Indexed OCR Text

Pages 61-80

قالوا: ولما بَلَغَ المشركين خروجُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رَاعَهُم [ذلك(١)] فاجتمعوا
وتشاوروا فقالوا : أَيريد محمد أَن يدخلها علينا فى جنوده معتمراً فتسمع العربُ أَنَّه
قد دخل علينا عَنْوَةً، وبيننا وبينه من الحرب ما بيننا ؟! والله لا كان هذا أَبدا ومنًّا
عَيْنٌ (٢) تطرف .
ثم قدَّموا خالد بن(٣) الوليد فى مائتى فارس إلى كُرَاعِ الغَمِيمِ(٤)، وأَسْتَنْفَرُوا من
أَطاعهم من الْأَحَابيش، وأَجْلَبت ثقيف معهم وخرجوا إلى بَلْدَح(٥) ، وضربُوا بها
الْقِيَابِ والأَبْنية، ومعهم النساءُ والصِّبْيَان، فعسكروا هُنَاك ، وأجمعوا على مَنع رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - من دُخول مكة وَمُحَارَبَته، ووضعوا العُيُون على الجبال ، وهم
عشرة أَنفس يُوحى بعضُهم إلى بعض الصوت [الخفى(٢)] فعل محمدٌ / كذا وكذا ، حتى ١٦١ ظـ
ينتهى إلى قُرَيْش ببَلْدَح ورجع بشر (٧) بن سفيان الذى بعثه عَيْنًا له من مَكَّةَ وقد علم
خبر مكَّة والقوم، فَلَقِى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ(٨) وراءَ عُسْفَان
فقال: يارسول الله !! هذه قريش سمعتْ بمسيرك، فخرجُوا ومعهم العُوذُ الْمَطَافِيل ،
قد لبسوا جُلُودَ النُّمور، وقد نَزَلُوا بنى طُوَّى يُعَاهِدُونَ الله لا تَدْخُلُها عليهم أَبدا، وهذا
خالد بن الوليد فى خيلهم قد قَدّمَهَا إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ ، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه
وسلم: (( يَا وَيْحَ قُرَيْش لَقَدْ أَكَلَتْهُمُ الْحَرْبِ، مَاذَا عَلَيْهِم لَوْ خُلُّوا بَيْنِى وَبَيْنِ سَائِرِ
العرب، فإن هُمْ أَصَابُونِى كَانَ ذَلِكَ الَّذِىِ أَرَادُوا ، وإِنْ أَظهرنى اللهُ تَعَالى عَلَيْهِم دَخَلُوا
فى الإِسْلاَمِ وَافِرِين وإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِم قُوَّةٌ، فَمَا تَظُنْ قُرَيْش؟ فَوَالله لا أَزال
(١) سقط فى الأصول - والإثبات عن مغازى الواقدى ٢ : ٥٧٩.
(٢) فى ت، م ((عين تطوف)) والمثبت من ط وتوافقها مغازى الواقدى ٢ : ٥٧٩.
(٣) ويقال عكرمة بن أبي جهل (شرح المواهب ٢: ١٨٣، مغازى الواقدى ٢ : ٥٧٣)
(٤) كراع الغميم: موضع قريب من مكة بين رابغ والجحفة. ورجح شرح المواهب بأنه الغميم وليس كراع
الغميم لأن ذلك بين مكة والمدينة . قال : إن سياق الحديث ظاهر فى أنه كان قريباً من الحديبية فهو غير كراع النسيم
( شرح المواهب ٢ : ١٨٣)
(٥) بلدح: موضع خارج مكة ((المرجع السابق ٢: ١٨٢)).
(٦) الإضافة عن (مغازى الواقدى ٢ : ٥٧٩).
(٧) فى ت، م ((بسر)) بإهمال السين.
(٨) غدير الأشطاط: موضع تلقاء الحديبية (شرح المواهب ٢: ١٨١).
- ٦١ -

أُجَاهِدُهُم عَلَى الَّذِىِ بَعَثَنِى الله تعالى بِهِ حَتَّى يُظْهِرَه الله - تعالى - أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ
السَّالِفَة ».
ذكر مشاورته - صلى الله عليه وسلم - وصلاته صلاة الخوف
ثم قام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فى المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هُو
أهله، ثم قال: ((أَمَّا بعد:، يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِين أَشِيرُوا عَلَىَّ أَتَرَوْن أَنْ نَمِيِلَ إِلى
ذَرَارِى هَؤُلاءِ الَّذين أَعَانُوهم فَنُصِيبَهُم)) وقال: ((فإِن قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْنُورين مَخْرُوبِين(١)
وَإِنْ يَأْتُونَا تكن عُنُقًا . وفى لفظ: عَيْنًا - قَطَعَهَا الله، أَم ترون أَن نَوُّمَّ البَيْتَ فَمَنْ
صَدِّنَا عنه قَاتَلْنَاه ؟)) فقال أبو بَكْرٍ - رضى الله عنه - : الله ورسوله أعلم، يَارَسُولَ
الله إِنَّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِين (٢) ولم نَجِىء لِقِتَالِ أَحَد، ونرى أَن نَمْفِى لِوَجْهِنَا، فَمَنْ
صَدَّنَا عن الْبَيْتِ قَاتَلْنَاه، ووافقه على ذَلِكَ أُسَيْد بن الحُضَيْرِ.
وروى ابن أبى شيبة عن هشام بن عُرْوَة عن أَبيه ومحمد بن عمر عن شيوخه .
أَن المِقْدَاد بن الأسود - رضى الله عنه - قال بعد كلام أَبى بكر: إِنَّا والله يَارَسُولَ
اللّه لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالت بنو إِسْرَائيل لنبيها: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَائِلاَ إِذَّا هَاهُنَا
فَاعِدُون ولكن أَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُون)) انتهى.
فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ((فينيروا على اسم الله)).
ودنا خالد بن الوليد فى خيله حتى نظر إلى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه
فصف خيله فيما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين القبلة - فأمر رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - عبَّاد بن بشر - رضى الله عنه - فتقدَّم فى خَيْله، فقام بإزائِهِ، فصفًّ
أصحابه، وحانت صلاة الظُّهر ، فأَذِّن بلال، وأقام ، فاستقبل رسولُ الله - صلى الله
(١) فى ت، م ((محزونين)) والمثبت من ط ويوافقه ما فى شرح المواهب ٢: ١٨٢.
(٢) أى أنه أشار بترك القتال والاستمرار على ما خرج له من العمرة حتى يكون بدء القتال منهم ( شرح
المواهب ٢ : ١٨٢).
.
- ٦٢ -

عليه وسلم القبلة - وصفَّ النَّاسَ خلفه، فركع بهم ركعة وسجد، ثم سَلَّم ، فقأُوا
عَلَى مَا كَانوا عليه من النَّعِئة . فقال خالد بن الوليد : قد كَانُوا على غِرَّةٍ لو حَمَلْنَا
عليهم أَصَيْنَا منهم ولكن تأتى الساعة صلاةٌ أُخرى هى أَحَب إليهم من أنفسهم وأَبْنَائِهم،
فنزل جبريل بين الظهر والعصر بهذه الآية: ( وَإِذَا كُنْتَ فِيهِم فَأَقَمْتَ لَهُم الصَّلاَةَ
فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُم مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ
وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا / فَلْيُصَلُّوا مَعَك ولْيأُخُذُوا حِذْرَهُم وأَسْلِحَتَهُم وَدَّ ١٦٢ ,
الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتَعَتَكُمْ فَيَمِيلُونُ عَلَيْكُمْ مَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ ،
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذَىَ مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ
وخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّه أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينَا (١) ) فحانت صلاةُ العَصْر، فصلَّ
رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَلَاةَ الْخَوْفِ، وستأتى كيفيتها فى أبواب صلواته .-
صلى الله عليه وسلم .
ذكر مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى الحديبية من غير طريق
خالد بن الوليد وما وقع فى ذلك من الآيات
روى البَزَّار بسندٍ رجالُهُ ثِقلتُ عن أبى سعيد الخُدْرِى - رضى الله عنه - مُخْتصراً،
ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا : لمّا أَمسى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
((تَيَامَنُوا فِى هَذَا الْعُصَل (٢) وفى رواية اسلكوا ذَات اليمين بَيْن ظهور الحَمْض(٣)؛
فإن خالد بن الوليد بالغَمِيم فى خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طليعة (٤)) كَرِهَ رسولُ الله - صلى الله عليه
وسلم - أَنْ يَلْقَاه وكان بهم رَحِيمًا، فقال: ((تَيَامَنُوا فَأَيكم يَعْرِفُ (ثَنِيَّة ذات الحنظل)) ؟
فقال بُرَيْدة(٥) بن الحُصَيْب : بحاءٍ مضمومةٍ فصاد مفتوحة مهملتين فتحتية
(١) الآية ١٠٢ من سورة النساء.
(٢) العصل: موضع بالبادية كثير الفياض، وقيل شجرة إذا أكل منها البعير سلحته. ويروى بالعين والضاد
المعجمة وبالصاد المهملة بمعنى الرمل الملتوى المعوج نهاية الأرب ١٧ : ٢١٩ حاشية، وانظر شرح المفردات.
(٣) الحمض: اسم موضع من طريق يخرج على ثنية المرار (شرح المواهب ٢: ١٨٣).
(٤) الطليعة : مقدمة الجيش، وانظر شرح المفردات .
(٥) سمى ابن سعد السالك بهم حمزة بن عمرو الأسلمى (شرح المواهب ٢: ١٨٣)
- ٦٣ -

فموحدة ، - وقيل حمزة بن عمرو الأسلمى -:
أَنَا يا رسول الله عالمٌ بها، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اسْلُك أَمَامَنَا))
فَأُخذ بُرَيْدة فى العَصَل ◌ِ قِبَلَ جبالَ سَرَاوِعِ قِبَلَ
المغرب ، فوالله ما شعر بهم خالد حتَّى إِذَا هم بِقَتَرة(١) الجيش، فَأَنْطَلَق يركُضُ نَذِيرًا
لقريش ، فَسَلَكَ بُرَيْدَةُ بهم طريقاً وَعِرًا أَجْرَل(٢) بَيْنِ شِعَاب، وسار قليلاً تُنَكِّبُه
الحجارة وتُعَلِّقُه الشجر، وصار حتى كأَنّه لم يعرفهما قط . قال : فَوَالله إنى كنت
أَسلكها فى الجمعةِ مِرَاراً ، فنزل حمزةُ بن عمرو الأَسْلمى ، فسار بهم قليلا ، ثم سقط
فِى خَمَرَ (٣) الشجر فلا يدرى أَيْنَ يتوجّه، فنزل عمرُو بن عَبْدِنُهْم الأَسلمى فأنطلق
أَمَامَهم حتى نَظَرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الثنية، فقال : هذه ثنية ذات
الحنظل ؟ » فقال عمرو : نَعَمْ يا رسولَ الله ، فلما وقف به على رأسها تحدر به ، قال
عمرو : فوالله إن كان لَتَهُمَّى نفسى وحدها (٤) إِنما كانت مثل الشِّرَاك(٥) فأتسعت
لى حين بَرَزْت ، فكانت فِجَاجاً لاَجِبة(٦) ولقد كان الناس تلك الليلة يسيرون جميعاً
مُعْطِفِين(٧) من سَعَتِهَا يتحدثُون، وأَضاءت تلك الليلة حتى كأنَّا فى قمر .
وروى مسلم عن جابر مُختصراً ، وأَبو نعيم عن أبى سعيد ، وابن إسحاق عن الزُّهرى ،
ومحمد بن عمر عن شيوخه .
قال أبو سَعيد: خَرَجْنَا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَامَ الحُدَيْبِيَة حتى
إِذَا كُنَّا بِعُسْفَان سِرْنًا من(٨) آخر اللَّيل حتى أَقبلنا على ((عَقَبَة ذات الحنظل)) قال
(١) الفترة: الغبار الأسود (شرح المواهب ٢: ١٨٣).
(٢) أجرل: الجرل الحجارة، وقيل الشجر مع الحجارة، وقيل المكان الصلب الغليظ الشديد (لسان العرب)
وفى عيون الأثر لابن سيد الناس ٢: ١١٤ ((أجذل )» .
(٣) خمر الشجر: كل ما يسترك من شجر أوبناء أو غيره يقال له خمر ( النهاية ١ : ٣٢٠).
(٤) كذا فى الأصول: وفى مغازى الواقدي ٢: ٥٨٤ ((والله إن كان ليهمنى نفسى وجدى)).
(٥) الشراك : سير النعل (القاموس المحيط).
لاجبة))، وفى ت. م ((لاحمة)).
(٦) اللاجبة: اللاجب الطريق الواسع (النهاية: ٤: ٥٠) وفى مغازى الواقدى ٢: ٥٨٤ ((وكانت محجة
(٧) فى ت، م ((مصطفين)) والمثبت من ط ويوافقه الواقدى.
(٨) فى ت، م ((فى آخر الليل)).
- ٦٤ -

جابر : فقالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم : - منْ يصعَدُ ثنيّة المِرار (١) فإنّه يُحَط
عنه ما حُطٌ عن بنى إسرائيل ، فكان أَوّل مَنْ صَعَدَ خيل من الخزرج ، ثم تبادر النَّاسُ
بعد. وقال أَبو سعيد / فَقَالَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم : - ((مَثَلُ هذه الثَّنِيّة الليلة ١٦٢ ظـ
كمثل الباب الذى قال الله تعالى لبنى إِسْرائيل ((وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطةٌ
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَا كُمْ(٢))) وقال ابن إسحاق: إِنّ المسلمين لما أَن خرجوا من الأَرض
الصَّعْبة وأَفضوا إِلى أَرض سَهْلة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قُولُوا نَسْتَغْفِر
الله وَنَتُوبُ إِليه)). فقالوا ذلك، فقال: ((والله إنها لَلْحِظَّةُ الَّى عُرِضَت على بَنِى
إِسْرَائيل فلم يَقُولوها)) قال أبو سعيد: ثم قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: ((لا يجوز
هذه الثّنِيّة اللَّيلَة أَحَدٌ إلا غُفِرَ لَهُ)) فلمَّا هَبَطْنَا نُزُلَنَا فقلت يا رسول الله نَخْشَى أَن
ترى (٣) قريشٌ نيراننا، فقال: لن يروكم ، فلما أَصْبَحْنَا صلى بنا صلاة الصبح ، ثم
قال: ((والذى نَفْسِى بِيَدِه لقد غُفِرَ الرَّكْبِ أَجْمَعِين إلاَّ رُوبكباً واحداً على جَمَلٍ
أحمر التقت عليه رِحَالُ القوْمِ ليس منهم ، وقال جابر : قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - ((كلكم مَغْفُورٌ له إلا صَاحبَ الجمل الأحمر)). قال أبو سَعيد: فَطُلبَ
فى العسكر فإذا هو عند سعيد بن زيد بن عمرو(٤) بن نُفَيَل، والرَّجُلُ من بنى ضَمْرة
من أَهل سيف البحر يظن أنه من أَصحاب رَسُول الله - صلَّى الله عليه وسلم - فقيل
لسعيد: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم(٥)] قال: كذا وكذا، فقال له سعيد: ويُحَك !!
اذهبْ إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم يستغفر لك.
وقال جابر : فقُلْنَا له : تَعَال يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال :
(١) ثنية المرار: بضم الميم وكسرها. وانظر الخلاف فى شرح المفردات وهى مهبط الحديبية من أسفل مكة
(شرح المواهب ٢ : ١٨٣).
(٢) الآية ٥٨ من سورة البقرة.
(٣) والعبارة فى مغازى الواقدى ٢: ٥٨٥ (( فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نزل: من كان فعل
فليصطنع . قال أبو سعيد: وإنما معه - صلى الله عليه وسلم - ثقل - والثقل الدقيق - وإنما كان عامة زادنا التمر
فقلنا : يارسول الله، إنا نخاف من قريش أن ترانا الخ .
(٤) (عمرو بن) مثبتة عن ط ـ ويوافقها الواقدى ٢ : ٥٨٥.
(٥ ) ما بين الحاصر تين ساقط فى الأصول، والإضافة من مغازى الواقدي ٢ : ٥٨٦.
( ٥ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥) - ٦٥ -

والله لأَن أَجِدَ ضَالَّى أَحب إِلىَّ مِن أَنْ يَسْتَغْفِرَ لى صَاحبُكم. وقال أبو سعيد: فقال(١.
بعيرى والله أهم من أَن يَسْتَغْفر لى، إذا هو قد أَضَل بعيرا له ، فانطلق يطلب بعيرَهُ
بعد أن استبرأَ العسكر وطلبه فيهم، فبينًا هُوَ فى جِبَال سُراوِع إذ زلقت به نعله
فتردَّى فمات ، فما عُلمَ به حتى أكلته السباع، قال أبو سعيد : فقال رسولُ الله .. صلى
الله عليه وسلم - يومئذ: (( سَيَأْتِيكُمْ أَهْلُ الْيَمَن كَأَنَّهم قطَعُ السَّحَابِ هُمْ خَيْرُ أَهْلِ:
الْأَرْض (٢) .
ذكر نزول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية وما وقع
فى ذلك من الآيات
قال مِسْوَرُ بن مَخْرَمة، ومروان [بن الحكم (٣)]: إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم
سار فَلَمَّا دَنَا من الحُدَيْبِيَة وقعتِ يَدَا راحلَتِهِ على ثَنِيَّةٍ تُهْبِطُ فى غائِطِ (٤) القوم
فَبَرَكَت به راحلتُه، فقال، وفى رواية: فَقَالَ الناس ((جَلْ حَل))(٥) فَأَبت أَن تتبعثُ
وَأَلَحَّتْ ، فقال المسلمون: خَلَأَّت (٦) القَصْواءُ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما خلاَّت
القصواء وماذاك لها بعادَة، وفى لفظ: بِخُلُق، ولكن حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ عن(٧) مَكة))
ثم قال: (( وَالَّذِى نَفْسُ مُحَيِّدٍ بِيدِه لاَ يَسْأَلُونِى الْيَوْمَ خُطّةً فِيهَا تَعْظِمُ حُرُمَاتِ اللهِ
تعالى إِلاَّ أَعْطَيْتُهُم إِيَّاهَا)) ثم زجرها فقامت، فَولِىَّ راجعاً عَوْدَه على يَدْنِه. وفى رواية
(١) رواية الواقدى تختلف عما هنا وهى هنا أوضح.
(٢) فى مغازى الواقدي ٢: ٥٨٦ ((هم خير من على الأرض)).
(٣) الإضافة من البداية والنهاية ٤ : ١٧٣.
(٤) الغائط: المطمئن الواسع ، وانظر شرح المفردات.
(٥) حل حل: صيغة تزجر بها الناقة (اللسان ١٣: ١٨٤، ١٨٥).
(٦) خلأت: أى بركت، والخلا فى الإبل بمنزلة الحران فى الدواب ( هامش الواقدي ٢: ٠٨٧).
(٧) أى حبسها الله عز وجل عن دخول مكة، كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذلك التشبيه بقصة الفيل
كما قال الحافظ : أن الصحابة: لو دخلوا مكة على تلك الصورة وصدتهم قريش لوقع بينهم القتال المفضى إلى سفك
الدماء ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل وأصحابه، لكن سبق فى على الله فى الموضعين أنه سيدخل فى الإسلام خلق
منهم، وسيخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون ( شرح المواهب ٢: ١٨٤).
- ٦٦ -

فعدل عنهم حتى نزل بِأَقصى الحديبية على ثمد(١) من ثماد الحديبية ظُنُون(٢) قليل الماء
يَتَبَرّضُ (٣) النَّاسُ مَاءه تَبَرُّضًا، فلم يُلْبِثْهُ النَّاسُ حتى نَزَحُوه(٤)، فاشتكى الناسُ إِلى
رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قِلَّة الماء، وفى لفظ ((العَطَش)) فأنتزَع سَهْمًا من
كِنَانَتِه فأمر به فَغُرِزَ / فى الماء فجاشت بالرّواءِ(٥) حتَّى صَدَرُوا عنها بِعَطَن (٦) قَال ١٦٣ ,
المِسْوَرُ: وإنهم ليغترفون بآنيتهم جُلُوساً على شَفِيْر البشر.
قال محمد بن عمر: والذى نزل بالسَّهم ناجية بن الأَعجم(٧) - رجلٌ من أسلم،
ويقال : ناجية بن جُندب وهو سائِقُ بُدْنِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد روى
أَن جَارِيَّةً مِنَ الأَنصار قالت لناجية وهو فى الْقَلِيب :
يا أَيُّهَا الماتح دلْوِى دُونَكا إِنَّى رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا
يثنون خيراً ويمجِّدُونكا
فقال ناجية وهو فى القليب :
أَنِى أَنا الماتح وأسْمى نَاجِيَةْ
قد علمت جارية بَمَانِيَه
وطعنةٍ ذاتٍ رشاشٍ وَاهِيهْ طَعَنْتُها تحت صُدُور العادية
قال محمد بن عمر : حدثنى المَيْثَم بن واقد عن عطاء بن مروان عن أبيه قال :
"حدثنى أربعة عَشّرَ رَجُلاً ممن أسلم منْ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه
(١) الثمد: الماء القليل الذي لا مادة له ( الصحاح : ٤٤٨).
(٢) الظنون: البئر لا يدرى فيها ماء أم لا. ويقال القليلة الماء (الصحاح : ٢١٦٠).
(٣) يتبرض: يقال برض الماء من العين إذا خرج وهو قليل ( الصحاح : ١٠٦٦).
(٤) وفى رواية ((نزفوه)) وانظر شرح المفردات، وشرح المواهب ٢ : ١٨٥.
(٥) الرواء: الماء العذب ((السيرة الحلبية ٣: ١٣)).
(٦) العطن: مبرك الإبل حول الماء (النهاية ٣: ١٠٧) والمعنى أنهم رووا ورويت إبلهم حتى بركت حول
الماء ( السيرة الحلبية ٣ : ١٣ ).
(٧) جاء فى شرح المواهب ٢: ١٨٥( .. حدثنى أربعة عشر رجلا من أصحابه الأنصار أن الذي نزل البئر
ناجية بن الأعجم، وقيل: هو ناجية بن جندب، وقيل البراء بن عازب، وقيل عبادة بن خالد - حكاه
عن الواقدى ، ووقع فى الاستيعاب: خالد بن عبادة، وقال فى الفتح: يمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر
وغيره. وانظر أيضاً (سيرة النبي لابن هشام ٢: ٣١٠، ٣١١).
= ٦٧ -

ناجية بنُ الأَعجم ، يقول : دعانى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين شُكى (١) إليه
قِلَّةُ الماءِ فَأَخْرَجَ سهْمًا من كِنَافَتِهِ ، ودفعه إِلَىَّ، وَدَعَا بِدَلْوٍ من ماء البئر فجئته
به، فتوضأَ فَمَضْمَضَ فَاه، ثم مَجَّ فى الدّلو - والنَّاس فى حرِّ شديد - وإنما هى بئر
واحدة قد سبق المشركون إلى بَلْدَح فغلبوا على مياهه فقال: («انزل بالدَّلو فَصُبَّها فى
البئر وأَثِرْ مَاءَهَا بالسّهم)) ففعلت، فوالذى بَعَثَه بالحق مَا كِدْت أَخرجُ حتى يغمرنى
وَفَارَت كما تَفورُ القِدْر، حتى طَمّت وأستوت بشفِيرها ، يَغْتَرِفون من جانبها حتى
نَهِلُوا من(٢) آخِرِهِم. وعلى الماء يومئذ نَفَرٌ من المنافقين، منهم عبد الله بن أبىّ، فقال
أَوْس بن خَوَّلٌ: وَيْحَك يا أَبا الحُبَاب !! أَمَا آن لك أَن تبصر(٣) ما أَنت عليه ؟
أَبَعْدَ هذا شىء ؟ فقال : إنى قد رأيتُ مِثْلَ هذا . فقال أَوْس: قبَّحك الله وقبح
رأيك فأَقْبل ابنُ أُبَى يريدُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم فقال [ رسول الله صلى
الله عليه وسلم(٤)] ((يا أَبا الحُبَابِ: أَنَّ رَأَيتَ مثلما رَأَيْتَ اليوم))؟ فقال: ما رأيتُ
مثله قط. قال: ((فَلِمَ قُلْتَه))؟ فقال أبن أُبَىِّ: يَا رسولَ الله اسْتَغْفَر لى، فقال ابنُه
عبد الله بن عبد الله - رضى الله عنه - يارسول الله اسْتَغْفِرْ لَه، فَأَسْتَغْفَرَ له.
وروى ابن إسحاق، ومحمد بن عمر ، عن البراء بن عازب - رضى الله عنهما - قال :
أنا نزلت بالسَّهم . والله أعلم .
قصة أُخْرى : روى الإمام أحمد، والبخارىّ ، والطبرانى، والحاكم فى الإكليل ،
وأَبو نُعيم عن البراء بن عازب ، ومسلم عن سَلَمة بن الأَكْوع ، وأَبو نُعيم عن ابن عباس ،
والبيهقىّ عن عُرْوَة ، قال البراء : كنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بالحُدِيْبِيَة
أُرَبع عشرة مائة ، والحُدَيْبِيَة : بئر فقدمناها وعليها خَمْسُون شاة ما ترويها فَتَبَرّضها
فلم نترك فيها قطرة ، قال ابن عبّاس: وكان الحرُّشديدا، فشكى النَّاسُ الْعَطَشِ، فَبَلَغَ
ذلك النبيَّ - عليه الصلاة والسلام - فأَناهم فَجَلَسَ على شَفِيْرِهَا، ثم دَعَا ((بإِناءِ)) وفى
(١) شكى: بالبناء للمجهول كما فى شرح المواهب ٢: ١٨٥ وكذلك شرح المفردات.
(٢) ((نهلوا من آخرهم)) كذا فى جميع الأصول. وكذا مغازى الواقدي ٢ : ٥٨٨ .
(٣) فى ت، م ((أما آن لك أن تعتبر)) والمثبت من ط ويوافقه ما فى مغازى الواقدي ٢ : ٥٨٨.
(٤) ما بين الحاصرتين إضافة (من الواقدى ٢: ٥٨٩) للتوضيح.
- ٦٨ -

:
لفظ ((بِدَلْرِ)) فتوضأَ فى الدّلْو، ثم مَضْمَض ودَعَا، ثم صَبَّه فيها، فتركناها غير
بعيد ثم إنها أَصْدَرَتْنَا مَا شِئْنَا نَحْنُ وَركَابُنَا. قال البراء. ولقد رأيت [ آخرنا](١) أَخرج
بثوب خَشْبَة الفَرق حتى جَرّت نَهَرًا .
وقال ابن عباس وعُرْوَة فَفَارَتْ بالماء حتى / جعلوا يَغْتَرِفُون بِأَيديهم منْها وهُم جُلوس ١٦٣ ـ
على شفيرها(٢) .
قصة أُخرى: روى البخارى فى المغازى وفى الْأَشْرِبَةِ ، عن جابر بن عبد الله ، عن سَلَمَة
ابن الأَكوع - رضى الله عنهما - قالا: عَطشَ الناسُ يومَ الحُدَيْبِيَةِ ورسولُ الله - صلى
الله عليه وسلم - بَيْن يديه رَكْوَةٍ(٣)، وقال جابر فى رواية: وقد حضر العصر ، وليس
مَعنا ماء غير فَضْلة، فجُعِلَ فى إِنَاء فَأَتَّى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَتَّوَضأً
منها، ثم أَقْبَل الناسُ نَحْوَهُ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما لكم؟)) قالوا:
يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضَّأُ به، ولا نشربُ إِلا مَافِى رَكْوَتِك فأَفرغتها فِى
قَدح ، ووضَعَ رسولُ اله - صلى الله عليه وسلم - يَدَه فِى الْقَدَح، فجعل الماءُ يَفُورُ من
بَيْن أَصَابعه كأَمثال العُيُون، فشربْنَا وتوضَّأُنا، فقال سالم بن أبى الْجَعْد : فقُلتُ
لجابر: كَمْ كنتم يَوْمَئِذ؟ قال: لو كُنَّا مائة ألف لَكَفَانا، [كُنَّا](٤) خمس عشرة مائة.
ذكر نزول المطر فى تلك الأيام وما قاله رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - فى صبيحة المطر
روى الشيخان وأبو عوانة ، والبيهقىّ عن زيد بن خالد - رضى الله عنه - قال :
خَرَجْنَا مع رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلَّم - عام الحُدَيْبِيَة)) فأَصابنا مطرُ ذاتَ
ليلة، فصلى بِنَا النبىُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - الصُّبْحَ، ثم أَقبل عَلَيْنَا بوجْهه، فقال :
أَتدرون مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟)) قُلْنَا: الله ورسوله أعلم: قال: قَال الله عز وجل: ((أَصْبَحَ
(١) سقط فى الأصول - والإثبات عن السيرة الحلبية ٣: ١٤.
(٢) فى ت، م ((وهم جلوس على ثقتهًا)).
(٣) الركوة: إناء كالقدح. وقد فسرت به (شرح المواهب ٢: ١٨٦) والضبط عن شرح المفردات .
(٤) إضافة يقتضيها السياق .
- ٦٩ -
L'
١

مِنْ عِبَادى مُؤْمِنٌ وَكَافِرٍ، فَأَّمَا المُؤْمِن مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا برحمة الله وبفَضْلِ الله فَهُو مُؤْمِنٌ بى
وَكَافِرٌ بِالكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَجْم كَذَا - وفى رواية: بنَوْءِ كَذَا وَكَذَا -
فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ كَافِرُ بى)).
قال محمد بن عمر : وكان ابن أبيّ بن سَلُول قال: هذا نَوْءُ الْخَرِيف مُطِرْنا
بالشِّعْرى(١).
وروى ابن سَعْد عن أبى المليح عن أبيه قال: أَصابنا يوم الحُدَيُبِيَة مَطْرٌ لم يَبُلْ
أَسَافِلَ نِعالنا ، فنادى مُنَادِى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن صَلُّوا فى رِحَالِكُم .
وأُهدى عمرو بن سالم وبُسْر بن سُفيان الخزاعِيَّان - رضى الله عنهما - بالحُدَيِْيَة
لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - غَنَمًا وجَزُورًا، وأَهدى عَمْرُو بنُ سالم لسعد بْنِ
عُبَادة - رضى الله عنه - جُزُرًا - وكان صديقًا له - فجاءَ سَعْدُ بالجُزُر إِلى رسول الله
- صَلَّى الله عليه وسلَّم - وأَخْبَرَه أَن عَمْرًا أَهْدَاها له، فقال: ((وعَمْرُو قد أَهْدى لنا
ما ترى ، فبارك الله فى عمرو)) ثم أَمر بالجُزُرِ تُنْحر وتُقْسَم فى أصحابه ، وفرَّق الغنم
فيهم من آخرها وشرك فيها فدخل على أُم سَلَمة من لَحْمِ الجَزُور كنحو ما دخل على
رَجُلٍ من القوم، وشرك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فى شَاتِهِ، فَدَخَل على أُمِّ
سلمة بعضُها ، وأمر - صلى الله عليه وسلم - لِلَّذِى جَاءَ بالهدية بكسوة .
١٦٤ و
ذكر قدوم بديل بن ورقاء الخزاعى / ورسل قريش على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
لما أطمأَن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالحُدَيْبِيَةِ: جاءَه بُدَيْل بن وَرْقَاءَ
- وَأَسلم بعد ذلك - فى رجالٍ من خُزَاعة ، منهم : عمرو بن سالم ، وخراش ابن أُميّة
وخارجة بن كُرْزِ ، ويزيد بن أُميّة وكانوا عَيْبَةٍ(٢) نُصْحٍ لرسول الله - صلى الله عليه
(١) وانظر قول الواقدى فى المغازى ٢ : ٥٩٠.
(٢) الضبط من شرح المفردات، وشرح المواهب ٢: ١٨٦، وعيبة الرجل: خاصته وأصحاب سره .
وقال الزهرى : وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلمها ومشر كها لا يخفون عنه شيئاً
كان. ( السيرة النبوية لابن هشام ٢ : ٣١١).
- ٧٠ -

وسلم - بتهامة، منهم المُسلم ومنهم الموادع . لا يُخْفُون عنه بتهامة شيئاً ، فلمَّا
قدّمُوا على رسولِ الّه - صلى الله عليه وسلم - سَلَّمُوا، فقال بُدَيْل بنُ وَرْقَاءَ : جئناك
من عنْدِ قَوْمِك، كعب بن لُؤْى، وعامر بن لؤى، قد أَسْتَنْفَرُوا لك الأحابيش ومن
أَطَاعَهم، قد نزلوا أَعْداد(١) مياه الحُدَيْبِيَةِ، معهم العُوذُ المطافيل(٢) والنساء والصبيان،
يُقْسمُون بالله لا يُخَلُّون بينك وبين البيت حتى تَبِيدُ خضراؤهم، فقال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: (إِنَّا لم نأْت لقتالِ أَحَدٍ، إنما جِثْنَا لِنَطُوفَ بِهَذا الْبَيْت، فَمَنْ
صَدَّنَا عَنْهِ قَاتَلْنَاه، إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ أَضَرَّتْ بِهِم الْحَرْب ونهكتهم (٣) فإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُم(٤)
مُدَّةً يأُمَنُونَ فِيهَا ، ويُخَلُونَ فِيْمَا بَيْنَنَا وَبَيْنِ النَّاس(٥)، - والنَّاسُ أَكْثَر مِنْهُم ـ فإن
أَصَابُونِى فَذَلِكَ الَّذِى أَرَادُوا وَإِنْ ظَهَرَ أَمْرى عَلَى النَّاسِ كَانُوا بَيْنَ أَنْ يَدْخِلُوا فِيْمَا
دَخَلَ فيه النَّاسِ أَو يقاتلوا وقد جَمُّو(٦)، وإِنْ هُمْ أَبَوْ فَوَاللهِ لأَجْهَدَن(٧) على أَمرى هذا
حتى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِى (٨) ولَيُنْفِذَنَّ(٩) الله - تعالى أَمْرَه.
فوعى بُدَيْلُ مقالَة رسُولِ الله وقال: سَأُبلّغهم ما تقُول، وعاد ورَكْبُهُ إِلى قُريش،
فقال ناسِّ منهم : هذا بُدَيْل وأصحابه، وإنَّما يريدون أن يستخبروكم فلا تسألوهم
عن حرْف واحدٍ ، فلما رأَى بُدَيْل أَنَّهم لا يستخبرونه قال: إنَّا جثْنا مِنْ عِنْد محمد،
(١) أعداد: جمع عد، وهو الماء الذى لا انقطاع له، ويطلق أيضاً على الكثرة فى الشئ (نهاية الأرب النويرى
٠ ١٧ : ٢٢٢ - هامش) والضبط من شرح المواهب ٢: ١٨٧. وإضافة أعداد إلى مياه الحديبية من إضافة الأعم
إلى الأخص .
(٢) العود المطافيل: الأمهات اللائى معهن أولادهن. (السيرة الحلبية ٣: ١١، شرح المواهب ٢: ١٨٧).
(٣) بفتح النون والهاء وبكسر الهاء أيضاً. أى أبلغت فيهم حتى أضعفت قوتهم وهزلتهم وأضعفت أموالهم
( انظر شرح المفردات )، (شرح المواهب ٢ : ١٨٧).
(٤) أى جعلت بينى وبينهم مدة نترك الحرب بيننا وبينهم فيها (شرح المواهب ٢ : ١٨٧).
(٥) زاد الزرقانى بعد هذا اللفظ (من كفار العرب وغيرهم) شرح المواهب ٢: ١٨٧.
(٦) أى استراحوا ( المرجع السابق).
(٧) فى البداية والنهاية ٤: ١٧٤ ((لأقاتلنهم)) وكذا فى نهاية الأرب النويرى ١٧ : ٢٠٠.
(٨) السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، وكنتى بانفرادها عن الموت ، لأنها لا تنفرد عما
يليها إلا بالموت . وقيل أراد: حتى يفرق بين رأسى وجدى ( النهاية ٢ : ١٧٥ ).
(٩) ضبط هذا اللفظ بضم الياء وسكون النون وكسر الفاء مخففة، وفتح الذال. وضبطه الزركثى والدمامينى
بضم الياء وفتح النون وكسر الفاء المشددة وكلام الفتح محتمل. والمعنى يمضين الله أمره (شرح المواهب ٢: ١٨٨).
- ٧١ جــ

أَتحبُّون أَن نخبركم عنه ؟ فقال عِكْرِمَةُ بنُ أَبى جهل، والحَكَمُ بنُ العاص - وأَسلما
بعد ذلك - مالنا حاجةٌ بأَن تُخبرونا عنه ، ولكن أَخبروه عنَّا أَنه لا يدخلها عليْنا
عَامَه هذا أَبَدًا حتى لا يبْقى منَّا رجلٌ، فَأَشارَ عليهم عُرُوَةُ بنُ مسعود الثَّقفى - وأَسلم
بعد ذلك - بأَن يسمَعُوا كلاَمَ بُدْيل فإِن أَعجبهم قبلوه وإلا تركوه ، فقال صَفوانُ
ابنُ أُميَّة والحارثُ بنُ هشامٍ - وأَسلما بعد ذلك - أَخْبِرُونَا بالذى رأيتم وسمعتم ، فقال
بُديل لهم : إنكم تعْجَلُون على مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - إِنّه لم يأت لِقِتالٍ إِنما
جاءَ معتمراً وأخبرهم بمقالة النبى - عليه الصلاة والسلام - فقال عُرْوة : يا معشر قريش
أَتَتَّهِمُوننى ؟ قالوا: لا . قال: أَلَسْتُم بالوالد ! قالوا: بلى. [ قال: أَلست بالولد؟
قالوا: بلى(١) ] وكان عُروة لِسُبَيْعَة بنت عبد شمس القرشية. قال: ((أَلَسْتُمْ تعلمون أَنى
استنْفَرْتُ أَهل عُكَاظ لنصركم فلمَّا تَبَلَّحُوا(٢) علىَّ نفرتُ إليكم بنفسى وولدى ومنْ
أَطاعنى ؟ قالوا: قد فَعَلْتَ، ما أَنْتَ عندنا بِمُنَّهَمٍ. قال: إنى لكم ناصح ، وعليكم
شفيق، لا أَدَّخِرِ عنكم(٣) نُصْحًا، فإن بُدَيْلاً قد جَاءَكم خُطة رُشْد لا يردُّها أَحدُ أبدًا
إِلا أَحدٌ شَرُّ منها. فاقبلوها منه، وأبعثونى حتَّى آتيكم بِمِصْداقِهَا من عنده، وأَنظر (٤)
إِلى مَنْ معه، وأكون لكم عيْنًا آتيكم بخبره ، فبعثته قريشٌ إلى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - فجاءً(٥) رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد ، تركتُ كَعْبَ
١٦٤ ظ ابنَ لُؤى وعامرَ بنَ لؤى على أَعداد مياه الحُدَيْبِيَة، معهم العُوذُ الْمَطَافِيل / قد أَسْتَنْفَروا
لك الأحابيش ومن أَطاعهم ، قد لبسوا جُلُودَ الثُّمُور، وهم يُقْسمون بالله لا يُخَلُّون
بينك وبين البيت حتى تَجْتَاحهم، وإنما أَنت ومن قاتلهم (٦) بَيْن أَحد أَمرين أَنْ
(١) ما بين الحاصرتين من البداية والنهاية لابن كثير ٤: ١٧٤. وعبارة الواقدى فى المغازى ٢ : ٢٩٤
(( ألستم الوالد وأنا الولد)).
(٢) كذا فى ط. وفى ت، م ((بلحوا)) وكذا فى مغازى الواقدي ٢: ٥٩٤، وفى شرح المواهب ٢: ١٨٩،
والمعنى امتنعوا عن الإجابة. يقال: بلح الغريم إذا امتنع عن أداء ما عليه .
(٣) فى تم ((لا أؤخر)) والمثبت من ط. ويوافقه ما فى مغازى الواقدي ٢ : ٥٩٤.
(٤) فى ت ((وانطلق)) والمثبت عن ط، م ويوافقه ما فى مغازى الواقدي ٢: ٥٩٤.
(٥) أى عروة بن مسعود الثقفى، وهو يوافق ما فى البداية والنهاية ٤: ١٧٤، وما فى مغازى الواقدي ٢: ٥٩٥
وعبارة شرح المواهب ٢: ١٨٩ (( فجعل - أى عروة - يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو ما قال بديل. فقال
له النبى - صلى الله عليه وسلم - نحواً من قوله لبديل)).
(٦) عبارة الواقدى ((وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين)) ٢ : ٥٩٥.
- ٧٢ -

تَجْتَاعَ قَوْمَك ولم يُسْمع برجلِ اجْتَاحِ قَوْمَه وأَهْلَه قَبْلَك. أَو بَيْنِ أَنْ يَخْذُلَك من ترى
مَعَك، وإِنِّى والله لا أَرى معك وُجُوهًا وإِنِّى لا أَرَى إِلا أَوْبَاشًا، وفى رواية: فإِنِى
لأَرِى أَشوابا(١) من الناس، لا أَعرِفُ وُجُوهَهُمْ وَلَا أَنْسَابَهم، وخَلِيْقاً أَن يفِرُّوا ويَدَعُوكِ .
وفى رواية: وكأَنى بهم لَوْ قَدْ لقيتَ قُرَيْشًا أَسْلَمُوكِ فَتُؤْخَذَ أَسيرا، فَأَىّ شىء أَشدّ
عليك من هذا ؟ فَغَضِبَ أَبو بکر - وكان قاعدا خلف رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -
فقال: امْصَصْ(٢) بَظْرِ اللَّت، أَنَحْنُ(٣) نَخْذُلُه أَو نِفِرُّ عنه؟! فقال ◌ُروةُ: منْ
ذَا ؟ قالوا: أَبا بكر . فقال عُرْوة: أَما والله لوْلَا يَدُ لَكَ عنْدى لم أَجْزِك بها لأُجِيَبنَّك(٤)
وكان عروَةُ قد استعانَ فى حَمْل دية فأَعانه الرجُلُ بالفريضتين والثلاث ، وأَعانه
أَبو بكر بِعشر فرائض فكانت هذه يَدُ أَبى بكر عند عُرْوَة ، وطفقَ عُروة كُلَّما كلَّم
رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مسَّ لْيَةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - والمغيرةُ
ابنُ شُعْبَة قائمٌ على رأس رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بالسّيف، - على وَجْهِهِ
المغْفَرُ(٥) - لمَّا قدم عُروةُ لبسها، فطفِقَ المغيرةُ كلَّمَا أَهْوَى عُرْوةُ بيده ليمسّ لحْيَة
النّبِىّ - عليه الصلاة والسلام - يقرعُ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيف ويَقُول: أَكْفُفْ(٦) يَدَك عن
مِّ لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ أَلّ تصِل إليك، فإنَّه لا يَنْبَغِى
المشرك أَن يمسَّه. فلما أَكْثَرَ عليه غَضِبَ عُرْوَة وقال: وَيْحك !! ما أَفظَّك وأَغلظك !
(١) الأوشاب: الأخلاط من أنواع شتى - شرح المفردات - وفى شرح المواهب ٢: ١٨٩، ١٩٠ ((أشواباً
بتقديم المعجمة على الواو للأكثر وعليها اقتصر صاحب المشارق، قال المصنف: ولأبى ذر عن الكشمهنى ((أو شابا))
بتقديم الواو على المعجمة ، ويروى أوباشا بتقديم الواو على الموحدة (يعنى أخلاطاً من الناس) قال الحافظ: والأشواب :
الأخلاط من أنواع شتى، والأوباش الأخلاط من السفلة فالأوباش أخص من الأشواب)» .
(٢) الضبط من شرح المفردات. ويوافقه ضبط شرح المواهب ٢: ١٩٠ حيث قال: بألف وصل وصادين
مهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الأمر، وحكى ابن التين عن رواية القابس ضم الصاد الأولى ، وخطأها . وأقره
الحافظ والمصنف لأنه خلاف الرواية - وإن جاء لغة )) .
(٣) استفهام إنكارى قصد به توبيخه فى نسبة الفرار لهم - المرجع السابق ٢ : ١٩٠.
(٤) كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدى ٢: ٥٩٥ ((لأجبتك)) ويوافق ذلك ما فى شرح المواهب ٢: ١٩٠
(٥) المغفر: زرد يلبسه المحارب تحت القلنسوة. ويقال له أيضاً المغفرة. ولعل عود الضمير المؤنث عليه
فى لبسها بهذا الاعتبار. وفى إحدى روايات شرح المواهب ٢: ١٩٠ - ١٩١ ((وفى رواية أبي الأسود عن عروة بن
الزبير أن المغيرة لما رأى عروة مقبلا لبس لأمته وجعل على رأسه المغفر ليستخفى من عروة عمه)).
(٦) وكذلك جاء فى مغازى الواقدى ٢: ٥٩٥ - وفى البخارى: أخر يدك عن لحية رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وفى السيرة الحلبية ٣: ١٦: ١كفف يديك عن وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
- ٧٣ -

وقال: ليت شِعْرى !! منْ هذا(١) الذى آذانى من بين أصحابك؟ والله لا أَحسب فيكم
أَلأَّم منه ولا أَشِرَّ منزلة. فتبسّمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم ، وقال: ((هذا أبن
أَخْيَكُ(٢) المُغِيرةُ بن شعبة)) فقال عروة: وأنت بذلك يا غُدَر، والله ما غَسَلْتُ عنك
غَدْرَتَك (٣) بمُكَاظَ (٤) إِلاَّ أَمس، لقد أَوْرَثْتَنَا العَدَاوَةُ من ثقيف إلى آخر الدّهر - وسَيَأْتى
فى ترجمة المُغِيرَة بيان هذه الْغَدْرة
وجعل عُروةُ يَرْمُق أصحابَ النبى - صلى الله عليه وسلم - بعينه ، فوالله مَا يَتَنَخَّم
رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم ، نخّامةً(٥) إلاَّ وقعت فى كفِ رجلٍ منهم فَدَلَكَ بها
وَجْهَه وجِلْدَه، وإِذا أَمرهم بأَمٍ ابْتَدِرُوا أَمره، وإِذَا توضَّأَ كادوا يَقْتَتِلُوا على وَضُونِهِ.
ولا يسقُطُ شىءٌ من شَعْرِهِ إِلا أَخذوِه، وإذا تكلم خَفَضُوا أصواتهم عنده ، وما يُحِلُّون
النظر إليه ؛ تعظيماً له .
فلما فَرَغَ عُرْوَةُ من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وردَّ عليه رسولُ الله
- صلى الله عليه وسلم - مثلَ ما قال لِبُدَيْل بن وَرْقَاءَ وكما عرض عليهم من المدة .
فأَى عُروة قريشًا، فقال: يا قومُ إنى وفدتُ إلى الملوك (٦): كسرى وقيصر والنجاشى(٧)
وإنى والله ما رأيتُ مَلِكًا قط أَطوع فيما بين ظَهْرَاتَيْهِ من محمد فى أصحابه، والله إِن
(١) وفى مغازى الواقدى ٢: ٥٩٥ ((ليت شعرى !! من أنت يا محمد من هذا الذى أرى من بين أصحابك؟
(٢) لأن عروة كان عم والد المغيرة، فالمغيرة يقول له يا عم ، لأن كل قريب من جهة الأب يقال له عم -
((السيرة الحلبية ٣: ١٦)).
(٣) غدرتك: أى حياتك - وذلك ببذل المال (شرح المواهب ٢: ١٩١) وفى مغازى الواقدي ٢: ٥٩٥
((والله ما غسلت عنك عذرتك إلا بعلابط أمس)) والعلابط - القطيع من الغنم (القاموس المحيط) ورواية ابن إسحاق
وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس .
(٤) كذا فى الأصول. ولعلها ((علابط)) الواردة فى التعليق السابق. لأن عكاظ لم يرد بها ذكر فى المراجع
هنا . وقد كانت حادثة المغيرة بن شعبة مع بنى مالك فى بيسان. وانظر القصة بكمالها فى مغازى الواقدي ٢ : ٥٩٥ - ٥٩٨
والبداية والنهاية ٤ : ١٧٤ والسيرة الحلبية ٣: ١٧ والسيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣١٣، ٣١٤.
(١٥) النخامة - بضم النون: ما يخرج من الصدر (شرح المواهب ٢: ١٩٢) وفى اللسان: ما يخرج من الخيثوم
عند التنخم (ن خم).
(٦) فى ت، م (( على الملوك)) والمثبت من ط ويوافقه ما فى مغازى الواقدى ٢: ٥٩٨.
(٧) قيصر: لقب لكل من ملوك الروم. وكسرى - بكسر الكاف وتفتح - لكل من ملك الفرس. والنجاشى-
بفتح النون وتكسر وخفة الجيم وأخطأ من شددها فألف فشين معجمة فتحتية مشددة ومخففة - لقب لمن ملك الحبشة
( شرح المواهب ٢ : ١٩٢).
ت: ٧٤ -

رأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصحابُه ما يُعَظِّمُ أَصحابُ محمدٍ محمدًا، وليس بملك . والله
ما تَنَخَّمَ نُخَامَة إلا وقعت فى كفِّ رجلٍ منهم فَدَلَك / بها وجْهَه وجِلْدَه، وإذا أَمرهم ١٦٥ هـ
بأمرٍ ابتدروا أمره ، وإذا توضّأ كادُوا يَقْتَتِلُون على وَضُونه أَيّهم يظفر منه بشىء ،
ولا يَسْقُطُ شىءٌ من شَعْرِهِ إِلاَّ أَخذوه، وإذا تكلمّ خَفَضُوا أصواتهم عنده ، وما يحدُّون
النظر إليه تعظيماً له ، ولا يتكلّم رجلٌ منهم حتى يستأذِن ، فإن هو أَذِنَ لهُ تكلم ،
وإِن لم يأذن له سكت ، وقد عَرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ فَأقبلوها ، قد حَرَزْتُ القومَ ،
وأعلموا أنكم إن أَرقم منهم السيف بَذَلُوه لكم، وقد رأيت قَوماً لا يبالون ما يُصَنَعُ
بهم إذا منعتم صاحبهم ، والله لقد رأيتُ معه نساء(١) ما كُنّ ليسلمنه أبداً على حال، فَرَوْا
رأيكم فأتوه يا قوم ، واقبلوا ما عَرضَ عليكم ، فإنى لكم ناصح ، مع أنى أَخاف أن
لا تُنْصَرُوا على رَجُلٍ أَتَى زائِرًا لهذا البيت مُعَظِّمًا له ، معه الهدى يَنْحَرهُ وينصرف،
فقالت قريش : لا تتكلم بهذا يا أَبا يعْفور ، لو غيرك تكلم بهذا(٢) ؟ ولكن نردّه
عامنا هذا، ويرجعُ إلى قابل، فقال: ما أراكم إِلّ تُصيبكم(٣) قارعة. فانصرف هُوَ ومن
تبعه إِلى الطَّائف .
فقام الحُلَيس وهو بمهملتين - مُصغّر - بن علقمة الكنانى وكان من رءُوس الأحابيش
ولا أعلم له إسلاما(٤) فقال : دَعونى آتيه . فقالوا : آئته . فلما أَشرف على رسولِ الله
- صلى الله عليه وسلم - قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((هَذَا فُلاَنُ منْ قَوْم
يُعَظِّمُونَ الْبُدْن(٥) وفى لفظِ ((الهدى، ويَتَأَلَّهُون (٦)، فَأَبْعَثُوهَا لَه)) فبُعثَت له ، فلما
رأَى الحَدْى يَسيْلُ عليه من عُرْض الواعى عليها قلائِها ، قد أكلت أوبارها من طول
(١) كذا فى الأصول. وفى السيرة النبوية لابن هشام ((قوما)) كذا فى السيرة الحلبية ٣: ١٨ وفى مغازى
الواقدى ٢ : ٥٩٩ (( نسيات)).
(٢) فى مغازى الواقدى ٢ : ٥٩٩ (لو غيرك تكلم بهذا للمناه).
(٣) كذا فى الأصول. وفى شرح المواهب ٢: ١٩٢ ((ما أراكم إلا ستصيبكم قارعة فانصرف هو ومن تبعه
إلى الطائف )) .
(٤) فى شرح المواهب ٢: ١٩٢ ((قال البرهان: لا أعلم له إسلاما والظاهر هلاكه على كفره)).
(٥) البدن: جمع بدنة، وهى البعير ذكراً كان أو أنثى والهاء فيها للوحدة لا للتأنيث، وقال الأزهرى : البدنة
لا تكون إلا من الإبل وأن الهدى من الإبل والبقر والغنم. وانظر شرح المواهب ٢ : ١٩٣.
(٦) التأله: التعبد والتنسك (القاموس المحيط)
- ٧٥ -

الحبس، تُرَجِّع الحنين، واستقبله الناسُ يُلَبُّون (١) قد أَقاموا نصْفَ شهر ، وقد
تَفِلُوا وشَعِثُوا، صاح وقال: سبحان الله ((ما ينبغى لهؤلاءِ أَن يُصَدُّوا عن البيت أَبِى
الله أن تحج لخم وجذام وكندة وحمير ويمنع ابن عبد المطلب ، ما ينبغى لهؤلاء أن
يصدوا عن البيت(٢) هلكت قريشٌ وربِّ الكعبة. إِنَّ القوم إِنما أَتوا عُمَّارًا، فقالَ رسولُ
الله - صلى الله عليه وسلم - ((أَجَلْ يَا أَخَا بَنِى كِنَانَة)).
وذكر ابن إسحاق(٣) ومحمد بن عمر ، وابن سعد: أنه لم يصل إلى رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - لَمَّا رأى ذلك إِعْظاماً لِمَا رَأَى فِيُحْتَمَلُ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه
وسلم - خاطبه مِنْ بُعد(٤) ، فرجع إلى قريش فقال : إنى رأيتُ ما لا يحلُّ منعه ، رأيت
الْهَدْى فى قلائده قد أَكل أَوباره معكوفاً عن مَحِلِّه والرِّجَال قد تَفِلُوا وَقَمِلُوا(٥) أَنْ
يطوفوا بهذا البيت ، والله ما على هذا حَالفناكُم ، ولا عاقَدْناكم، على أَن تَعُدوا عن
البيت مَنْ جَاءَهُ معظّمًا لحُرْمَتِه مؤدِّيًا لحقه . و[ساق](٦) الهدى معكوفاً أَنْ يبلغ مَحِلَّه. والذى
نفسى بيده لَتُخَلُنَّ بينه وبين ما جاءَ له، أَوْ لأَنْفِرَنَّ بالأحابيش نفرة رَجُلٍ واحد .
فقالوا : كُفَّ عنا يا حُليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به، وفى لفظٍ(٧) اجلس فإنما
أنت أَعرابى لا علم لك ، كُلّ ما رأيتَ من محمدٍ مكيدة .
فقام مِكْرَز بكسر(٨) الميم، وسكون الكاف، وفتح الرّاء، بعدها زاىٌ ، ابن حَفْص .
فقال: دعونى آتَه. فلمَّا طَلَعَ ورآه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((هذا رَجُلٌ
(١) أى بالعمرة .
(٢) إضافة عن شرح المواهب ٢ : ١٩٣.
(٣) انظر السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣١٣. ومغازى الواقدى ٢ : ٥٩٩.
(٤) وهو قول الحافظ بن حجر كما فى شرح المواهب ٢ : ١٩٣.
(٥) فى الأصول. ((قد تفلوا وقلوا)) وفى السيرة الحلبية ٣: ١٥ (( والرجال قد شعثوا وقلوا)) والمثبت
من مغازى الواقدي ٢ : ٥٩٩ .
(٦) سقط فى الأصول - والإثبات من مغازى الواقدى ٢ : ٦٠٠.
(٧) والقولان فى السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣١٢.
(٨) هو مكرز بن حفص بن الأحنف من بنى عامر ابن لؤى (شرح المواهب ٢: ١٩٣).
-٧٦ -

غَادِرٌ )) وفى لفظ ((فاجر)) فَلَمَا أنتهى إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كلَّمَهُ بنحو
مَا كَلَّم به بُدَيْلا وعُرْوَة، فَرَجَعَ إِلى أَصحابه فأَخبرهم بما رَدَّ عليه / رسول الله - صلى ١٦٥ ظ
الله عليه وسلم .
ذكر ارساله - صلى الله عليه وسلم - خراش بن أمية
وبعده عثمان بن عفان الى قريش
قال (١محمد بن إسحاق١) ومحمد بن عمر وغيرهما: بعث رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - إلى قريش خِرَاشَ بن أُميَّة على جَمَل (٢) لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -
يُقَالُ له الثَّعْلَبُ ، لِيُبَلّغَ عنه أَشرافَهم بما جَاءَ له ، فَعَقَرَ عِكْرِمَةُ بنُ أَبِ جَهْلٍ - وَأَسْلَمَ
بَعْدَ ذلك - الجملَ، وأَرادُوا قَتْلَهُ فمنعهِ الأَحَابِيشُ، فخلُّوا سبيلَه حتى أَتَى رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكد فَأَخْبَرَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بِمَا
لَقِىَ .
ورَوَى البيهْىُّ عن عُرْوَة قال: لمّا نَزَلَ رسولُ اله - صلى الله عليه وسلم - الحُدَيْبِيَة
فَزِعِتْ قُريشٌ لِنُزُولِهِ إليهم، فأَحَبَّ أَن يَبْعَثَ إليهم رَجُلاً من أصحابهِ ، فَدعَا
عُمَرَ بِنَ الخطاب ليبْعَثَّهُ إِلى قريش، فقال: يا رسولَ الله إِنِّى أَخافُ قُرَيْشًا عَلَى نَفْسى
وقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتَى لَهَا، وَلَيْسَ بِهَا مِنْ بَنِى عَدِىُّ مَن يِمِنْعُنِى، وإِن أَحْبَبْتَ
يَارَسُولَ الله دَخَلْتُ عَلَيْهم . فلم يقل له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً ، فقال
عُمَرُ: يا رسول الله ولكنى أَدُلُّكَ على رجل أَعزّ بمكة مِىّ، وأَكْثَر عَشِيرةً وأَمْنَع،
وأنه يبلغ لك (٣) ما أَردت، عثمان بن عفّان. فَدَعَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
◌ُثْمَانَ فقال: ((أَذْهَب إلى قُرَيْشِ وأَخْبِرْهُم أَنَّا لَمْ نَاتٍ لِقِتَال وإِنَّمَا جِثْنَا عُمَّارًا،
(١) ما بين الرقين ساقط من ت، م. والمثبت من ط ويوافقه ابن كثير فى السيرة النبوية ٣ - ٣١٨ - حيث
يقول: ((قال ابن إسحاق: وحدثنى بعض أهل العلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا خراش بن أمية
الخزاعى فبعثه إلى قريش إلخ)). وانظر مغازى الواقدي ٢: ٦٠٠.
(٢) فى السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣١٤ (( وحمله على بعير له)).
(٣) فى الأصول ((مبلغ ذلك ما أرادت)) ولعل الصواب ما أثبته وهذا اللفظ لم يرد فى سيرة النبى لابن هشام
٢: ٣١٤ ولا فى رواية ابن كثير عنه فى السيرة النبوية ٣: ٣١٨ ولا فى مغازى الواقدي ٢ : ٦٠٠
- ٧٧ -

وأَدْعُهُم إلى الإِسلام)) . وأَمَرَهُ أَن يأتى رِجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيَدْخُلَ عليهم
ويبشِّرَهُم بالفتح ، ويخبرَهُم أَنَّ اللّه تعالى - وشيكاً أَنْ يُظْهِرَ دينَه بمكَّةً حتى لا يُسْتَخْفَى
فيها بالإيمان . فانطلقَ عثمانُ إلى قريش فَمَرَّ عليهم بِبَلْدَح فقالوا : أَينَ تريدُ ؟ فقال :
بَعَثَنِى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إليكم لأَدْعُوَكم (١) إلى الإِسلام، وإلى الله جلَّ
ثناوه، وتدخلون فى الدّين كافة، فإن الله - تعالى - مُظْهِرُ دِينَه ومُعِزَّ نَبِيَّهُ، وأخرى:
تكفون ويكون الذى يلى هذا الأَمر منه غير كُم ، فإن ظُفِرَ برسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فذلك ما أردتم، وإِن ظَفِرَ كنتم بالخيار بين أَن تدخلوا فيا دَخَل فيه الناس ،
أو تُقَاتِلوا وأنتم وافرون جَأُمُّون. إن الحرب قد نَهَكَتْكُمْ وَأَذْعَبَتْ الأَمَاثِلَ منكم. وأُخْرَى
إِنَّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم - يُخْبِرُكم أَنّه لم يَأتِ لِقِتَالِ أَحدٍ، إِنَّمَا جاءَ
مُعْتَمَرًا ، مَعَهُ المَدْى ، عليه القلائِدُ يَنْحَرُهُ وَيَنْصَرِفُ .
فقالوا : قَدْ سَمِعْنَا مَا تَقُولُ، ولَا كَانَ هذَا أَبَدًا، ولاَ دَخَلَهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً، فَأَرْجع
إِلى صَاحِبِكَ فَأَخْبِرْهُ أَنَّه لَا يَصِلُ إِلينا .
ولَقِيَهُ أَبَانُ بنُ سَعيدٍ(٢) - وأَسلم بعد ذلك، فَرَحِّبَ به أَبَانُ وأَجَارَهُ (٣) ، وقال:
لا تَقْصر عن حاجتك، ثم نَزَل عن فَرَسِ كان عليه فحمل عثمانَ علىَ السَّرج وَرَدفَ(٤)
وَرَاءَهُ وقال :
أَقْبِل وأَدْبِر لَا تَخَفْ أَحَدًا بنوسعيد أعزّةُ الحَرْمِ
١٦٦ , فَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ، فَأَتَى عثمانُ أَشْرَافَ قُرَيْش / - رَجُلاً رَجُلاً - فجعَلُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ :
إِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَدْخُلُهَا عَلَيْنَا أَبَدًا، ودَخَلَ عَلَى قَوْمٍ مؤمنين مِن رِجالٍ ونساءٍ مُسْتَضْعَفِينَ
بمكة فقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قد أُظِلُّكُم حتى لا يُسْتَخْفَى
(١) فى مغازى الواقدى ٢: ٦٠٠ ((يدعوكم إلى الإسلام)).
(٢) هو أبان بن سعيد بن العاص (مغازى الواقدي ٢ : ٦٠١).
(٣) فى المرجع السابق ( وأجازه).
(٤) كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدي ٢: ٦٠١ (( وردفه))
- ٧٨ -

بمكة اليوم بالإيمان، فَفَرِحُوا بذلك ، وقالوا: أَقْرَأْ عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
السّلام.
وَمَّا فَرَغَ عثمانُ مِن رسالةٍ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قريش قالوا له:
إِنْ شِئْتَ أَن تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَطُفْ، فقال: ما كُنْتْ لِأَفْعَلَ حتى يَعُوفَ رسولُ اله
نف صلى الله عليه وسلم - وأقام عمانُ بمكة ثلاثاً يُدْعُو قُرَيْشًا.
وقال المسلمون - وهم بالحُدَيْبيّة، قبل أَن يَرْجِعَ عثمانُ -: خَلُصَ عُمَانُ مِن بَيْنِنَا
إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما أَظنُّه طافَ بِالبَيْت
ونحن مَحْصُورُون ))، وقالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقَدْ خَلُص إليه قال: ((ذلك ظَنِىّ
بِهِ أَلَّ يَطُوفَ بالكَعْبَةِ حتى نَطُوفَ ))، وعِنْد ابن جرير وابن أبى حاتم عن سلمة بن
الأكْوع - مرفوعًا - ((لو مكث كذا كذا سنَّةً ما طافَ حتى أَطوف)) فَلَمّا رجعَ عثمانُ
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال المسلمون له: اشْتَفَيْتَ من البيت يا أبا عبد الله !!
فقال عثمان : بئس ما ظننتم بى ! فوالذي نفسي بيده لو مكثتُ مقيماً بها سنةً ورسولُ
الله - صلى الله عليه وسلم - مقيم بالحديبية .ا ◌ُفْتُ حتّى يَطُوفَّ رسولُ الله - صلى الله
عليه وسلم - ولقد دَعَتْنِى قريشٌ إِلى أَن أَطُوفَ بالبَيْتِ فَأَبَيْتُ. فقالوا : كان رسولُ
الله - صلى الله عليه وسلم - أَعْلَمَنَا وَأَحْسَنَنَا ظَنَّا
وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر أصحابَه بالحراسة باللَّيل ، فكانوا
ثلاثة يتناوبون الحراسة: أَوْسُ بِن خَوْلِىّ - بفتح الخاء المعجمة والواو - وعبَّاد
ابن بشر، ومحمد بن مُسْلَمَة - رضى الله عنهم - وكان محمد بن مَبْلَمَة على حَرَسٍ
رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةٌ من الليالى، وعمانُ بنُ عِفَان بمكة. وقد كانت
قريش بَعثت ليلا(١) خمسين رجلاً، عليهم مِكْرَزُ بنُ حَفْص، وأَمْرُوهُم أَن يطوفُوا(٢)
بالنّىّ - صلى الله عليه وسلم - رجاء أَن يُصِيبُوا منهم أحداً، أَو يُصِيبُوا منهم غِرّةً،
(١) فى ت، م((ليلة)) والمثبت من ط ويوافقه ما فى مغازى الواقدي ٢: ٦٠٢.
: (٢) كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدي ٢: ٦٠٢(يطفوا)) وكذلك فى سيرة ابن كثير ٣ : ٣١٨.
- ٧٩ .

فَأَخذهم محمدُ بن مَسْلَمة ، فجاءَ بهم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأَقْلَتَ مِكْرَزُ
فَخَّرَ أَصْحابَه وظهر قولُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم أَنه رَجُلُ غَادِرُ ،
وكان رجالٌ من المسلمين قد دخلوا مكَّة بإِذنِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهم :
كُرْزُ بنُ جابر الفِهْرِى، وعبدُ الله بنُ سُهَيْلِ بن عَمْرو بنُ عبد شمس، وعبدُ الله بن
خُذَافَةَ السّهمىّ، وأَبو الرّوم بن عُمَيْرِ العَبْدَرىّ، وعَيَّاش بن أبى ربيعة، وهشام
ابن العاص بن وائل، وأبو(١) حَاطِب بنُ عُمَروِ من عبد شمس(٢) وعُمَيْرُ بنُ وَهْبِ الجُمحِىُّ
وحاطِبُ بنُ أَبِى بَلْتَعَة، وعبدُ الله بنُ أَبى أُميَّةَ (٣). قد دخلوا مكة فى أَمان عثمان، وقيل :
سِرًّا، فَعُلِمَ بهم فأُخِذُوا، وبَلَغْ قريشاً حَبْسُ أَصحابهم الذين مَسَكُهُم محمدُ بنُ مَسْلَمَةٍ ،
١٦٦ ـ فجاءَ جَمْعٌ مِنْ قريش إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِهِ / حتى تَرَامَوْا بالنَّبْلِ
والحجارةِ، وأَسَرَّ المسلمون مِنَ المشركين - أيضاً - اثنى عشر فارساً، وقُتِلَ من المسلمين
ابنُ زَنِيم - وقد أَطلع الثَّنِية من الحُدَيْبِيَة - فرماهُ المشركون فقتلوه، وبعثت قريشُ
سُهَيْلَ بن عمرو وخُوَيْطَبَ بنَ عبد العُزَّى - وأَسلما بعد ذلك، ومِكْرَزَ بنَ حَفْص ، فلمّا
جاءَ سُهَيْلٌ ورآه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: سَهُلَ أَمْرَكُم(٤) فقال سُهَيْلٌ:
يا محمد إِنّ الذى كان من حَبْسِ أصحابِك وما كان من قِتَالِ مَنْ قاتَلَكَ لَمْ يَكُنْ مِن
رأى ذَوِى رأَيِنَا بل كُنَا لَهُ كارهين حين بَلَغَنَا، ولم نَعْلَمْ به ، وكان مِن سُفَهَائِنَا ،
فابْعَثْ إِلينا بأَصحابنا الذين أَسَرْتَ أَوَّل مَرَّةٍ، والذين أَسَرْتَ آخِرَ مَرَّةٍ. فقال رسولُ
الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنّى غيرُ مُرْسِلهم حتَّى تُرْسِلُوا أَصحابى))، فقالوا:
أَنْصَفْتَنَا، فَبَعَثَ سُهَيْلُ ومَنْ مَعَه إِلى قُرَيْش بالثُّيَيْم - بشين معجمة مُصَغّر - بنِ عبدِ
مَنَّافِ التَّيْمِىّ، فَبَعَثُوا بِمَن كان عندهم : وهم عثمان والعشرة السابق ذكرهم - رضى اللهُ
عنهم - وأرسل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَهم الذين أَسرهم، وقَبْلَ وصول
عثمان ومن معه بَلَغَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أَن عثمان ومن معه قد قُتِلُوا، فكان
ذلك حين دَعا إلى البيعة .
(١، ٢، ٣) إضافة من الواقدى ٢ : ٦٠٣.
(٤) فى مغازى الواقدى ٢: ١٠٣ ((سهل أمرهم)) وفى شرح المواهب ٢: ١٩٤(( قد سهل لكم من أمركم))
وسهل بفتح السين وضم الهاء وعند الدمامينى بضم السين وكسر الهاء المشددة .
- ٨٠ -