Indexed OCR Text

Pages 201-220

٠٤
وروى البيهقى من طريقين عن المطلب بن زياد، عن ليث بن أبى سليم، عن أبى جعفر
محمد بن على - رضى الله عنه - عن آبائه ، قال : حدثنى جابر بن عبد الله - رضى
الله عنهما - : أَنّ علياً - رضى الله عنه - حَمَل الباب يوم خيبر ، حتى صعد عليه المسلمون
فافتتحوها ، وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون / رجلا - رجَالُه ثقاتُ إلا ليثُ ١٩٩ هـ
ابن أبى سليم - وهو ضعيف.
قال البيهقىّ: ورُوِىَ من وجه آخر ضعيف عن جابر قال : أجتمع عليه سبعون
رَجُلاً ، وكان أَجهدهم أَن أَعادوا الباب ، قلتُ : رواه الحاكم .
ذكر اسلام العبد الأسود وما وقع فى ذلك من الآيات(١)
روى البيهقيُّ عن جابر بن عبد الله ، والبيهقيُّ عن أنس - رضى الله عنهم - والبيهقيِّ
عن عُرْوَة، وعن موسى بن عُقْبة: أَنَّ عَبْدًا حَبَشِيًّا (٢) لِرَجُل (٣) من أَهل خَيْبَر كان يرعى
غنماً لهم ، لما رآهم قد أخذوا السِّلاحَ واستعدوا لقتالِ رسول اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -
سألهم : ما تريدون؟ قالُوا : نقاتل هذا الرّجل، الَّذى يزعمُ أَنه نِىُّ. فوقع فى نفسه
ذكر النبى - صلَّى الله عليه وسلَّم - فخرج بغنمه ليرعاها ، فأخذه المسلمون ، فجاءوا
به لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وفى لفْظِ ابْنِ عُقْبَة: أنه عمد بغنمه إلى رسول
الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فكلمه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما شاءَ اللهُ أَن
يكلِّمَه، فقال الرّجل: ماذا تَقُول، وماذا تَدْعُو إليه؟ قال: ((أَدعوك إِلَى الإِسْلَام
وَأَن تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّ الله، وَأَنِّى رَسُولُ الله، وأَن لاَ تَعبد إِلَّ الله)). قال العبد:
وماذا يكون لى إنْ شَهِدْتُ بذلك ، وآمنت بالله تعالى ؟ قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - ((لَكَ الْجَنَّة إِن آمَنْتَ على ذَلَك)) فأَسلم العبدُ، وقال: يا رسولَ الله إنى رجلٌ
أَسودُ اللون قبيحُ الوجه، مُنْتِنُ الرّحِ، لَا مَالَ لى ، فإِن قاتلتُ هؤلاء حتّى أُقتل ، أَدخل
(١) انظر القصة فى السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣٤٤، ٣٤٥، والبداية والنهاية لابن كثير ٤: ١٩١، والسيرة
الحلبية ٣: ٤٥ والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٣٦١. وسيأتى فيمن استشهد بخيبر أنه ابن أسلم أو يسار.
(٢) ورد فى هامش ت، م ((إن اسمه عامر اليهودى)) كما فى الاستيعاب.
(٣) (هامش ت، م - والسيرة الحلبية ٣ : ٤٥).
- ٢٠١ -

الجنة ؟ قال: ((نعم)). قال : يا رسول الله إنّ هذه الغنم عندى أمانة فكيف بها ؟ فقال
رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ((أَخرجها من العسكر، وأرمها بالحصباء فإن الله
- عزّ وجلّ- سيؤدى عنك أَمانتك (١) )) ففعل، وأعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
كلمته ، فَخَرَجَتِ الغنم تشتد مجتمعة كَأَنَّ سائقاً يسوقُها حتَّى دخلت كلُّ شاة إلى
أَهلها ، فعرف اليهودىُّ أَنّ غُلاَمه قد أَسلم، ثم تقدَّم العبد الأسود إلى الصفّ ، فقاتل
فأصابه سهمٌ فقتله، ولم يُصَلِّ لِلّه - تعالى - سجدة قطّ، فاحتمَلهُ المسلمون إلى عسكرهم،
فقال رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ((أَدْخِلُوه الفُسْطَاط))؛ وفى لفظ ((الخباء)) فأدخلوه
خباءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتَّى إِذا فرغ رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -
دخل عليه، ثم خرج فقال ((لقَدْ حَسُنَ إِسلامُ صَاحِبِكُم، لقد دَخَلْتُ عليه ، وإِنَّ
عِنْدَه لَزَوْجتين له من الحُورِ العين)» .
وفى حديث أنس : فَأَتَى عليه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو مقتول ، فقال :
((لَقَدْ حَسَّنَ اللهُ وجهك، وطيبٌ رِيحَك، وكثّر مَالَك، لقد رأيتُ زَوْجَتَيْه مِنَ .
الْحُورِ الْعِينَ يَنْزِعَان جُبَّته(٢) يَدْخُلاَنِ فِيمَا بَيْنَ جِلْدِهِ وَجُبَّتِهِ)) .
وعند ابن إسحاق ((بنفضان التُّراب عن وَجْهِه، ويقولان: ((تَرَّبَ اللهُ وجْهَ من
تَرَّبِك وَقَتَل مَن قتلك)).
ذكر نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن أكل لحوم الحمر الانسية.
وغيرها مما يذكر
روى الشيخان عن عبد الله بن أبى أَوْفى - رضى الله عنه - قال : أَصابتنا مجاعةٌ
ليالى خَيْبَر، فلمَّا كان يوم خَيْبَر وقعنا فى الحُمُر الإِنسية، فأنتحرْنَاها، فلما غَلَتِ
القُدُور ، ونَادَى مُنَادِى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أَن أَكْفِئُوا القدور ، ولا تأكلوا
من لحوم الحُمُر شيئاً .
(١) ورد فى هامش ت، م ((قال أبو عمر بن عبد البر فى الاستيعاب: إنما رد الغم - والله أعلم - إلى حصن الوطيح
أو قبل أن تحل الغنائم))
(٢) فى السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٣٦٢ ((يتنازعان جبته عليه)).
- ٢٠٢ -

وعن أنس - رضى الله عنه - قال : لما كان يومٍ خَيْبَر ، جاءَ فقال : يا رسول الله ،
فَنِيَتْ الحُمُر، فأَمر أبا طلحة فنادى ((إِنَّ الله ورسوله يَنْهاكُم عن لحوم الحُمُر)) رواه
عثمان بن سعيد الدَّارِّ بسندٍ صحيح .
وعن ابن عبّاس ـ رضى الله عنهما - قال: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
يوم خَيْبَر عن بيع الغنائم حتَّى تُقْسَمِ، وعن الحَبالى أَن تُوطَأَ حتى يَضَعْنَ ما فِى
بطونهنّ، قال: ((لا تسق زرع غيرك))، وعن لحوم الحُمُر الأهلية ، وعن كل ذى ناب
من السباع - رواه الدارقطنى .
وعن أبى ثعلبة الخُشَفِىّ - رضى الله عنه - قال: غزَوْتُ مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - خَيْبَر ، والناسُ جياعٌ، فَأَصبنا بها حُمُراً إنسيّةً فَذَبَحْنَاهَا، فَأُخْبِرَ النّبِىّ
- صلَّى الله عليه وسلم - فأَمر عبد الرحمن بن عَوْف فنادَى فى الناس ( إِنْ لحوم الحُمُر
لا تَحِل لمَنْ يشهد أنى رسول الله) رواه الإمام أحمد ، والشيخان .
وعن سلمة - رضى الله عنه - قال : أَتينا خيبر فحاصرناها حتى أصابتنا مَخْمصةٌ
شديدة : يعنى الجوع الشديد ، ثم إنّ الله - تعالى - فتحها علينا . فلمَّا أَمسى الناسُ
مَسَاءَ اليومِ الَّذى فُتِحَتْ عليهم، أَوقدوا نيراناً كثيرةً، فقالَ رسولُ الله - صلى الله
عليه وسلم - ((ما هذه النيران؟ على أَىِّ شىءٍ توقدون؟)) قالوا: على لحم، قال: ((على أى
لحم)»؟ قالوا: لحم حُمُرٍ إنسيّة، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أَهرقوها،
واكسروا الدّنان)) فقال رجل: أَو هريقوها ونغسلها؟ قال ((أَو ذاك)) رواه الشَّيخان،
والبيهُّ .
ورَوَى محمد بن عمر - رحمه الله - تعالى - عن شيوخه : أَن عدة الحمر التى ذبحوها ،
كانت عشرين أو ثلاثين ، كذا رواهُ على الشَّك .
- ٢٠٣ -

ذكر فتحه - صلى الله عليه وسلم - الوطيح والسلالم
وكانا آخر حصون خيبر فتحا
قال ابنُ إِسحاق: وتَدَنَّى(١) رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالأَموال يأخذها
مالاً مالاً ، ويَفْتَحُها حِصْناً حِصناً ، حتَّى انتهوا إلى ذينك الحصنين، وجعلُوا لا يطلعون
من حصنهم حتى همَّ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم أن ينصب عليهم المَنْجنيق ،
لما رأى من تغليقهم، وأنه لا يبرز منهم أحد، فلما أَيقنُوا بالملكة - وقد حصرهم
رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أربعة عشر يوماً - سأَلوا رسولَ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - الصّلْحَ، فأَرسل كنانةُ بنُ أَبِى الحُقَيْق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -
رجلاً من اليهود يقال له شماخ يقول(٢) (أَنْزِلُ فأكلمك؟ فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم -: ((نعم)) فنزل [ كنانة(٣)] ابن أَبى الحُقَيْق،، فصالح رسولَ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - على حقن دماء مَن فى حصونهم من المقاتلة ، وترك الذريَّة لهم ، ويخرجون من
خَيْبَر وأرضها بذراريهم، ويُخَلُّون بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وبين ما كان لهم من مال وأرض ، وعلى الصّفراء والبيضاء والكُرَاع والحَلْقة ، وعلى
البَرِّ إِلَّ ثَوْباً على ظهر إِنسان، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ((وبَرِتَت مِنْكُمْ
ذِمَّةُ اللهِ وذمّةُ رَسُولِهِ إِنْ كَتَمْتُمُونِى شَيْئًا)» فصالحوه على ذلك، فأَرسل رسولُ الله ..
صلَّى الله عليه وسلَّم - إِلى الأَموال فقبضها الأَوّلّ فالأَوّل ، ووجد فى ذينك الحصنين
مائة دِرْع وأربعمائة سيف ، وأُلفَ رُمحٍ ، وخمسمائة قوس عربيّة بجعابها .
ذكر سؤال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلى حيى
ابن أخطب وماله اللذين حملهما لما أجلى عن المدينة، وما وقع فى ذلك من الآيات
قال محمد بن عمر: كان الحَلْى فى أَوّل الأَمر فى مَسْكِ حَمَل ، فلما كثر ، جعلوه
فى مَسْكَ ثَوْر ، ثم فى مَسْكُ جَمَل، وكان ذلك الحَلى يكون عند الأكابر من آل أَبى الحُقَيْق
وكانوا يُغِيرُونَه العرب.
(١) تدنى: أخذ الأدفى فالأدنى (هامش السيرة النبوية لابن هشام ٣: ٢٨٥. والسيرة لابن كثير ٣ : ٣٦٧)
(٢) بياض فى الأصول بمقدار كلمتين . ولكن الكلام متصل.
(٣) الإضافة عن المغازى الواقدى ٢ : ٦٧٠.
- ٢٠٤ ج

وروى ابنُ سعد والبيهقيُّ عن ابن عمر ، وابنُ سعد - بسند رجالهُ ثقاتٌ - عن ..
محمد بن عبد الرحمن بن أبى لَيْلَى - وهو صدوق سىء الحفظ - عن الحكم عن مقسم
عن ابن عباس - رضى الله عنهما - : أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لما ظهر على
أهل خَيْبَر صالحهم على أن يخرجوا بأنفسهم وأهليهم ، وللنبى - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -
الصفراء والبيضاء والحَلْقة والسِّلاح، ويخرجهم، وشَرَطُوا للنّبِى - صلَّى الله عليه وسلَّم -
أَن لا يكتموه شيئاً ؛ فإن فعلوا فلا ذمَّة لهم .
قال ابن عباس : فأتى بكنانة ، والربيع ، وكان كنانة زوج صفية ، والربيع أَخوه
أو ابن عمه، فقال لهما رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - (( أَين آنيتكما التى كنتم
تُغِيرُونها أهل مكة؟)).
وقال ابن عمر: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعمّ(١) حُيَى ((ما فعل
مَسْك حُيّى الذى جاء به من النضير؟)) فقال: وقال ابن عباس: قالا: (( هربنا ، فلم
نزل تضعُنا أَرضُّ وترفعنا أُخرى ، فذهب فى نفقتنا كلٌّ شىءٍ .
وقال ابن عمر: أَذْهَبَتْه النّفقات والحروب، فقال ((العهدُ قريبٌ، والمال أَكثر
من ذلك )) .
وقال ابنُ عبّاس: فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنكما إِن تكتمانى
شيئاً فَأطلعت عليه استحللتُ به دماءً كما وذراريكما)). فقالا : نعم.
وقال عُرْوَة ومحمد بن عمر فيما رواه البيهقىّ عنهما: فأخبر الله عزّ وجلّ رسولَه
- صلى الله عليه وسلم - بموضع الكنز، فقال لكنانة ((إنك لمغتر بأمر السماء)).
قال ابن عباس: فدعا رسولُ / الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - رجلاً من الأَنصار فقال : ٢٠٠ ظـ
((اذهب إلى قراح(٢) كذا وكذا ، ثم انتِ النخلَ فأنظر نخلةً عن يمينك، أَو عن
(١) هو سعيد بن عمرو (السيرة الحلبية ٣ : ٤٩).
(٢) قراح : القراح من الأرضين كل قطعة على حيالها من منابت النخل ، وقيل الأرض المخلصة للذرع والغرث
وقيل للزرعة التى ليس عليها بناء ولا فيها شجر (تاج العروس ٢ : ٢٠٥).
- ٢٠٥ -

يسارك مرفوعةً فأتنى بما فيها)) فجاءه بالآنيَة والأَموال ، فقومت بعشرة آلاف دينار ،
فضرب أعناقهما ، وسبى أَهليهما بالتّكث الذى نكثاه .
وقال ابن إسحاق : أُتى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بكنانَةً بن الرَّبيع ، وكان
عنده كنزُ بنى النضير، فسأله عنه فجحد أَن يكون يعلم مكانه ، فأتى رسولُ الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم - برجلٍ من يهود ، قال ابن عُقْبَة : اسمه ثَعْلَبَةِ (١) وكان فى عقله شىء ،
فقال لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إنى رأيتُ كنانة يُطِيفُ بهذه الخَرِبَة كلّ
غداة، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لكنانة: ((أَرأَيتَ إِنْ وَجَدْنَاه عِنْدَكَ،
أَقْتُلك ؟)) قال: نعم، فأَمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالخَرِبَة فَحُفِرَت،
وأُخرج منها بعض كنزهم ، ثم سأله عما بقى، فأَبِى أَن يؤدِّيَه، فأَمر رسولُ الله - صلِّى
الله عليه وسلَّم - الزّبَيْر بن العَوام، فقال: ((عَذِّبْه حتى تستأصل ما عنده)) فكان الزّبير
- رضى الله عنه - يقدحُ بِزَنْدِهِ فى صدره حتى أَشرف على نفسه، ثم دفعه رسولُ الله
- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - إلى محمدِ بن مسلمة ، فضرب عُنقه بأخيه محمود بن مسلمة .
*
ذكر ارادته - صلى الله عليه وسلم - اجلاء يهود خيبر عنها كما وقع
شرطهم ، ثم إقراره إياهم يعملون فيها ما أقرهم الله ، وإخراج عمر
ابن الخطاب لهم لما نكثوا المعهد(٢)
روى البخارىّ والبيهقى عن ابن عمر ، والبيهقيُّ عن عُرْوَة وعن موسى بن عُقْبة :
أَنَّ خَيْبَرَ لمّا فتحها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - سأَلت يهودُ رسولَ الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم - أَن يُقِرَّهم فيها على نصف ما خَرَج منها من النَّمر، وقالُوا : دعنا
يا محمد نكون فى هذه الأرض. نصلحها ، ونقوم عليها ، ولم يكن لرسول الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم - ولا لأَصحابه غِلْمان يقومون عليها ، وكانوا لاَ يفرغون أن يقوموا عليها ،
(١) وفى السيرة الحلبية ٢: ١٦٧ ط الحلبية ((اسمه سعية بن عمرو عم حيى بن أخطب، وفى رواية سمية بن سلام بن
أبى الحقيق» .
(٢) أنظر السيرة النبوية لابن كثير ٣ : ٣٧٨، والسيرة الحلبية ٣ : ٦٦، والبداية والنهاية لابن كثير ٤: ١٩٩،
ونهاية الأرب ١٧ : ٧٣٨، والمغازى الواقدي ٢ : ٦٩٠.
- ٢٠٦ -

فأعطاهم رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - خيبر على أَنّ لهم الشّطر من كلّ زرع ونخل
وشىء ما بَدَا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفى لفظٍ، قالَ رسولُ الله - صلَّى الله
عليه وسلَّم ((نقركم فيها على ذلك ما شئنا، وفى لفظ (( ما أَقركم الله)).
وكان عبدُ الله بن رواحةً يأتيهم كلَّ عامٍ فيخرصها عليهم ، ثم يضمنهم الشطر ،
فشكوا إِلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - [شدة خرص(١)] ابن رواحة، وأرادوا أَن
يَرْشُوا ابن رواحة ، فقال: يا أعداء الله، تُطعمونى السُّحْتَ ؟ والله لقد جئتكم من عند
أحبّ النّاس إلىّ، ولأَنتم أبغضُ إلىّ من عِدَّتكم من القردة والخنازير / ولا يحملنى بغضى ١٠٢ ,
إيّاكم وحبىّ إِيَّه على أن لا أَعدل عليكم فقالُوا: بهذا قامت السَّمُوات والأرض، فأَقاموا
بأرضهم على ذلك .
فلمّا كان زمان عمر ، غشّوا المسلمين ، وأُلقوا عبْدَ اللهِ بن عمر من فوق بيت فَفَدَعُوا
يديه ، ويقال بل سحروه باللَّيل وهو نائم على فراشه ، فكوع حتى أصبح كأنه فى وثاق ،
وجاءٍ أَصحابه ، فأصلحوا من يديه ، فقام عمر خطيباً فى النَّاس ، فقال : إِنَّ رسولَ
الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عامل يَهُودَ خيبر على أموالها ، وقال: نقركم ما أقركم الله ،
وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فُعُدِىَ عليه من الليل ، فَفُدِعَت يداه ، وليس
لنا هناك عدوّ غيرهم، وهم تهمتنا ، وقد رأيت إجلاءهم . فمن كان له سهم بخيبر
فليحضر حتى نقسمها ، فلما أَجمع على ذلك ، قال رئيسهُم ، وهو أَحد بنى الحُقَيْق :
لا تخرجنا ودعنا نكون فيها كما أَقَرِّنا أَبو القاسم وأبو بكر ، فقال عمر لرئيسهم :
أترانى سقط عنِّى قولُ رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ((كَيْفَ بك، إِذَا أرفَضَّت(٢)
بك راحلتك تَوَّمِ الشَّامَ يَوْمًا، ثم يوما ؟)) وفى رواية: أَظننت أَنّى نسيتُ قولَ رسولِ
اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم ((كيف بك إِذَا خرجت من خيبر يَعْدُوبك قلوصك ليلة
بعد ليلة)) فقال: تلك هُزَيْلَة من أبى القاسم ، قال: كَذَبْتَ ، وأَجلاهم عمر ، وأَعْطاهم
(١) الإضافة عن السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٣٧٨.
(٢) ارفضت: أى سال عرقها. وفى السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٣٧٩ ((وقصت)) بمعنى أسرعت.
- ٢٠٧ -

قيمةَ مالهم من التمر : مالاً، وإِيلاً ، وعروضاً من أقتابٍ وحبال ، وغير ذلك ، وسيأتى
فى أبواب الوفاة النبوية قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أخرجوا اليهود من جزيرة
العرب )».
ذكر قصة الشاة المسمومة وما وقع فى ذلك من الآيات(١)
روى الشيخان عن أنس، والإِمامُ أَحمدُ ، وابنُ سعد ، وأبو نعيم عن ابن عباس ،
والدارمىُّ ، والبيهْىُّ عن جابر ، والبيهقىّ بسندٍ صحيح - عن عبد الرحمن بن كعب
ابن مالك، والطَّبرانىُ عنه عن أبيه ، والبزار والحاكم ، وأبو نعيم عن أبى سعيد ،
والبيهتىّ عن أَبِى هُرَيرة - رضى الله عنهم - والبيهقيُّ عن ابن شهاب - رحمه الله تعالى - :
أَنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لما افتتح خيبر، وقتل من قتل، وأطمأن الناسُ،
أهدت زينب أبنة الحارث امرأة سَلام بن مِشْكُم، وهى ابنة أَخى مَرْحَب - لصَفِيّة
امرأَته [شاة(٢)] مَصْلِيَّة، وقد سألت: أَّ عُضْوِ الشَّاة أَحبُّ إلى رسول الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - ؟ فقيل لها الذراع، فأَكثرت فيها من السّمّ، ثم سمَّت سائِر الشاة ، فدخل
رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على صفية ومعه بِشْرُ بنُ البراء بن مَعْرُور - بمهملات -
فقدّمت إليه الشَّةَ المَصْلِيَّة، فتناول رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الكتف ، وفى
لفظٍ: الدِّراع، وأنتهس(٣) منها فلاكها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتناول بشرُ
ابن البراء عظماً ، فانتهس منه .
قال ابن إسحاق، فأَما بِشْر فأَساغها، وأَما رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
فَلَفَظَها ، وقال ابنُ شهاب : فلما استرط(٤) رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لقمته
(١) انظر السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣٣٧، وشرح المواهب للزرقانى ٢: ٢٣٩، والسيرة الحلبية ٣: ٦٣
والبداية والنهاية لابن كثير ٤: ٢٠٨ - ٢١١ والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٣٩٤، والمغازى الواقدى ٢ : ٦٧٧.
(٢) إضافة يقتضيها السياق. وهى فى شرح المواهب الزرقانى ٢: ٢٣٩.
(٣) انظر شرح المراهب الزرقانى ٢ : ٢٤٢
(٤) فى شرح المواهب ٢: ٢٤٤ (ازدرد رسول الله)
- ٢٠٨ -

استرط بشرُ بن البراء ما فى فيه / فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - آرفعوا ما فى ٢٠١ ظـ
أيديكم ، فإنّ كتف هذه الشَّة تخبرنى أنى نُعيت فيها .
قال ابن شهاب : فقال بشرُ بنُ البراء : والذى أكرمك لقد وجدتُ ذلك فى أُكلتى
التى أكلت فما منعنى أَن أَلفظها إلا أنى أَعظمت أَن أَنخصك(١) طعامك، فلمَّا سفت
ما فى فيك لم أكن لأَرغب بنفسى عن نفسك ورجوت ألا تكون اسْتَرطَّتها ، وفيها
نعى . فلم يقم بشرٌ من مكانه حتى عاد لونه كالطَّيْلَسان، وماطله وجعه حتى كان
لا يتحول إِلا أَن حُوِّل . قال الزهرى قال جابر: واحتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
على كاهله يومئذ ، حجمه أبو هند مولى بنى بياضَة بالقرن والشفرة ، وبقى رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - بعد ثلاث سنين حتى كان وجعه الذى توفى فيه .
فقال(٢): ((ما زلتُ أَجدُ من الأكلة التى أَكلتُ من الشّاة يوم خَيْبَر عِدَاداً حتى
كان هذا وانقطع أَبْهَرِى)) فتوفى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - شهِيدا بلفظ ابن
شهاب .
وذكر محمد بن عمر : أَنه أَلقى من لحم تِلْكَ الشَّاة لكلبٍ فما تبعت يدَهُ رجلهُ
حَتَّى مات .
وقال الصحابة السابق ذكرهم - رضى الله عنهم - إنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه
وسلم أرسل إلى اليهودية، فقال: ((أَسممتِ هذه الشاة؟)) فقالت : من أَخبرك ؟ قال :
((أَخْبرِتْنِى هَذِهِ الَّتِى فِى يَدَىَّ وهى الذراع، قالت: نعم، قال: ((مَا حَمَلَكِ على
ما صنعتِ ؟)) قالت : بلغتَ من قومى ما لم يَخْفَ عليك، فقلتُ : إِن كان ملكاً استرحنا
منه ، وإن كان نبيا فسيُخْبَرُ ، فتجاوز - وفى لفظٍ - فعفا عنها رسولُ الله - صلى الله عليه
وسلم - وَمَاتَ بشرٌ من أُكلته الَّتِى أَكل ولم يُعَاقِبْهَا .
(١) فى السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٣٩٩ (أبغضك)»
(٢) أى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- ٢٠٩ -
(١٤ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥)

وذكر محمد بن عمر: أَنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لها: (( ما حملك
على هذا ؟ )) قالت : قَتَلتَ أَبى وعمِّى وزوْجى وأَخى - فأَبوها الحارث وعمها يسار
وأخوها مرحب وزوجها سَلَام بن مِشْكُم .
وعن أَبِى سَلَمة عن جَابر - رضى الله عنه - أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
لما مات بِشْرُ بن البَرَاءِ أَمر باليهودية فَقُتِلَت . رواه أبو داود، ووقع عند البزار من
حديث أبى سعيد الخُدرىِّ: أَن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعد سؤاله للمرأة
اليهودية واعترافها - بسطَ يَدَّهُ إِلى الشَّاة وقال لأَصحابه: ((كُلُوا باسم الله)) قال :
فأكلنا وذكرنا اسْمَ الله، فلم يُضَرَّ أَحد منا .
قال الحافظ عماد الدين بن كثير : وفيه نَكَارَةٌ وغرابة شديدة . قلت : وذكر محمد
ابن عمر : أَنَّ رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَمر بلحم الشّاةِ فَأُخْرَق.
٠٠
ذكر قدوم جعفر بن أبى طالب - رضى الله عنه - ومن معه من الأشعريين
من أرض الحبشة(١)
رَوَى الشيخان ، والإِسماعيلى ، وابن سعد ، وابن حبان ، وابن منده عن أبى موسى
الأُشعرى - رضى الله عنه - قال: لما بلَغَنا مَخْرَجُ النبى - صلَّى الله عليه وسلَّم - ونحن
باليمن ، فخرجْنَا مُهَاجِرِين إليه أَنا وإخوان لى، أَنا أَصغرهم ، أحدهم أَبو رُهم - بضم
الراء، وسكون الهاء - والآخر أَبو بُرْدَة؛ إِما قال: فى بِضْع، وإما قال: فى ثلاثة أواثنين
٢٠٢ , وخمسين رجلا من قومى / فركبنا سفينة - قال ابن منده : حتى جئنا مكّة - ثم خرجنا
فى برِّ حتى أتينا المدينة - فأَلقتنا سفينتنا إلى النّجاشى بالحبشة : فوافقنا جعفر بن
أبى طالب وأصحابه عنده ، فقال جعفر: إنّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعثنا،
وأمرنا بالإقامة ، فأقيموا معنا ، فأَقمنا معه حتى قدِمْنَا جميعاً فوافقنا رسول الله - صلَّى
الله عليه وسلم - حين فتح خيبر قال: فأسْهَمَ لنا، وما قَسَم لأُحدٍ غاب عن فتح خيبر
(١) انظر السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣٥٩، والسيرة الحلبية ٣: ٥٦، وشرح المواهب ٢ : ٢٤٦،
والبداية والنهاية ٤: ٢٠٥، والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٣٨٩. والمغازى الواقدي ٢ : ٦٨٣.
- ٢١٠ -

شيئاً إلا من شَهِدَ معه ، إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه ، قسم لهم معنا ، وذكر
البيهقى(١) - رحمه الله - أنّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - سأَل الصحابة أن يشركوهم
ففعلوا ذلك ، انتهى .
قال: فكان أُناس يقولون لنا: ((يعنى أصحاب)) السفينة : سبقناكم بالهجرة .
ودخلت أَسماءُ (٢) - بنت عُمَيْس - بعين وسين مهملتين، وبالتصغير -
وهى مِمِّن قَدِمَ معنا يومئذ- على حفصة زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زائِرة،
وقد كانت هاجرت إلى النجاشى فيمن هاجر إليه ، فدخل عُمر على حفصة، وأَسماءُ
عندها ، فقال عمر حين رأى أسماءَ - رضى الله عنهم - من هذه ؟ فقالت: أَسماءُ بنت
عميس فقال عمر : سبقناكم بالهجرة ، نحن أَحقُّ برسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -
قال : فغضبت وقالت: كلاَّ والله يا عمر، كنتم مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
يُطْعِمُ جِيَاعَكُمْ، ويُعَلِّمُ جاهلكم، وكنا فى دار ، أَو أَرض البُعَداء البُغَضاء بالحبشة ،
وذلك فى الله وفى رسوله ، وأيم الله لا أَطعم طعاماً ، ولا أَشرب شراباً حتى أَذكر ما قلتَ
لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأَسأَله، والله لا أكذب ولا أَزيغ ولا أَزيد على ذلك،
فلما جاءَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قالت: يا نبى الله !! إِن رجالاً يفخرون علينا،
ويزعمون أَنّا لسنا من المهاجرين الأَوّلِين، فقال: ((مَنْ يَقُولُ ذلك؟)) قلتُ : إنّ عمر
قال كذا وكذا ، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ما قُلْتٍ لَه؟ )) قالت: قلتُ
له كذا وكذا ، قال: ((ليس بأَحَقّ لى منكم، له ولأَصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم
أَهلَ السفينة - هجرتان )) قالت: فلقد رأيتُ أَبا موسَى وأصحابه يأُتونى أَرْسالاً
يُسألونى عن هذا الحديث ، مَا مِنَ الدّنيا شىءٌ هُمْ أَفرح ، ولا أعظم فى أنفسهم مما قال
لهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال أبو بُرَيْدَة: قالت أسماءُ : ولقد رأيت أَبا موسى
وإنه ليستعيد هذا الحديث منى، وقال لكم الهجرة مرتين .
(١) بياض بالأصل والإثبات عن السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٣٩٤، وشرح المواهب ٢: ٢٤٦.
(٢) هى أسماء بنت عميس الخصية امرأة جعفر بن أبى طالب رضي الله عنه.
- ٢١١ -

وروى البيهقىّ عن جابر - رضى الله عنه - قال: لما قدم رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - من خيبر ، وقدِمَ جعفرُ من الحبشة ، تلقّاهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فَقَبَّل جبهته، ثم قال: ((والله ما أَدرى بأَيّهما أَفرحُ، بفتح خيبر ، أم بقدوم
جعفر)) .
وروى البيهقىّ، بسندٍ فيه من لا يُعرف (١) حالهُ - عن جابر - رضى الله عنه - قال:
٢٠٢ ظ لما قدم جعفر بن أبى طالب تلقّاهُ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلما نظرَ / جعفر
إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ((حَجَل)) قال أَحَدُ رُوَاتِهِ : يعنى مشى على رِجْلٍ
واحدة إِعظاماً(٢) منه لرسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَقَبَّلَ رسولُ اللهِ - صلَّى الله
عليه وسلَّم - بين عَيْنَيْه .
ذكر قدوم أبى هريرة وطائفة من أوس على رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - وهو بخيير
روى الإِمام أحمد، والبخارىُّ فى التاريخ ، وفى (٣مجمع الزوائد للهيثمى فى أول خيبر ٣)
عن خزيمة ، والطحاوىُّ ، والحاكمُ ، والبيهقىُّ عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال:
قدمنا المدينة، ونحن ثمانون بَيْتًا من أَوْس ، فصلينا الصبحَ خلف سَبَّاع بن عُرْفُطَة
الغفارىّ، فقرأً فى الركعة الأولى بسورة: ((مَرْيَم))، وفى الآخرة ((ويْلُ للمطَفِّفِين))
فَلَمَّا قرأ ((إِذَا أَكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ(٤) ) قلتُ: تركت عمىّ بالسّراة له
مِكْيَالآن، إذا اكتال اكتال بالأَوفى، وإِذا كَال کَال بالناقص ، فلما فرغنا من صلاتنا ،
قال قائلٌ : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر ، وهو قادِمٌ عليكم ، فقلت : لا أُسمع
به فى مكان أبداً إِلا جثته ، فزوّدنا سَبَّع بن عُرْفُطة ، وحملنا حتى جئنا خيبر فنجد
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد فتح النَّطَاة، وهو محاصر الكتيبة ، فأَقمنا حتى
فتح الله علينا .
(١) هو مكى بن إبراهيم الرعينى كما فى البداية والنهاية ٤ : ٣٠٦.
(٢) لأن أهل الحبشة يفعلون ذلك للتعظيم ( السيرة الحلبية ٣: ٥٧.
(٣ - ٣) ما بين الرقمين من هامش ت.
(٤) سورة المطففين آية ٢ .
- ٢١٢ -

وفى رواية فقدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد فتح خيبر ، وكلّم
المسلمين فأَشركنا فى سُهْمَانهم .
ورَوَى البخارىّ ، وأبو داود عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قدمتُ المدينة
ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بخيبر حين أفتتحها ، فسأَلْتُهُ أَن يُسْهِم لى ، قال :
فتكلَّم بعضُ وَلَدِ (١) سعيد بْنِ العاص فقال: لا تُسْهِم له يا رسولَ الله ، قال: فقلتُ :
هذا والله هو قاتل ابن قَوْقَل ، فقال: وأَظنه [أَبانا بن(٢) سعيد بن العاص سميا عجبا
لِوبْر تَكَلَّ علينا من قَدّوم ضأن يعيرنى بقتل أمرئ مُسلم أكرمه الله على يدَىّ . ولم يهنى
على يديْه .
وروى البخارىّ ، وأبو داود عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال : بعث رسولُ
الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَباناً على سَرِيّة من المدِينَةِ، قِبَلَ نَجْد، قال أبو هُرَيْرَةُ:
فقَدِمَ أَبانٌ وأَصحابه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخَيْبَرَ بعد ما افتتحها ،
وإِنّ حُزُمَ خَيْلِهِم لَلِيفُ ، فقال: يا رسول الله أَرضخ لنا فقال أبو هريرة : يا رسول
الله لا تقسم لهم ، فقال أَبان وأنت بهذا يا وبْرُ تحدّر من رأْس خالٍ - وفى لفظ - فَانِ ،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا أَبان أجْلِس)) فلم يقسم لهم .
ذكر قدوم عيينة بن حصن وبنى غزارة على رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - خبير بعد فتحها وما وقع فى ذلك من الآيات (٣)
روَى(٤) البيهْىُّ عن موسى بن عُقْبَةً عن الزُّهْرِىّ - رحمهما الله - تعالى -: أَنَّ ٢٠٣ ,
بَنِى فَزَارةٍ مِمَّن قَدِمَ على أَهل خَيْبَر لِيُعِينُوهم فراسلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أن لا يعينوهم وسألهم أن يخرجوا عنهم ولكم من خَيْبَر كذا وكذا ، فأَبوا عليه ، فلما
(١) هو أبان بن سعيد بن العاص كما صرح به فى السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٣٩٣.
(٢) إضافة يقتضيها السياق .
(٣) انظر السيرة الحلبية ٣: ٢٩ .
(٤) ورد فى هامش ت ((وعن أبى هريرة قال: ماشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغما قط إلا قسم لى إلا خيبر
فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة ، وكان أبو هريرة وأبوموسى جاءا بين الحديبية وخيبر - رواه أحمد ، وفيه على بن زيد
وهو سيىء الحفظ وبقية رجاله رجال الصحيح )).
- ٢١٣ -
٨

أَن فتح الله خَيْبَر أَتاه من كان هناك من بنى فَزَارَة، فقالوا : حظنا والذى وعَدْتَنا ، فقال
رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - ((حظكم - أو قال ((لكم ذو الرّقيبَة)) جبل من جبال
خيبر - فقالوا: إذًا نقاتلك، فقال: ((موعدكم جَنَفَا)). فلما أَن سمعوا ذلك من رسول
الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خرجوا هاربين .
وروى البيهْىُّ عن محمد بن عمر عن شيوخه، قالوا: كان أَبو شُيَيْمِ المُزَنِىّ - رضى
الله عنه-قد أَسْلم فحسن إسلامه يُحَدِّث وَيَقُول: لما نَفَرْنَا إِلى أَهلنا مع عُبَيْنَة بن حِصْن
فرجع بنا عُيَيْنَة ، فلما كان دون خَيْبَر عرّسْنَا من الليل، قفزعنا، فقال عُيَيْنَةُ :
أَبشروا ، إنى رأيتُ الليلة فى النوم أَنى أُعْطِيتُ ذُو الرُّقيبة - جبلاً بِخَيْبَر - قد واللّه أَخذتُ
بِرَقَبَةِ محمد - صلى الله عليه وسلم - فلما أَنْ قَدِمْنَا خَيْبَر - قَدِمَ عُبَيْنَة، فوجدْنا رسولَ
اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد فتح خيبر، فقال عُيَيْنَة: يا محمد! أَعطنى مما غَنِمْتَ
مِن حلفائى ؛ فإنى قد خرجتُ عنك وعن قِتالك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - ((كذبت ولكن الصِّياح الذى سَمِعْتَ أَنْفَرَك إلى أَهلك قال : أخْذنى يا محمد ؟
قال: ((لك ذو الرُّقَيبة)) قال عُيَيْنَةُ: وما ذُو الرُّقَيبة؟ قال ((الجبل الذى رأيت فى منامِك
أَنَّك أَخذته)) فانصرف عُيَيْنَةُ، فلما رجع إلى أهله جاءَه الحارث بن عوف ، وقال :
ألم أقل لك تُوضِع فى غير شئ، فالله، لَيَظْهرَنَّ محمدٌ على ما بين المشرق والمغرب،
يهود كانوا يخبروننا بهذا أشهد لسمعت أَبا رافع سلام بن مِشْكم يقول: إنَّا لنحسد
محمدًا على النُّبُوة، حيث خَرَجَت من بنى هَارُون ، وهو نَبِىُّ مُرْسَلُ ، ويهود لا تطاوعنى
على هذا ، ولنا منه ذِبحان واحد بيثرب وآخر بخيابر .
٠٠٠
ذكر مصالحة أهل فدك رسول الله - صلى الله عليه وسلم
لما أَقبلَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - إلى خَيْبَر فَدَنَا منها بعث محيِّصة بن
مسعود الحارثى إلى فَدَك يدعوهم إلى الإِسلام ويخوفهم أَن يغزوهم كما غزا أَهل خَيْبَر .
ويحل بساحتهم، قال مُخَيِّصَة فجئتهم فأَقمت عندهم يومين ، فجعلوا يتربَّصُون
ويقولُون بالنَّطَاةِ عَامِرٍ وياسر والحارث ، وسيد اليهود مَرْحب ، ما نَرَى محمداً بقرب
- ٢١٤ -
1

حراهِم(١)، إن بها عشرة آلاف مقاتل، قال محيّصةُ: فلما رأَيت خُبْنَهم أردت أن
أَرجع ، فقالوا: نحن نرسلُ معك رجالاً مِنَّا يأُخذون لَنَا الصُّلِحَ، ويظنُّون أَن يهود
تمتنع ، فلم يزالوا كذلك حتى جاءهم قتلُ أَهل حصن ناعم ، وأَهلُ النجدة منهم ، ففتَّ
ذلك أعضادهم ، فقدم رجل من رؤسائهم يقال له نُون بن(٢) يُوشع فى نفر من يهود ،
فصالَحُوا رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ / عليه وسلَّم - على أن يحقن دماءهم ويجليهم، ويُخَلُّوا ٢٠٣ هـ
بينه وبين الأَموال ، ففعل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويُقَال : عرضوا على رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - أَن يخرجوا مِنْ بِلاَدهم، ولا يكونُ للنبىّ - صلَّى الله عليه
وسلَّم - [عليهم](٣) من الأموال شىءٌ ، فإِذا كان أَوانُ جُذاذها جاءُوا فجذُّوها ، فأبى رسول الله
- صلَّى الله عليه وسلَّم - أَنْ يقبل ذلك، وقال لهم مُحيِّصةُ: ما لكم منعةٌ ولا حُصُون
ولا رِجال ، ولو بعث إليكم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - مائة رجل لساقوكم إليه ،
فوقع الصُّلح بينهم بأَن لهم نِصْفَ الأَرضين بتربتها، ولرسول الله - صلَّى الله عليه
وسلَّم - نِصْفها ، فقبل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذلك ، يقول محمد بن عمر :
وهذا أَثبت القولين، وأَقْرُهم. رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على ذلك، ولم يأْتهم(٤)،
فلمَّا كان عمرُ بنُ الخطاب وأَجلى يهودَ خيبر بعث إليهم من يُقَوِّمُ أَرضهم ، فبعث
أَبا الهيثم مالك بن النَّيِّهان - بفتح الفوقية وكسر التحتية المشدَّدة، وبالنون - وفَرْوَةَ
ابن عمرو بن جَبَّار(٥) - بتشديد الموحدة-بن صخر ، وزيد بن ثابت ، فَقَوَّمُوهَا لهم ؛
النخل والأرض ، فأَخذها عمر ، ودفع إليهم نصف قيمة النخل بتربتها ، فبلغ ذلك
خمسين ألف درهم أو يزيد ، وكان ذلك المال جاءَ من العراق ، وأجلاهم إلى الشام .
(١) الحرى : جناب الرجل هامش المغازى الواقدى ٢ : ٧٠٦)
(٢) فى ص يوشع بن نون .
(٣) الإضافة عن المغازى الواقدى ٢ : ٧٠٦ .
(٤) فى المرجع السابق ٢: ٧٠٧ ((ولم يبلغهم)).
(٥) فى المرجع السابق ٢: ٧٠٧ ((ابن حيان)).
- - ٢١٥ _

ذكر المراهنة التى كانت بين قريش فى أن أهل خيبر يغلبون رسول الله
صلى الله عليه وسلم
روى البيهقى عن عُروة، وعن موسى بن عقبة ، وعن محمد بن عمر عن عبد الله
ابن أبى بكر بن حزم - رحمهم الله تعالى - قالوا - : واللفظ لمحمد بن عمر - : كان حُوَيْطب
- بضم الحاء المهملة ، وسكون التحتية ، وكسر الطاء المهملة - ابن عبد الْعُزَّى - رضى
الله عنه - يقول: انصرفت من صُلْحِ الحُدَيْبِيَة، وأَنا مُسْتَيْقِن أَن محمَّداً - صلى الله
عليه وسلم - سيظهر على الخلق ، وتأبى حميَّةُ الشيطان إِلاَّ لزوم دينى ، فقدم علينا عبَّاس
- بالموحدة المشددة - ابن مِرْدَاس - بكسر الميم ـ السلمى يُخبرنا أَنَّ محمَّداً - صلى الله
عليه وسلم - قد سار إلى خيابر ، وأَن خيابر قد جمعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فَمُحَمَّدٌ لا يُفْلِت (١) إلى أَن قال عبَّاس بن مِرْداس: من شاءَ بايعته أن محمدا لَا يُفْلِتِ
قلتُ : أَنا أُخاطرك ، فقال صفوان بن أمية (٢): أَنا معك يا عباس ، وقال نَوْفَل بن معاوية
الدَّيْلَمِى أَنَا مَعَكَ يا عبَّاس، وضَوَى إِلىَّ نفر من قريش فتخاطرنا مائة بعير أَخماساً(٣)
إلى مائة بعيرٍ ، أَقولُ أَنا وحِزْبى : يظهرُ محمد - صلى الله عليه وسلم - ويقولُ عباس
وحزبه : تظهر غَطَفَان، وجاءَ الْخَبر بظهورِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأخذ
حُوَيْطِبُ وحزبه الرَّهْن .
ذكر استئذان الحجاج (٤) بن علاط - رضى الله عنه - من رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - بعد فتح خيبر أن يذهب الى مكة لأخذ ماله
قبل وصول الخبر اليها /
٢٠٤ و
روى الإِمام أحمد عن أنس - رضى الله عنه - والبيهقيُّ عن ابن إسحاق ، ومحمد
ابن عمر عن شيوخه ، قالوا : كان الحجاج بن عِلاَط بكسر العين المهملة ، وتخفيف
(١) كذا فى ط، ص، وفى ت و م ((لايغلب))
(٢) إضافة للتوضيح.
(٣) فى المغازى للواقدى ٢: ٧٠٢ (( خماسا إلى مائة بعير))
(٤) انظر سيرة النبى لابن هشام ٢: ٣٤٥، والسيرة الحلبية ٣: ٦٠، والبداية والنهاية لابن كثير ٤: ٢١٥
٢١٦ -

اللَّم ، السَُّمى(١) بضم السِّين، خرج يُغير فى بعض غاراته، فَذُكِرّ له أن رسول الله
- صلَّى الله عليه وسلَّم - بِخَيْرَ، فَأَسْلَم ، وحضر مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم ..
وكانت أُمُّ شيبة أبنةَ عُميرٍ بن هاشم(٢) - أَختُ مُصْعَب بن عُمِيرِ الْعَبْدَرِىّ - آمرأَتَه،
وكان الحجَّاج مكثرا، له مالٌ كثيرٌ ، وله معادن الذهب التى بأَرض بنى سُلَيْم -
بضم السين ، فقال : يا رسول الله، إِنْذَنْ لى، فأَذهب فآخذ مالى عند أمرأَتى ، فإن
علمتْ بإِسلامى لم آخذ منه شيئاً ، وَمَالُ لى متفرق فى تجَّارٍ أَهل مكة ، فأذن له رسول
اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، إِنَّه لَبُدَّ لى من أَن أَقول، قال ((قُلْ))
قال الحجاج : فخرجتُ فلما انتهيتُ إلى الحرم ، هبطتُ فوجَدتهم بالثنية البيضاء ،
وَإِذا بها رجالٌ من قريش يتسمَّعُون الأخبار(٣) قد بلغهم أَنَّ رسولَ الله - صلَّى الله
عليه وسلَّم - قد سار إلى خيبر ، وعرفوا أنها قرية الحِجَازَ أَنفةً ومنعةٌ وريفا ورجالاً
وسِلاَحاً، فهم يتحسَُّون الأخبار ، مع ما كان بينهم من الرِّهَان(٤)، فلمَّا رأَونى قالوا:
الحجاج بن عِلاَط عنْدَهُ - واللهِ - الخبر - ولم يكونوا عَلِمُوا بإِسلامى - ياحجاج ، إِنَّه
قد بلغنا أَن القاطع(٥) قد سار إلى خيبر بَلَدِ يهود، وريف الحجاز ، فقلتُ: بلغنى أَنه
قد سار إِليها وعندى من الخبر ما يسرُّكُم فَالتبطوا بِجَانِى راحتى ، يقولون: إِيه
يا حجاج ؟! فقلت: لم يَلْق محمدٌ وأصحابُه قوماً يُحْسِنُون القتال غير أَهل خيابر ،
كانوا قد ساروا فى العرب يجمعون له الجُموع، وجمعوا لَهُ عشْرةِ آلافٍ فَهُزِمَ هزيمةٌ
لم يُسمع بمثلها قط، وأُسِرَ مُحَمَّدٌ أَسراً، فقالوا: لاَ نَفْتُلُه حتَّى نبعثَ به إلى مكة
فنقتله بين أظهرهم بمن قَتَل منَّا ومنهم ، ولهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبُون الأمان فى
عشائرهم ، ويرجعون إلى ما كانوا عليه ، فلا تقبلوا منهم ، وقد صنعوا بكم ما صنعوا ،
(١) فى السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣٤٥ ((السلمى ثم البهزى. وفى السيرة الحلبية ٣: ٦٠ هو أبو نصر بن حجاج
الذى نفاه عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما سمع أم الحجاج بن يوسف الثقفى تهتف به وتقول.
أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ..
(٢) وفى السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣٤٥ ((هى أم شيبة بنت طلحة))
(٣) الإضافة عن المغازى الواقدى ٢ : ٧٠٣.
(٤) كذا فى ط ، ت، م. وفى ص ((مع ما كان فيهم من الرهان.
(٥) بعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما فى السيرة الحلبية ٣: ٦٠.
:
- ٢١٧ -

قال : فَصَاحُوا بمكة ، وقالوا : قد جاءَكم الخبر ، هذا محمدٌ إِنما تنتظرون أَن يُقْدَمَ به
عليْكم فَيُقْتَلَ بينِ أَظهركم ، وقلت : أَعِيْنُونِى علىَ جَمْعِ مَالىَ على غرمائى فإِنِى
أريد أن أقدمَ فأُصيبَ من غنائم محمَّد وأصحابه ، قبل أن تسبقنى النُّجار إلى
مَا هُنَاك، فقاموا فجمعوا إلىّ مالى كأَحَثِّ جمع سمعتُ به ، وجِئْتُ صاحبتى فقلْتُ
لها : مالى، لَعَلِّى الحَقُ بِخَيْبِرَ فَأُصيب من البيع قبل أن يسبقنى الُّجار.
وفشا ذلك بمكّة، وأظهر المشركون الفرح والسرور ، وانكسر منْ كان بمكة من
المسلمين ، وسمع بذلك العباس بن عبد المطلب ، فقعد وجعل لا يستطيعُ أن يقوم فأَشفق
أن يدخل داره فيؤذى . وعلم أنه يؤذى عند ذلك فأمر بباب داره أن يفتح وهو مستلق
فَدعا بِقُم ، فجعل يرتجز ويرفع صوته (١) لئِلا يشمت به الأعداءُ ، وحضر باب العباس
٢٠٤ ظ بين مَغِيظٍ ومحزون، وبين شاءت، وبين مسلم ومسلمة / مقهورين بظهور الكُفْر ،
والبَغْى، فلمَّا رأى المسلمون العباسَ طَيِّبَةً نفسُه، طابت أنفسهم، واشتدت مُنتهم(٢)،
فَدَعا غلاماً لهُ يقالُ له أَبو زبيبة (٣)، بلفظٍ واحدةٍ زَبِيبِ العِنَب، ولم أجد له ذكراً
فى الإصابة ، فقال : اذهب إلى الحجاج فقل له : يقول لك العباس: اللهُ أَعلى وأَجلّ
من أن يكون الذى جئتَ به حقًّا ، فقال له الحجاج : اقرأ على أبى الفضل السَّلام ،
وقل له(٤) : لِيَخْلُ لى فى بعض بُيُوته؛ لآتيه بالخبر على ما يسره ، واكتُم عنىٍّ،
وأقبل أبو زبيبة يبشر العباس، فقال: أَبشر يا أَبا الفضل ، فوثب العباس فَرِحاً كأَن
لم يمسَّ شىءٍ، ودخل عليه أَبو زبيبة، وأعتنقه العباس، وأَعْتَقَه، وأَخبره بالذى
قاله .
فقال العباس : للهِ علىَّ عَثْقُ عَشْرِ رِقاب، فلما كان ظُهْراً، جاءَهُ الحجاج، فَنَاشَدَهُ
(١) وفى رواية الإمام احمد ((فأخذ إبنا له يقال له قيم، واستلقى ووضعه على صدره وهو يقول : -
حبى قثم شبه فى الأنف الأثم
نبى ذى النعم برغم من زعم
(٢) المنة : بضم الميم: القوة . المحيط. وانظر شرح الغريب.
(٣) كذا فى الأصل. وفى المغازى الواقدى ٢: ٧٠٤ ((أبو زبينة))
(٤) فى المرجع السابق ((وقل له أحلى فى بعض بيوتك حتى آتيك ظهرا ببعض ماتحب))
- ٢١٨ -
١

اللهَ: لَتَكْتُمنَّ على ثلاثة أيام ، ويقال : يوماً وليلة ، فوافقه العباس(١) على ذلك ،
فقال : إنى قَدْ أَسلمت، ولى مَالُ عند آمرأَتَى، وديْنُ على الناس، ولو عِلِمُوا بإسلامى
لم يدفعوه إِلَّ وتركتُ رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقد فتح خيبر ، وجرت
سهام الله - تعالى - ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيها وأَنْتَثَلَ ما فيها ، وتركته
عروساً بابنة مليكهم حُبَىّ بن أَخطب، وقُتِلَ ابنُ أَبِى الْحُقَيْق فلما أمسى الحجاج
من يومه خرج وطالت(٢) على العباس تلك الليالى، ويقالُ : إِنما أنتظره العباس يوماً
وليلةً ، فلما كان بعد ثلاث ، والناس يموجُون فى شأن ما تبايعوا عليه ، عمَد العباسُ إِلى
حُلَّةٍ فلبسها ، وتخلَّق بخلوقٍ، وأَخذبيده قضيباً ، ثم أَقبل يخْطُر ، حتَّى وقف
على باب الحجاج بن عِلاَط فقرعه، فقالت زوجته : أَلَّ تدخل يا أَبا الفضل ؟ قال :
فأَين زوجك ؟ قالت : ذهب يوم كذا وكذا ، وقالت : لا يحزنك الله يا أبا الفضل ،
لقد شَقَّ علينا الَّذِى بَلَغَك، قال: أَجل، لا يحزننى الله، لم يكن بحمد اللهِ إِلاَّ ما
أَحْبَبْنَا، فتح اللهُ على رسُولِهِ خَيبر ، وجرت فيها سهام الله ورسوله، وأَصطفى رسولُ
الله - صلَّى الله عليه وسلم - صَفِيَّة لنفسه ، فإن كانت لَكِ حاجة فى زَوْجك فألحقى به ،
قالت : أَظنُّك واللهِ صَادِقًا .
ثم ذهب حتى أَتَى مجلس قريش وهم يقولون إِذا مرّ بهم : لا يصيبُك إلا خير
يا أبا الفضل !! هذا والله التجلد لحرِّ المصيبة؛ قال: كلاَّ والله الَّذِى حَلَفْتُم به،
لم يُصِبْنى إلا خير بحمد الله، أَخْبَرَنى الحجاجُ بنُ عِلاط أَن خيبر فتحها الله على
رسوله، وجرى فيها سهامُ اللهِ وسهامُ رسوله، فردَّ الله - تعالى - الكآبة التى كانت
بالمسلمين على المشركين ، وخرج المسلمون من كان دَخَلَ فى بيته مكتئباً حتى أَتوا
العباسَ فَأَخْبرهم الخبر ، فَسُرَّ المسلمون . وقال المشركون [ بالعباد الله](٣) انفلت عدوٌ
الله ، - يعنى الحجاج أَمَا واللّه لَوْ علمنا لكان لنا وله شأن ، ولم ينشبوا أَن جاءَهم
الخبر بذلك .
(١) فى ط ((فواثقه)) والمثبت عن بقية النسخ.
(٢) كذا فى الأصول. وفى المغازى الواقدى ٢: ٧٠٤ ((واستنظر العباس))
(٣) بياض فى الأصول والمثبت عن نهاية الأرب للنويرى ١٧: ٢٦٨، والسيرة الحلبية ٣: ٦١.
- ٢١٩ -
1

ذكر مغانم خيبر ومقاسمها على طريق الاختصار
عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال : خرجنا مع رسولِ الله - صلى الله / عليه وسلم -
٢٠٥ و
عام خيبر ، فلم يغنم ذَهَبًا ولا فضة إِلا الإبل والبقر والمتاع والحوائط . وفى روايةٍ
إلا الأَموال والثياب والمتاع . رواه مالك والشيخان ، وأبو داود ، والنسائى . وقال ابن
إسحاق(١): وكانت المقاسم على أَموال خيبر على الشِّق ونَطَاة والكَتِيْبَة، وكانت الشِّق ،
ونطاة فى سُهمان المسلمين، وكانت الكتيبةُ خُمُسَ الله، وسَهْمَ النبى - صلَّى الله عليه
وسلَّم - وسهمَ ذوى القُربى واليتامى والمساكين(٢)، وطُعْمَ أَزواج النبى - صلَّى الله عليه
وسلَّم - وطُعْمَ رجالٍ مَشَوْا بَيْنَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وبين أَهل فَدَك
بالصُّلح؛ منهم مُحَيِّصةُ بن مسعود ، أَعطاه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - منها
ثلاثين وِسْقًا(٣) من شعير، وثلاثين وسْقًا من تمر ، وقُسِّمت خيبرُ على أَهل الحُدَيْبِيَة ،
مِنْ شَهِدَ خيبر ومن غاب عنها ، ولم يغبْ عنها إلاَّ جابر بن عبد الله بن عمرو بن
حَرَام - رضى الله عنهما - فَقَسَمَ له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كسهم من
حَضَرَها ، وكان وادياها - وادى السُّريرة، ووادى خاصٍ ، وهما اللذان قُسِّمت عليهما
خيبر .
وكانت نَطَاة والشّق ثمانية عشر سَهْمًا، نطَاةُ من ذلك خمسةُ أَسهم، والشّق ثَلاثَةً
عَثَرَ سهما ، وقُسِّمَت الشّق ونَطاة على أَلفِ سهم وثمانمائة سهم ، وكانت عدَّةُ الَّذين
قُسِّمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألف سهم وثمانمائة
سهم برجالهم وخيلهم ، للرجال أربع عشرة مائة ، والخيل مائتا فرس ، فكان لكل فرس
سهمان ، ولفارسه سهم ، وكان لكلِّ رَاجلٍ سهم، وكان لكل سَهْم رأْسُ جمعَ إِليه
مائة رجل ، فكانت ثمانية عشر سَهْمًا ، جمع .
(١) انظر سيرة النبى لابن هشام ٢: ٣٤٩.
(٢) زاد ابن كثير فى السيرة النبوية ٣: ٣٨٣ ((وابن السبيل))
(٣) الوسق: بالكسر والفتح: ستون صاعاً ، أو حمل بعير.
- ٢٢٠ س-
١٠٠٠٤٫٠٨