Indexed OCR Text
Pages 481-500
جميعاً، ومررتُ برسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وأَنا منهزم - وهو على بغلته الشهباء، فقالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: ((لَقَدْ رَآى ابنُ الأَكْوع فزعا)) فلما غشوا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - نَزَل عن بغلته ثم قبض قبضةً من تُرَاب من الأَرض ، ثم إنه أستقبل به وجوهُهُم، وقال: ((شَاهَتِ الْوُجُوه)) فما خلَّ الله تعالى منهم إنسانا إلّا ملأَّ عينيه تُرَاباً من تلك القبضة، فوَلُّوا مُدْبِرِين. وقَسَّم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - غَنائمهم بين المسلمين . وروى أبو الشَّيخ عن عِكْرِمَة - رحمه الله تعالى - قال: لَمَّا كان يوم حُنَيْن وَلَّ المسلمونَ، وثبتَ رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فقال: ((أَنَا مُحَمَّدُ رَسُولُ الله)) ثلاث مرات ، وإلى جنبه عمُّه العبّاس - الحديث . وروى ابن سعد ، والبخارىُّ فى التاريخ ، والحاكم ، والبيهقى عن عياض ابن الحارث - رضى الله عنه - قال: أَخذ رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلم - كَفَّا من حَصْباء / فرمى ٤٩٨ ٥ بِها وُجُوهَنَا فانهزمنا . وروى البخارى فى التاريخ ، والبيهقى فى الدلائل عن عمرو بن سفيان - رضى الله عنه - قال: قَبَضَ رسولُ الله - صلَى الله عليه وسلَّم - يَوْمَ حُنَيْنٍ قبضةً من الحصباءِ فرمى بها وُجُوهَنَا فانهزمنا، فما خُيِّلَ إِلينا إِلا أَنَّ كُلَّ حجر وشَجَرِ فارس يطلبنا وروى ابن عساكر عن الحارث بن زَيْد مثله . وروى ابنُ أبى شيبة ، والإِمام أحمد - برجالِ الصَّحيح - عن أنس بنِ مالك - - رضى الله عنه - قال: كان من دُعَاءِ النَّبِىّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يوم حُنَيْن : ((اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تَشَاءِ لا تُعْبَد بَعْدَ الْيَوْم)). وذكر محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - قال : كان من دعاء رَسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين أنكشفَ عنه النَّاسُ ولم يبقَ معه إلاَّ المائة الصَّابرة ((اللَّهُمَّ لكَ الْحَمْدُ، وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكِى، وَأَنْتَ الْمُسْتعَان)) فقال لهِ جبريل: ((لَقَدْ لَقِنْتَ الْكَلِمَاتِ الَّتِى لِقَّنَ اللهُ - تَعَالَى - مُوسَى يَوْمَ فَلْقِ الْبَحْرِ، وَكَانَ الْبَحْرُ أَمَامَه وَفِرْعَونُ خَلْفَه))، (٣١ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥ ) - ٤٨١ - ذكر ما قيل أن الملائكة قاتلت يوم حنين والرعب الذى حصل للمشركين روى ابن أبى حاتم عن السُّدى الكبير - رحمه الله تعالى - فى قول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًاً لَمْ تَرَوْهَا﴾(١) قال: هم الملائكة ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾(١) قال: قتلهم بالسيف . وروى أيضاً عن سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى - قال : فی یَوْمِ ٢٨٣ت حُنَيْن / أَمَدَّ اللهُ - تعالى - رسولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوِّمِين، ويومئذ سمىَّ اللهُ تعالى الأَنصار مؤمنين قال: ((ثُم أَنْزَلَ الهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ(١). وروى ابنُ إسحاق، وابنُ المنذر ، وابنُ مردويه ، وأَبو نُعَيْم ، والبيهقى عن جُبَيْر ابن مُطْعِم - رضى الله عنه - قال : رأيتُ قبلَ هَزِيمة القوم - والناسُ يقتتلون - مثل البِجَاد الأَسود أَقبل من السَّماءِ حتَّى سقط بين القوم ، فنظرتُ فإِذا ملُ أَسود مبثوث قد ملأَّ الوادى ، لم أَشُكَّ أَنها الملائكة ، ولم يكن إلا هزيمة القوم . وروى محمد بن عمر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن شيوخ من قومه من الأنصار ، قالوا : رأَيْنَا يومئذٍ كالبُجُد السُّود هوَتْ مِن السماءِ رُكَاماً، فنظرنا فإذا رملٌ مبثوث، فكنا ننفضه عَنْ ثيابنا ، فكان نصرُ الله - تعالى - أَيَّدَنَا به . وروى مُسَدَّد فى مسنده، والبيهقى. وابنُ عساكر عن عبد الرحمن مولى أُم بُرْثُن قال : حدثنى رجل كان من المشركين يوم حُنَين قال : لَمَّ الْتقينا نحن وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقوموا لنا حَلْبَ شاة أَن كبيناهم(٢) ، فبينما نحن نسوقهم فى أدبارهم إِذ التقينا(٣) بصاحب البغلة - وفى رواية - إِذ غَشِيَنَا، فإِذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَتَلَقَّتْنَا عنده، وفى رواية: إِذا بيننا وبينه رجالٌ بيضٌ حِسَانُ الوجوه قالوا لنا : شَاهَت الوجُوه، ارجعوا ، فرجعنا - وكانت إيّاها(٤). (١) سورة التوبة آية ٢٦. (٢) فى ت، م ((كفيناهم)) والمثبت عن النسختين الأخريين وسيرد كالمثبت بشرح المفردات. (٣) فى (ص) ٢: ٢٣٩ ((إذ التقانا صاحب البغلة)) وفى شرح المواهب ٣: ١٥ ((إذا انتهينا إلى صاحب)). (٤) وكانت إياها: أى الهزيمة. (شرح المواهب ٣ : ١٥) - ٤٨٢ - وروى ابن مردويه ، والبيهقى ، وابن عساكر عن مُصْعَب بن شيبة بن عثمان الْحَجَبِىِّ عن أبيه - رضى الله عنه - قال: خرجتُ مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلّم - يومَ حُنَيْن ، واللهِ ما خرجتُ إِسلاماً، ولكن خرجتُ أَنفاً(١) أَن تظهر هَوَازِنُ على قُريش، فإنى لواقفٌ مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذ قلتُ: يا رسولَ الله إنى لأَرى خَيْلاً بُلْقاً، قال: ((يَا شَيْبَةُ إِنَّه لَا يَرَاهَا إِلَّ كَافِرٍ)) فضرب بيده فى صدرى وقال : ((اللَّهُمَّ اهْدِ شَيْبَة)) / فعل ذلك ثلاث مرات - فوالله ما رفع رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه ٤٩٩ ت وسلَّم - الثالثةَ حتى ما كان أَحَدٌّ مِن خلق اللهِ تعالى أَحَبٌ إلىَّ منه ، فالتقى المسلمون فَقُتِلَ مَن قُتِل ، ثم أَقبل رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وعمرُ آخذ بالنِّجام، والعبَّاسُ آخذٌ بالثَّغر، فنادى العباسُ: أَينَ المهاجرون، أَين أصحاب سورَةِ الْبَقَرة - بصوت عالٍ - هذا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأَقبلَ المسلمونَ والنبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((أَنَا النَّبِىُّ لَا كَذِب، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلب) فجالدوهم بالسُوف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الآن حَمِىَ الوَطِيس)). وروى عبدُ بنُ حُمَيْد ، والبيهقى عن يزيد بن عامر السُّوَائى - رضى الله عنه - وكان حضر يومئذ ، فسئل عن الرعب فكان يأَخذ الحَصَاةَ فيرمى بها فى الطَّسْت فَيطِنُّ فيقول : أَنْ كُنَّا نجدُ فى أَجوافنا مثلَ هذا . روى محمد بن عمر عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : حدثنى عِدَّة من قومى شهدوا ذلك اليوم يقولون: ((لقد رَفَى رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - تلك الرَّمية من الحصى فما مِنَّا أَحدٌ إِلاَّ يَشْكو القذى فى عينيه ، ولقد كنا نجدُ فى صدورنا خفقانا كوقع الحصى فى الطاس ما يهدأُ ذلك الخفقان ، ولقد رأينا يومئذٍ رجالاً بيضاً ، على خيل بُلْق، عليهم عمائم حُمْر ، قد أَرْخوْهَا بين أكتافهم، بين السَّماءِ والأَرض كتائب كتائب ما يَلِيقون (٢) شيئا، ولا نستطيع أن نتأَملهم من الرُّعْب منهم . وروى أيضاً عن ربيعةً بن أَبزى قال : حدَّتنى نَفَرُ مِنْ قومى ، حضروا يومئذ قالوا : (١) فى شرح المواهب ٣: ١٥ ((إتقاء أن تظهر)) وفى البداية والنهاية ٤: ٣٣٣ (( ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش» . (٢) فى (ص) ٢: ٢٣٩ ((مايلتقون شيئاً)) والمثبت عن بقية النسخ، وما ورد فى شرح الغريب من المفردات. - ٤٨٣ - كُنَّا لهم فى المضايق والشِعاب، ثمَّ حملْنا عليهم حملة ، رَكِبْنَا أَكْتَافَهم حتَّى أنتهينا إلى صاحِب بغلةٍ شهباءً، وحوله رجالٌ بيضُ حِسَانُ الوُجُوه، فقالوا لنا : شَاهَتِ الْوُجُوه ارْجِعُوا. فأنهزمنا، وركب المسلمونَ أَكتافَنَا، وكانت إِيَّاها ، وجعلنا نلتفت وإنا لننظر إليهم يكدُّوننا فتفرَّقَت جماعَتُنَا فى كلِّ وجه ، وجعلت الرّعدة تَسْتَخِفُّنا حتى لحقنا بِعَلْيَاءِ بلادنا ، فإن كنا ليُحْكى عنا الكلامُ ما نذْرى به ، لِمَا كانَ بنَا من الرُّعْبِ، وقَذَفَ الله - تعالى - الإِسلام فى قُلُوبنا . وروى أيضاً عن شيوخ من ثقيف أسلموا بعد ما كانوا حضروا ذلك اليوم قالوا : ما زال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فى طلبنا - فيما نرى - ونحن مولُّون حتَّى إِنَّ الرَّجُل ليدخل منَّا حصنَ الطائف وإنه لَيَظُنُّ أَنه على أَثره من رُعب الهزيمة. * ذكر من ثبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين روى البيهقيُّ عن حارثة بن النعمان - رضى الله عنه - قال: لقد حرزت منْ بقى مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين أَدبرَ الناسُ ، فقلتُ : مائة واحد . وروى ابن مردويه عن ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قال : لقد رأينا يوم بَدْر وإِن الفئتين لموليتان ، وما مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مائة رجل . وروى الإِمام أحمد ، والحاكم ، والطَّرانى، والبيهقى ، وأَبو نُعيم ، برجالِ ثقاتٍ عن ابن مسعودٍ قال : كنَّا مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومَ حُنَيْنِ فَوَلَّ النَّاسُ وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار ، فنكصْنَا على أعقابنا نحوًا من ثمانين ٥٥٠٠ (٢٨٤ قدما ، ولم نولِّهِم الدُّبر إلى آخره ، وتقدم . / ٢ قال محمد بن عمر يقال: إنَّ رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - لَمَّا انكشفَ النَّاسُ عنه يومَ حُنَيْن - قال لحارثة ((يَا حَارِثَة، كَمْ تَرَى النَّاسَ الَّذِيْنَ ثَبَنُوا)) قال : فما التفتُّ ورائى تحرُّجاً ، فنظرتُ عن يمينى وعن شمالى ، فحزرتهم مائة ، فقلتُ : يا رسولَ الله !! هم مائة فما علمت أنهم مائة حتَّى كان يومٌ مررتُ على النَّى - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يُناجى جبريل عند باب المسجد، فقال جبريل: ((يا محمد مَنْ - ٤٨٤ - هَذَا؟ )) قالَ رَسُولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ((حَارِثَةُ بنُ النُّعْمَان)) فقال جبريل : هو أَحد المائة الصَّابرة يوم حُنَيْن، لو سَلَّم لَرَدَدْتُ عليه، فأخبر رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - حَارثَةٍ، قال: (( ما كنتُ أَظنه إِلاَّ دِحْيَةِ الكَلْبِ واقفاً مَعَك)). وروى ابن أبى شيبة عن الحكم بن عُتَيْبَةً - بلفظ تصغير عَتَبَة الباب - رحمه الله تعالى - قال: لمَّا فَرَّ النَّاسُ يوم حُنَيْن عن النَّبِىِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - جعل يقول: ((أَنا النَّبِىُّ لا كذِب أَنا ابنُ عبد المطَّب)» فلم يبْقَ معه إلا أربعة ، ثلاثةٌ مِنْ بنى هاشم ، ورجُلٌ من غيرهم ؛ علىّ بن أبى طالب ، والعبَّاس وهما بين يديه، وأَبُو سُفيان بن الحارث آخذٌ بالعنان ، وابن مسعود من جانبه الأَيسر ، قال: فليس يُقْبِلُ أَحدٌ إِلاَّ قُتِلَ، والمشركون حَوْلهُ صَرْعَى ، فمن أَهل بيته عَمُّه العبّاسُ، وأَبو سُفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، وأَخوه ربيعة أَبناءُ عمِّ رسول اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - والفضلُ بنُ العبّاس، وعلى بن أبى طالب ، وجعفر بن أبى سفيان بن الحارثُ وقُثَم بن العبَّاس - قال فى الزهر: وفيه نظر ؛ لأَن المؤرِّخين قاطبةً فيما أَعلم عَلُّوه فيمن تُوُفِىَّ رَسُولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وهو صغيرٌ ، فكيف شهد حنيناً !! وعُتْبَة ومُعَنِّب ابنا أَبِى لهب، وعبد الله بن الزُّبَير بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث ، وعُقيل بن أبى طالب ، وأسامة بن زيد، وأَخوه لأُمه أيمن بن أم أَيمن، وقُتِلَ يومئذٍ ، ومن المهاجرين: أَبو بكرٍ - رضى الله عنه - وعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - وعثمان بن عفان - رضى الله عنه - روى البَّزَارُ عن أَنْسٍ - رضى الله عنه - : أن أبا بكرٍ وعمر وعثمان وعليًّا - رضى الله تعالى عنهم - ضرب كل منهم يومئذ بضعة عشر ضربة - وابن مسعود - رضى الله عنه - ومن الأَنصار : أَبو دُجَانة ، وحارثة بن النعمان - قد ذكر فى ذلك عند محمد بن عمر - وسعد بن عبادة ، وأَبُو بشير- كما فى حديثه عند محمد بن عمر - وأُسَيْد بن الحُضَيْر ، ومن أَهل مكَّة : شيبة بن عثمان الْحَجَبِىّ - كما تقدَّم - ومن نساءِ الأَنصار: أُم سُلَيْم بنت مِلْحَان أُم أنس بن مالك، وأُم عمارة نَسِيبَة بنت كعب ، وأُم الحارث جَدَّة عمارة بن غَزِيَّة - بفتح الغين ، وكسر الزَّاى المعجمتين - وأُمّ سليط بنت عبيد - قال محمد بن عمر: يقالُ إِنَّ المائة الصَّابرة يومئذ ثلاثةٌ وثلاثون من المهاجرين وستَّةٌ وستُّون من الأَنصار. - ٤٨٥ - : ذكر ثبات أم سليم بنت ملحان ، وأم عمارة نَسِيبَة - بفتح النَّون، وكسر السِّين المهملة، وسكون النَّحتية، وبالموحّدة : بنت كعْب - رضى الله تعالى عنها. قال ابن إسحاق: حدَّثنى عبد الله بن أبى بكر : أَنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأَى أُمَّ سُلَيْمٍ بنت مِلْحَان، وكانتْ مع زوجها أبى طلحة، وهى حامل بعبد الله بن أبى طلحة، وقد خشيت أَن يَغُرَّ بها(١) الجَمَل، فأَدْنَت رأسه منها ، وأَدخلتْ يَدَها فى خِزَامِهِ (٢) مع الخطام، فقالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ((أُم سُلَيْم))؟ قالَت: نَعَمْ بِأَبِى أَنْتَ وَأَتِى يَارَسُولَ الله، أُقْتُلُ المنهزمين عنك" كما تقْتُل الَّذِيِن يُقَاتِلُونَكَ؛ فإنهم لِذَلك أَهْلٌ)) فقال رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وَسلَّم -: ((أَوَيَكْفِى الله يَا أُمْ سُلَيْم)). وعند محمد بن عمر: ((قَدْ كفى اللهُ تَعَالَى عَافِيَة الله تَعَالَى أَوْسَع)). وروى ابن أبى شيبة، والإمام أحمد ، ومسلم عن أَنْسٍ - رضى الله عنه - قال : اتخذتْ أُمُّ سُليم خِنْجَراً أَيَّامَ حُنَيْن ، فكان معها ، فلقى أبو طلحة أُم سُلَيم ومعها الخِنْجَر، فقال أبو طلحة : ما هذا؟ قالت: إِنْ دَنا مِنِّى بعضُ المشركين أُبْعَجُ به بطنه ، فقال أَبُو طلحة: أَما تسمعُ يا رسولَ الله ما تقُول أُم سليم؟ فَضَحكَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقالت: يا رسولَ الله أُقتل مَن يعدونا من الطُّلقاء ؛ انهزموا عنك. فقال: ((إِنَّ اللّه تَعَالَى قَدْ كَفَى وَأَحْسَن يَا أُم سُلَيم)). وروى محمد بن عمر عن عمارة بن غَزِيَّة قال: قالت أم عمارة: لَمَّا كان يوم ◌ُنَيْن والناسُ مُنْهَزِمُون فى كل وَجْه، وكُنَّا أَربع نسوة ، وفى يدى سيف لى صارم ، وأُم سُلَيم معها خِنْجَر قد حزمته على وسطها ، وإنَّها يومئذ حامل بعبد الله بن أبى طلحة ، وأُم سليط ، وأُم الحارث . قال شيوعُ محمد بن عمر : فجعلتْ أُمّ عمارة تصيح يا للأَّنصار : أية عادة هذه . (١) كذا فى الأصول، وفى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٤٤٦ (( أن يغرها الجمل)) بمعنى يقلبها الجمل. (٢) الخزام : بكسر الخاء المعجمة حلقة تصنع من شعر وتجعل فى أنف البعير ( اللسان). - ٤٨٦ - ٢٨٥ ٢ مالكم والفرار ؟! قالت: وأنظر إلى رجلٍ من هَوَازِن على جمل أَوْرَق [ معه لواء ](١) يوضِع جمله فى [ أَثر ](٢) المسلمين، فأَعْتَرِضُ له فأَضْرِبُ عرقوبَ الجمل . فوقع على عجزه وأَشد عليه ، ولم أَزل أَضربه حتَّى أَثْبَتُّه، وأَخذت سيفاً له . ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قائمٌ، مُصْلِتُ السَيْفَ بيده، قد طرح غِمدَه يُنادى: ((يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرة )) فكرّ الأَنصار ، ووقفتْ هوازِنُ قَدْر حَلْبِ ناقةٍ فَتُوح، ثم كانت إِيَّها ، فَوَالله ما رأيتُ هزيمةً قط كانت مثلها / ، قد ذهبُوا فى كلِّ وَجْه ، فرجع إلىّ أَبنائى جميعاً: حُبَيْبُ وعَبْد الله أَبناء زيد بأَسارى مُكَنَّفِين، فأَقوم إليه من الغيظ فأَضرب عنق واحد منهم ، وجعل الناسُ يأتون بالأسارى فرأيت فى بنى مازن وبنى النجار ثلاثين أسيرا ، وكان المسلمون بلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كُرُّوا بعدُ وتراجعوا ، فَأَسْهَم له رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - جميعاً، وكانت أُم الحارث الأنصارية آخذةٌ بخطام جمل الحارث زوجها ، وكان يسمى المِجْسَار فقالت : يا حارٍ أَتتركُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والنَّاسُ يولُّون مُنْهزمين ؟! وهى لا تُفَارقه، قالت : فمر علىَّ عمر بن الخطاب فقلتُ: يا عمر ما هذا ؟ قال : أَمر الله تعالى . ** * ذكر انهزام المشركين قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - لما نادى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الأَنصار كرُّوا راجعين فجعلوا يقولون : يا بنى عبد الرحمن ، يا بنى عبد الله ، يا بنى عبيد الله، يا خيل الله . وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قد سَمَّى خَلَه خيْلَ الله، وجعل شعارَ المهاجرين : بنى عبد الرحمن ، وجعل شعار الأَّوس : بنى عبيد الله ، وشعار الخزرج : بنى عبد الله . روى محمد بن عمر عن محمد بن عبد الله بن أبى صعصعة / : أَن سعْدَ بنَ عبادة ٥٠٢ت جعل يصيح يومئذ: يَالَلْخَزْرَج ثلاثاً، وأُسيْدَ بن الحُضير يصيح: يَالَلْأَوْس - ثلاثاً فثابُوا من كلِّ ناحيةٍ كأَنهم النحل تأوى إلى يعسوبها ، قال أَهل المغازى فحنق المسلمون (١) وفى المغازى للواقدى ٣: ٩٠٤ ((من جاوز بعيرى فاقتله)). (٢) الإضافة عن المغازى الواقدى ٣: ٩٠٣. - ٤٨٧ - على المشركين فقتلوهم حتَّى أَسرع(١) القتلُ فى ذرارى المشركين . فبلغ ذلك رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فقال: ((ما بال أقوام بلغ بهم القتل حتى بلغ الذريّة! ألا لا تقتل الذرية، ألا لا تقتل الذرية)) ثلاثا - فقال أَسَيْدُ بنُ الحُضَير: يا رسولَ الله، أليس إنَّما هُم أولادُ المشركين ؟ فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : (( أَلْيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِين! كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا، فَأَبَوَاهَا يَهَوِّدَانِهَا أَوْ يُنَصِّرَانِهَا)). قال محمد بن عمر : قال شيوخ ثقيف ، ما زالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فى طلبنا، فيما نرى - ونحن مولُّون حتى إِنَّ الرَّجلَ منَّا ليدخلُ حِصْنَ الطَّائِفِ وإنه ليظن أنَّه على أَثره ؛ من رعُبِ الهزيمة . قال أَنسُ بنُ مالكٍ كما رواه الإمام أحمد : كان فى المشركين رجلٌ يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا ، فلمَّا رأى ذلك رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - نزل، فهزمهم الله - تعالى - فولُّوا، فقام رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين رأى الفتح ؛ فجعل يُجَاء بِهِم أُسَارى رجلٌ رجلٌ، فَيُبَايِعُونَه على الإِسلام ، فقال رجلٌ من أصحابِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إِنّ علىَّ نذراً لئن جىءَ بالرَّجل الذى كان منذ اليوم يحطمنا لِأَضْربَنَّ عُنُقَه فسكت رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وجىءَ بالرجل فلما رأى رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: يا نَبِىَّ اللّه تُبتُ إِلى الله، فأَمسك رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن مبايعته ليوفى الآخذُ بنذره ، وجعل ينظرُ إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليأمره بقتْله، وهابَ رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فلما رأَى رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الرَّجُلَ لا يصنعُ شيئاً بايعه، فقالَ: يَا رسولَ الله نَذْرِى؟ قال: ((لَمْ أَمسِكْ عَنْهُ إِلاَّ لِتُوفى بنَذْرِك)) فقال: يا رسولَ الله أَلا أَومأتَ إِلىّ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنه لَيْسَ لِنِي أَن يُومىءٍ . قالوا: وهزم الله تعالى أعداءه منْ كلِّ ناحية، وأتبعهم المسلمون يقتُلُونَهم، وغنَّمَهم الله - تعالى - نساءهم وَذَرَارِيهم وأموالهم، وفَّ مالكُ بنُ عوفٍ حَتَّى بلَغَ حِصْن (١) فى رواية ابن عمر الواقدى فى المغازى ٣: ٩٠٥ ((حتى أسرع المسلمون فى قتل الذرية)). - ٤٨٨ - الطَّائف. هو وأُناس من أَشراف قومه ، وأَسلم عند ذلك ناس كثير من أَهل مكّة حين رأوا نصرَ الله - تعالى - رسولَه وإعزاز دينه. قال ابن إسحاق: ولما هزم اللهُ تعالى المُشْركين من أَهل حُنَيْنِ، وأَمكنَ رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - منهم ، قالت أمراة من المسلمين - رضى الله عنها - وعنهم : قَدْ غَلَبَتْ خَيُلُ اللهِ خَيْلَ اللَّتِ وَاللهُ أَحَقُّ بِالثَّبَاتِ(١) ويُرْوَى : وخيله أَحقّ بالثبات . زاد محمد بن عمر : إِن لنا ماءَ حنين فخلوه(٢) إِن تشربوا منه فلَن تَعْلُوه هذا رسول الله لن تغلوه ورجع رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - من جهة المشركين بعد انهزامهم إلى العسكر ، وأمر أن يقتل كل من قدر عليه ، وثَابَ من أنهزم من المسلمين . روى البَّزار بسند رجاله ثقات عن أنس - رضى الله تعالى عنه - : أَن رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قال يوم حُنين: ((اجْزُرُوهُم جَزْراً)) وأَوماً بيده إلى الحلْقِ. قال محمد بن عمر: وذُكِر للنبى - صلَّى الله عليه وسلَّم / - أَن رَجُلاً كان بحُنِيْن ٥٠٣ت قاتل قتالاً شديدا، حتَّى أَشتدَّت به الجِرَاحِ، قال: ((إِنَّه من أَهل النَّار)) فارتاب بعضُ النَّاسِ منْ ذلك ، ووقع فى قلوب بعضهم مَا الله تعالى به أَعلم ، فلما آذته جراحتُه ، أَخِذ مِشْقَصاً من كِنَانَتِه فأنتحر به، فأَمر رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - بِلالاً [ أن] (٣) يُنادى: أَلَا لَا يَدْخُل الجَنّْةَ إِلَّ مُؤْمِن، إِنَّ الله - تَعَالَى - يُؤْيِّدُ هَذَا الدِّين بالرَّجُلِ الْفَاجِرِ )). (١) فى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٤٤٩ ((.". وخيله أحق بالثبات)). (٢) كذا فى الأصول وفى المغازى للواقدى ٣: ٩١٢ ((وقالت إمرأة من خزاعة يوم حنين: إن ماء حنين لنا فخلوه إن تشربوا منه فلن تعلوه هذا رسول الله لن يعلوه (٣) إضافة عن المرجع السابق ٣٠ : ٩١٧ . - ٤٨٩ - قال محمد بن عمر: وأَمر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بطلب العدوِّ وقال لخيله: إن قدرتم(١) على ((بِجَادٍ))(٢) رجل من بنى سعد [ بن بكر ](٣) فلا يفلتن منكم. وقد كان أحدث حدثاً عظيما، كان قد أَتاه رجلٌ مسلم فأَخذه فقطعه عُضْواً عُضْواً ثم حرَّقه بالنار ، وكان قد عرف جُرْمه فهرب فأخذته الخيلُ فضموه إلى الشيماء بنت الحارث بن عبد العُزَّى، أَخت رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - من الرَّضَاعة، وأَتعبوها (٤) فى السِّياق، فتعبت الشَّيْمَاءَ بتعبهم، فجعلت تقولُ: إِنِّى والله أُختُ صَاحبكم، فلا يُصدِّقُونها، وأخذها طائفةٌ من الأَنْصار ، وكانوا أَشد النَّاس على هوازن - فَأَتَوْا بها إلى رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فقالتْ: يا محمد !! إِنى أُحْتُك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( وَمَا عَلَاَمَةُ ذَلِك؟ فأَرَتْه عضَّة بإِبْهَامِهَا ، وقالت: عضة عَضَضْتَنِيهَا وأَنَا مُتَوَرُّكَتُكَ بوادى السِرَرِ(٥) ونحنُ يومئذٍ نرعى البَهْم ؛ وأَبوك أَبى ، وأُمك أُمى، وقد نازعْتُكَ الثَّدى، وتذكَّرْ يا رسولَ الله حِلاَبى لك عنز أَبيك أَطلال، فعرفَ رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - العَلَامَةِ، فوثب قائماً، فبسَطَ رداءه، ثُمَّ قال: ((إِجْلِسِى عَلَيْهِ)) ورحّبَّ بها، ودمعتْ عيناهُ، وسأَلها عن أُمِّه وأبيه(٦)، فَأَخبرته بموتهما فقال: ((إِنْ أَحْبَبْتِ فَأَقِيْمِى عِنْدَنَا مُحَبَّبَةً مُكَرَّمَةً، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ تَرْجِعِى إِلَى قَوْمِك وَصَلْتُكِ وَرَجَعْتِ إِلَى قَوْمِك))- قَالت: بل أَرجِعُ إلى قومى - فأَسلمت، فأَعطاها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ثلاثة أَعبد وجارية وأمر لها ببعير أَو بعيرين(٧) وقال لها: ((ارجعى إلى الجِعْرانة تكونين مع قومك، فأَنا أَمضى إلى الطائف )» فرجعت إِلى الجِعْرانة، ووافاها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالجِعْرانة فأَعطاها نِعَماً وشَاءً، ولمن بقى من أَهل بيتها ، وكلمته فى بَجَاد أَن يهبه لها ويعفو عنه ففعل - صلى الله عليه وسلم . (١) إضافة يقتضيها السياق. (٢) انظر قصة ((حجاد)) مع قصته والشيماء)) فى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٤٥٨. (٣) إضافة عن المرجع السابق ٢ : ٤٥٨. (٤) ورواية ابن اسحاق ((سيرة النبى لابن هشام ٢: ٤٥٨)) ((فعنفوا عليها فى السياق))، وكذا فى الواقدى ٣: ٩١٣. (٥) فى الأصول ((السرى)) وضبطت فى شرح الغريب بضم السين وكسرها والمثبت عن الواقدى ٣: ٩١٣ تصويباً عن طبقات ابن سعد ٤ : ٦٩ - وهو واد على أربعة أميال من مكة ، ( ياقوت معجم البلدان ). (٦) كذا فى النسخ ماعداً (ص) ففيها ((عن أمها وأبيها)) ٢: ٢٤١. (٧) وعند ابن اسحاق ٢: ٤٥٨ ((فزعمت بنو سعد أنه صلى اللّه عليه وسلم أعطاها غلاماً له يقال له ((مكحول)) وجارية فزوجت أحدهما الأخرى ، فلم يزل فيهم من نسلمها بقية )). - ٤٩٠ - / ذكر قتل دريد بن الصمة (١) قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر ، وغيرهما: لما هَزَمَ الله - تعالى - هَوازِنَ أَتوا للطَّائف ومعهم مالكُ بنُ عوف، وعسكر بعضُهم بأَوْطَاس، وتوجَّه بعضُهم نحو نَخْلَة بَنُو غِيرَةَ(٢) منْ ثقيف، فبعثَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خيلاً تتبع من سلك نخلة ولم تتبع من سلك الثَّنَايَا، وأَدرك ربيعةُ بنُ رُفَيْع بن أُهْبَان بن ثعلبة من بنى سُليم(٣) دُرَيْدَ بنَ الصِّمة، فأخذ بخطام جمله، وهو يظن أنَّه آمرأة ، وذلك أنه فى شِجار (٤) له ، فإذا هو رجل ، فأَناخ به وهو شيخ كبير ، ابن ستين ومائة سنة ، فإذا هو دُرَيْد ولا يعرفه الغُلاَمُ، فقال له دُرَيْدُ : ما تريد ؟ قال: أَقتلك . قال : وما تُريد إلى المرتعش الكبير الفانى ؟ قال الفتى : ما أُريدُ إِلَّ ذاك، قال له دُرَيْد : من أنت ؟ قال : أَنا ربيعة ابن رُفَيْعِ السُّلَمى ، قال : فضربه فلم يغن شيئاً ، فقال دُرَيد : بئس ما سلَّحَتْك أُمك ، خذ سيفى من وراء الرحل فى الشِجَار ، فاضرب به وارفع عن العظم واخفض عن الدماغ(٥) ، فإنى كذلك كنت أَقتلُ الرّجال، ثم إذا أَتيتَ أُمَّكَ فأَخبرها أَنَّك قتَلْتَ دُرَيْد بِنَ الصِّحَّةِ ، فَرُبَّ يوم قد منعتُ فيه نساءك. فزعمت بنو سليم أَنَّ ربيعة [ ما](٦) / ضربه فوقع تكشف للموت فإِذا عِجَانه(٧) وبطون فخذيه مثل القِرْطَاسِ ٤ ٥٠ت من رُكُوب الخيل ، فلمَّا رجع ربيعة إلى أُمه أَخبرها بقتله إِيَّاه ، قالتْ: والله لقد أَعتق أُمَّهَاتٍ لك ثلاثاً فى غداة واحدة، وجَزَّ ناصيةً أَبيك، فقال الفتى: لم أَشعر. ووقف مالك بن عوف على ثنِيّة من الثَّنايا ، وشُبّان أصحابه ، فقال : قفوا حتى يمضى ضعفاؤكم وتلتئم إخوانكم . فبصر بهم الزُّبَيْر بن العوام - رضى الله عنه - فحمل (١) انظر الخبر فى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٤٥٣ والسيرة الحلبية ٣: ١٢٩ والبداية والنهاية لابن كثير ٤: ٣٣٧. (٢) كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدى ٣: ٩١٤ ((بنوعنزة)). (٣) ويقال له: ابن الدغنة، وهى أمه فغلبت على اسمه، ويقال: ابن لذعة فيما قاله ابن هشام ( سيرة النبى لابن هشام ٢ : ٤٥٣ - البداية والنهاية لابن كثير ٤ : ٣٣٧). (٤) الشجار: الهودج (هامش الواقدى ٣ : ٩١٤). (٥) وفى الواقدى ٣: ٩١٥ ((وارفع عن الطعام واخفض عن الدماغ)). (٦) إضافة يقتضيها السياق . (٧) العجان: الدبر وقيل مابين القبل والدبر. (هامش الواقدى ٣: ٩١٥ وانظر شرح الغريب ). - ٤٩١ - عليهم حتى أُهبطهم من الثنيّة، وهرب مالك بن عوف، فتحصن فى قصرٍ بليّة (١) ، ويقال دخل حصن ثقيف . *** ذكر من استشهد(٢) بحنين أَيمَن بن عُبيد الله بن زيد الخزرجى وابن أُم أَيمن ، وسُراقة بن الحارث الأنصارى، ورُقَيْم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لَوْذَان، وأَبو عامر الأشعرى [ أَصيب](٣) بأوطاس ، كما سيأتى فى السرايا ، ويزيد بن زمعة بن الأَسْود جمح به فرسِ يقالُ له الجناح فَقُتل . واستحرَّ القتلُ من ثقيف فى بنى مالك ؛ فَقُتِلَ منهم سبعون رجلاً تحت رايتهم ، فيهم مُثمان بن عبد الله بن الحارث ، وكانت رايتهم مع ذى الخِمَار(٤) ، فلما قتل أخذها عثمانُ بنُ عبد الله ، فقاتل حتَّى قُتل، ولمَّا بلغ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلَّم - قتلُه، قال: ((أَبْعَدَه الله ، فإِنَّه كَانَ يُبْغِضُ قُرَيْشًا .. وروى البيهقُّ عن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: قُتِلَ من أَهل الطَّائف يوم حُنَيْنِ مثل مَنْ قُتْل يَوْمَ بدر . ذكر عيادته - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد رضى الله عنه - من جرح أصابه وروى عبد الرَّزاق، وابن عساكر عن عبد الرحمن بن أَزهر - رضى الله عنه - قال : كان خالدُ بنُ الوليد ◌ُرِحَ يوم حُنَيْن، وكانَ على خيْلِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فجُرِحَ يومئذ، فلقد رأيتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعد ما هزمَ الله تعالى الكفارَ، وَرَجَعَ المسلمونَ إِلى رِحَالهِ - يَمْشِى فى المسلمين ويقول: (( مَنْ يَدُلَّنِى عَلَى رَحْلِ خَالد بن الوليد ؟)) فأُّتِىَ بشارب فأَمر مَنْ عنده فضربُوه بما كان فى أَيدهم ، وحَثًا عليه التُّراب . (١) لية: من نواحى الطائف (معجم البلدان ٧ : ٣٤٨). (٢) انظر من استشهد من المسلمين يوم حنين فى السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٤٥٩، والمغازى للواقدى ٣: ٩٢٢. (٣) الإضافة عن المغازى للواقدى ٣: ٩٢٢. (٤) هو عوف بن الربيع كما فى سيرة النبى لابن هشام ٢ : ٤٥٠ هامش. وفى شرح الغريب اسمه سبيع بن أبى الحارث ابن مالك لم يعلم له إسلام . - ٤٩٢ - قال عبد الرحمن : فمشيتُ ، أَو قال : سعيتُ بين يدى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأَنا غلامٌ محتلم ، أَقولُ: من يدل على رحل خالد، حتَّى دُلِلْنَا عليه ، فإذا خالد مستندُ إِلى موخّرة رحله ، فأَناه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فنظر إلى جُرحه ، فتفل فيه فبراً - رضى الله تعالى عنه - . ذكر بركة يده - صلى الله عليه وسلم - فى برء جرح عائذ بن عمرو - رضى الله عنه روى الحاكم، وأَبو نُعَيم، وابن عساكر عن عائذ بن عمرو - رضى الله عنه - قال: أصابتنى رميةٌ يوم حُنَيْن فى جبهتى ، فسال الدَّمُ عن وجْهى وصدرى ، فسلَتَ النبيُّ - صلى اله عليه وسلَّم - اللَّمَ بيده عن وجهى وصدرى إلى ثُنْهُؤْتِىَ، ثمّ دعا لى. قال حشرجُ والدُ عبد الله: فرأينا أثرَ يَدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلَّم - إلى مُنتهى ما مسح من صدره ، فإِذا غُرَّة سابلة كغرَّة الفرس . ذكر بركة يده - صلى الله عليه وسلم فى الماء بحنين روى أبو نُعيم عن سلمة بن الأكوع - رضى الله عنه - قال: غزونًا مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - هوازن فأَصابنا جهدٌ شديد، فدعا بنطفة من ماء فى إِدَاوَة ، فأَمر بها فصبت فى قدح فجعلنا نَطَّهَّرُ به حتَّى تَطَهَّرنا جميعاً . ذكر نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء يوم حنين(١) روى الإِمام أحمد، وأبو داود عن رَبَاح بن رَبيع - رضى الله عنه / - أنه خرج مع ... ت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فى غزوة غزاها وعلى مقدمته خالدُ بنُ الوليد ، فمرَّ رَبَاح وأصحابُ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على آمرأَةٍ مقتولة مما أصابت المقدِّمة، فوقفوا ينظرون إليها ، يعنى ويعجبون من خلقها - حتَّى لحقهم رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - على راحلته ، فأنفرجوا عنها. فوقف عليها رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه (١) وانظر ذلك أيضاً فى البداية والنهاية لابن كثير ٤ : ٣٣٧. - ٤٩٣ - وسلَّم - فقال: ((مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل)) فقال لأَحدم: ((الْحَقْ خَالِداً وَقُلْ لَه لَا تَقْتُل ذُرِّيَّةٌ وَلَا عَسِيفاً . ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين أنا ابن العواتك روى الطَّبَرَانِىُّ عن سَيَابة (١) بن عاصم السُّلَمى - رضى الله عنه - أَنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال يوم حنين: ((أَنَا ابْنُ الْعَوَاتِك))(٢) * * * ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين من قتل كافرا فله سلبه روى ابنُ أبى شيبة ، والإِمام أحمد ، وابن حبان عن أنس - رضى الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً(٣) فَلَهُ سَلْبُه)) قال: فقتل أَبو طلحة يومئذٍ عشرين رجُلا وأَخذ أَسْلاَبهم . وقال أبو قتادة : يا رسولَ الله إِنِّى ضربتُ رجلاً على حَبْلِ عاتقه ، وعليه درع فأُجْهِضْت عنه فانظر فى أَخذها ، فقام رجلٌ قال محمد بن عمر: اسمه أَسود بن خُزَاعى الأَسلمى ، حليف بنى سلمة - كذا قال وفى الصحيح كما سيأتى : أنه قرشى ، فقال : يا رسولَ الله: أَنا أَخذتها فأَرضه منها وأعطنيها ، قال : وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا يُسْأَل شيئاً إِلاَّ أَعطاه، أَو سكت، فسكتَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال عمر: والله لا يغنيها الله تعالى على أَسدٍ مِنْ أُسْدِ الله - تعالى - ويُعْطِيكَهَا ، فقال رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((صَدَقَ عُمَر)). وروى الشيخان ، وأبو داود، والتِّرمذى ، وابن ماجة عن أبى قتادة الحارث بن رِبْعِی - رضى الله تعالى عنه - قال: خرجْنَا مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عام حُنَيْن، (١) وكذا فى الأصول وفى السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٦٢٢ ((عن شبابة)) عن عاصم السلمى)) وشبابة هو ابن سوار الفزارى أبو عمرو المدائنى . (٢) فى هامش ((ت)) قال هشيم أحد رواته ((وسئل عن العواتك فقال: أمهات كفء له من قيس. قال أبو عمرو يعنى جدات لآبائه وأجداده . (٣) ورواية الإمام أحمد فى البداية والنهاية لابن كثير ٤: ٣٢٧ (( من قتل كافراً فله سلبه)) ويتفق ابن اسحاق فى سيرة النبى لابن هشام ٢ : ٤٤٨ مع الأصل . - ٤٩٤ - ٠ فلما ألتقينا كانت للمسلمين جَوْلة. فرأَيتُ رجلاً من المشركين قد علا رجلا من المسلمين. وفى رواية نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يَخْتِلُهُ(١) فضربتُه مِنْ ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعتُ الدِّرع، وأقبل علىَّ فضمَّنِى ضَمَّةً، وجدت منها ريح الموت ، ثمّ أَدركه الموت ، فأَرسلنى ، فلحقتُ - وفى روايةٍ - فلقيت عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فى النَّاس الَّذين لم يُهْزَمُوا ، فقلتُ: ما بال النَّاس ؟ قال: أَمر الله تعالى، فرجعوا وجلس رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: ((مَنْ قَتَل قَتَيلاً لَه عَلَيْهِ بَيِّنَةُ فَلَه سَلَبُهِ)) فقمتُ فقلتُ: منْ يشهد لى ؟ ثُمَّ جلستُ ، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مثله. فقمتُ ققلتُ: من يَشْهد لى؟ ثُمَّ جلستُ، فقالَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلَّم - مثله، فقال: ((مَالَكَ يَا أَبَا قَتَادَة ؟)) فأَخبرته . وذكر محمد بن عمر : أَنَّ عبد الله بن أنيس شهد له فقال رجلٌ: صَدَق سَلَبُه عندى فأَرضِهِ منى - أَو قال مِنِّيَه - فقال أبوبكر: لا ها الله إذًا، لا تعمد إِلى أَسَدٍ من أُسْدٍ الله تعالى يقاتل عن الله - تعالى - ورسوله فيعطيك سلبه ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((صدق فأَعطه إياه فأَعطانيه ، وعند محمد ابن عمر فقال لى حاطب بن أبى بلتعة : يا أَبا قتادة ، أَتبيع السلاح؟ فبعته بسبع / أَواقٍ، فابتعت به مَخْرفًا، وفى رواية : ٥٠٦ت خِرَافاً فى بنى سَلِمَة، فإِنَّه لِأَوْلُ مالٍ تَأْثَّلْتُه ، وفى روايةٍ : اعتقبته - فى الإِسلام ، زاد محمد / بن عمر يقال له الرُّدَيْنِيّ(٢) قال فى البداية فى الرواية السابقة عن أنس: / إن عمر قال ذلك ، وهو مُسْتَغْرب ، والمشهور أَن قائل ذلك أبو بكر كما فى حديث أبى قتادة ، وقال الحافظ : الراجح أن الذى قال ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة ، وهو صاحب القصة ، فهو أتقن لما وقع فيها من غيره ، قالا : فلعل عمر قال ذلك متابعةً لأَبى بكر ومساعدةً له ، وموافقة ، فاشْتبه على الراوى . (١) وانظر رواية ابن اسحاق فى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٤٤٨، ورواية البخارى فى البداية والنهاية لابن كثير ٤ : ٢٣٩ ففيها تفصيل . (٢) فى المغازى الواقدى ٣: ٩٠٩ ((فاشتريت مخرفاً فى بنى سلمة يقال له الردينى)) والمخرف هو الحائط من النخل - النهاية ١ : ٢٨٩. - ٤٩٥ - قال العلماء : لو لم يكنْ من فضيلةٍ أَبى بكر الصدِّيق - رضى الله عنه - إلاَّ هذا [ لكفى](١) فإنَّه بثاقب علمه، وشِدَّة صرامته، وقوَّة إنصافه، وصحَّةٍ توفيقه ، وصدق تحقيقه بادر إلى القوْلِ بالحقّ ، فزجر ، وأَفتى ، وحكم ، وأَمضى ، وأخبر فى الشَّريعة عن المصطفى بحضرته وبين يديه ، وبما صدَّقه فيه وأَجراه على قوله . وروى البخارى عن سلمة بن الأكوع - رضى الله عنه - قال : غزونا مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - هوازن فبينما نحن نتضحى مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلَّم - إِذْ جاءَ رجلٌ على جملٍ أَحمر ، فأَّناخه ، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيّد به الجمل ، ثم تقدم فتغدَّى مع القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقَّة من الظهر ، وبعضُنَا مُشاة ، إذْ خرج يشتد فأتى الجمل فأطلق قيده ، ثم أَناخه ثم قعد عليه فاشتد به الجمل واتبعه رجلٌ من أسلم من أصحابِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على ناقة ورقاءً ، وفى روايةٍ : أَتى عين من المشركين إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو فى سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث . انتهى . ثم انفتل ، فقالَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اطْلُبُوه وَاقْتُلُوه)) قال سلمة: وخرجتُ أَشتَدُّ فكنتُ عند وَرِك الناقة ، ثم تقدمت حتَّى كنتُ عند ورك الجمل ، ثم تقدّمت حتَّى أَخذت بخطامِ الجمل ، فأَنخته ، فلمَّا وضع ركبته على الأَرض ، اخترطت سيفى فضربتُ رأس الرجل فَنَدر ، ثمَّ جئتُ بالجمل أَقُوده عليه رحله وسلاحه ، فاستقبلنى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والناسُ معه، فقال: ((مَنْ قَتَلَ الرَّجُل))؟ قالوا: ابن الأَكوع، قال: ((لَه سَلَبُهِ أَجْمَع )) . ذكر جمع غنائم حنين لما أنهزم القومُ أَمر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم بالغنائم أَن تُجْمع ، ونادى مناديه : من كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَغُّل، وجعل الناسُ غنائمهم فى موضع حيث(٢) استعمل عليها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم . ٠ ... (١) إضافة يقتضيها السياق . (٢) كذا فى الأصول، وفى المغازى الواقدى ٣: ٩١٨ (( حتى استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها)). - ٤٩٦ - 1 وروى الحاكم بسند صحيح عن عبادةً بن الصّامت - رضى الله عنه - قال: أَخَدَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومَ حُنَيْن وَبَرَةً من بعير، ثم قال: ((يا أيُّها النَّاس، إِنَّه لَا يَحِلُّ لى مِمَّا أَفاءَ الله - تعالى - عَلَيْكُم قَدْرَ هذه إلاَّ الخُمُس، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأَدُوا الْخَيْطَ والمَخِيْطِ، وَإِيَّاكُم والغلول فإِنَّه عارٌ على أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) وذكر الحديث . وكان عقيل بن أبى طالب دخل على زوجته(١) وسيفُه ملطَّغُ بدم ، فقالت : إِنِّى علمتُ أَنَّك قاتلتَ اليومَ المشركين ، فماذا أَصْبْتَ من غَنَائمهم ؟ فقال : هذه الإِبرة ، تخيطين بها ثيابك ، فدفعها إليها ، ثم خرج فسمع مُنَادِىَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقولُ : من أَصابَ شيئاً من المَغْنَمِ فليردّه ، فرجع عقيل إلى امرأته وقال : والله ما أرى إِبرتك إلا قد ذهبت منك ، فأخذها فأَلقاها فى المغانم . وجاءَ رجلٌ (٢) بِكُبَّةٍ من شعر فقال: يا رسولَ الله أَضْربُ بهذه برذعة لى : فقال رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -: ((أَمَّا ما كَان لِ وَلِبَنِى عَبْد المطلَّب / فَهُو لَكَ)). ٥٥٠٧ وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس يوم حنين فى قبائلهم يدعوهم وأنه ترك قبيلة من القبائل وجدوا فى بَرْذَعَة رجلٍ منهم عِقْداً من جَزَعٍ غُلولاً ، فأَتَاهِم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم- فكَبَّر عليهم، كما يُكُبِّر على الميت . وأصابَ المسلمون يومئذِ السَّبايا، فكانُوا يكرهون أَن يقعُوا عليهنَّ ولهنَّ أَزواج فسألُوا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن ذلك، فأنزل الله تعالى ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾(٣) وقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يومئذ: ((لا توطأَ حاملٌ من السَّبْى حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض)». (١) وهى فاطمة بنت شيبة بن ربيعة (البداية والنهاية لابن كثير ٢: ٤٩٢) وفى المغازى الواقدى ٣: ٩١٨: فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة . (٢) فى سيرة النبى لابن هشام ٢: ٤٩٢ ((فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط)) والكبة: ماجمع من غزل ( لسان العرب ) . (٣) سورة النساء آية ٢٤ . (٣٢ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥) - ٤٩٧ - ولمَّا جُمعت الغنائم أمر رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - أن تنحدر إلى الجعرانة ، فوقف بها إلى أن أنصرف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من حصار الطائف. قال ابن سعد وتبعه فى العيون : كان السَّى ستة آلاف رأس ، والإِبل أربعة وعشرين ألف بعير ، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة ، وأربعة آلاف أُوقية فضة . وروى الطَّبرانى عن بُدَيْل - بموحدة مضمومة فدال مهملة فتحتية ساكنة فلام ، بن وَرْقَاءَ - رضى الله تعالى عنه - : أَنَّ رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - أَمر أَن تحبس السَّبايا والأموال بالجعرانة حتَّى يقدم فحبست . قال ابن إسحاق : وجعل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على الغنائم مسعود بن عمرو الغِفَارى، وروى عبد الرَّزَّق عن سعيد بن المسيَّب قال: سبى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلَّم - يومئذ سِتَّة آلاف سَبْيٍ بين أمرأة وغلام، فجعل عليهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أبا سفيان بن حرب . وقال البلاذرى: بُدَيْل بن ورقاءَ الخزاعى - والله تعالى أعلم. ذكر صلاته - صلى الله عليه وسلم - الظهر بحنين وحكومته بين عُيَيْنَةَ بن حصن والأقرع بن حابس فى دم عامر بن الأضبط الأشجعى الذى قتله مُحَلِّم بن جثامة كما سياتى نقل محمد بن إسحاق ، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهرَ يوماً بحُنَيْن ثم تَنَحَّى إلى شجرة فجلس إليها ، فقام إليه عُيَيْنَةُ ابنُ حِصْن يطلب بدم عامر بن الأَضْبَط الأشجعى وهو يومئذ سيد قيس ومعه الأَفْرَعُ ابن حَابِس يدفع عن مُحَلِّم بن جَّمَة لمكانه من خِنْدِف فاختصا بين يَدَىْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعُيَيْنَه يقول: يا رسول الله، والله لا أَدَعُه حتى أُدْخِلَ على نسائِهِ من الحَرَب والحُزْن ما أَدْخل على نسائى، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( تأخذ الدِّيّةَ ؟ )) فأَبِى ◌ُبَيْنة حتَّى ارتفعت الأصواتُ وكَثُر اللَّغَط، إلى أَن قام رجلٌ من بنى - ٤٩٨ - ليث يُقال له مُكَيْتِل - قصير مجتمع عَلَيْه شِكَّة(١) كاملة ودرقة(٢) فى يده فقال : يا رسولَ الله، إِنِّى لم أجد لما فعل هذا شبهاً فى غُرَّةِ الإِسلام إلا غنماً وردت فَرُّبِىَ أَوَّلُها فَنَفر آخرها . فاسنن اليوم وغيره غدا(٣) فرفع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يده [ وقال](٤) تقبلُونَ الدِّيَة خَمْسِين فِى فَوْرِنا هذا، وَخَمْسِين إِذَا رَجَعْنَا إِلى المَدِينَة)) فلم يزل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - [بالقوم ](٤) حتَّى قبلوا الدِّيَة وفى رواية: فقام الأُّفرع ابنُ حابسٍ فقال : يا معشر قُريش ، سأَلكم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلّم - قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه ، أَفأَمنتم أن يغضب عليكم رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيغضب الله - تعالى عليكم - لغضبه، أَو يلعنكم رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فيلعنكُم الله تعالى بلعنته/، والله لتسلمنه إلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه ٥٠٨ت وسلَّم - أو ليأتين بخمسين من بنى ليث كلهم يشهدون أَنَّ القتيل ما جُلٌ قط فلأُبطلن دمه . فلما قال ذلك [قبلوها](٥) . ومحلِّم القاتل فى طرف الناس ، فلم يزالوا يُؤْزّونَه ويقولون: "إِنت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستغفر لك، فقام محلم وهو رجل ضَرْبٌ طويل آدم محمر بالحناء عليه حُلَّة قد كان تهياً فيها للقتل للقصاص ، فجلس بيْنَ يَدَىْ رَسُولٍ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وَعَيْنَاه تدمعان، فقال: يارسولَ الله، قد كان من الأمر الذى بلغك وإِى أَتوبُ إِلى الله، فاستغفر لى ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم - ((مَا اسْمُكَ))؟ قال: أَنا مُحَلِّم بن جَنَّامة. فقال ((أَقَتَلْته بسلاحك فى غُرَّة الإِسلام؟! اللهم لا تغفر لمحلِّم)) بصوت عالٍ يُنْفِذُ به (٦) النَّاسَ، قال فعاد مُحَلِّم فقال : يا رسولَ الله ، قد كان الَّذى بلغك، وإنى أَتوبُ إِلى الله فاستغفر لى، فعاد رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لمقالته بصوت عالٍ، يُنْفِذُ به النَّاسَ ((اللَّهُمَّ لاَ تَغْفِرِ لمُحَلِّم بن جُثَامة)) حتىَّ كانت الثالثة، (١) الشكة: السلاح (الصحاح) . (٢٠) الدرقة: الترس ( محبط المحيط). (٣) وفى المغازى للواقدى ٣: ٩٢٠ ((فرميت أولاها فنفرت أخراها، فاستن اليوم وغير غدا)) وجاء فى التعليق بالهامش «أى اعمل بسنتك التى سننّها فى القصاص. ثم بعد ذلك إذا شئت أن تغير فغير. ( النهاية ٢ : ١٨٦). (٤) سقط فى الأصول والإثبات عن المغازى للواقدى ٣ : ٩٢٠ . (٥) بياض الأصول، والإثبات عن المغازى الواقدى ٣ : ٩٢٠ . (٦) فى المغازى الواقدى ٣: ٩٢٠)) يتفقد به الناس)) والمثبت فى كل الأصول، وشرح الغريب. - ٤٩٩ - فعادَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لمقالته، ثم قال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ((قُمْ مِنْ بَيْنٍ يَدَى)) فقام من بين يَدَى رَسُولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وهو يتلقَّى دمْعَه بفَضْل رِدَائِه ، فكانَ ضمرة السلمى يحدث - وقد كان حضر ذلك اليوم - قال : كنا نتحدث فيما بيننا أَن رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - حرَّك شفتيه بالاستغفار له، ولكنه أراد أن يُعلم الناسَ قَدْرَ الدمِّ عنْدَ الله تعالى . # ذكر البشير الذى قدم المدينة بهزيمة هوازن روى محمد بن عمر عن داود بن الحصين قال: كان بشير رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى أهل المدينة بِفَتْح الله - تعالى - عليه وهزيمة هوَازِن، نَهِيك بن أوس الأَشهلى، فخرجَ فى ذلك اليوم مُمْسِيًا ، فأَخذ فى أَوْطَاس حتىَّ خرج على غَمْرة ، فإذا الناس يقولون هُزِمَ محمد هزيمةً لم يهزم هزيمةً مثلها قط ، وظهر مالك بنُ عوف على عسكره ،قال : فقلتُ: الباطلَ يقولون، والله لقد ظَفَّرَ الله - تعالى - رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم وغنَّمه نساءَهُم وأبناءهم . قال : فلم أزل أَطأُ الخبر حتى انقطع بمعْدِن بنى سُلَيْم أَو قريباً منها ، فقدمتُ المدينة وقد سرتُ من أَوّل أوطاس ثلاث ليال وما كنت أُمسى على راحلتى أكثر مما كنت أَركبها فلما انتهيتُ إلى المصلِّ ناديت: أَبشروا يا مَعْشَرَ المسلمين بسلامة رسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - والمسلمين، ولقد ظَفَّرَه الله - تعالى - بهوازِن، وأَوقع بهم ، فسَبِىَ نساءهم ، وغَنَمَ أَموالهم ، وتركت الغنائِم فى يديه تجمع ، فاجتمع النَّاسُ يحمدونَ الله - تعالى - على سَلَامَةِ رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - والمسلمين، ثم انتهيت إلى بيوت أزواج النَّبِى - صَلَّى الله عليه وسلَّم :- فأخبرتهن، فحمدن الله - تعالى - على ذلك . قال وكانت الهزيمة الأولى التى هزم المسلمون ذهبت فى كلِّ وجه حتى أَكذَب الله - تعالى- حديثهم . ذكر ما أنزل الله تبارك وتعالى فى شان هذه الغزوة قال الله عز وجل يُذَكِّر المؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللّهُ فِى مَوَاطِن﴾(١) للحرب ﴿كَثِيرَةٍ﴾ كبدر وَقُرَيْظَة والنَّضِير (و) اذكر ﴿يَوْمَ حُنَيْن﴾ وادٍ بين مكّة (١) الآيات ٢٥، ٢٦، ٢٧ من سورة التوبة. - ٥٠٠ - ١