لايأتون بمثله . ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .
(١) يقصد المؤلف علم الأنساب .
(٢) ما بين القوسين زيادة من م .
(٣) سقطت من م .
(٤) سقطت من م .
(٥) فى م : الأفواه
(٦) فى م : استبعدوه .
(٧) زيادة من م وسقطت من غيرها .
(٨) فى م : لو [ تم مرادهم فيه ] .
٥٧٧
(٣٧ - سبل الهدى والرشاد جـ ٩ ).

وحكى أبو عبيد: أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: ﴿فاصْدَعْ بما تُؤمر (١)﴾ فسجد
وقال: سجدتُ لفصاحة هذا الكلام . وسمع آخر رجلا يقول ﴿ فلما استيأْ سوا منه خَلَصُوا
نَجِيًّا (٢)﴾ قال : أشهدُ أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام
وحكى الأصمعى : أنه رأى جارية خُماسية أو سُداسِيةً وهى تقول : أستغفر الله من
ذنوبى كلها . فقلت لها : مِمَّ تستغفرين ولم يجْر عليك قلم ؟ فقالت :
أستغفر الله لذنبى كلِّهِ
قَبَّلْتُ إنسانًا لِغَيْر حِلِّهِ
مثل الغزال ناعمًا فى دَلِّهِ
انتصف الليل ولم أُصلِّه
فقلت لها: قاتلك الله ، ما أفصحَك !! فقالت : أتعدُّ هذا فصاحة بعد قوله تعالى
﴿أَوْحَيْنَا إِلى أمِّ موسى أنْ أرضِعيه فإذا خِفْتٍ عَلَيْهِ فَأَلْقِهِ فى اليَمِّ ولاَ تَخَافِى ولا تَحْزِنِى إِنَّا رادُّوه
إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِين (٣) ﴾ فجمع فى آيةٍ واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين
[ وقد أوتوا من الفطنة (٤) ] والآثار والحكم ما لَم يُخصَّ به غيرُهم من الأمم . وأُوتوا من
ذَرَابة اللسان ما لم يُؤت إنسان ، ومن فصل الخطاب ما يُقَيِّد الألباب عن أن تلهجَ بتراكيب
صناعتهم ((٥) وتنهج أساليب صياغتهم أفانين الكلام جعل الله ذلك لهم طبعا (٥)) وخلقة .
وفيهم غريزة وقوة (٦)، يأتون منه على البديهة بالعجب ، ويُدلون به إلى كل سعبب .
(١) سورة الحجر: (الآية : ٩٤).
(٢) سورة يوسف (الآية: ٨٠).
(٣) سورة القصص ( الآية: ٧).
(٤) زيادة تقتضيها صحة السياق .
(٥.٠) ما بين الرقمين سقط من م وثبت فى غيرها .
(٦) سقطت من م .
٥٧٨
:

فيخطبون بديها فى المقامات وشديد الخَطْب . ويرتجزون بين الطعن والضَّرْب ، ويمدحون
ويقدحون. ويتوسلون إلى من يَرُومُون منه نجاح مآربهم . ويتوصَّلون به إلى الفوز
بمطالبهم، ويرفَعُون ويَضَعُون من أرادوا، فيأتُون من ذلك بالسحر الحلال ، الذى انسجم
لفظه ولطُفَ معناه ، فى مقاماتهم ومقاصدهم ، ويطوّقون من أوصافهم الحميدة وسماتهم
المجيدة ( من رأوه أهْلاً ما(١) هو) أجملُ من سِمْط اللآلىء فيخدعون الألباب، ويُذلِّلُون
الصِّعاب، ويُذْهِبُون الإِحَن ، ويُهَيِّجون الدِّمَن، ويُجَرِّون الجبان، ويَبْسُطُون يَدَى الجَعْدِ
البَنان، ويُصَيِّرون الناقصَ كاملا، ويتركون النَّبِيه خاملا ، منهم البدوىّ ذو اللفظ الجزْل ،
والقول الفصل ، والكلام الفخم ، والطبع الجوهرى ، والمنزع القوى ، ومنهم الحَضَرىُّ ذو
البلاغة البارعة ، والألفاظ الناصعة ، والكلمات الجامعة ، والطيِّع السهل ، والتصرف فى
القول العديم الكلمة ( وفى القول (٢)) الكثير الرونق، والرقيق الحاشية، وكل كلام (٣) فى
كل مقام مطابقٌ لمقتضاه؛ فلهما (٤) فى البلاغة الحجة البالغة ، والقوة الدامغة ، والقدح
الفالج، والمَهْيَعِ الناهج ، لا يشكُّون أن الكلام طوعُ مرادهم ، والبلاغة ملكُ قيادهم ،
يتصرّفُون بها فى أفَانين الكلام ، فيقلِّدُونَ نحورَ الأذهان روائع لطائفه، ويُشَنَّفُون الأسماع
ببدائع عَوارفه ، قد حَوَوْا فنونَها ، واستنبطوا عيونَها ، ودخلوا فى كل باب من أبوابها ، وعَلَوْا
صرحًا لبلوغ (٥) أسبابها، فما راعَهُم إلا رسولٌ كريم منهم [ قد جاءهم (٦)] بكتاب عزيز
بلسانهم ، ( لا يأتِيِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حمِيد (٧)) أُحْكِمَتْ
آياتُه، وفُصِّلَت كلماته، وبهرت بلاغتُه العقول ، وظهرت فصاحتُه على كل مقول ،
وتضافر (٨) إيجازه وإعجازه. وتظاهرتْ حقيقته ومجازُه، وتبارت فى الحسن مطالعُه
(١) ما بين القوسين زيادة من م. وبها يستقيم ويصح السياق.
(٢) زيادة من م .
(٣) فى م : وكلام كلُّ.
(٤) أى لكل من البدوى والحضرى .
(٥) فى م : لبلوغها .
(٦) ما بين المعقوفين زيادة تقتضيها صحة السياق.
(٧) سورة فصلت : الآية ٤٢ .
(٨) فى م : وتظاهر .
٥٧٩

ومقاطعه . وحوَتْ. كلَّ البيان جوامعه وبدائعه ، واعتدل مع إيجازه حسنُ نظمه ، وانطبق
على كثرة فوائده مختارُ لفظه . أنزله الله تعالى قرآنا خارقًا لعلومهم الأربعة : من الفصاحة
والإيجاز والبلاغة الخارجة عن نوع كلامهم ومن النظم الغريب ، والأسلوب العجيب الذى
لم يهتدوا فى المنظوم إلى طريقته، ولاعلموا فى أساليب الكلام والأوزان منهجه ، ومن
الأخبار عن الكوائن والحوادث، وعن الأسرار والمخبئات ، والضمائر ، فيوجد على ما كانت
عليه ، ويعترف المخبر عنها بصحة ذلك وصدقه ، وإن كان أعْدَى العدوّ ، فأبطل الكهانة
" التى تصدُق مرّه وتكْذِب عشرًا ثم اجْتَّها من أصلها ، برجم الشهب وَرَجْم النجوم ، وجاء
فى القرآن من الأخبار عن القرون السابقة وأنباء الأنبياء والأمم البائدة والحوادث الماضية ، ما
يعجز ( من تفرغ (١) لهذا العلم) عن بعضه ، وهم أفصح ما كانوا فى هذا الباب مجالا
وأشهرهم فى الخطابة رجالا ، وأكثرهم فى السجع والشعر ارتجالا ، وأوسع فى اللغة
والغريب مقالا . فأتاهم بكتاب بلغتهم التى بها يتحاورون . ومنازعهم التى عنها يتناضلون ،
صارخًا بهم فى كل حين ، ومُقَرِّعًا لهم بضعا وعشرين سنة ، على رءوس أشرافهم ورؤسائهم
أجمعين ، فتحداهم أولا : بكل القرآن فقال (٢) تعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمعَتِ الإنسُ
والجنُّ على أنْ يَأْتُوا بِمِثْل هَذا القُرآنِ لاَ يَأْتوُن بمثله (٢) ﴾. ثم تحداهم بعشر سور فقال
تعالى: ﴿أم يقولُون افتراهُ قُل فَأَتُوا بِعشر سورٍ مثلِهِ مُفْتَريَاتٍ وادْعُوا مَن اسْتَطِعْتُم مِنْ دُون الله
إنْ كنتُمْ صَادِقِينِ (٣)﴾.
أى بل أيقولون : اختلقه ، والهمزة إنكار لقولهم ، وبتعقيب التقرير بما يؤذن به على سبيل
التهكم عليهم ، والتقريع لهم ، والمناداة على كمال عجزهم ، وإلزام الحجة عليهم إن كان
الأمر كما زعمتم فأتوا على وجه الافتراء بعشر سور مثله فى البيان وحسن النظم (مفتريات)
(١) العبارة التى بين القوسين حرفت فى نسخة الأصل وفى ز . وأثبتنا ما فى : م.
(٢ - ٢) ما بين الرقمين والقوسين سقط من م، والآية من سورة الإسراء.
(٣) ما بين القوسين سقط من جميع النسخ. وأثبتناه من الإتقان في علوم القرآن للسيوطى والآية هى رقم ١٣ من سورة
هود .
٥٨٠