Indexed OCR Text

Pages 21-40

وروى يعقوب بن سُفْيان عن أنس رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا صافحه الرجل لا ينزع يده من يده ، حتى يكون الرجل ينزع ، وإن استقبله
بوجهه لا یصرفه عنه حتی یکون الرجل ینصرف ، ولم يُرَ مُقَدِّما رُ کیتیہ بین یدی جلیس
له .
وروى الخطيب(١) فى الرواية عن مالك عن عائشة رضى الله عنها قالت : كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يحب الرفق فى الأمور كلها .
وروى البَيْهفى عن ابن أبى هَالة(٢) / رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه ؛ أ
وسلم دَمِئا(٣) ، ليس بالجَافِى ولا المُهِينُ، لا يقوم لغضبه شئ إذا تعرض الحق ، حتى
ينظر له ، وفى رواية لا تُغْضِبه الدنيا ، وما كان لها، فإذا تَعَرّض الحَقُّ لم يعرف أحدا ،
ولم يقم لغضبه شئ حتى ينتصر(٤) له ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها .
وروى الشيخان وابن سعد وأبو الشيخ عن أنس رضى الله تعالى عنه : قال : كنت
أَمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه(٥) بُرْد نَجْرانى غليظ الحاشية، فأَدركه
أَعرابى فَجَبَذه بردائه(٦) جبذة شديدة ، قال أنس: حتى نظرت إلى(٧) صفحة عنق رسول
الله صلى الله عليه وسلم أَثرت بها حاشية الثوب ، من شدة جبذَته ، فقال : يا محمد
مر لى من مال الله الذى عندك ، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ، وأمر
له بعطاء .
(١) الخطيب البغدادى هو احمد بن على بن ثابت. ت ٤٦٣ هـ ومن كتبه ((الكفاية فى علم الرواية)» فى مصطلح الحديث
انظر عنه وفيات الأعيان ٢٧/١ وطبقات الشافعية ١٢/٣
(٢) عن هند بن أبى حالة أنظر ص ٥٠ ، ص ٥٨ .
(٣) دمت دمثاً فهو دمث لان وسهل والدمائة سهولة الخلق.
(٤) فى ت ((حتى يقتص له)).
(٥) البرد بالضم ثوب مخطط، والجمع أبراد وأبرد وبرود: القاموس.
(٦) يقال جذب الشىء وجبذه بمعنى واحد: لسان العرب.
(٧٠) صفحة الوجه : عرضه، وصحيفة بشرة جلده:
- ٢١ -

وروى الطَّرانى(١) بسند حسن عن صفية (٢) رضى الله تعالى عنها قالت : ما رأيت
أَحْسَنَ خُلُقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وروى الإمامان الشافعى وأحمد والبخارى والأربعة(٣) عن أبى هريرة رضى الله تعالى
عنه « أَن أعرابياً دخل المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، فصلى ركعتين
فقال: اللهم ارحمنى ومحمدا ، ولا ترحم معنا أحدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لقد تَحَجّرت(٤) واسعا ، ثم لم يلبث أن بال فى ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه ، فنهاهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : لا تُزْرُمُوه ، فقضى حاجته ، حتى فرغ من بوله
وقال : إنَّما بُعِثْتُم مُيَسِّرين، ولم تُبْعَثُوا مُعسِّرِين ، علموا ، ويسروا ، ولا تعسروا، صُبّوا
عليه سَجْلا(٥) من ماء)) زاد ابن ماجه: فقال الأعرابى بعد أَن فَقِهِ: فقام إلىّ بأبى وأمى
صلى الله عليه وسلم ، فلم يُوَّنِّبْ ولم يَسُبّ فقال : إن هذا المسجد لا يبال فيه ، إنما بنى.
لذكر الله تعالى وللصلاة .
وروى الشيخان عن أنس رضى الله عنه قال: ((بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذ جاءَ أَعرابى فقام يبول فى المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
مهْ مَهْ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تُزْرِمُوه، إنما بُمِثْتَم مُيَسِّرين ، ولم تبعثوا
معسرين ، فتركوه ، حتى بال ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال : إن هذه
المساجد لا تصلح لشىء من هذا البول ، والقذر ، إنما هى لذكر الله تعالى ، وقراءة القرآن ،
ثم أَمر رجلا فجاءه بدلو من ماءٍ فَشنّه(٦) عليه)).
وروى الإمام أحمد والشيخان عنه قال : جاء الطُّفَيل بن عمرو الدَّوْسِى إِلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إن دوْساً قد عَصَت وأبت ، فادع الله تعالى
(١) عن الطبر انى انظر ص ٣٠٩.
(٢) هى صفية بنت حيى بن أخطب اليهودى زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم.
(٣) يقصد بهم المؤلف: أبا داودوالترمذى وابن ماجه والنسائى كما يقول فى مقدمة كتابه .
(٤) أى ضيقت ما وسعه الله: انظر مسند أحمد ٢٤٤/١٢
(٥) السجل: الدلو العظيمة إذا كان فيها ماء قل أو كثر، والسجل أيضاً ملء الدلو: تاج العروس.
(٦) الشن صب شبيه بالنضح والرش هو الصب المتقطع: ويروى فسنه عليه (بالسين ) والسن الصب المتصل:
- ٢٢ -

عليهم ، فاستقبل القبلة ، فرفع يده فقال الناس : هلكوا اليوم ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : اللهم اهد دوْساً ، وأت بهم جميعا ، ثلاثا .
وروى أبو الشيخ(١) وأبو الحسن بن الضحاك عنه أيضاً قال: جاءَ أَعرابى إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم / يستعينه فى شئ فقال: يا محمد أَعْطِنِى، فإنك لا تعطِنى من ٤ ب
مالك، ولا من مال أَبيك)) فأعطاه شيئا، ثم قال: أَحسنتُ إليك؟ قال: لا(٢) [ ولا ]
أَجْمَلْت »، فغضب المسلمون، وقاموا إليه، فأشار إليهم أَن كُفّوا ، ثم قام فدخل منزله ،
ثم أرسل إلى الأعرابى فدعاه إلى البيت ، فأعطاه شيئا ، فقال: أَرضيت ؟ فقال : لا،
ثم أعطاه أيضا ، فقال : أَرضيت ؟ فقال: نعم ، نرضى ، فقال : إنك جئتنا ، فسألتنا،
فأَعطيناك ، فقلت ما قلت ، وفى أَنفس المسلمين (٣) شئ من ذلك، فإن أحببت فقل بين
أيديهم ما قلت بين يدى ، حتى يذهب عن صدورهم ما فيها ، قال : نعم ، فلما كان الغداة
أَو العشِىّ جاءَ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن صاحبكم هذا كان جائعاً فَسَأَلنا،
فأعطيناه ، فزعم أنه رضى ، أَكذلك ؟ فقال الأعرابى : أَى نعم ، فجزاك الله تعالى عن
أهل وعشيرة خيرا)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ أَلا إِن مَثَلِ وَمَثَلَكُمْ كمثل
رجُل كانت له ناقة فَشْرَدَتْ عليه ، فاتَّبعَها الناس ، فلم يزيدُوها إلا نُفُورا ، فناداهم
صاحب الناقة : خلُّوا بينى وبين ناقتى ، فأَنا أَرفق بها ، فتوجه لها صاحبها بين يديها ،
فأَخذ لها من قُمَامِ الأَرض ، فجاءت واستناخت ، فشد عليها رحلها ، واستوى عليها ،
وأنا لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار ، فما زلت حتى فعلت
ما فعلت )).
وروى أبو يعلى عن أنس رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يجيب دعوة العبد ، ويعود المريض ، ويركب الحمار .
(١) هو الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصارى ت ٣٦٩ م تذكرة الحفاظ ٩٤٥/٣
(٢) هذه الزيادة من كتاب: الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزى ٤٢٤/٢
(٣) م، ت: انظر كتاب الوفا لابن الجوزى ٤٢٤/٢
- ٢٣ -

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضى الله عنهما أن أهل مكة سأَلُوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصَّفا ذهبا، وأَنْ يُنحّى عنهم الجبالَ فيزرعون ،
فقيل له: إن شئت أَن تَسْتَأنى(١) بهم، وإن شئت أن نعطيهم الذى سأَلُوا، فإِن كفروا
أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم ، قال : بل أَستأنى بهم )) .
وروى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قيل يا رسول الله ادع على المشركين،
فقال : لم أبعث لَعَّاناً، وإِنما بعثت رحمة .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن زيد بن أَسْلم مرسلا(٢) أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم مرّ بقوم يتدافعون(٣) حجراً بينهم، وكأَنّه كره ذلك منهم ، فلما جاوزهم رجع
إليهم مستفسراً فقال : ما هذا الحجر ؟ فقالوا : يا رسول الله هذا حجر الأَسد(٤)، فقال
بعض أصحابه : لو نهرتهم يا رسول الله قال: إنما بُعِثْتُ مُيَسِّرًا، ولم أُبعث مُنفرا .
وروى الإمام أحمد عن تمَّام(٥) بن العباس رضى الله عنهما قال : كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يَصُفُّ عبد الله وعبيد الله وكثيراً أَبناءَ العباس رضى الله عنهم ،
قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من سبَق إِلىّ فله كذا وكذا . قال
فيسْتَبِقُون إليه ، فيقعون على ظهره وصدره فيقبّلهم ويلتزمهم (٦) .
وروى ابن مَرْدَوَيْه(٧)، وأَبو نُعَيم، والواحدى (٨) عن عائشة رضى الله عنهما قالت:
. (١) أستأنى به أى انتظر به وتربص، واستأنيت بفلان أى لم أعجله .
(٢) الأحاديث المرسلة التى يرويها المحدث إلى التابعى بأسانيد متصلة إليه ثم يقول التابعى: قال رسول اللّه ولم يذكر
صحابياً سمعه من الرسول تاج العروس ٣٤٥/٧ .
(٣) تدافعوا الشىء دفعه كل واحد منهم عن صاحبه، وتدافع القوم أى دفع بعضهم بعضاً، ويروى بالراء من رفع
الشىء إذا أزيل عن موضعه : لسان العرب .
(٤) الأسد بمعنى الأزد ((أى أن الحجر لجماعة بعنيها ويطمع فيه غيرها)) انظر تاج العروس ٢٨٩/٢ أو لعلها:
الأشد : أى هو للأقوى أو لمن غلب . انظر مسند أحمد ٧٧/١ ط بولاق.
(٥) عن تمام بن العباس بن عبد المطلب: انظر طبقات ابن سعد ٦/٤.
(٦) يلتزمهم : يعانقهم.
(٧) عن ابن مردويه انظر ص ١٦ .
(٨) الواحدى: هو أبو الحسن على بن أحمد. المفسرت ٤٦٨ هـ: وفيات الأعيان ٣٣٣/١، وطبقات الشافعية
٢٨٩/٣.
- ٢٤ -

ما كان أحد أَحْسَن خُلُقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مادعاه أحد من أصحابه ،
ولا من أهل بيته إلا قال: لَبَّيْك، فلذلك أنزل الله تعالى /: ﴿وإنّك لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(١).١
وروى أبو الشيخ عن أنس رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا فقد رجلا من أصحابه ثلاثة أيام سأَل عنه ، فإن كان غائبا دعا له ، وإن كان شاهدا
زاره ، وإن كان مريضاً عاده .
وروى ابن سعد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فى حاجة ، قال :
فرأيت صبيانا فقعدت معهم ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصبيان(٢).
وروى البَيْهقى عن زيد بن ثابت رضى الله عنه قال : كنت جار النبى صلى الله عليه
وسلم ، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا
الطعام ذكره معنا .
وروى محمد بن عمر الأَسلمى عن أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله تعالى
عنهما وعن غيرها أن أبا بكر قال : يا رسول الله - لَمّا أَراد حَجَّة الوداع - عندى بعير
نحمل عليه زادنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذاك إذن ، فكانت زامِلَةٍ(٣)؟
رسول الله صلى الله عليه وسلم وزامِلة أبى بكر رضى الله عنه واحدة ، وأمر رسول الله صلى
الله عليه وسلم بزاد دقيق وسويق ، فجعل على بعير أبى بكر ، وأعطاه أبو بكر لغلام له .
فنام الغلام فى بعض الطريق فذهب البعير ، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء
الغلام ، وليس معه شئ ، فقال له أبو بكر رضى الله عنه أين البعير ؟ فقال : ضل ،
فقام إليه يضربه ، ويقول : بعير واحد ضل منك لو لم يكن إلا أَنا لهان الأمر ، ولكن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم ، ويقول :
ألا ترون إلى هذا المُحْرم وما يصنع؟ فحمل جماعة(٤) جَفْنَة من حيْس(٥) وأقبلوا بها إلى
(١) سورة ن : ٤.
(٢) انظر ص ١٨.
(٣) الزاملة: البعير الذى يحمل عليه الطعام والمتاع.
(٤) جفنة : قصعةٍ.
(٥) الحيس طعام من التمر والأقط والسمن، والأقط شىء يطبخ من اللبن المخيض.
- ٢٥ -

رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وضعوها بين يديه ، فجعل يقول : يا أبا بكر هلُمّ،
فقد جاءك الله تعالى بغذاء طيب ، وجعل أبو بكر يغتاظ على الغلام ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : هَوِّن عليك، فإن الأمر ليس عليك ، ولا إلينا معك ، قد كان
الغلام حريصاً أَن لا یضل بعیره ، وهذا خلف مما كان معه ، فأکل رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأهله ، ومن كان معه [ وكل من كان ](١) يأكل مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى شبعوا ، ذكر فى سيرته(٢) الحديث .
وذكر(٣) المحب الطبرى رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فى
سفر، وأمر أصحابه بإصلاح شاة ، فقال رجل : يا رسول الله علىَّ ذَبْحُها ، وقال آخر :
يا رسول الله عَلَى سَلخُها ، وقال آخر : يا رسول اللّه عَلَىّ طبخها ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : وعلَى جَمْعُ الحطب ، فقالوا يا رسول الله : نكفيك العمل ، فقال :
قد علمتُ أَنكم تكْفُونى ، ولكن أكره أن أتميز عليكم ، وإن الله تعالى يكره من عبده
أن يراه متميزاً بين أصحابه ».
تَنْبِهَاتُ
٥ ب
الأول : حقيقة حسن الخلق قوى نفسانية تسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال /
الحميدة ، والآداب المرضية ، فيصير ذلك كالخِلْقَة فى صاحبه ، ويدخل فى حسن
الخلق النَّحَرُّزِ عن الشُّح ، والبخل ، والكذب ، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة ، ويسهل
فى حسن الخلق التحبب إلى الناس بالقول والفعل، والبذل، وطلاقة الوجه ، مع الأقارب ،
والأجانب ، والتساهل فى جميع الأمور ، والتسامح فيما يلزم من الحقوق ، وترك التقاطع ،
(١) هذه الزيادة من ت.
(٢) يقصد أن محمد بن عمر الواقدى الأسلمى ذكر هذا الحديث فى سيرته .
(٣) هو أحمد بن عبد الله بن محمد الطبرى ت ٦٩٤ ه وهو غير أبى جعفر محمد بن جرير الطبرى المؤرخ المشهور -
ت ٣١٠ « ويطلق عليه المؤلف اسم: ابن جرير. انظر طبقات الشافعية ٨/٥ وشذرات الذهب ٤٢٥/٥.
- ٢٦ -

والتهاجر، واحتمال الأذى من الأعلى والأدنى ، مع طلاقة الوجه، وإدامة البشر - فى هذه
الخصال: تُجْمَع محَاسِنُ الأخلاق، ومكارم الأُفعال ، ولقد كان جميع ذلك فى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فلهذا وصفه الله تعالى بقوله عز وجل: ﴿ وإِنَّك لَعَلَى خُلُقٍ عظيم﴾(١).
الثانى: على فى هذه الآية للاستعلاء ، فدل اللفظ على أنه كان مستعليا على هذه
الأخلاق، ومُسْتَولياً عليها ، قال الإِمام الجُنَيْد(٢) رحمه الله تعالى: وإنما كان خلقه عظما
لأَنّه لم يكن له مِمّة سوى الله تعالى .
قال الإِمام الحَلِيمِى(٣) عفا الله عنه: وإنما وصف خلقه بالعِظم مع أن الغالبَ.
وصف الخلق بالكرم لأَن كرم الخلق يراد به السَّمَاحة والدَّماثة، ولم يكن صلى الله
عليه وسلم مقصوراً على ذلك ، بل كان رحيما بالمؤمنين ، رفيقاً بهم ، شديداً على الكفار ،
غليظا عليهم ، مَهِيبا فى صدورهم ، منصوراً عليهم بالرعب من مسيرة شهر، وكان وصف خلقه
بالعظم(٤) ليشمل الإنعام والانتقام ، وقيل: إنما وصف بالعظم لاجتماع مكارم الأخلاق فيه ،
فإنه صلى الله عليه وسلم أُدِّب بالقرآن، كما قالت عائشة رضى الله عنها فيما تقدم أول
الباب(٥) .
وقد وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بما يرجع إلى قوته العلمية أنه عظيم :
فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكَان فَضْلُ اللهِ عَلَيْك عَظِيما﴾(٦) ووصفه
بما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم: فقال: ((وإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) فدل مجموع
هاتين الآيتين على أن روحَه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة الدرجة عالية .
(١) سورة ن : ٤.
(٢) عن الجنيد انظر ص ١٠٤
(٣) الحليمى هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الجرجانى ت ٤٠٣ « من كتبه المنهاج فى شعب الإيمان: انظر عنه
إرشاد الأدب ١٧/٤ - ٢٩ .
(٤) فى م بالكرم
(٥ ) انظر ص ١٦
(٦) سورة النساء : ١١٣
- ٢٧ -

الثالث : الخلُق بضم أوله ، وثانيه ، ويجوز إِسكانه : مَلَكة نفسية تسهل على
المتصف بها الإِتيان بالأفعال الجميلة.
قال الإِمام الراغب(١) رحمه الله تعالى: الخلق والخُلْق - بالفتح والضم فى الأسن -
بمعنى واحد كالشَّرْب والشُّرْب، لكن خص الخَلق الذى بالفتح بالهيئات والصور المدركة
[ بالبصر وخص الخلق الذى بالضم بالقوى والسجايا المدركة (٢)] بالبصيرة ، واختلف هل
حسن الخُلُق بالضم غريزة أو مكتسب(٣) ، وتمسك من قال بأَنّه غريزة بحديث ابن مسعود
رضى الله عنه ((إن الله تعالى قسّم بيْنَكُم أَخْلَاقَكم كما قسَّم أرزاقكم)) رواه البخارى.
وقال القُرطُبِى (٤) رحمه الله تعالى: الخُلُقَ جِلَّة فى نوع الإِنسان ، وهم فى ذلك
متفارقون ، فمن غلب عليه شىء منها كان مُحَمّدا محمودا ، وإلا فهو المأمور بالمجاهدة
فيه حتى يصير محمودا ، وكذا إن كان ضعيفا ، فيرتاض صاحبه حتى يقوى .
وروى الإِمام أحمد والنَّسائى والتِّرمِذى وابن حِبَّن عن ابن عباس رضى الله عنهما
؟ ! أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأَشَجّ(٥) - أَشَجُّ / عبد القيس -: ((إِن فِيكَ لخَصْلتين
يُحِبُّهما الله تعالى ورسولُه: الحلم والأناة ، قال : يا رسول اللّه قَدِيماً كان أو حديثاً ؟
قال قديما ، قال : الحمد لله الذى جبلنى على جِلنَّين(٢) يحبهما الله تعالى)) فترديد
السؤال ، وتقريره عليه ، يشعر بأَن من الخُلُقِ ما هو جِلِىُّ وما هو مكتسب ، وقد كان
صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم كما حَسّنت خَلْقِى فَحَسِّنْ خُلُقِى)) رواه الإِمام أحمد
(١) الإمام الراغب هو الحسين بن محمد بن الفضل الأصفهانى ت ٥٠٢ هـ انظر الذريعة ٤٥/٥.
(٢) هذه الزيادة من ت وهى مكررة فى السطر التالى فى م
(٣) فى م: ((هل حسن الخلق غريزة بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة هل حسن الخلق غريزة أو مكتسب.
والأسلوب فيها مضطرب وغير مفهوم .
(٤) هو محمد بن أحمد بن أبى بكر بن فرح الأنصارى الأندلسى أبو عبد الله، من كبار المفسرين، له الجامع لأحكام
القرآن ٢٠ جزءاًت ٦٧١ هـ: نفح الطيب ٤٢٨/١، والديباج ٣١٧.
(٥) هذه الكلمات غير واضحة فى النسخ المخطوطة والتصحيح من صحيح مسلم ٣٩٢/١ والأدب المفرد للبخارى
ص ٢٠٦ باب ٢٦٧ حديث ٥٨٦ واسم الأشج المنذر بن عائذ بن منذر بن الحارث: انظر الأدب المفرد ص ٤١٠ الخطيب
(٦) فى ت ((خلتين))
- ٢٨ -

وابن حِبَّان(١) رحمة الله عليهما، وكان يقول فى دعاء الافتتاح: ((واهْدِنِى لأحسنٍ
الأخلاق ، إنه لا يهدى لأحسنها إلا أنت)). رواه مسلم.
الرابع: قال بعض العلماء: جعل الله تعالى القلوب محل السرور ، والإخلاص الذى
هو سر الله تعالى ، يودعه قلب من شاء من عباده ، فأول قلب أُوْدعه قلب سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم، لأنه أول الأنبياء خَلْقاً ، وصورته آخر صورة ظهرت من صور
الأنبياء ، عليهم السلام ، فهو أولهم وآخرهم ، وقد جعل الله تبارك وتعالى أخلاق القلوب
للنفوس أعلاما على أسرار القلوب ، فمن تحقق قلبه بسر الله تعالى اتسعت أخلاقه
لجميع خلق الله تعالى ، ولذلك جعل الله تعالى ليسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جثمانية
اختص بها من بين سائر العالمين ، فتكون علاماتُ اختصاص جثمانية آياتٍ دالةً على
أحوال نفسه الشريفة ، وعظم خلقه ، وتكون علامات عظم أخلاقه آياتٍ على أسرار
قلبه المقدس .
الخامس : قال الشيخ شهاب الدين السُّهْرَوَرْدِى(٢) رحمه الله تعالى فى العوارف : لا يبعد
أَن قول عائشة رضى الله تعالى عنها: كان خُلُقُه الْقُرآن - فيه أمر غامض وإيماء خفى
إلى الأخلاق الرَّبّانية ، فاحتَشَمَت من الحضرة الإلهية أن تقول : كان متخلِّقاً بأخلاق
الله تعالى ، فعبرت عن المعنى بقولها : كان خلقه القرآن ، استحياء من سَبَحات الجلالة ،
وسَتْراً للحال بلطف المقال ، وهذا من موفور عقلها ، وكمال أَدبها ، وقال غيره : أَرادت
بذلك اتصافه بما فيه من الاجتهاد فى طاعة الله تعالى ، والخضوع له ، والانقياد لأمره ،
والتشديد على أعدائه، والتواضع لأوليائه ، ومواساة عباده ، وإرادة الخيرلهم ، إلى
غير ذلك من أخلاقه الفاضلة .
وقال آخر : فكما أن معانى القرآن لا تتناهى فكذلك أوصافه الحميدة الدالة على حسن
(١) هو أبو حاتم محمد بن حبان بن احمد التميمى ت ٣٥٤ ه ومن كتبه المسند الصحيح: انظر عنه تذكرة الحفاظ.
١٢٥/٣، وطبقات الشافعية ١٤١/٢
(٢) السهروردى هو شهاب الدين يحيى بن حبشى بن أمير ك ت ٥٨٧ هـ، له عدة كتب، انظر عنه وفيات الأعيان
٢٦١/٢ والنجوم الزاهرة ١١٤/٦.
- ٢٩ -

خلقه العظيم لا تتناهى ، إذ فى كل حال من أحواله يتجدد له [الكثير ](١) من مكارم
الأخلاق ، ومحاسن الشِّيم ، وما يفيضه الله عز وجل عليه من معارفه ، وعلومه ،
مما لا يعلمه إلا الله تعالى ، فإذن التعرض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرض لما ليس
من مقدور الإنسان ، ولا من ممكنات عادته .
السادس : قول عائشة رضى الله عنها : ما انْتَقَم صلى الله عليه وسلم لنفسه أی خاصة ،
فلا يَرِدُ أمرُه بقتل عبد الله بن خطَل(٢)، وعُقْبَة بن أَبِى مُعَيْط(٣)، وغيرهما ممن كان
يُؤْذِيه ، لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله تعالى .
٦ ب
وقيل أرادت أنه لا ينتقم إذا أُوذِى من جَفَاء من رفع صوته / عليه ، والذى جَبَذَ
بردائه ، حتى أثر فى كنفه ، وحمل الدَّاوُدى(٤) عدم الانتقام على ما يختص بالمال ، قال :
وأَما العِرْض فقد اقتَص ممن نال منه قال: واقتص ممن لَدَّهُ(٥) فى مرضه بعد نهيه صلى
الله عليه وسلم عن ذلك ، بأَن أَمر بلَدِّهم ، مع أنهم كانوا من ذلك تأَولوا ، إنما نهاهم على
عادة البشرية من كراهة النفس للدواء قال الحافظ(٦) رحمه الله تعالى : كذا قال .
السابع : فى بيان غريب ما سبق :
الفاحش : أَى ليس ذا فحش فى كلامه .
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) عبد الله بن خطل من بنى الأدرم بن تيم بن غالب بن فهر لم يسلم مع الناس يوم فتح مكة فقتله أبو برزة الأسلمى
وهو متعلق بأستار الكعبة : طبقات ابن سعد ٢٩٩/٤ .
(٣) عقبة بن أبي معيط بن أبى عمرو بن أمية بن عبد شمس، كان من أسارى بدر، وأمر الرسول بقتله هو والنضر
ابن الحارث . انظر سيرة ابن هشام ٦٤٤/١، ٧٠٨
(٤) هو أحمد بن على بن حسين أبو العباس جمال الدين بن عنبة الداودى ت ٨٢٨ هـ: انظر عنه: أعيان الشيعة
١٤٩/٩، وهدية العارفين ١٢٣/١
(٥) لده فى مرضه: لده يلده لدا ولدودا إذا سقاه وقال الفراء أن يؤخذ باللسان فيمد إلى إحدى شقيه ويوجر فى الآخر
الدواء بين اللسان وبين الشدق ، وفى الحديث أنه لد فى مرضه فلما أفاق قال لايبقى فى البيت أحد إلا لد فعل ذلك عقوبة لهم
لأنهم لدوه بغير إذنه: تاج العروس ٤٩٣/٢ والفائق فى غريب الحديث ٣١٣/٣
(٦) قال المؤلف فى مقدمة كتابه إنه يقصد بالحافظ: شيخ الإسلام أبا الفضل أحمد بن على بن حجر العسقلانى .
انظر عنه ص ٨٩
- ٣٠ -

ولاسَخَّابا: أَى لا يرفع صوته بكثرة الصياح ، لحسن خلقه ، وكرم نفسه ، وشرف
طبعه ، وروى بالصاد وهو معناه
ليس بفظ: بالظاء المعجمة المُثّالة : أى ليس بسيء الخلق ، والخشن من القول .
الغليظ : بالمعجمة المشالة أَى الجافى .
الدَّمِث : السهل اللين ، وليس بالجافى ، ولا المُهين بضم الميم : يريد أنه لا يحقر
الناس ولا يُهِينهم ، ويروى ولا المَهين بفتح الميم ، فإن كانت الرواية هكذا فإنه أراد
ليس بالفظ الغليظ الجافى ، ولا الحقير الضعيف.
لا تُزْرِمُوه : بفوقية مضمومة ، فزاى فراء مكسورة ، فميم : أى لا تقطعوا بوله .
السَّجْل : بسين مهملة مفتوحة، فجيم ساكنة: فلام: [ الدّلو](١) الملاَّى.
يؤنب : بالبناء للمفعول : يلوم .
قُمَامِ الأَرض : هو جمع قُمَامة: ما تُقِمْقِمُه من المرعى وأَصله الكُناسة.
لدّه : بلام فدال مهملة مفتوحتين ، فهاء: سقاه فى أحد شفى الفم ، والله تعالى
أعلم .
- ٣١ -

الباب الثالث
فى حلمه وعفوه مع القدرة له صلى الله عليه وسلم
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿خُذُ العَفْوَ وَأُمُرْ بالعُرْفِ وَأَعْرِضْ(١) عَنِ الْجَاهِلِينِ ﴾
وقال عز وجل: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِن اللهِ(٢) لِنْت لَهُم وَلَوْ كُنْت فظًّا غِلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا
مِنْ حَوْلِكَ ﴾.
روى أبو نُعيم عن قتادة(٣) رحمه الله تعالى قال: طهر الله تعالى رسوله من الفَظاظَة
والغِلْظَة، وجعله قريبا ؛ وجيهاً ، رُوفاً بالمؤمنين رحيما(٤) .
وروى ابن مَرْدَوَيْه(٥) عن جابر وابن أبى الدنيا(٦) ، وابن جرير ، وابن أبى حاتم(٧)
عن الشَّعبى(٨) قال: لما أَنزل الله عز وجل: (( خُذُ العَفْوِ وَأُمُر بالعُرْفِ)) الآية، قال:
ما تأويل هذه الآية يا جبريل ؟ قال : لا أدرى حتى أَسَل العَالِمِ ، فصعد ، ثم نزل ،
فقال : يا محمد إِن الله تبارك وتعالى أَمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطى من حرمك ،
وتصل من قطعك .
وروى البخارى عن عبد الله بن الزبير رضى الله تعالى عنهما فى الآية مسائل :
(١) سورة الأعراف : ١٩٩
(٢) سورة آل عمران : ١٥٩
(٣) هو قتادة بن دعامة ت ١١٨ هـ: تذكرة الحفاظ ١/ ١١٥ وهو غير قتادة بن النعمان بن زيد الأنصارى
الصحابى ت ٢٣ هـ : صفة الصفوة ١٨٣/١
(٤) لم يشر المؤلف إلى آية سورة التوبة، وهى نص فى الموضوع ١٢٨/٩
(٥) عن ابن مردويه انظر ص ١٦
(٦) ابن أبى الدنيا هو عبد الله بن محمد بن عبيد البغدادى ت ٣٨١ ه: انظر عنه تاريخ بغداد ٨٩/١٠ وتذكرة
الحفاظ ٢٢٤/٢ .
(٧) عن ابن أبى حاتم انظر ص ٣٧
(٨) عن الشعبى انظر ص ١٧
- ٣٢ -

الأولى: قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بالعفو عن أخلاق الناس(١).
وروى البخارى عن جابر رضى الله تعالى عنه أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فلما قَفَل(٢) معه أدركتهم القائلة فى واد كثير العِضاة(٣) فنزل رسول الله صلى الله عليه
وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سَمُرَة (٤)
فعلق سيفه، ونمنا نومة ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا / عنده أعرابى، ٧ أ
فقال : إن هذا اخترط(٥) عَلَىّ سيفى، وأَنا نائم ، فاستيقظت وهو فى يده فقال :
من يمنعك منى ؟ فقلت : الله ثلاثا ، ولم يعاقبه وجلس .
وروى الإِمام أحمد والطبرانى عن جَعْدَة (٦) رضى الله عنه قال: شهدت رسول الله
صلى الله عليه وسلم أَّتِى برجل فقال : هذا أراد أن يقتلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: لن تُرَاعٍ، لو(٧) أردت ذلك لم يسلطك الله على.
وروى ابن أَبِى شَيْبة، والإِمام أحمد وعبْد بن حُمَيد ومسلم والثلاثة(٨) عن أنس
رضى الله عنه أَن ثمانين رجلا من أَهل مكة هَبَطُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم
من قِبَل التنعيم(٩) متسلحِين يريدون غِرّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عليهم ،
فأخذهم سِلْماً فعفا عنهم ، واستحياهم .
وروى النَّسائى ، وأبو داود عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم يوماً ، ثم قام فقمت حين قام ، فنظرنا إلى أعرابى قد أدركه ، فجذبه
(١) لم يذكر المسائل الأخرى وهى: وأن يأمر بالمعروف، وأن يعرض عن السفهاء الجاهلين: انظر تفسير هذه
الآية الكريمة كتب التفسير ، وانظر ص ٤٠
(٢) قفل : رجع :
(٣) العضاة من الشحر: كل ماله شوك جل أو دق: لسان العرب.
( ٤ ) انظر ص ٤٠
(٥) اخترط السيف: سله من غمده
(٦) هو جعده بن خالد بن الصمه الجشى: تاج العروس ٣٣١/٢ وأسد الغابة ٣٣٨/١٠
(٧) عبارة: لن تراع: مكررة فى أسد الغابة ١ / ٣٣٨.
(٨) هم: أبو داود والترمذى والنسائى كما قال المؤلف فى المقدمة .
(٩) التنعيم موضع بمكة بيها وبين سرف على بعد فرضين منها، معجم البلدان ٤١٦/٢
-٣٣ :-
(٣ - سبل الهدى والرشاد ج ٧ )

بردائهٍ ، فحمَّر رقبته ، وكان رداؤه خشِناً ، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقال له الأعرابى : احملنى على بعيرىّ هذين ، فإنك لا تحملنى من مالك ، ولا من مال
أبيك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، وأستغفر الله، لا وأستغفر الله ،.
لا، وأَستغفر الله (١) لا أحملك حتى تُقِيدنى من جَبْلَتِك، وكل ذلك يقول الأعرابى:
والله لا أُقِيدُكَها، فذكر الحديث ، وفيه : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضى
الله عنه فقال : احمل له على بعيرَيْه هذين - على بعير تَمْراً ، وعلى الآخر شعيرا ،
ثم التفت إلينا ، فقال : انصرفوا على بركة الله تعالى .
وروى أبو الشيخ عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه
وسلم مكة طاف بالبيت وصلى ركعتين، ثم أتى الكعبة فأَخذ بعُضَادتى (٢) الباب فقال:
ما تقولون ؟ وما تظنون ؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم قالوا ذلك ثلاثا ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول : كما قال أَخى يوسف لإخوته - عليه السلام -
﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمِ يَغْفِرُ اللهُ لَكُم وهو أَرْحَمُ الراحمين(٣) ﴾ فخرجوا، فكأنما
نُشِروا من القبور ، فأَسلموا .
وروى ابن عساكر عن الزُّهْرِى(٤) عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال:
لما كان يوم فتح(٥) مكة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صفْوان بن أمية ، وأبى
سفيان بن حرب ، والحارث بن هشام ، قال عمر رضى الله عنه فقلت : قد أمكننى الله
عز وجل منهم اليوم ، لأُعرفنهم بما صنعوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثلى
ومَثَلُكم كما قال يوسف عليه السلام لإخوته : ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليومِ يَغْفِرُ اللهُ لكم ،
وهُو أَرْحَمُ الراحمين ﴾، فانْفضَحْت حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية
أن یکون یدری ، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال : . !
(١) فى م ، ت: لا وأستغفر الله: مكررة أربع مرات".
(٢) عضادتيه : ناصيتيه وجانبيه .
(٣) سورة يوسف : ٩٢
(٤) هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهرى ت ١٢٤ هـ: تذكرة الحفاظ: ١٠٨/١
(٥) فى رمضان من السنة الثامنة من الهجرة: انظر تاريخ الأمم الإسلامية ١٢٩/١.
- ٣٤ -

وروى / أبو الشيخ ، وابن حِبّان عن جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ٧ ٢
وسلم جعل يقبض يوم(١) حنين من فِضة فى ثوب بلال(٢) ، ويفرقها ، فقال له رجل :
يا رسول الله اعْدِل، فقال: ويْحَك، من يعدلُ إِذا أَنا لم أَعدل ؟ قد خِبْتُ وخَسِرْتُ
إن كنت لا أَعدل)) فقال عمر رضى الله عنه : أَلا أَضرب عنقه فإنه منافق ؟ فقال :
مَعَاذَ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى .
وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه قال : لما كان يوم حنين آثر
رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً فى القسمة ليؤلفهم، فأَعطى الأَفْرَع بن حَابِس
مائة من الإبل ، وأعطى نَاساً من أشراف العرب ، وآثرهم يومئذ فى القسمة ، فقال رجل :
إن هذه لَقِسْمَةٌ ما عُدِل فيها ، وما أُرِيد بها وجْهَ الله تعالى، قال : فقلت: والله لأُخْبِرَنْ
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته، فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصِّرف (٣)،
ثم قال : فمن يَعْدِلُ إِن لم يعدل الله ورسوله ؟ ثم قال : يرحم الله موسى عليه السلام،
قد أُوذِى(٤) بأكثر من هذا فصبر)).
وروى ابن حِبّان ، والحاكم (٥) ، عن عبد الله بن سلام رضى الله تعالى عنه : أَن زيد
ابن سَعْيَةٍ(٦) - وهو أحد علماء أهل الكتاب من اليهود - قال النووى رحمه الله تعالى: هو
أحد أحبار اليهود الذين أسلموا - قال : إنه لم يبق من علامات النُّبُوة شئ إلا وقد عرفتها
فى وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه ، إلا اثنتين لم أَخبرهما منه : أن
يسبق حِلْمُهُ جَهْله، ولا تزيدَه شدةُ الجهل عليه إلا حلما ، فكنت أَتلطف له لِأَن أُخالطه
فأَعرف حلمه ، فابْتَعْتُ منه تمرا معلوما إلى أجل معلوم ، وأعطيته الثمن ، فلما كان قبل
(١) فى شوال من السنة الثامنة من الهجرة بعد فتح مكة.
(٢) هذه الكلمة غامضة فى النسخ المخطوطة، والتصحيح من كتاب: الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزى ٤٢٢/٢،
وانظر ص ٣٨، غنم الرسول من حنين ٤ آلاف أوقية من الفضة: مغازى الواقدى ٩٤٤/٣ .
(٣) الصرف شجر أحمر يدبغ به الأديم: الفائق ٢٩٥/٢.
(٤ ) انظر شرح الآية الكريمة رقم ٦٩ من سورة الأحزاب
(٥) عن الحاكم انظر ص ٣٢١.
(٦) اسمه زيد بن سعنه أو سعية والأول أكثر: الاستيعاب لمعرفة الأصحاب لابن عبد البر ٥٥٣/٢ ط البجاوى.
- ٣٥ -

:
محل الأجل بيومين أو ثلاثة ، أتيته ، فأخذت بجامع قميصه وردائه ، ونظرت إليه
بوجه غليظ ، فقلت : يا محمد أَلا تقضينى حقى ؟ فوالله إنكم يا بنى عبد المطلب لَمُطْل(١)،
وقد كان لى مخالطتكم علم )) فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أَى عَدُوّ الله ، أَتقول
لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع؟ فوالله لولا ما أَحاذر فوْتَه لضربت بسيفى رأسك ،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر فى سكون ، وتُؤَدَة ، وتبسم ، ثم قال :
أنا وهو كنا أَحوجَ إِلى غير هذا منك يا عمر ، تأمرنى بحسن الأداء ، وتأمره بحسن
النِّبَاعة(٢) اذهب يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعاً(٣)، مكان ما رُغْتَه ، ففعل
عمر رضى الله تعالى عنه ، فقلت : يا عمر ، كُلُّ علامات النبوة قد عرفتها فى وجه رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنتين لم أَخبرهما منه ، يسبق حلمُه جهلَه، ولا تزيدُه
شدةُ الجهل عليه إِلا حلما ، فقد خبرتُهما ، فأَشهدُك أَنى رضيت بالله تعالى رَبّا ،
وبالإِسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا .
وروى الإِمام أحمد ، وأبو الشيخ عن عائشة رضى الله عنها قالت : ابتاع رسول الله
٨ ١ صلى الله عليه / وسلم جَزُوراً من أَعرابى بِوَسَقٍ (٤) من تمر الدَّخِيرَة ، فجاءَ منزله ، فالتمس
التمر ، فلم يجده ، فخرج إلى الأَعرابى فقال: عبدَ الله، إِنا قد ابتعنا منك جزورك
هذا بِوسق، من تمر الذَّخِيرة ، ونحن نرى أَن عندنا ، فلم نجده ، فقال الأَعرابى : واغدراه ،
واغدراه ، فوكزه الناس وقالوا : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول هذا ؟ فقال :
دعوه ، فإِن لصاحب الحق مَقَالا)) فردد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثا،
فلما رآه لا يفقه عنه قال : لرجل من أصحابه اذهب إلى خَوْلَة بنتِ حكيم بن أُميَة
فقل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك: إِن كان عندك وَسَق من تمر الدَّخِيرة
فسلفينا حتى نؤديه إليك إن شاءَ الله تعالى ، فذهب إليها الرجل ثم رجع قال : قالت :
(١) فى كتاب الوفا لابن الجوزى: فوالله ما علمتكم بنى عبد المطلب لمطل: ٤٢٦/٢ والمطل: التسويف بالعدة
والدين : القاموس .
(٢) التباعة : ما اتبعت به غيرك من ظلامة ونحوها، لسان العرب. ويقال: اتبعت فلاناً على فلان أى أحلته:
الفائق ١٤٧/١
(٣) عن الصاع: انظر ص ١٥٧ .
(٤) الوسق حمل بعير، وهو ستون صاعاً بصاع النبى صلى الله عليه وسلم، وهو خمسة أرطال وثلث. لسان العرب."
- ٣٦ -

نعم هو عندنا يا رسول الله ، فابعث من يقبضه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
للرجل : اذهب فأَوْقِه الذى له ، فذهب، فأَوفاه الذى له ، قال فمر الأَعرابى برسول
الله صلى الله عليه وسلم ، وهو جالس فى أصحابه ، فقال : جزاك الله خيرا ، فقد أَوفيت
وَأَطْيَبْت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولئك خِيَارُ الناس الموُفُون المطيّبُون.
وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رجلا أتى رسول اللهصلى الله عليه وسلم يتقاضاه
فَأَغلظ له ، فَهَمّ به أصحابه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوه فإِن لصاحب
الحق مقالا ، ثم قال : اعطوه شيئا مثل سِنِّه، فقالوا : يا رسول الله، لا نجد إلا أفضل
: اعطوها ، وخير كم أحسنكم قضاء .
وروى البخارى رحمه الله عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن يهودية أَنت رسول
الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة ، فأكل منها فجئ بها ، فقيل: أَلا تقتلُها فقال : لا .
وروى الشيخان عن عائشة وابن أبى حاتم(١) عن عكرمة (٢) وروى أبو الحسن
ابن الضحاك عن جابر رضى الله عنه قال : أبصرتْ عيناى ، وسمعت أذناى أَن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان بالجعرّانة(٣) ، وفى ثوب بلال فِضة، ورسول الله صلى الله عليه
وسلم يفُضِّها على الناس ، فيعطيهم ، فقال له رجل : يا رسول الله اعدل ، فقال : وَيْلَك
فمنْ يعدلُ إذا لم أَعدل ؟ لقد خِبْت وخسِرْتُ إِن لم أَعدل )) فقال عمر بن الخطاب
رضى الله عنه: يا رسول الله دَعْنِى أَقتلْ هذا المنافق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
معاذ الله أن يتحدث الناس أننى أَقتل أصحابى ، إن هذا وأصحابه يقرءُون القرآن ،
لا يجاوز حُلُوقَهم أَو قال : حناجرهم، يَمْرُقُون من الدين مروق السهم من الرَّمَيَّة (٤)
(١) هو عبد الرحمن بن محمد - أبى حاتم - بن إدريس بن المنذر التميمى ت ٣٢٧ هـ. له كتاب الجرح والتعديل
٨ مجلدات: انظر عنه: تذكرة الحفاظ ٤٦/٣، وطبقات الحنابلة ٥٥/٢
(٢) هو عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس ت ١٠٥ ه: انظر عنه: وفيات الأعيان ٣١٩/١ وحلية الأولياء ٣٢٦/٣
(٣) الجعرانة: بكسر أوله وقيل بكسر العين، وتشديد الراء: ما بين الطائف ومكة وهو إلى مكة أقرب : أنظر
انظر ص ٥٩٧ .
(٤) الرمية هى الطريدة التى يرميها الصائد وينفذ بها سهمه: لسان العرب. وهى كل دابة مرمية: والرمية الصيد الذى
ترميه فتقصده وينفذ فيه سهمك . وقيل كل دابة مرمية انظر لسان العرب ٤ /٣٣٦.
- ٣٧ -

وروى الإمام أحمد وعبد بن حُمَيد ،والبخارى والنَّسَائى وأبو الشيخ، والبَيْهفى
عن زيد بن أَرْقم رضى الله عنه : سحر النبيِّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ من اليهود ، فاشتكى
لذلك أياما ، فأَتاه جيريل عليهما السلام ، فقال إن رجلا من اليهود(١) سحرك ، فعل
٨ ب لذلك / عَقْدا ، فأَرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضى الله عنه ، فاستخرجها ،
فجاءَ بها فجعل كل ما حل عقدة وجد لذلك خِفَّة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم
كأَمَا نَشِطِ(٢) من عِقال، فما ذكر ذلك لليهودى، ولا رآه فى وجهه .
وروى البَيْهَفى(٣) فى شُعب الإِيمان، مرسلا(٤) عن عبد الله بن عُبيد مرسلا(٥) أَن
رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كسرت رباعِيَّتُه، وشُجّ وجهه يوم أُحد شق ذلك
على أصحابه ، وقالوا : لو دَعوْت عليهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى
لم أُبْعث لعّانا ، ولكن بعثتُ داعياً ورحمة ، اللهم اهد قومى ، فإنهم لا يعلمون )) ، ورواه
موصولا(٦) عن سَهْل بن سعد رضى الله عنه مُخْتَصَراً اللهم : اغفر لقومى ، فإنهم لا يعلمون ،
ولله در القائل حيث قال :
ومَا الْفَضْلُ إِلا أَنْتَ خَاتِمُ فِضةٍ وَعَفْوُك نقْشُ الْفِصّ فَاخْتِم به عُذْرى
ومن رحمته ورأفته صلى الله عليه وسلم بأُمته تخفيفه وتسهيله عليهم ، وكراهيته
أشياء مخافة أن تفرض عليهم ، كقوله صلى الله عليه وسلم: لولا أَن أَشُقّ على أُمتى
لأَمرتهم بالسِّواك عند كل وضوء، ومع كل صلاة، ولأَخّرت العشاء إلى ثلث الليل ))،
وخبر قيام رمضان ، ونهيه عن الوصال، وكراهته دخول الكعبة لئلا يُعْنِت أُمته ،
ورغبته لربه أن يجعل سَبَّتَه ولعْنَتَه رحمة لمن سبه وزَكاةً وطُهُورا .
(١) انظر ص ٢٠
(٢) يقال للمريض إذا برأ وللمغشى عليه إذا أفاق، وللمرسل فى أمر إذا أسرع فيه كأنما أنشط من عقال ونشط
أى حل .
(٣) عن البيهقى انظر ص ١٢ .
(٤) الأحاديث المرسلة التى يرويها المحدث إلى التابعى ثم يقول التابعى: قال رسول الله ( ص) ولم يذكر صحابياً
قاموس .
(٥) كانت غزوة أحد فى منتصف شعبان من السنة الثالثة من الهجرة انظر عنها: سيرة ابن هشام ١٢٦/٢، وتاريخ
الطبرى ١٨٧/١ ٠
(٦) الحديث الموصول ما اتصل إسناده إلى منتهاه لسماع كل واحد ممن فوقه مرفوعاً كان أو موقوفاً: انظر كتاب
علوم الحديث ط بيروت ١٩٦٧ ص ٦٤ .
- ٣٨ -

تَنْيَهَاتُ
٠
الأول: الحِلْم حالة توقير ، وثبات فى الأُمور، وتصبر على الأذى ، لا يستثير صاحبَه
. الغضبُ عند الأسباب المحركة ، ولا يحمله على انتقام ، وهو شعار العقلاء ، وقد كان
صلى الله عليه وسلم منه بالمحل الأعظم ، كما يشهد له قول أبى سفيان وقد قال له :
يا عَمِّ أَمَا آن لك أن تسلم ؟ ((بأَبِى أَنت وأمى ما أَحْلمَك!))، ولا تزيده كثرة الأذى
إليه إلا حِلْما ، بشهادة ما تقدم ومما حصل له يوم أحد(١).
الثانى : الصبر على الأَّذى جهاد النفس ، وقد جبل الله تعالى النفس على التألم
بما يفعل بها ، ولهذا شَقّ عليه صلى الله عليه وسلم نِسْبَةُ بعض المنافقين له الجور فى القسمة،
لكنه حلُم وصَبر لما علم من جبريل ثواب الصابرين ، وأَن الله تعالى يأُجُرُهم بغير حساب ،
وصبره صلى الله عليه وسلم على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه ، وأما إذا كان
لله تعالى فإنما يمتثلى فيه أمر الله تعالى من الشدة ، كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِىُّ جَاهِدٍ
الْكُفَّار والمنافقين(٢) وانغْلُظْ عليهم) وقد وقع أنه صلى الله عليه وسلم غضب لأسباب
مختلفة ، مرجعها إلى أَن ذلك فى أَمر الله تعالى، وأَظْهَرَ الغضبَ فيها ليكون أَوْكد فى
الزَّجر ، فصبره وعفوه إنما كان يتعلق بنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم ، وقد قال
صلى الله عليه وسلم لما شَجّ المشركون وجهه: (( اللهم اهدِ قومى)) وقال حين شغلوه عن الصلاة:
ملَأَّ الله قلوبهم نارا ، فتحمّل الشَّجَّة الحاصلة فى وجه جسده الشريف ، وما تحمّل
الشَّجَّة / الحاصلة فى وجه دينه المُنِيف ، فإن وجه الدين هو الصلاة ، فرجح حق خالقه ١٩
على حقه صلى الله عليه وسلم .
الثالث: قال القاضى (٣) فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمّ اهدٍ قومى فإنهم
(١) انظر ص ٣٢ وما بعدها.
(٢) سورة التحريم : ٩ .
(٣) قال المؤلف فى المقدمة : إنه يقصد به أبا الفضل عياض، وانظر ص ١١
- ٣٩ -
٠٠

لا يَعْلِمُون)): انظر ما فى هذا القول من اجماع الفضل ، ودرجات الإحسان ، وحسن
الخُلُق، وكرم النفس ، وغاية الصبر والحِلْم ، إِذ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على
السكوت عنهم ، حتى عفا ، ثم أشفق عليهم ، ورحمهم ، ودعا ، وشفع لهم ، فقال :
اللهم اهد واغفر ، ثم أَظهر الشفقة والرحمة بقوله : القومى ، ثم اعتذر عنهم لجهلهم ،
فقال : إنهم لا يعلمون .
الرابع : فى بيان غريب ما سبق :
العفو : المُسَاهَلة، وترك المؤاخذة ، والبحث عن مَذامُ الأخلاق : أى أَخذ ما سَهَل
من أخلاق الناس ، وأَفعالهم، من غير كُلْفَة ، ولا طلب ما يَشُقّ عليهم حَذَراً من أَن يَنْفِرُوا
من حوله .
السَّمُرَة : بسين مهملة مفتوحة ، فميم مضمومة ، فراء، فتاء تأنيث ضرب من شجر الطَّلْح .
الغِرَّة : بغين معجمة مكسورة ، فراء مشددة : الخدعة .
الصِّرْف : بصاد مهملة مكسورة ، فراء ساكنة ، ففاء : شجر أحمر يدبغ به الأَديم .
زيد بن سَعَنة : بسين مهملة ، فعين ، فنون مفتوحتين ، كما قيده به الحافظ
عبد الغنى، وجرى عليه الدَّارَقُطْنِى(١) والأَمير (٢) وبالمثناة التحتية ثبت فى نسخ (٣) الشّفا، وأن
مصنفه صحح عليه ، وهو الذى ذكره ابن إسحق (٤)، قال الذهبي(٥) فى النَّجْرِيد: والأَول أَصح ،
تمر الذَّخِيرة : بذال ، وخاء معجمتين ، قال فى النهاية : هو نوع من التمر معروف .
الرميَّة تقدم الكلام(٦) عليها والله أعلم .
(١) عن الدار قطنى انظر ص ٢٩٧
(٢) قال المؤلف فى مقدمة كتابه: إنه يقصد بالأمير: الإمام الحافظ أبا نصر على بن هبه الله البغدادى المعروف بابن
ماكولا ، ومن أشهر مؤلفات ابن ماكولا كتاب الإكمال : انظر عنه : وفيات الأعيان ٩٣/٢.
(٣) يقول المؤلف فى المقدمة: إنه يقصد به كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى القاضى عياض. انظر عنه ص ٢٨٠ .
(٤) هو محمد بن اسحاق بن يسار المطلبى روى عنه ابن هشام السيرة النبوية ت ١٥١ هـ معجم الأدباء ٣٩٩/٦، وفيات
الأعيان ٤٨٣/١.
(٥) للذهبى أكثر من مائة كتاب ، ومن كتبه : تجريد أسماء الصحابة ، انظر عنه ص ١٧٢
(٦) انظر ص ٣٧
- ٤٠ -