Indexed OCR Text

Pages 281-300

القصتين واحدة ، ومع احتمال كونهما واقعتين إن كان الواقدى أتقن ما نقل . وفى الجملة
فهو على الاحتمال . قلت : سبق الذهبىَّ فى نقل إسلام غورث عن البخارى الأَميرُ أَبو نصر/ ٢٢٠ ط
ابن مَاكُولَا فى الإِكمال . وجزم به الذَّهبى فى مشتبه النِّسْبة، وأقره الحافظ فى التبصرة
على ذلك ولم يتعقبه . والذَّهبى لم يغير ذلك للصحيح حتى يرد عليه بما قاله الحافظ .
والظاهر أن البخاری ذکر ذلك فى أحد تواريخه / فتراجع ، ولم أقف الآن فيها إلا على رُبع
التاريخ الكبير ولم يصل إلى حرف الغين المعجمة . ولم أَر مَنْ حَرَّر هذا الموضع . ويحتمل
إن صح إسلامه أن يكون أسلم فى غير هذا اليوم ووقع للحافظ فى الفتح فى إِسلام غورث
كلام غير محرر يأتى الكلام عليه فى الحادى عشر .
التاسع : قول غورث للنبى - صلى الله عليه وسلم - من يمنعك مِنِّى على سبِيل
الاستفهام الإنكارى ، أَى لا يمنعك منىِّ أَحَدٌ لأَن الأَعرابى كان قائماً بالسيف على رأس
رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والسيف فى يد الأعرابى والنبى - صلى الله عليه وسلَّم -
جالس لا سيف معه ، ويؤخذ من مراجعة الأعرابى فى الكلام أَن الله - سبحانه وتعالى -
منع نبيّه منه ، وإلا فما الذى أَحوجه إِلى مُرَاجعته وتكرارها ثلاث مرات كما عند
البخارى فى الجهاد ، مع احتياج غورث إلى الحُظوة عِنْدَ قومه بقتله، وفى قول النبى - صلَّى
الله عليه وسلَّم - فى جوابه: ((اللهُ يَمنَعُنِى مِنْك)) إِشارة إلى ذلك، ولذلك أَعاده الأَعرابى
فلم يزده على ذلك الجواب غاية الثبات للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعدم مُبَالاته به أصلاً.
العاشر: فى رواية يحيى بن أبى كثير: فَتهدَّده أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - قال الحافظ - رحمه الله تعالى - فظاهرها مُشعرٌ بأَنهم حضروا القصة وأنه
إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد ، وليس كذلك ، بل وقع فى رواية إبراهيم بن سعد
فى الجهاد بعد قوله : قلتُ الله !! فشام السَّيْفَ أَى أَغمده ، وكان الأعرابى لما شاهد ذلك
الثَّبَات العظيم وعرف أَنه حيلَ بَيْنَه وبينه ، تحقق صِدْقه ، وعلم أنه لا يصل إليه
ألقى السلاح ، وأَمكن من نفسه .
الحادى عشر : فى حديث جابر فإذا هو جالس ، ووقع فى رواية ابن إسحاق بعد
قوله: ((قَالَ الله )) فدفع جبريلُ فى صَدره ، فوقع السيفُ من يده فأَخذه النبى - صلَّى
- ٢٨١ -

الله عليه وسلَّم - فقال : من يمنعك أَنت منى ؟ قال : لا أَحد ، قال : قم فأذهب لشأنك ،
فلما وَلَّى قال : أَنت خير منى .
ويجمع بين ما فى الصحيح وبين ما ذكره ابن إسحاق من قوله: ((فَأَذْهَب)) أَنه
بعد ما أَخبر أصحابه بقصته ، ولشدة رغبته - صلَّى الله عليه وسلَّم - فى ائتلاف الكفار
ليدخلوا فى الإِسلام ، لم يؤاخذه وعفا عنه . قال الحافظ : وقد ذكر الواقدى فى نحو هذه
القصة أنه أسلم ، وأنه رجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير ، ووقع فى رواية ابن إِسحاق
- التى أشرت إليها - ثم أسلم .. بعد .
قلت : وعلى الحافظ فى هذا الكلام مؤاخذات .
الأُولى: قوله ((ووقع)) فى رواية ابن إسحاق بعد قوله ((فدفع جبريل فى صدره))
٢٢١ و صوابه: وقع عند / الواقدى، لإِبن إسحاق ، فإن ابن إسحاق لم يذكر ذلك أصلا .
الثانية : أَن الواقدى ، إِنما ذكر ذلك فى غزوة غَطَفَان التى تعرف بذى أَمرّ لا فى ذات
الرِّفاع، وسمَّى الرَّجُلَ دعثورا.
الثالثة قوله: وذكر الواقدى فى نحو هذه القصة إلخ . قد يُوهم أن الرجل غورث ،
وليس كذلك ، بل هو دعثور .
الرابعة قوله : ووقع فى رواية ابن إسحاق التى أشرت إليها أنه أسلم ليس فى كلام
ابن إسحاق أنه أسلم بلا ريب، ومن راجع كلام ابن إسحاق ، والواقدى فى مغازيهما
تبيَّن له صحة ما قلته . والله - تعالى - أعلم .
الثانى عشر: قول ابن إسحاق: أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - استعمل
على المدينة فى غزوة ذَاتِ الرِّقَاعِ أَبا ذر ، لا يستقيم على مذهبه أَن ذات الرقاع قبْل الْخَنْدق ،
فإن أبا ذر أسلم قديماً ، ورجع إلى بلاده ، فلم يجئ إلا بعد الخندق ، كما ذكره محمد
ابن عمر .
- ٢٨٢ -

الثالث عشر: وقع فى الوسيط للإِمام حجة الإِسلام الغَزالى - رحمه الله تعالى - أنَّ
غزوةَ ذات الرقاع آخر الغزوات . قال الحافظ : وهو غلط واضح . وقد بالغ ابن الصلاح
فى إنكاره، وقال بعض من انتصر للغزالى: لعله أراد آخر غزوة صُلِّيت فيها صلاةُ
الخوف ، وهو انتصار مردود أيضاً ، لما رواه أبو داود ، والنسائى ، وصححه ابن حِبَّان
من حديث أبى بكر أنه - صلَّى مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلاةَ الخوف ،
وإنما أسلم أبو بكرة فى غزوة الطَّائِف بالاتفاق. وذلك بعد غزوة ذَاتِ الرِّفاع قطعاً .
الرابع عشر : جمهور أهل المغازى على أَن غزوة ذات الرقاع هى غزوة مُحَارب ، كما
جزم به ابن إسحاق .
وعند محمد بن عمر ، أَنها ثنتان وتبعه القطب فى المورد .
الخامس عشر: قول بن سعد أن صلاةَ الخوف أول ما صُلِّيَتْ ((بذات الرقاع))
محمول على ما ذكره هو وغيره من تقدمها على غزوة الحُدَيْبِيَة ، أَما على تأخير ذات
الرقاع عن خيبر فتكون أول مَا صُلِّيَتْ صلاة الخوف فى عُسْفَان .
السادس عشر : فى بيان غريب ما سبق .
الْجَلَب - بفتح الجيم واللام ، وبالموحدة : ما يجلب من بلد إلى بلد للبيع .
بنو أَنْمَار ... بفتح الهمزة .
بغيض ـ بموحدة ، فغين ، فضاد ، معجمتين بينهما تحتية .
هادين : غافلين عن أمرهم .
المضيْقُ - بفتح الميم ، وكسر الضَّاد المعجمة ، ومثناة تحتية وقاف : قرية .
أفضى إلى كذا : وصل إليه .
الشُّفْرَة - بضم الشين المعجمة ، وسكون القاف : اسم موضع على يومين من المدينة .
أَتى نخلا - بالخاء المعجمة بلفظ اسم جنس النخلة : موضع على يومين من المدينة
أيضاً .
- ٢٨٣ -

وَضِيْئَة .. بالضاد المعجمة : أَى حسنة .
غارون : غافلون .
يستأصلهم : يهلكهم جميعا .
حانت الصلاة : دنا وقتها .
#
شرح غريب ذكر حديث جابر فى قصة غورث
قوله - قفل : رجع .
الْعِضَاه - بكسر العين المهملة، وبالضاد المعجمة ، وبالهاءَ ، : شجر أَم غيلان ، وكل
٢٢١ ط شجر عظيم له شوك. /
اخترط السَّيْفَ : سلَّه من غِمده .
صَلْتاً - بفتح الصاد المهملة ، وسكون اللآم ، وبالفوقية : أَى مجردا من غمده .
شَامَ السَّيْفَ - هنا - أَدخله فى غمده .
فتك به : أَتاه ليقتله .
وهو غار : غافل .
فى حَرة - بفتح الحاء وكسرها . الحرّة: أرض ذات حجارة سود كأنها أُحرقت
بالنار والجمع [حرار (١)] ككلاب .
واقُم - بالواو ، والقاف ، والميم ، وزن آطُم ، من آطام المدينة ، تنسب إليه حرة
واقُم .
بيضات أُدَاحى - بالدال ، والحاء المهملتين جمع أدحى بضم الهمزة ، وهو الموضع
الذى تبيض فيه النعامة وتفرخ .
(١) إضافة يقتضيها السياق .
- ٢٨٤ -

الْمَفْحَص - بفتح الميم ، وسكون الفاء ، وفتح الحاء ، وبالصاد المهملتين : اسم
الموضع الذى يَحْفِرُه الطائر ليبيض فيه .
العيبة - بفتح العين المهملة ، وسكون التحتية ، وبالموحدة : ما تجعل فيه الثياب .
اليمامة : مدينة على يومين من الطائِف ، وأربعة من مكة .
يرفل - بسكون الراء ، وبالفاء : يمشى مشى الْمُخْتَال .
يستعدينى : يطلب منى نصره .
مقنعا - بالقاف ، والنون ، والعين المهملة : أَى ذليلا .
الناضح : الذى يُسْقى عليه ، ثم استعمل فى كل بعيرٍ
الْقَعْبُ - بقاف مفتوحة ، فعين مهملة : قدح من خشب .
يُواهِقٍ - بتحتية مضمومة ، فواو ، فهاء مكسورة ، فقاف : أَى يُبَارى ناقة النبى
- صلَّى الله عليه وسلَّم - فى السير ويماشيها .
٠٠*
شرح غريب حديث جابر الطويل
قوله : وادٍ أَفيح : واسع .
الإداوة - بالكسر : المطهرة .
شاطئ الوادى : جانبه .
الغُصْن - بضم الغين المعجمة .
البعير المُخَشْوش - بالخاء والشين المعجمتين هو الذى يُجْعَل فى أَنفِه الْخِشَاش.
بكسر الخاء : وهو عود يجعل فى أَنف البعير يشدّ به الزمام ليكون أسرع فى انقياده.
وانقاد فلان للأمر : أَعطى القياد إِذا أَذْعن طوعا أو كرها .
الْتَأَّمَنَا عليه : انطبقتا عليه وسترتاه .
- ٢٨٥ -
-

أُخْضِر - بضم الهمزة ، وإسكان الحاء ، وكسر الضاد المعجمة : أَى أَعدووأَسعى
سعياً شديدا .
دانت - بالنون ، وروى بالَّلام: أَى وقعت واتّفقت .
لفتة : نظرة .
حسرته - بحاء وسين مهملتين : حددته ونحيت عنه ما يمنع حِدَّته بحيث صار
مما يمكن القطع به .
انذلق - بذال معجمة ، أَى صار حَادًّا .
أَّمْتُ (١) الشئ : قصدته .
أَجترهما : أَجُرُّهما .
فعمّ ذاك - أدغمت النون فى ما الاستفهامية ، وحذفت ألفها لدخول الجار .
يَرْفَه عنهما - بفتح التحتية ، وسكون الراء ، وفتح الفاء وبالهاء : يخفف .
الأَشجاب - جمع شجب : وهو السّقاء الذى خلق وبلى ، وصار سيئاً .
الحِمازة - بكسر الحاء ، وتخفيف الم والزاى : وهى أعواد يعلق عليها أَسقية
الماء .
القطرة : الشيء اليسير .
الْعَزْلَاء - بفتح العين المهملة وسكون الزاى ، وبالمد : وهى فم القربة الأَسفل .
شربة يابسة : أَى قليل جداً ، فلقلته مع شدة يُبْس باقى الشجب يذهب ما فيه .
يغمزه : يعصره .
الجَفْنَة - بفتح الجيم : إِناءُ كالقصْعة ؛ والجمع الْجفَان بالكسر / والجفنات بالتحريك
٢٢٢ و
(١) أمت، كذا هنا. وفى سياق المتن ((أتيت)).
- ٢٨٦ -

ونادٍ يا جَفْنَة الركب : أَى التى تشبعهم أو ياصاحب جفنتهم فحذف المضَاف ،
أى من كان عنده جفنة تشبعهم فليحضرها .
سيف البحر - بكسر السين المهملة ، وإِسكان التحتية : جانبه .
حَجَاج عَيْنها - بفتح الحاء المهملة ، وكسرها ، وبجيمين : العظم المستدير ، وقال
ثابت : الحجاجان ؛ العظمان المشرفان على العينين ، وفى المخصص : الحجاج العظم الذى
عليه الحاجب .
٤
الكِفْلَ(١) - بكسر الكاف، وسكون الفاء: وهو هنا - الكساء الذى يدار حول
سنام البعير ثم يركب .
شرح غريب ذكر منقبة عباد بن بشر - رضى الله عنه
يُهْرِيقُ - بضم التحتية ، وفتح الهاء ، وكسر الراء : يصب ويسيل .
يَكْلَوُّنا : يحفظنا ويحرُسُنا .
الشِّعْبُ - بالكسر : الطريق فى الجبل .
الرَّبِيئَة - بفتح الراء المشددة ، والموحدة المكسورة ، وبالهمزة ، والمفتوحة :
طليعةُ الْقَوْمِ وَعَيْنُهُم ؛ الذى يكشف لهم الخبر .
الثغر - بالثاء المثلثة ، والغين المعجمة : ما يلى دار العدو .
صرار - بصاد ورائين مهملتين : اسم أُطم بالمدينة شرقيها(٢).
.
(١) لم يرد هذا اللفظ فى سياق المتن.
(٢) وقيل صرار: بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق . وقيل موضع على ثلاثة أميال من المدينة
وقيل هو اسم جبل. وانظر وفاء الوفا ٤ : ١٢٥١، ١٢٥٢.
- ٢٨٧ -

الباب السادس والعشرون
فى عمرة القضاء(١)
لما دخلَ هلالُ ذِى القعدة سنة سَبْع، وهو الشهر الذى صَدَّه فيه المشركون عن البيت ،
وأَنزل الله تبارك وتعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامِ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص(٢)) الآية.
أمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلَّم - أصحابه أَن يتجهزوا للعمرة، ولا يتخلف أَحدُ
ممن شهد الحديبية ، فلم يتخلف أَحد شهدها ، إلاَّ رجالٌ استشهدوا بخيبر ، ورجال
ماتوا ، فقال رجال مِنْ حَاضِرِى المدينة مِنَ العرب: يا رسولَ الله ، والله مالنا زاد ،
وما لنا أحدٌ يُطعِمُنَا، فَأَمر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم المسلمين أن ينفقوا فى
سبيل الله - تعالى ، وأن يَتصدقوا ، وأَلا يكفوا أَيديهم فيهلكوا ، فقالوا : يا رسول
الله، بم نتصدق وأَحدنا لا يجد شيئاً ؟ فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - :
((بما كَانَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة)).
وروى وكيع وابن عُيَيْنَة وابن سعيد(٣)،ومنصور(٤)، وعبد بن حميد ، والبخارى،
والبيهقى فى سننه عن حُذيفة ، ووكيع ، وعبد بن حميد ، والبيهقى عن ابن عباس
- رضى الله - تعالى عنهم - وابن جرير عن عكرمة ، ووكيع عن مجاهد -رحمهما الله -
تعالى - قالوا فى قوله تعالى: ﴿وأَنْفِقُوا فِى سَبِيلِ الله، ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَّهْلُكَة﴾(٥)
(١) وانظر فى هذه العمرة شرح المواهب للزرقانى ٢: ٣٧٠، وسيرة النبى لابن هشام ٢ : ٣٧٠، والسيرة الحلبية
٣ : ٧١، والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٤٢٨، والمغازى الواقدي ٢ : ٧٣١.
(٢) سورة البقرة آية ١٩٤
(٣) هو عبد اللّه بن سعيد بن جبير، الخلاصة للخزرجى ١٩٩ سنة ١٣٤٩ هـ
(٤) هو منصور بن المعتمد السلمى أبو عتاب الكوفى المتوفى سنة ١٣٢ هـ (الخلاصة للخزرجى ٣٨٨، المغازى الواقدى
٢ : ٧٣٢) .
(٥) سورة البقرة آية ١٩٥ .
- ٢٨٨ -

إن التهلكة تركُ النفقة فى سبيل الله ، ليس التهلكةُ أَن يُقْتَل الرجل فى سبيل الله ، ولكن
الإمساك فى سبيل الله ، أَنفق ولو مِشْقَصًا .
-
قال محمد بن عمر، وابن سعد : واستعمل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على
المدينة أَبَا رُهْم - بضم الراء ، وسكون الهاء - الْغِفَارِىّ - رضى الله عنه - وقال ابن
هشام : واستعمل عُويْف - بالواو والفاء ، تصغير عوف ، ويقال فيه عويث / - بتحتية ٢٢٢ ط
فمثلثة ابن الْأَضْبَطْ - بضادٍ معجمة ، فموحدة ، فطاء مهملة - رضى الله تعالى عنه -
وقال البَلَاذُرى : استعمل أَبَا ذَرِّ . ويقال : عويف بن الأَضبط والله أعلم .
**
*
ذكر ماساقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الهدى
وتقديمه السلاح والخيل أمامه
روى محمد بن عمر عن عبد الله بن دينارٍ - رحمه الله تعالى - قال : جعلَ رسولُ
الله - صلَّى الله عليه وسلم - ناجية بن جندب الأَسلمى على هَدْيه، يسيرُ به أمامه ، يطلب
الرَّعى فى الشجر ، معه أربعة فتيانٍ من أسلم ، زاد غيره : وأبو هريرة .
وروى محمد بن عمر عن محمد بن إبراهيم بن الحرث قال: ساق رسولُ الله - صلَّی
الله عليه وسلم - فى القضية ستين بدنة وروى أيضاً عن شعبة مولى(١) بن عباس - رضى
الله عنهما - قال: قَلَّدَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - هَذْيه بيده .
ورَوَى أَيضاً عن عاصم بن عمر عن قتادة - رحمه الله تعالى - قال : حمل رسولُ
الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - السلاح، والبيض ، والدروع، والرماح وقاد مائة فرس
عليها محمد بن مَسْلَمَة ، فلما انتهى إلى ذى الحُلَيْفَة قدّم الخيل أمامه ، واستعمل على
السلاح بشير بن سعد ، بالموحدة والشين المعجمة ، وزان أَمير ، فقيل يا رسول الله :
حملْت السِّلاَح وقد شرطوا أَن لا ندخلها عليهم بسلاحٍ إِلاَّ سلاح المسافر"، السيوف فى
الْقُرُب! فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ((إِنَّا لَا نُدْخِله عليهم الْحَرَمَ، ولَكِنْ
يَكُونُ قريباً مِنَّا، فَإِنْ هَاجَنَا مَيِجٌ مِنَ القَومِ كَانَ السِّلاَحُ مِنَّا قريباً .
(١) الإضافة عن المغازى للواقدى ٢ : ٧٣٣.
(١٩ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥)
- ٢٨٩ -

فمضى بالخيل محمد بن مسلمة - رضى الله عنه - إِلى مَرِّ الظهران (١) ، فوجد بها
نفراً من قريش فسألوه فقال : هذا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُصَبِّح هذا المنزل
غدا إِن شاء الله - تعالى - ورأوا سلاحاً كثيراً مع بشير بن سعد ، فخرجوا سراعاً ،
حتَّى أَتوا قريشاً ، فأخبروهم بالذى رأوه من الخيل والسلاح ، ففزعت قريش ، وقالوا
والله ما أَحدثنا حدثًا، وإِنَّا على كتابنا، وَمُدَّتنا، فَفِيمَ يَغْزُونَا محمدٌ فى أصحابه .
قال ابنُ عقبةَ - رحمه الله تعالى - : بعث رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - جعفر
ابن أبى طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحرث يخطبها عليه ، قلت : وسيأتى بيانُ
ذلك فى ترجمتها .
ذكر خروجه - صلى الله عليه وسلم - من المدينة وإحرامه
روى محمد بن عمر - رحمه الله - تعالى - عن جابر - رضى الله - تعالى عنه - قال :
أحرم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من باب المسجد، لأَنه سلك طريق الفُرْع(٢)،
ولولا ذلك لأَّهلَّ من البيداء . قالوا : وسار رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يلبى
٢٢٣ ظ والمسلمون معه يُلَبُّون، حتَّى انتهى إلى / مَرِّ الظَّهْرَان، وقدم رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلم - السلاحَ إِلى بطن يَأْجَج حيث نظر إلى أَنْصَاب الحرم ، وبعثت قريش مِكْرز
- بكسر الميم ، وسكون الكاف ، وكسر الراء ، وبالزاى - بن حفص فى نفرٍ من قريش
حتى لقوه ببطن يأججَ، ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - فى أصحابه، والهدىُ
والسلاحُ قد تلاحق ، فقالوا له : والله يا محمد ما عُرِفْتَ صغيراً ولا كبيراً - بالْغَدْر ،
تدخل بالسلاح فى الحرم على قومك، وقد شَرَضْتَ لهم أَلاَّ تَدْخُل إِلاَّ بسلاح المسافر ؛
السيوف فى الْقُرُب !! فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ((إِنِّى لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِم
بِسِلاَح. )) فقال مِكْرز: هو الذى تُعْرَفُ به ، البرّ والوفاء، ثم رجع مِكْرز سريعاً إِلى
مكة بأَصحابه ، فقال : إِن محمداً لا يدخلُ بسلاحٍ ، وهو على الشرط الذى شرطلكم .
(١) مر الظهران: واد قرب مكة يضاف إليه مر، وهى قرية (شرح المواهب ٢: ٢٥٤).
(٢) الفرع: بضم الفاء وسكون الراء أو بضمهما (شرح المواهب ٢: ٢٥٤) وقد سبق أن ضبطه المصنف بضم
الفاء والراء .
- ٢٩٠ -
:

روى الإِمام أحمد عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: لما نزل رسولُ الله - صلَّى
الله عليه وسلم - مَرَّ الظَّهْرَان فى عمرته، بلغ أصحابُه أَن قُريشاً تقول ما يَتَبَاعثون من
العَجَف(١)، فقال أَصحابه: لو أنْتَحَرْنَا مِنْ ظَهْرِنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَحَسَوْنَا مِنْ
مرقه، أَصبحنا غداً حين نَدْخُلُ عَلَى القَوْمِ وَبِنَا جَمامة(٢) ، فقال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم : ((لَا تَفْعَلُوا، ولكن أجمعوا إلى من أَزْوَادِكُم))، فَجَمَعُوا له ، وَبَسَطُوا
الأَنطاع فأكلوا حَتَّى تركوا، وَحَشَا كُلُّ وَاحِدٍ فى جرابه .
*
ذكر دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة
قال ابن عباس - رضى الله عنهما - قدم رسولُ الله - صلِّى الله عليه وسلَّم - مكة
صبيحةَ الرابع من ذى الحجة، ولمَّا جاءَ مِكْرزُ قُرَيْشًا بخبر رسولِ الله - صلى الله
عليه وسلم - استنكف رجالٌ من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله - صلَّى الله
عليه وسلم - غيظاً وحَنقا ، ونَفَاسة، وأَمر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - بالهدى
أمامه حتى حُبِس بِذِى طُوى، ودخل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على راحلته
القصواءَ وأصحابُه محدقون به ، قد توشَّحُوا السيوفَ يُلَبُّون ، فلما انتهى رسولُ الله
- صلَّى الله عليه وسلَّم - إِلى ذِى طُوَّى وقف على راحلته والمسلمون حَوْله ، ثم دخل من
الثنية التى تطلعه على الْحَجُون .
وروى البخارى تعليقاً ، وعبد الرَّزاق ، والترمذى ، والنسائى ، وابن حِبّان عن أَنْس
- رضى الله عنه - وابن عقبة عن الزُّهْرى، وابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر بن
عمرو بن حزم : أَن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - دخل مكة عام الْقَضِيَّة على ناقته
وعبد الله بن رواحة آخذ بزمامها ، وهو يقول :
خَلُّوا بَنِى الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ(٣) نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْويله
(١) يتباعثون من العجف: أى لايقوون على الحركة من الهزال (السيرة النبوية لابن كثير ٣ : ٤٣٧).
(٢) الجمامة : البقية من القوة ( هامش من المرجع السابق).
(٣) أنظر القصيدة فى شرح المواهب ٢: ٢٥٥، ٢٥٦، وسيرة النبى لابن هشام ٢: ٣٧١ وفيها اختلاف
عما جاء هنا - والمغازى للواقدى ٢ : ٧٣٦ .
- ٢٩١ -

وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيله
ضَرْباً يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِه
فِى صُحُفٍ تُتْلَى عَلَى رَسُولِه
قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمُن فِ تَنْزِيلِه
إِنِّى رَأَيْتُ الْحَقَّ فِى قَبُوله
يَارَبِّ إِنِّى مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ
١/٢٢٣ فقال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه / - يا ابن رواحة !! بين(١) يدى رسول الله - صلى
الله عليه وسلَّم - وفى حرم الله - تعالى - تقول الشعر؟ فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - ((خَلِّ عَنْه يا عُمَر)) فلهى (٢) أسرع فيهم من نضح النبل)). وفى رواية ((يا عمر
إنى أَسمع، فاسكتْ يا عمر))(٣) فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: ((يا ابن
رواحة قال: ((لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَحْدَه، نَصَرَ عَبْدَه، وَأَعَزَّ جُنْدَه، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَه)) .
فقالها ابن رواحة فقالها الناس كما قالها .
ذكر طواف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماشيا وما جاء.
انه طاف راكبا
روى الإمام أحمد ، والشيخان ، وابن إسحاق عن ابن عباس - رضى الله - تعالى
عنهما - قال: ((قدم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه مكَّةً، وقد وَهَنَتْهُم
حُمَّى يَثْرِب، فقال المشركون: إنه يقدُمُ غَداً قومٌ قد وهنتهم الْحُمَّى ، ولقوا فيها
شِدَّة، فجلسوا على قُعَيْفِعَان مما يلى الْحِجْر، فأَطلع الله - تعالى - نبيَّه على ما قالوا ،
فلما دخل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - المسجدَ أضطبع بردائه وأخرج عضده
الأيمن، ثم قال: ((رَحِمَ اللهُ آمراً أَراهم من نفسه قُوَّة)). وفى رواية: ((أَروهم مَا يَكْرَهُون))
وأمرهم أَن يُرْمِلُوا ثَلاَثَةَ أَشواط، ويمشوا بين الرَّكنين، ليرى المشركون جَلَدَهُم، ثم
أستلَمَ الركن ، وخرج يُهرولُ وأصحابُه معه، حَتَّى إِذَا وَارَاه البيتُ منهم، واسْتَلَم الرُّكْنَ
[ اليمانى(٤)] مشى حتى استلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أَشواط ومشى سَائِرَهَا .
قال ابن عباس: ولم يأمرهم أَن يُرْمِلُوا الأَشْوَاطَ كلها لِلإِبْقَاءِ عَلَيْهِم ، فقال المشركون :
(١) استفهام محذوف الأداة، وفى رواية بإثباتها (شرح المواهب ٢ : ٢٥٦).
(٢) أى هذه الجملة أو الأبيات أو الكلمات .
(٣) وفى رواية ((فأسكت عمر)) شرح المواهب ٢: ٢٥٧. وهى توافق نسخة صنعاء.
(٤) الإضافة عن سيرة النبى لابن هشام ٢ : ٣٧١.
- ٢٩٢ -

((هَؤُلَاءِ الذين زعمتم أَن الحُمَّى قَدْ وهنتهم ؟ هؤلاءِ أَجلد من كذا وكذا ، ما يرضون
بالمشى، أَما إنهم لينقزون نقز الُّى)) وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - یکايدهم
كلّما استطاع .
قال محمد بن [عمر، وابن (١) ] سعد وغيرهم: ولم يزل رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلم - يُلَبِى حَتَّى استلم الرّكنَ بمحجنه.
وروى الحُمَيْدِىُّ والبخارى ، والإِسْمُعيلى عن عبد الله بن أَبِى أَوْفَى - رضى الله عنه -
رَوَ قال: لما اعتمر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - سترناه من غلمان المشركين، وفى رواية
وِنَ السُّفَهَاءَ والصبيان مَخَافَةً أَن يؤذوا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وروى يُونُس
ابنُ بكير - رحمه الله تعالى - عن زيد بن أسلم - رحمهما الله تعالى - أنَّ رسولَ الله -
- صلَّى الله عليه وسلَّم - دَخَلَ عَامَ القضية مكَّةَ، فطاف على نَاقَتِهِ ، واستلم الركن
بمحجنه. قال هشام ، وابن سعد : مِنْ غير - عِلَّةٍ - والمسلمون يشتدُّون حَوْلَ رسول الله
- صلَّى الله عليه - وسلَّم / وابن رواحة يقول الرجز السابق : وذكر محمد بن عمر ، وابن
سعد: أَنَّ رسولَ الله / - صلَّى الله عليه وسلَّم - طاف رَاكِبًا، وتبعهما القطبُ فى المورد . ٢٢٤ ,
٠٠٠
ذكر دخوله - صلى الله عليه وسلم - البيت
روى البيهقى من طريق محمد بن عمر عن سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى - قال :
: لما قضى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - طوافه فى عمرة القضاء دَخَلَ البيتَ، فلم
يزل فيه حتَّى أَذَّن بلال بالصبح ، فوق ظهر الكعبة ، وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - أَمره بذلك، فقال عكرمةُ بنُ أَبِى جَهْل - وأَسلم بعد ذلك - لقد أَكرم الله
- تعالى - أَبا الحكم ، حيث لم يسمع هذا العبد يقولُ ما يقول .
وقال صفوان بن أمية - وأَسلم بعد ذلك - الحمدُ لله الَّذِى أَذهب أبى قبل أن يرى
هذا .
(١) سقط فى الأصول والمثبت يستقيم به السياق .
- ٢٩٣ -

وقال خالد بن أَسِيد - كأَمير - وأَسلم بعد ذلك : الحمدُ لله الَّذى أَمات أبى ولم
يشهدْ هذا اليوم حين يقومُ بلال [ ابن أُم بلال(١) ] ينهق فوق الكعبة
وأَمَّا سُهيل بن عمرو - وأَسلم بعد ذلك - ورجالٌ معه لما سمعوا ذلك غطوا وجوههم ،
كذا فى هذه الرِّواية : أَنَّ النَّبِى صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - دخل البيتَ .
وروى البخارىُّ عن إسماعيل بن أبى خالد - رحمه الله تعالى - أَنَّ رجلاً سأل ابن أَبِی
أَوْفَى - رضى الله عنه - أكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - دخل فى القضيّة الكعبة؟
قال : لا .
وقال محمد بن عمر بعد أَن رَوَى ما سبق عن ابن عباس : حدثنى إبراهيم بن إسماعيل
عن داود بن الحُصَيْن قال : لم يَدْخُلْ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الكعبةَ فى
القضيّة . وقد أرسل إليهم ، فأُبوا وقالوا : لم يكن فى شرطك .
* *
*
ذكر سعيه - صلى الله عليه وسلم - بين الصفا والمروة
روى محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أَن
رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - طاف بين الصَّفَا والمروة على راحلته ، فلما كان
الطَّوَافُ السَّابِعِ عند الْمَرْوَة عند فراغه - وقد وقف الهدى عند المَرْوَة - قال رسولُ الله
- صلَّى الله عليه وسلَّم - ((هذا المنحر وكل فِجَاج مكة مَنْحَر، فَنَحَرَ عِنْدَ الْمَرْوَة.
قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - وقد كان اعتمر مع رسول الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - قومٌ لم يشهدوا الْحُدَيْبية فلم يَنحُرُوا، فَأَمَّا من شهدها وخرج فى الْقَضِيَّةِ
فإنهم اشتركوا فى الهَدْى. وأَمر رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مائتين من أَصحابه
حين طافوا بالبيت وسعوا أن يذهبُوا إلى أصحابه ببطن يَأْجَج فيقيمون على السِّلاَح ،
ويأتى الآخرون فيقضوا نُسُكَهُم ففعلوا .
(١) الإضافة عن المغازى الواقدى ٢ : ٧٣٨.
7
- ٢٩٤ -

ذكر خروجه - صلى الله عليه وسلم - من مكة
روى محمد بن عمر عن عمر بن على بن أبى طالب - رحمه الله تعالى - قال: لما كان
عند الظهر يوم الرابع أَتى سهيل بن عمرو، وحُوَيْطب / بن عبد الْعُزَّى - وأَسلما بعد ٢٢٤ ط
ذلك قال ابن إسحاق : وكانت قريش قَدْ وَكَّلَتْ حُوَيْطب بإِخراج رسولِ الله - صلَّى
الله عليه وسلم - فأتياه وهو في مجلسٍ من الأَنصار يتحدث مع سعد بن عُبَادة، فَقَالاً:
قد أَنْفَضَى أَجلك، فأخرج عَنَّا، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: ((وما عليكم
لَوْ تركتمونى فَأَعْرَسْت بين أظهركم فَصَنَعْت طعاماً؟! )) فقالا: لاَ حاجة لَنَا فى طَعَامِك
اخرج عنَّا، نَنْشُدُكَ الله يا محمد، والعقد (١) الذى بيننا وبينك إِلَّ خَرَجْتَ مِنْ أَرضنا،
فهذه الثلاثة قد مضت .
وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم ينزل بَيْتًا، إِنَّمَا ضُرِبَتْ له قُبَّة من أَديم.
بالأَبطح، فكان هناك حَتَّى خرج مِنْهَا ، ولم يدخل تحت سقف بيت مِنْ بُيُوتها ، فَغَضِبَ
سعد بن عُبَادة - رضى الله عنه - لِما رأَى من غَلظة كلامهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -
فقال لِسُهَيْل بن عمرو : كذبت لا أُمَّ لك ليست بأَرضك ولا أَرض أَبيك، والله
لا يخرج منها إِلاَّ طائعاً راضياً، فتبسَّم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال
يا سعد : لا تؤذ قوماً زارونا فى رحالنا ، وأُسْكِت الرجلان عن سعد .
وفى الصحيح عن البراء بن عازب - رضى الله عنهما - أَن الأَجل لما مضى أَتى المشركون
عليًّا - رضى الله عنه - فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عَنَّا فقد مضى الأجل ، فذكر ذلك
على - رضى الله عنه - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - أَبا رافع - بالرحيل، وقال: لا يُمْسِيَن بها أَحَدٌ من المسلمين)) وَرَكِبَ رسولُ اللهِ
- صلَّى الله عليه وسلَّم - [حتى نزل(٢) ] بسَرِف، وتَتَامَّ الناس، وخَلَّفَ رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - أَبا رافع ليحمل إليه زَوْجَتَه مَيْمُونَة حين يُمْسِى، فَأَقَام أَبو رَافع حتَّى
(١) كذا فى الأصول. وفى المغازى للواقدى ٢: ٧٤٠ (( العهد)) .
(٢) الإضافة عن المغازى الواقدى ٢ : ٧٤٠.
- ٢٩٥ -

أُمْسَى، فخرج بمَيْمُونَة وَمَن معها، وَلَقِيَتْ مِنْ سفهاءِ مكة عناء ، وسيأتى الكلام
على دخول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بها فى ترجمتها .
ذكر خروج ابنة حمزة - رضى الله عنها
روى الشيخان عن البراء بن عازب ، والإِمام أحمد عن على ، ومحمد بن عمر
عن ابن عبّاس - رضى الله عنهم - قال ابن عباس: إن عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب،
وقيل أسمها أمامَةٍ(١) قال الحافظ: وهو المشهور وأُمها سَلْمَى بنت عُمَيْس، كانت
بِمَّة ، فلما قَدِمَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مكة كلَّم على بنُ أَبى طالب - رسولَ
الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عَلَام نترك ابنة عَمِّنَا يتيمةً بين ظهرانى المشركين ؟
، فلم ينهه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَخَرَجِ بِهَا.
وقال البراء : إِنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لما خرج تبعته آبنةُ حمزة
تُنَادِى يَا عَمِّى يَا عَمِّى، فتناولها علىّ فأَخذ بيدها . وقال لفاطمة - رضى الله عنها - :
دونك آبنة عمك ، فأختصم فيها . زيد وعلى وجعفر ، أى بعد أَن قَدِمُوا المدينة
كما سيأتى .
٢٢٥ و
وكان زيد وصىُّ حمزة، وكان رسولُ / الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قد واخى بينهما
حين واخى بين المهاجرين . فقال على : أَنا أَحق بها ، وهى أبنة عَمِّى، وأَنا أَخرجتها
مِنْ بين أظهر المشركين ، وقال جعفر: بنت عَمِّى وخالتها أسماء بنت عميس تحتى.
وقال زيد: بنت أَخى . فقضى فيها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لخالتها، وقال :
((الْخَالَةُ بِمَنْزِلَة الأُم)) وقال لعلى: ((أَنْتَ مِنِّى وَأَنَا مِنْكَ)). وفى حديث ابن عباس
- رضى الله عنه - (( وَأَمَّا أَنت يا عَلىّ فَأَخى وَصَاحِبِى)) وقال لجعفر: ((أَشْبَهْتَ خَلْقِى
وخُلقى)). وقال لزيد: ((أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا)) . وفى حديث ابن عباس - رضى الله
عنه - (( أَنْتَ مَوْلَى اللّهِ وَرَسُولِه )) .
(١) قالوا: أمامة، أو عمارة، أوسلمى، أو فاطمة، أو أمة الله، أو عائشة، أو يعلى. أقوال: سبعة وقال
الحافظ : أمامة هو المشهور . وترجم به فى الإصابة، وعزاه لأبى جعفر بن حبيب وابن الكلبى والخطيب فى المبهات ،
وسماها الواقدى عمارة، وابن السكن فاطمة ( شرح المواهب للزرقانى ٢ : ٢٥٩).
- ٢٩٦ -

قال محمد بن عمر : فلمَّا قَضَى بها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلّم - لجفعر
قام جعفر فَحَجل حولَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلم -: ((ما هذا يَا جَعْفر))؟ قَالَ: يا رسولَ الله، كان النجاشى إِذَا أَرضى أَحداً
قام فحجل .
قال ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - ثم أَنْصرَف رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
فى ذى الحجة .
وكان عِدَّةُ المسلمين سوى النِّساءِ والصِّبْيَان أَلفين .
قال ابن هشام - رحمه الله - تعالى - : فأَنزل الله - تعالى - فيما حدَّثنى أبو عبيدة:
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَه الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ
مُحَلِّقِينَ رُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ
فَتْحًا قَرِيبًا(١) ) يعنى خيبر .
تَبْيَهَاتٌ
الأول : يقال لهذه العمرة عمرةُ الْقِصَاص. قال السُّهَيْلى - رحمه الله - تعالى - وهذا
الاسم أولى بها لقوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص(٢)﴾
ورواه عبد بن حُميد بسندٍ صحيحٍ عن مجاهد ، وبه جزم سُليمان التيمى فى مغازيه
وهذه الآية نزلت فيها كما تقدم .
ويقال لها : عمرةُ الْقَضَاءِ ، وأختلف فى تسميتها بذلك ، فقال السُّهيلى: لأَنَّ
رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قاضى قُرَيْشًا عليها. لأَنه قَضَى العُمْرَةَ الَّتِى صُدَّ
عن البيت فيها ؛ فإنها لم تكن فسدت بِصَدِّهم له عن البيت ، بل كانت عمرة تَامَّةً
(١) سورة الفتح آية ٢٧ .
(٢) سورة البقرة آية ١٩٤.
- ٢٩٧ -

متقبلة، حَتَّى إِنهم حين حَلَقُوا شُعُورَهم بالحِلِّ أحتملتها الريح فأَلقتها بالحرم ، فهى
مَعْدُودَةٌ فى عُمَرِ النبى - صلَّى الله عليه وسلَّم - زاد القاضى(١) : فالمراد بالقضاءِ الفصل
الذى وقع عليه الصُّلح، ولذلك يقال لها عُمْرَةُ القضية .
قال أهل اللُّغة: قَاضَى فُلاَنٌ فُلاَناً : عاهده ، وقاضاه : عاوضه ، فيحتمل تسميتها
بالأَّمرين ، ويرجح الثانى تسميتها قِصَاصًا .
وقال آخرون: بل كانت قَضَاءً عن العمرة الأُولى، وَعَدَّ عمرة الحديبية فى العمر
لثبوتِ الأَجرِ فيها لَا لِأَنَّهَا كَمُلَتِ ، وهذا خلافٌ مَبْنِىٌّ على الاختلاف فى وُجُوبٍ
٢٢٥ ط القضاء على من اعتمر فَصُدَّ عن البيت . فقال الجمهور / : يجب عليه الْهَدْى، ولا
قَضَاءَ عليه .
وعن الإمام أبى حنيفة - رحمه الله - تعالى - عكسه ، وعن الإِمام أحمد رواية : أَنه
لا يلزمه هدى ولا قضاء وأُخرى أَنه يلزمه الْهَدْى والقضاء، وبيان حجج كُلِّ ليس مِنْ
غَرَضِنَا .
وقال ابن إسحاق : تُسَمَّى أيضاً عمرةُ الصُّلْح اهـ
فتحصَّل من أَسمائها أَربعة: الْقَضَاءَ، والْقَضِيَّةُ، والْقِصَاصُ والصُّلْحِ .
الثانى : وجهوا كون هذه العمرة غزوة بأَن موسى بن عقبة ذكر فى المغازى عن ابن
شهاب أنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - خرج مُسْتَعِدًّا بِالسِّلاَحِ والْمُقَاتَلَةِ خَشْيَةَ أَن يقع من
قريش غَدْر ، ولا يلزم من إطلاق الْغَزْوةِ وقوع الْمُقَاتَلَة .
وقال ابن الأثير - رحمه الله تعالى - فى الجامع : هذه الْعُمْرَة ليست من الغزوات ،
وذكرها البخارى فى الغزوات حيث تَضَمنتْ ذكر المصالحة مع المشركين .
الثالث: قال ابن هشام - رحمه الله تعالى - قوله: ((نحن قتلناكم على تأويله))
إلى آخر الأَبيات لِعَمَّار بن ياسر فى غير هذا اليوم ، قال السُّهَيْلى: يعنى يوم صفِّين .
(١) أى القاضى عياض (شرح المواهب ٢: ٢٥٣).
- ٢٩٨ -

قال ابن هشام : والدليل على ذلك أَنَّ ابن رَوَاحَة إنما أَراد المشركين ، والمشركون لم
يُقِرُّوا بالتنزيل ، وإِنَّمَا يقاتَلُ على التأويل من أَقَرَّ بالتنزيل . قال فى البداية : وفيما
قاله ابن هشام نظر ، فإِن الْبَيْهَقِىّ رَوَى من غَيْرِ وَجْهٍ عن عبد الرزاق عن مَعْمَر عن الزُّهرِىِ
عن أنس قال: لما دَخَلَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مكة فى عُمْرَةِ الْفَضَاء مَشَى
عبد الله بن رواحة بين يديه وفى روايةٍ وهو آخذ بغرزه وهو يقول الأَبيات السابقة . .
ورواه عن يزيد بن أسلم - كما سبق - وقد تابع ابن إسحاق على ذلك ابن عُقْبَةَ وغيره ،
وقال الحافظ - رحمه الله تعالى - إذا ثبتت الرِّوَايَة فَلاَ مانع من إطلاق ذلك، فإِنَّ
التقدير على رأى ابن هشام : نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْويله أَى حتى تذعنوا إلى ذلك
التأويل ، ويجوز أن يكون التقدير : نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه حتى تدخلوا
فيما دخلنا فيه ، وإِذا كان ذلك محتملاً، وثبتت الرِّوايةُ سقط الاعتراض . نعم الروايةُ
التى جَاءَ فيها .
((فَالْيَوْمَ نَضْربكم عَلَى تأويله)) يظهر أنه قول عمار، ويبعد أن يكون مِنْ قول ابن
رواحة، لأَّنه لم يقع فى عُمْرَةِ القضاء ضَرْبٌ ولا قِتَال، وصَحِيْحُ الرِّوَايَةِ .
(نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْويله. كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيله .
يُشِير بِكُلٍ منهما إلى ما مضى ، ولا مانع من أَن يتمثل عَمَّارُ بنُ ياسر بهذا الرجز
ويقول : هذه اللفظة، ومعنى قوله: ((نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْويله)) أَى الآن، وجاز تسكين
الباء لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ ، بل هى لغة قُرِىءَ بها فى المشهور .
الرابع : قال الحافظ أبو عيسى التِّرْمذى - رحمه الله - تعالى - بعد أن ذكر رجز
ابن رَوَاحة، ثم قال : وفى غير هذا الحديث أَن هذه الْقِصّة لكعبٍ بنْ مَالكِ ، وهو
الأَصح، لأَن عبد الله بن رواحة قُتِلَ بمؤته، وكانت عمرة الْقَضَاء بعد ذلك ، قال
الحافظ - رحمه الله - وهو ذهول شديد، وغَلَطٌ مردود، وَمَا أَدْرِى كيف وقع الترمذى
فى ذلك، ومع أَنَّ فى قِصَّةِ عُمْرَةِ الْقَضَاء اختصام جعفر وأخيه علىّ ، وزيد بن حارثة
فى بنْتِ حمزة، أَى كما سبق / وجعفر قُتِلَ هُوَ وَزَيْد وابن رواحة فى موطن واحد ، ٢٢٦ ,
- ٢٩٩ -

فكيف يَخْفَى على التِّرْمذى مثل هذا . ثم وجدت عند بعضهم أن الَّذى عند التِّرْمِذى
من حديث أنس : أَنَّ ذلك كان فى فتح مكة . فإن كان كذلك أتجه اعتراض التِّرمذى ،
لكن الموجود بخطِّ الكروخى راوى الترمذى على ما تقدم . قلت : وكذلك رأيته فى عِدَّةٍ
نسخ من جامع الترمذى .
الخامس: مجئْ سُهيل، وحُوَيْطِب يَطْلُبانِ رَحِيلَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
نصف النهار ، الظاهر أنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - دخل فى أوائل النهار ، فلم تكمل
الثلاث إِلا فى مثل ذلك الوقت من النهَّار الرابع الذى دخل فيه بالتلفيق ، وكان مجيئهم
فى أول النهار قريب مجئ ذلك الوقت .
السادس: ((قول ابنة حمزة يا عم" كأنها خاطبت النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -
بذلك إِجلالا ، وإِلَّ فهو ابن عمها ، أَو بالنسبة إلى كون حمزة - وإن كان عمه من
النسب - فهو أَخوه من الرَّضَاعَة .
وكانت خُصُومَةُ عَلىِّ وجعفر، وزيد فى آبنة حمزة بعد أَن قَدِمُوا المدينة ، كما صح
ذلك من حديث عَلِّ عند أحمد ، والحاكم .
السابع : أَقْر النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلِيًّا على أَخذها من مكة مع اشتراط
المشركين أَلَّ يخرج بأحدٍ من أَهلها أَراد الخُرُوجَ؛ لأنهم لم يَطْلُبُوهَا، وأيضاً فإنَّ
النِّسَاءَ المؤمناتِ لم يَدْخُلْنَ فى ذلك، لكن إِنَّمَا نزل القرآن بعد رُجُوعهم إلى المدينة.
الثامن : فى بيان غريب ما سبق :
التَّهْلُكَةُ : الهلاك ، وهو من نوادر المصادر .
الْمِشقَص - بكسر الميم ، وسكون الشين المعجمة ، وفتح القاق ؛ سهم فيه نصل
عريض ، والجمع مشاقص .
تقليدُ الهدى : أَى تُعَلَّق بعنق البعير قطعةٌ من جلدٍ لِيُعْلَمَ أَنَّه هَذى فيكفَّ النَّاسُ
عنه
- ٣٠٠ -