Indexed OCR Text
Pages 1-20
جمهورية مصر العربيّة وزارة الأوقاف المجلس الأعلى لشّئُون الإِسِلامِيَّة لجنة إحياء التراث الإسلامى سِبُل الهُدَى وَالرّشاِ فى شَيْرَةَ خَيْرُ الْغَبَّاد لِلامام محمّ بن يُوسُف الصّالِحِ الشَّامِىّ المتوفى ٢٠٩٤١هـ الجُزْءُ الخامِسُْ تحقيق الدكتور جودة عبدالرحمن حلال فهيم محمد شلتوت القاهرة ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ هـ بسم الله الرحمن الرحيم تقديم لجنة إحياء التراث الإسلامى الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وَّة، أما بعد: فهذا جزء آخر من أجزاء السيرة النبوية الشريفة ، المسماة : سبل الهدى والرشاد ، فى سيرة خير العباد والمعروفة باسم: ((السيرة الشامية)) للإمام محمد ابن يوسف الصالحى الشامى ، المتوفى سنة ٩٤٢ هجرية . وهذا الكتاب المهم فى سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - تكفل المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، بتحقيقه ، ونشره ، فعهدت لجنة إحياء التراث الإسلامى به ، إلى كبار العلماء المحققين ، ليقوموا بتحقيقه ، ومقابلة نسخه المخطوطة ، والرجوع به إلى مصادره ، وتخريج نصوصه ، وضبط كلماته ، بناء على ما ارتضته تلك اللجنة من قواعد التحقيق والنشر . وقد صدر الجزء الأول من هذه الموسوعة المباركة فى عام ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م، بتحقيق الدكتور مصطفى عبد الواحد ، ثم صدر الجزء الثانى فى عام ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م بتحقيق الدكتور مصطفى عبد الواحد كذلك ، وبعد ذلك بعام صدر الجزء الثالث بتحقيق الأستاذ عبد العزيز عبد الحق حلمى . ولظروف طارئة توقفت لجان المجلس الأعلى للشئون الإسلامية عن العمل ، وبعد فترة أعيد تشكيل تلك اللجان من جديد ، فتابعت لجنة إحياء التراث الإسلامى العمل على نشر هذه السيرة التى جمعها مؤلفها من ثلاثمائة كتاب فجاءت موسوعة عظمى تجمع أطراف السيرة من جميع جوانبها ، وقامت بتوزيع الأجزاء المتبقية منها على كبار المحققين فى مصر ، وأخرجت فى عام ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م الجزء الرابع بتحقيق الأستاذين: إبراهيم الترزى وعبد الكريم العزباوى . واليوم يسعد اللجنة أن تقدم للعالم الإسلامى الجزء الخامس من هذه الموسوعة وهو استكمال للحديث عن مغازى وسرايا رسول الله - صلوات الله عليه وسلامه - بتحقيق الأستاذ فهيم محمد شلتوت ، والدكتور جودة هلال ، وكذلك يسعد اللجنة أن تقدم أيضاً الجزء السادس ، وهو خاص بالحديث عن بعوث ووفود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتحقيق الأستاذ عبد العزيز عبد الحق حلمى . - ٣ - ونرجو أن توفق اللجنة إلى نشر الأجزاء المتبقية من هذه الموسوعة فى السيرة النبوية الشريفة ، فى أقرب وقت ممكن ، بمشيئة الله - تعالى - آملين أن يكون فى ذلك ، تيسير لمعرفة سنة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وحفزاً للهمم ، للاقتداء بها . والله ولى التوفيق .. مقرر اللجنة د . رمضان عبد التواب رئيس اللجنة عبد المنعم محمد عمر قام بتصحيح ومراجعة هذه الطبعة الأستاذ / فهيم محمد شلتوت أحد محققى هذا الجزء . ١٠- نـ إِلَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمُ وبه ثقتى من مقدمة المؤلف هذا كتاب اقتضبته من أكثر من ثلاثمائة كتاب ، وتحريت فيه الصواب ، ذكرت فيه قطرات من فضائل سيدنا رسول الله # من مبدأ خلقه قبل خلق سيدنا آدم صلى الله عليهما وسلم وأعلام نبوته وشمائله وسيرته وأحواله وأفعاله وتقلباته إلى أن نقله الله تعالى إلى أعلى جناته وما أعده له فيها من الإِنعام والتعظيم ، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، ولم أذكر فيه شيئا من الأحاديث الموضوعات وختمت كل باب بإيضاح ما أشكل فيه وبعض ما اشتمل عليه من النفائس المستجادات مع بيان غريبٍ الألفاظ وضبط المشكلات والجمع بين الأحاديث التى يظن بها أنها من المتناقضات . وإذا ذكرت حديثاً من عند أحد من الأئمة فإنى أجمع بين ألفاظ رواته إذا اتفقوا وإذا عزوته لمخرجين فأكثر فإنى أجمع بين ألفاظهم إذا اتفقوا فلا يعترض على إذا عزوت الحديث البخارى ومسلم وذكرت معهما غيرهما فإن ذلك لأجل الزيادة التى عند غيرهما غالباً ، وإذا كان الراوى عن النبى صلى الله عليه وسلم صحابياً قلت رضى الله تعالى عنه فإذا كان تابعياً أو من أتباع التابعين قلت رحمه الله تعالى ، وإذا أطلقت الشيخين فالبخارى ومسلم أو قلت متفق عليه فما روياه ، أو الأربعة فأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه ، أو الستة فالشيخان والأربعة ، أو الخمسة فالستة إلا ابن ماجه أو الثلاثة والأربعة إلا هو، أو الأئمة فالأمام مالك والإمام الشافعى والإِمام أحمد والستة والدار قطنى . ولم أقف على شىء من الأسانيد المخرجة للإِمام الأعظم أبى حنيفة رضوان الله تعالى عليه فلذلك لم أذكره ، أو الجماعة فالإِمام أحمد والستة ، أو أبا عمر فالحافظ يوسف بن عبد البر، أو القاضى فأبو الفضل عياض ، أو الأمير فالإمام الحافظ أبو نصر على بن هبة الله الوزيرى البغدادى المعروف بابن ماكولا ، أو السهيلى فالإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الختعمى ، أو الروض فالروض الأنف له ، أو أبا الفرج فالحافظ عبد الرحمن بن الجوزى ، أو أبا الخطاب فالحافظ عمر بن الحسن بن دحية ، أو أبا ذر فالحافظ أبو ذر بن محمد بن مسعود الخشنى ، أو الإملاء فما أملاه على سيرة ابن هشام ، أو زاد المعاد فزاد المعاد فى هدى خير العباد للإمام العلامة أبى عبد الله محمد ابن أبى بكر بن القيم ، أو أبا الربيع فالثقة الثبت سليمان بن سالم الكلاعى أو الاكتفاء فكتاب الاكتفاء له ، أو أبا الفتح فالحافظ محمد بن محمد بن سيد الناس ، أو العيون فعيون الأثر له ، أو القطب فالحافظ قطب الدين الحلبى ، أو المورد فالمورد العذب له ، أو الزهر فالزهر الباسم ، أو الإشارة فالإِشارة إلى سيرة سيدنا محمد رسول الله ويطلق، كلاهما للحافظ علاء الدين مغلطاي ، أو الإمتاع فكتاب إمتاع الأسماع للإِمام العلامة مؤرخ الديار المصرية الشيخ تقى الدين المقريزى ، أو المصباح فالمصباح المنير للإِمام العلامة أبى العباس أحمد بن محمد بن على الفيومى ، أو التقريب ٥ - - فالتقريب فى علم الغريب لولده محمود الشهير بابن خطيب الدهشة ، أو الحافظ فشيخ الإِسلام أبو الفضل أحمد بن على بن حجر ، أو الفتح ففتح البارى له ، أو شرح الدرر فشرحه على ألفية السيرة لشيخه العراقى ، أو النور فنور النبراس للحافظ برهان الدين الحلبى ، أو الغرر فالغرر المضيئة للعلامة محيى الدين بن الإِمام العلامة شهاب الدين بن الهائم ، أو السيد فالإِمام العلامة شيخ الشافعية بطيبة نور الدين السمهودى ، أو الشيخ أو شيخنا فحافظ الإِسلام بقية المجتهدين من الأعلام جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى - رحمهم الله تعالى، وحيث أطلقت الموحدة فهى ثانى الحروف ، أو المثلثة فهى الرابعة ، أو التحتية فهى آخر الحروف . وسميت هذا الكتاب ((سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد )) وذكر فضائلة وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله فى المبدأ والمعاد ، وإذا تأملت هذا الكتاب علمت أنه نتيجة عمرى وذخيرة دهرى والله سبحانه وتعالى أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم ، وأن يمن على بالنظر إليه فى دار النعيم ، وهو حسبى ونعم الوكيل ، ماشاء الله كان ، ولم يشأ لم يكن، ولاحول ولاقوة إلا بالله العلى العظيم . - ٦ - ٢٠ الباب العشرون فى غزوة بنى قُرَيْظَةِ(١) تقدّم فى غزوة الخندق أَنَّهم ظَاهَرُوا قُرَيْئًا وأَعانُوهم على حَرْبِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونَقضُوا العهود والمواثيقَ التى كانت بَيْنَهم وبين رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فما أَجْدَى ذلك عنهم شيئاً وبَاءُوا بغضبٍ مِنَ الله ورسوله، والصَّفْقَة الخاسرَة فى الدنيا والآخرة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِم لَمْ يََّلُوا خَيْراً وَكَفَى اللهِ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم - أَى أَعانوهم - مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ - أَى حصونهم - وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمِ الرُّغْبَ فَرِيقاً تَفْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فِرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُم وَأَمْوَالَهُم وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُهَا "وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرًا(٢)). قال محمد بن عمر عن شيوخه: لما تَفَرَّقَ المشركون عن الخَنْدَق خافت بَنُو قُرَيْظَةَ خوفاً شديدا، وقالوا : محمد يَزْحَفُ إلينا ، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَأْمُرُ(٣) بِقِتَالهِمْ حَتَّى جَاءه جِبْرِيل يَأْمُرُه به . ٠ روى الْإِمَامُ أَحْمدُ وَالشَّيْخَانِ - مُخْتَصَرًا - والبَيْهَقِىُّ والْحَاكم فى صحيحه(٤) مُطَوِّلاً عِنْ عَائشَةَ، وأَبو نُعيم، والْبَيْهَقِىُّ منْ وَجْهٍ آخر عَنْهَا ، وأبنُ عائذٍ عَنْ جابر بن عبد الله، وَأَبْنُ سَعْد عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هلال، وأبن جَرِير عن عبد الله بن أَبِى أَوْفَى، والبَيْهَقِىُّ (١) انظر فى أخبار هذه الغزوة: مغازى الواقدى ٢: ٤٩٦، والسيرة النبوية لابن هشام ٢ : ١٩٤ ط الجمالية سنة ١٩١٤ والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٢٢٣، والسيرة الحلبية ٢: ٣٥٤ ونهاية الأرب النويرى ١٨٦:١٧ وشرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٢٦ (٢) سورة الأحزاب الآيات من ٢٥ - ٢٧. (٣) كذا فى ط، م - وفى ت ((لم يؤمر)). وكذلك فى (الواقدى - كتاب المغازى ٢: ٤٩٧) ط أكسفورد. (٤) فى ت ((والحاكم ومصححه)» - ٧ - .. وابنُ سَعْدٍ عن الماجِثُون، والبَيْهَقِىُّ عن عُبَيد الله بْنِ كَعْب بن مالك، وسعيد بن جُبَيْر وابن سعدٍ عن يزيد بن الْأَصَم ، ومحمد بن عمر عن شُيُوخه: أَن رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - لَمّا رَجَعَ عن (١) الخَنْدق، والمسلمون وقَدْ عَضَّهُم الحصَارُ ، فرجعوا مَجْهُودِين، فوضعوا السِلاحَ ، وَوَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلى الله عليه وسلم - وَدَخَلَ بيتَ عَائشة وَدَعَا بِمَاءٍ فَأَخذَ يَغْسل رَأْسِه - قَالَ ابن عُقْبةٍ (٢) قَدْ رَجَّلَ أَحَد شِقَّيْه. قَالَ محمد بن عمر : غَسَل رَأْسَه واغْتَسَل، وَدَعَا بالمجْمَرَةِ لِيَتَبَخَّر (٣)، وَقَدْ صَلَّى الظُّهرَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَلَّمْ عَلَيْنَا رَجُلٌ وَنَحْنُ فى البيت . قَالَ محمد بن عمر : وَقَفَ مَوْضِع الْجَنَائِزِ، فَنادى عَذِيرَكَ(٤) من محارب! فَقَامَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - فَزْعًا فَوَبَ وَثْبَةً شَديدة(٥) ، فخرج إليه، وَقُمْتُ فى أَثره أَنظر من خَل الباب، فَإِذا هُوَ دحْيَةُ الكَلْبِىُّ(٦) فيما كُنْتُ أَرى - وَهُو يَنْفُضُ الغُبَارِ عَنْ وَجْهِهِ، وَهُوَ مُعْتَمٌّ، وَقَال ابن إسحاق : مُعْتَجرُ بعمامةٍ، قَالَ الماجِشُون - كما رواه أبو نعيم عنها ، سَوْدَاءَ منْ اسْتَبْرَق، مُرْخٍ منْ عمامته بَيْنَ كتَفَيْهِ، عَلَى بَغْدَةٍ شَهْباءَ - وفى لفظِ : فرس - عليها رحَالَةٍ وَعَلَيْهَا قطيفة منْ ديباج - قَالَ الماجِشُون: أَحمر - عَلَى ثَنَايَاه أَثر الغُبار ، وفى روايةٍ: قَدْ عَصَّبَ رأْسَه الغبار، عليه لَأُمته، فاتكأَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - على عَرْف الدَّابَّة، فَقَالَ: يَارَسُولَ الله، مَا أَسْرَعْتُم مَا حللتم، عَذَيْرَكَ من مُحَارب! عَفَا الله عَنْكِ، وَفى لفظ غَفَر الله لك، أَوقدْ وَضَعْتُم السِّلَاحَ قَبل أَن نَضَعَه ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم -: ((نَعَم قَال: فَوَالله مَا وَضَعْنَاه، وفى لفظِ: ((مَا وَضَعَتْ (١) وفى البخارى (٣ - ٣٤ ط عيسى الحلبى) عن عائشة - رضى الله عنها - ((لما رجع النبى - صلى الله عليه وسلم - من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل - عليه السلام - فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعناه فاخرج إليهم . قال : فإلى أين ؟ قال ههنا وأشار إلى بنى قريظة، فخرج النبى - صلى الله عليه وسلم - إليهم. (٢) كذا فى م، ت، وفى ط ((قال عتبة)). (٣) جامفى فى شرح المواهب الزرقانى (٢: ١٢٧) صرح كعب بن مالك عند الطبرانى وغيره بسند صحيح ((أنه اغتسل واستجمر)). (٤) عذيرك: أى من يعذرك. فعيل بمعنى فاعل. وانظر ما يأتى فى شرح المفردات. (٥) عبارة السيرة الحلبية (٢: ٣٥٥) وثب وثبة منكرة)). (٦) هو دحية بن خليفة بن فروةمن فضالة بن زيد من امرئ القيس من الخزرج صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أتاه جبريل على صورته ( ابن حزم، جمهرة أنساب العرب ٤٥٨). - ٨ - 1 ك t د ۔ الملائكةُ السِّلاحِ منذُ نَزَلَ بكَ العدوُّ ، وَمَا رَجَعْنَا الآن إِلَّ مِنْ طلب القوم حتَّى بلغنا حمراءً(١) الأَسد - يعنى الأحزاب - وقَدْ هَزَمَهُم الله تَعالى، إِنَّ الله - تعالى - يأْمُرك بقتَال بنى قُرَيْظَةَ، وَأَنَا عَامِدٌ إِلَيْهم بِمَنْ مَعى من الملائكة لِأُزَلْزِلَ بِهِم الحصون ، فاخرُجْ بالنّاس)). قال حُميد بن هلال: فقال رَسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - ((فإِنَّ فى أَصْحَابِى جَهْدًا فَلَوْ أَنْظَرْنَهُمْ أَيَّاما قال(٢) جبريل: انْهَض إليهم، فَوَالله لأَدُقَّنهم كَدَقِّ البَيْض عَلَى الصَّفَا(٣) لأُضعْضعنَّها(٤)، فَأَدْبَرَ جبريلُ وَمَن معه منَ الْمَلَائكة حَتَّى سَطَع الغبارُ فى زُقَاق بَنِى غَنْمٍ من الأَنْصَار . قَالَ أَنْس - رضى الله عنه - فيما رواه البخارى(٥): كَأَنِّى أَنْظُرُ إلى الغُبار سَاطِعًا فى زُقَاقِ بنى غَنْمٍ - مَوْكِب جبريل حين سارَ إلى بنى قريظة .. انتهى . قالت عَائشةُ: فَرَجَعْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ قُلْتُ بَارَسُولَ الله - مَنْ ذَاكَ الرَّجُلِ الَّذِى كُنْتَ تكلِّمه؟ قَالَ: ((وَرَأَيْتِهِ))؟ قُلْتُ نعم، قَالَ: ((لمن تَشَبَّهْتِ(٦)))؟ قُلْت: بدِحْيَةَ ابن خليفة الكلبى، قَالَ: ((ذاكٍ جبريلُ أَمَرَنِى أَنْ أَمضِىَ إِلَى بَنِى قُرَيْظَة)). قال قتادة فيما رواه ابنُ عائِذ: إِن رَسُولَ الله - صَلَّى الله عليه وسلم بَعَثَ يومئذ مُنَادِياً ينادى ((ياخَيْلَ اللهِ أَرْكَبِى)) وَأَمر رَسُولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - بِلاَلاً فَأَذَّن فى النَّاس: ((مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطيعاً(٧) فَلاَ يُصَلِّينِ العَصْرَ إِلاَّ ببنى قُرَيْظَة)). وروى الشيخان عن ابْنِ عُمَر، والبيهقىُّ عن عَائِشَةَ، والبيهْىُّ عن الزُّهْرِىّ وعن ابن عُقْبَة، والطََّرالىّ عن كعب بن مالك: أَنَّ رَسُولَ الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - قَالَ (١) حمراء الأسد: موضع على ثمانية أميال من المدينة (ياقوت. معجم البلدان). (٢) كذا فى ط.م. وفى ت ((فقال)) (٣) الصفا: العريض من الحجارة، والصفاة صخرة ملساء ( اللسان: صفاً) (٤) فى شرح المواهب الزرقانى (٢: ١٢٧) ((وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال فقال: يارسول الله انهض إليهم فلأضعضعنهم)). وفى السيرة الحلبية (٢: ٣٥٤) ((ولأدخلن فرس هذا عليهم فى حصونهم لأضعضعنها)). وسيرد المعنى فى غريب المفردات . (٥) انظر الحديث فى البخارى ٣: ٣٤، وفى ابن كثير: البداية والنهاية ٤ : ١١٧. (٦) فى السيرة الحلبية ٢: ٣٥٥ (( لمن شبينه» (٧) كذا فى ت، م. وفى ط ((من كان مطيماً)) - ٩ - 1 لأَصْحَابِه: ((عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّ تُصَلُّوا(١) صَلَاةَ الْعَصْرِ)) . وَوَقع فِى مُسْلِم فى حديث ابنِ عُمرَ صَلَاةَ الظّهر (٢) فأَدرِك بَعْضَهُمْ صَلَةَ العَصْر، وفى لَفْظِ الظهر فى الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهم: لَا نُصَلِّيهاَ حَتَّى نَأْتِى بَنِى قُرَيْظَة، إِنَّا لَفِى عَزِيْمَةِ رَسُولِ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - وَمَا عَلَيْنَا مِنْ إثم، فَصَلَّوْا العصرَ ببنى قريظة حين وَصَلُوهَا بَعْدَ غروب ١٤٩ ظ الشَّمْس /. وَقَالَ بَعْضُهُم: بَلْ نُصَلّى؛ لَمْ يُرِدْ منَّا أَنْ نَدَعَ الصَّلاةَ، فَصَلُّوا، فَذُكرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّف وَاحِدًا منَ الفريقين، وَدَعَا رَسُولُ الله - صَلَّى اللّه عليه وَسَلَّم - عَلِّ بْنَ أَبِى طَالب فَدَفَعَ إِلَيْه لَوَاءَه، وَكَانَ اللَّواءُ عَلَى حَاله لَمْ يُحَلَّ مِنْ مَرْجِعه منَ الْخَنْدَق، فابْتَدَرَهُ النَّاس . ذكر مسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى بنى قريظة قَالَ مُحَمَّد بن عمر، وَابنُ سَعْد، وابن هشام، والْبَلَاذُرى: فَاسْتَعْمَلِ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلَّم - عَلَى المدينة ابنَ أُمِّ مكْتُوم . قَالَ محمد بن عمر: خَرَجَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عليه وَمَلَّم - إِلَيْهِمِ لِسَيْعٍ بقين مِنْ ذِى القعدة، ولَبِسَ رَسُول الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - السِّلاَحَ والدِّرع(٣) وَالمِغْفَرَ وَالْبَيْضَةَ وَأَخَذَ قَنَةً بِيَدِهِ، وَتَقَلَّدَ النُّرِسْ، وَرَكِبَ فَرَسه اللُّحيف(٤)، وَحَفَّ به أَصْحَابُه، قَدْ لَبِسُوا السِّلَاحِ وَرَكِبُوا الْخَيلِ، وَكَانت الْخَيْلُ سِنَّةً وَثَلاثين فَرَساً (١) فى ط ((أن تصلوا)) ومن هنا من ت، م ويتفق ورواية البخارى ٣: ٣٤ ((لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة » . (٢) أسببت كتب السيرة فى ذكر الخلاف حول أى الصلاتين نهى عنها ، الظهر أم العصر وأى الطائفتين - الذين صلوا والذين لم يصلوا - قد أصاب. وقد نقل ابن كثير فى البداية والنهاية (٤: ١١٨) رأياً عن ابن حزم الأندلسى ملخصه: ((وعلم اللّه أنا لو كنا هناك لم نصل العصر إلا فى بنى قريظة ولو بعد أيام)) وانظر وجوه التوفيق فى التنبيهات. (٣) الدرع: لبوس الحديد، تذكر وتؤنث، والجمع فى القليل أدرع وأدراع، وفى الكثير دروع (اللسان: درع ) ويعرف الدرع بأنه قيص من الزرد يكسو معظم الجسم . وجرت العادة بأن تحتفظ الأسرة بقميص الزرد لتوارثه الذرية المتعاقبة. وانظر ( الملابس المملوكية لماير - ترجمة صالح الشيئى ص ٦٦ وما بعدها ) . (٤) الحيف. بالتصغير كما هنا وفى شرح المفردات. وفى اللسان: لحف ((الحيف اسم فرسه - صلى الله عليه وسلم - فعيل بمعنى فاعل؛ فإنه يلحف الأرض بذنبه، وفى شرح المواهب الزرقانى ٢: ١٢٨ ((بضم اللام وفتحها كأمير وزبير ، وحاء مهملة، ويروى بالجيم والخاء المعجمتين)). - ١٠ - وَسَارَ رَسُولُ الله - صلَّى الله عليه وَلَّم - فى أَصْحَابِه، والْخَيْلُ وَالرَّجَّلَة حَوْله قَالَ ابْنُ سَعْد: وَكان مَعَه - صلى الله عليه وسلَّم ثَلاَثَة آلاف(١) ، قُلْت : كذا ذكر محمد ابن عمر : أَن رَسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عليه وسلم. رَكبَ فَرَساً . وَرَوى الطَّبرانى فى الْأَوسط بِسَنَّدٍ رِجَالُه ثقَاتٌ عن أبى رافع ، وابنُ سعد عن البيهقى وغيره والطبرانىُّ عن ابن عباس: أَنَّ رَسولَ الله - صَلَّى الله عليه وسلَّم -: لَمَّا أَتَى بَنى قريظةَ رَكبَ عَلَى حمَارٍ عُرْى(٣) يُقَالُ لَهُ يَعْفُور ، والنَّاس حوله . وروى الْحَاكمُ، والبيهقىُّ وَأَبُونُعَيْم عَنْ عائشةَ وابن إسحاق عن .... (٣) .... ومحمد ابن عمر عن شيوخه: أَنَّ رَسُولَ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - مَرَّ بِنَفَرٍ منْ بَنِى النَّجار بالصَّوْرَيْنِ فيهم حَارثَةِ بْنُ النُّعْمَان قد صَفُّوا عليهم السِّلاح فقال: ((هَلْ مَرَّ بِكُمْ أَحَد؟ )) قَالُوا : نعَمْ ، دحْيَةُ الكلبى مر على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من استبرق وأمرنا بحمل السلاح فأخذنا سلاحنا وصفَفْنا، وَقَالَ لَنَا: هذا رَسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - يطلع عَليْكم الآن، قالَ حَارِثَة بْنُ النُّعْمان: وكنا صفَّين، فَقَالَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم: ((ذَاكَ جبْريلُ بعثَ إِلَى بَنِى قُرَيْظَةً لِيُزَلْزِلَ بِهِمْ حُصُونَهُمْ ويقْذف الرُّعْبَ فِى قُلُوبِهِم)) . وسَبَقَ عَلِيَّ فِى نَفَرٍ منَ الْمُهَاجِرِينِ وَالْأَنْصَارِ فيهِمْ أَبُو قَتَادَة - إِلَى بَنِى قُرَيْظَةَ. روى مُحَمَّدُ بْنُ عمَرَ عَنْ أَبِى قَتَادة قَال: انْتَهَيْنَا إِلَى بِنِى قُرَيْظَةِ، فَلَمَّا رَأَوْنَا أَيْقَنُوا بِالشَّرّ، وَغَرَزَ عَلِّ الرَّايةَ عنْدَ أَصْلِ الْحَصْن، فاسْتَقَبَلُونَا فى صَيَاصِيهِمٍ يَشْتُمون رَسُولَ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - وَأَزْوَاجَه. قَالَ أَبُو قَتَادة: وَسَكَثْنَا، وَقُلْنَا: السَّيفُ بَيْنَنَا وبينكم، وَأَنْتَهَى رَسُولُ الله - صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّم - إِلَى بَنِى قُرَيظة، فَنَزَلَ (١) أى جملة الخارجين، أعم من كونهم معه أو قبله أو بعده (شرح المواهب الزرقانى ٢: ١٢٨). (٢) وفى شرح المواهب الزرقانى ٢: ١٢٨ ((فإن محت راوية أنه ركب فرساً ورواية أنه ركب حاراً - فيمكن أنه ركب الفرس بعض الطريق والحمار بعضها)). (٣) بياض فى الأصول بمقدار كلمتين. - ١١ - 7 قَرِيباً مِنْ حصْنِهِمْ عَلَى بِثْرٍ أَنَّا(١) بِأُنْفل حُرَّةِ بَنِى قُرَيْظة، فَلَمَّا رَآهَ عَلىَّ - رضى الله عنه - رَجَعَ إِلَى رَسُولِ الله - صَلَى اللّه عليه وَسَلَم - وَأَمَرَى(٢) أَنْ أَلْزَمَ اللِّواءِ، فلزمته، ١٥٠ , وَكَرَهُ أَنْ يَسْمَعَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسلم - / أَذَاهُ وَشَتْمَهم. فَقَالَ لِرَسُولٍ (٣) الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ((لاَ عَلَيْكَ أَلا تَدْنو مِنْ هَؤُلاءِ الْأَخَابيث؛ فإنَّ الله - تعالى .. كَافِيك اليهود. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌ِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَلَّم: ((لَمَ تَأْمُرْنَى بِالرُّجُوع؟ فكتمه مَا سَمع، فَقَال: ((أَظُّكَ سَمعْتَ مِنْهُم لِ أَذِّى)) " فَقَالَ: نَعَم يَارَسُولَ الله. قَال: ((لو رَأَونى لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا)). فَسَارَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إليهم، وتَقَدَّمه أسَيْد بن الحُضَير - فقال(٤): يَا أَعداءَ الله: لا نبرَحُ عن حصْنِكِمْ خَّى تموتوا جُوعاً، إِنمَا أَنتَم بِمَنْزِلَةٍ ثَعْلَبٍ فى جُحْرِ، فقالوا: يابن الحُفَير: نَحْنُ مواليك دون الخَزْرَج، وخاروا ، فقال: لَا عَهْدَ بيْنِى وبينكم ولا إِلاَّ وذمة (٥) ، وَدَنَا رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وتَرَّسْنَا عنه، ونَادَى بأعلى صوته نَفَرَاً مِنْ أَشْرَافِهم ، حَتّى أَسْمَعَهِم فَقَال: ((أَجِيبُوا يَا إِخْوَةَ الْقُرَّدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَعَبْدَةَ الطَّاغُوت ◌َلْ أَخْرَاكُم اللهُ وَأَنْزَلَ بِكُمْ نِقْمَتَه ؟ أَنْشْتُمُونِى (٦) ))؟! فَجَعَلُوا يَحلِفُون مَا فَعَلْنَا، وَيَقُولُون: يا أَبَا الْقَاسمِ مَا كُنْتَ جَهُولاً، وفى لفظٍ مَا كُنْتَ فَاحِشًا، وأَجْتَمَعَ الْمُسْلِمُون عِنْدَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عشاءٍ، وَبَعثَ سعدُ بنُ عبادة - رضى الله عنه - بِأَحْمَال تَمْرٍ لرسُولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - والمسلمين، فَكَانَ طَعَامُهُم، وَقَالَ رَسُولُ الهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذ ((نِعْمَ الطَّعَامُ النَّمر)). (١) بئر أنا: ورد اللفظان دون همز فى الأصول. وانظر التعريف بها فى شرح غريب ذكر مسيره عليه السلام: (٢) الآمر هو على - رضى الله عنه - وهو الذى كره أن يسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذى اليهود وشتمهم ، (٣) كذا فى ط. وفى م. ت ((فقال يا رسول اللّه لا عليك)). (٤) أى أسيد بن الحضير. (٥) فى ت .م (( ولا إل، ودنا رسول إلخ)) وما هنا من ط . (٦) كذا فى ت، وفى ط، م ((أتششوف)). - ١٢ -- ذكر محاصرة المسلمين لبنى قريظة غَدَا رَسُولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - سَحَرا، وقَدَّم الرماةَ وَعبَّأَ أَصْحَابه فَأَحَاطِوا بِحُصُون يَهود، ورموهم(١) بالنَّبْلِ والْحِجَارَةِ، وَهُمْ يَرْمُون مِنْ حْصُونِهِم حَتَّى أَمْسَوْا، فباتوا حَوْل الحُصُون، وجَعَلَ المسلمون يَعْتَقِبُون، يَعْقُبُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَمَا بَرحَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يُرَاميهم حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْهَلكة، وَتَرَكُوا رَبِىَ المسلمين، وقالوا: دَعُونَا نكلمكم، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: ((نعم)) فَأَنْزَلُوا نِبَّاش بن قيس(٢)، فكلم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم على أَن يَنْزِلُوا عَلَى مَا نَزَلّت عليه بَنُو النَّضِير مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحِلْقَةِ(٣) وَتَحْقِنَ دِمَاءَنَا، ونّخْرُجٌ مِنْ بِلاَدِكَ بالنِّسَاءِ والدّرارى، وَلَنَا مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ إِلَّ الخَلْقَةِ، فَأَبِى رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - فَقَالَ: تَحْقِنُ دمَاءَنَا وَتُسَلِّمُ لنا النِّسَاءِ والدُّرِيَّةَ وَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيَا حَمَلَتِ الإِبل ، فَأَبِى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حكْمِه، وعاد نَبَّاش إِلَيْهم بذلك . ذكر اعتراف كعب بن أسد كبير بنى قريظة وغيره بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا عَادَ نَبَّاتٌ إِلى قَوْمِهِ، وَأَخْبَرَهُم الْخَبَرِ، قَالَ كَعْبُ بِنُ أَسَدِ : يَامَعْشَرِ بَنِى قُريظة، وَالله قَدْ نَزَلَ بِكُم مِنَ الْأَمْرِ مَاتَرَوْن وَإِنِّى عَارِضُ عَلَيْكُمْ خِلاَلاَ ثَلَاثًا، فَخُذُوا مَا شِئْتُمْ مِنْهَا، قَالُوا: وَمَا هى؟ قَال: نُتَابِعُ هَذَا الرَّجُل وَنُصَدِّقُه. فَوَ اللّهِ لَقّدْ تَبَّيِّن لِكُمْ أَنَّه نَبِىُّ مُرْسَل، وَأَنَّهُ الَّذِى تَجِدُونَه فى كِتَابِكُمْ فَتَأْمَنُون بِهِ عَلَى بِمَائِكُمْ وَأَمْوَالكم وَسَائِكُمْ، وَالهِ إنكُمْ لِتَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًّا نَبِىُّ(٤)، وَمَا مَنَعَنَا مِنَ الدُّخُولِ مَعَه إِلَّ الحسد (١) كذا فى ط، وفى ت، م (( وراموهم)). (٢) نباش بن قيس. كذا فى ط، وفى ت، م ((بناش من قيس)) وما أثبت هو الصواب ويوافقه ما جاء فى ( مغازى الواقدي ٢ : ٥٠١) . (٣) الحلقة: السلاح عامة، وقيل هى الدروع خاصة (اللسان: حلق) (٤) جاء فى السيرة الحلبية ٢: ٣٥٧ ((عن ابن عباس - رضى الله عنه - قال: كانت يهود بنى قريظة وبنى النضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبى - صلى الله عليهوسلم - قبل أن يبعث، وأن دار هجرته المدينة ... )). - ١٣ = ١٥٠ ظ للعرب / حَيْثُ(١) لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيل، فَهُوَ حَيْثُ جَعَلَه الله، وَلَقَدْ كُنْتُ كَارِهًا لِنَفْض الْعَهْدِ والْعَقْد وَلَكِنَّ الْبَلَاءِ والشؤمِ منْ هَذَا الْجَالِسِ - يَعْنى حُبِىّ بن أَخْطَب . .. وَلَقَدَ (٢) كان حُّ بْنُ أَخْطَبِ دَخَلَ مَعَهُم فى حصْنِهِم حين رَجَعتْ عَنْهُم قُرَيش وغَطَفَان، وَفَاءٍ لكعب بن أَسَد، بمَا كَانَ عَاهَدَه عَلَيهِ - أَتَذْكُرُونَ مَا قَالَ لَكُمْ ابن جَوّاسٍ(٣) حَيْن قَدم عليكم: تركت الخَمْرَ والخميرَ والتمير، وَأُجِئْتُ إلى السِّقَاءِ والنَّمْرِ والشَّعِير ، قَالُوا: وَمَا ذَاك ؟ قَالَ: إِنَّه يخرج بِهَذِهِ الْقَرْية نَبِّ ، فَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا حِىُّ أَتْبَعْه وأَنْصُره ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدِى، فاياكم أَنْ تُخْدَعوا عنه ، وأَتَّبِعُوه، فَكونُوا أَنْصَارَه وَأَوْلِيَاءَه، وَقَدْ آمَنْتُم بِالْكِتَابَين، كِلَيْهِمَا الْأَوَّل والآخر (٤)، وَأَقْرِئُوهُ مِنِّى السَّلاَمَ، وَأَخْبِرُوه أَنِّى مُصَدِّقٌ به. قَالَ كَعْب: فَتَعَالَوْا فِلْنُتَابِعْهِ وَنُصَدِّقه ، فَقَالُوا: لَا نُفَارِقُ حُكْمَ النَّوراة أَبَدًا، وَلَا نَسْتَبُدِلُ بِهِ غَيْرَه ، قَال : فإذا(٥) أَبَيْتُمْ عَلَّ هَذِهِ فَهَلُمَّ فَلْتَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَيِسَاءَنَا، ثُمَّ نَخْرُجُ إِلى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ رِجَالاً(٦) مُصْلِتِينَ السُّيُوف(٧) وَلَمْ نَتْرُكُ وَرَاءَنَا ثَقَلاً(٨) حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْن محمد ، فَإِنْ نَهْلِك نَهْلِك، وَلَمْ نَتْرُكُ وَرَاءَنَا نَسْلاً نَخْشَى عَلَيْهِ ، وإِنْ نْظَهَر فَلَعَمْرِى لَنَجِدنَّ النِّسَاءَ والْأَبْنَاءَ. قَالُوا: أَنَفْتُل(٩) هَوَّلَاءِ الْمَساكين؟! فَمَا خَيْرُ الْعَيْش (١٠) بَعْدِهُم؟ قَالَ : فَإِنْ أَبْتُمُ عَلىَّ هذه فإِنِ اللَّيْلَةَ لَيْلَة السَّبْت، وَإِنَّه عَسَى وَأَنْ يَكُونَ محمدٌ وأصحابُه قَدْ أَمِنُوا فِيْهَا فَأَنْزِلُوا، لَعَلَّنَا نُصِيبُ منْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غَرَّة، قَالُوا: نُفْسدُ سَبْتَنَا (١) كذا فى ط، وفى ت. م ((حين)). (٢) كذا فى ط ، وفى ت، م (( وقد كان)). (٣) جواس: كذا هنا وفى شرح غريب ذكر اعتراف كعب بن أسد وفى مغازى الواقدى ٢: ٥٠٢ ((ابن خراش)) وتوافقه السيرة الحلبية ٢ : ١١٦ . (٤) أى التوراة والقرآن (السيرة الحلبية ٢ : ٣٥٧). (٥) كذا فى ط ، وفى ت ، م ((فإذ)). (٦) أى مشاة (شرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٣١). (٧) كذا فى ط، وفى ت، م ((مصلتين بالسيوف)). (٨) فى نهاية الأرب للنويرى ١٧: ١٨٨ ((ثقلا)) بفتح الثاء والقاف. وفى شرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٣١ بفتح الثاء ويجوز كسرها . (٩) فى ت، م ((نقتل)) على نية الاستفهام المحذوف همزته، والمثبت عن ط . (١٠) على سبيل الاستفهام الإنكارى. كما جاء فى شرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٣١. - ١٤ - ونُحْدِثُ(١) فيه ما لم يُحْدِثْ فيه مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إِلَّ مَن قَدْ عَلِمْتَ فَأَصَابَه مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك مِنَ الْمَسْخِ ! فَقَالَ: ما بَاتَ رَجُلٌ منكم مُنْذُ وَلَدَتْهِ أُمُّه لَيْلَةً واحِدَةً مِنَ الدّهرِ حَازِمًا، فَقَال ثَعْلَبَة وأسيد ابْنَا سَعْيَة، وأَسَدُ بنُ عُبَيْد ابن عمّهم، وهم نفرٌ من هذيل(٢) لَيْسُوا مِنْ بَنِى قُرَيْظَةَ، وَلَا النَّضِيرِ، نَسَبهم فَوْق ذَلِكَ وَهُم بَنُو عَمِّ الْقَوْم: بَا مَعْشَرَ بَنِى قُرَيْظَةَ، والله إِنكم لَتَعْلَمُون أَنْه رسولُ الله، وَأَنَّ صِفَتَهِ عِنْدَنَا ، وَحَدَّثَنَا بِهَا عُلَمَاوُّنَا وَعُلَمَاءُ بَنِى النَّضير، هَذَا أَولهم: يَعْنِى حُبِىَّ بْنَ أَخْطَب مع جُبَيْرِ بنِ الْهَيْبَان - أَنه أَصدقُ النَّاس عنْدَنا، هو خَبَّرْنَا بصفَتَه عنْدَ مَوْته. قَالُوا: لَا نُفَارِقُ النَّوراة. فَلَمَّا رأَى هَؤُلاءِ النَّفَرُ إِبَاءَهُم نَزُوا تَلْكَ الليلة الَّتى فى صبحها نزلت بنو قُرَيْظَةٍ فَأْسلموا وَأَمِنُوا على أنفسهم وَأَهليهم وَأَموالهم . وقال عمرو بن(٣) سُعْدَى: يَا مَعْشَرَ يَهُود، إِنكم قَدْ حَالَفْتُم(٤) مُحَمَّدًا عَلَى مَا حَالَفْتُمُوه عليه ، فَنَقَضْتُمْ عَهْدَه الذى كَانَ بينكم وبينه، فَلَمْ أَدْخُل فيه ، وَلَمْ أَشرككم فى غدركم ، فَإِنْ أَبيتِم أَن تدخُلُوا معه فاثبتوا على اليهودية وأَعطوا الجزْيَةَ فَوَ الله مَا أَدرى يَقْبلها أَمْ لا، قَالُوا : فَنَحْن لا نُقُرُّ للعربِ بِخرج(٥) فِى رِقَابِنَا يَأُخذونه ، الْقَتْلُ خَيْرٌ مِنْ ذَلِك(٦)، قَالَ: فَإِّى برئ منكم. وخَرَجَ فى تِلْكَ اللَيْلَة مع أبنى (١) كذا فى ط، وفى ت، م ((وتحدث فيها)) (٢) من هذيل: كذا فى الأصول، وفى البداية والنهاية لابن كثير ٤: ١٢١ ((من بنى هدل، وهم بنو عم القوم)) وسيأتى فى شرح الغريب ص ((هدل)) مخالفاً ما هنا . (٣) هو عمروبن سعدى القرظى. ذكره الطبرى والبغوى وابن شاهين وغيرهم فى الصحابة. وهو الذى نزل من حصن بنى قريظة فى الليلة التى فتح حصنهم فيها فلم يدر أين ذهب . ( ابن حجر: الإصابة ٢ : ٥٣١). (٤) حالفتم: كذا فى الأصول. وفى مغازى الواقدى ٢: ٥٠٣ - أما فى السيرة الحلبية ٢: ٣٥٨ فهى ((خالفتم)) بالخاء المعجمة. (٥) فى السيرة الحلبية ٢: ٣٥٨ ((لانقر للعرب بخراج)). 1 (٦) وهناك رواية أخرى جاءت فى السيرة الحلبية ٢: ٣٥٨. وفى لفظ أنه قال لهم قبل أن يقوم النبى صلى الله عليه وسلم لحصارهم : يابنى قريظة لقد رأيت عبرا، رأيت دار إخواننا - يعنى بنى النضير - خالية بعد ذلك العز والخلد والشرف والرأى الفاضل والعقل ، تركوا أموالهم قد تملكها غيرهم ، وخرجوا خروج ذل ، لا والتوراة ماسلط هذا على قوم قط ولهم بهم حاجة وقد أوقع بنى قينقاع وكانوا أهل عدة وسلاح ونخوة فلم يخرج أحد منهم رأسه حتى سباهم ، فكلم فيهم فتركهم على إجلائهم من يثرب ، ياقوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعونى وتعالوا نتبع محمداً، فو الله إنكم لتعلمون أنه نبي وقد بشرنا به علماؤنا ، ثم لازال يخوفهم بالحرب والسبى والجلاء حتى حلت بهم مقدمة جيش النبى صلى الله عليه وسلم . - ١٥ - سَعْيَةٍ، فَمَرَّ بِحَرَسِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - وعليهم محمد بن مَسْلَمَة، فَقَال محمد: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عَمْرُو بْنُ سُعْدَى، قَالَ مُحَمَّد: مُرَّ اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمِى إِقَالَةَ عَثَرَاتِ الكرامِ ، وَخَلَى سبيله، وَخَرَج حَتَّى أَتِى مَسْجد رسول الله - صَلَّى الله ١٥١ و عَلَيْهِ وَسَلَّم - فَبَاتَ به حَتَّى أَصْبَحَ فلما أَصبح غدا فلم يدْر أَنَّى هُوَ حَتَّى السّاعة / فذكر شأنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (( ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّه اللهُ بِوَفَائِهِ )). ذكر طلب يهود أبى لبابة (١) وما وقع له ونزول توبته قَالَ أَهْلُ المغازى وَجَدَّ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسَلَّم - فِى حِصَارِهِمٍ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِم الْحِصَارُ أَرسَلُوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسَلَّم - لَيْلَةَ السَّبت أَن أبعث إِلَيْنَا أَبَا لُبَابِه بن(٢) عبد المنذر فنستشيره فى أَمْرِنا فَأَرسله إليهم رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - فلما رَأَوْهُ قَامَ إِليه الرِّجال وبَهَشر (٣) إِليه النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ يَبْكُون فى وَجْهِهِ ، فرقٌّ لَهُم ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدِ : يَا أَبَا لُبَابةِ، إِنَّا قَدْ آَخْتَرْنَاكَ عَلَى غَيْرِكِ، إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَبِى إِلاَّ أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حكمه أَفترى أَن ننزل على حكمه؟ قَال نَعم، وَأَشَارَ بِيَده إِلَى خَلْقه أَى أَنه الذّبح. قَالَ أَبو لُبَابَةِ: فَوَالهَ مَازَالَتْ قَدَمَى عَنْ مَكَانَهمَا حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّى قَدْ خُنْتُ اللهُ وَرَسُولِه . فَتَدَمْتُ وَاسْتَرْجَعْت فَتَزَلْتُ وَإِنَّ لحْيَّى لمبْتَلَّةٌ مِنَ الدُّموع، والنَّاسُ يَنْتَظروُنْ رُجُوعى إِلَيْهِم حَتَّى أَخَذْتُ مِنْ وَرَاءِ الْحَصْنِ طَرِيْقًا أُخْرَى، حَتى جِئْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَلَمْ آتِ رَسُولَ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم - فَارْتَبَطْتُ وَكَانَ ارْتَبَاطى عَلَى الأسطُوانَةِ (٤) المخلقة الَّتِى يُقَالُ لَهَا أُسْطوانةِ النَّوْبَة، وَقُلْتُ لَا أَبرحُ مِنْ مَكَانِى (١) هو أبو لبابة الانصارى الموقى. أحد النقباء. عاش إلى خلافة على رضى الله عنه، واسمه - فيما صدر به السهيلى - رفاعة، وقيل: مبشر، وقيل بشير بن عبد المنذر ( شرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٣١ - وجاء فى السيرة الحلبية ٢: ٣٥٨ لأنه كان من حلفاء الأوس وبنو قريظة منهم ، وفى لفظ وكان أبو لبابة مناصحاً لهم؛ لأن ماله وولده وعياله كانت فى بنى قريظة - وانظر البداية والنهاية لابن كثير ٤ : ١٢٠. (٢) لفظ ((ابن)) ساقط من الأصول. والإثبات عن شرح المواهب للزرقانى ٢: ١٣١، والسيرة الحلبية ٢ : ٣٥٨، والبداية والنهاية لابن كثير ٤ : ١٢٠ . (٣) بهش: كذا هنا، وفى مغازى الواقدى ٢: ٥٠٦، ومعناها: أسرع. أما فى شرح الغريب ص فالكلمة « جهش)) بالجيم وكذلك فى نهاية الأرب للنويرى ١٧: ١٨٩، وشرح المواهب الزرقانى ٢: ١١١. (٤) أى التى طليت بالخلوق - بوزن رسول - وهو ما يخلق به من الطيب (شرح المواهب الزرقانى ٢ : ١٣٢). - ١٦ - حَتَّى أَموت أَو يَتُوبَ اللهُ عَلَىّ مِمَّا صَنَعْت، وَعَاهَدتُ الله تَعَالى بِأَلا أَطَأَّ أَرْضَ بَنِى قُرَيْظَةِ أَبَدًا وَلَا أُرَى(١) فِى بَلَد خُنْتُ اللهَ تَعَالى ورسوله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - فيه أَبَدًا، وَبَلَغَ رَسُولَ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - ذهَابِى وَمَا صنَعْتُ، فَقَال: ((دَعُوه حَتَّى يُحدِثَ الله تَعَالَى - فيه مَا شاءَ، لَوْ كَانَ جَاءَنِى اسْتَغْفَرْتُ له ، فَإِذَا لَم يَأْتِنِى وَذَهَبِ، فَدَعُوه)) . وَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿يَأْيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(٢) ﴾ قَالَ أَبُو لُبابة: فَكُنْتُ فِى أَمْر عَظيم، فِى حَرِّ شَديد عدَّةٌ لَيَالٍ لَا آكُلُ فِيهِنَّ وَلَا أَشْرَب، وَقُلْتُ: لَا أَزَالُ هَكَذَا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، أَو يَتُوبَ الله عَلَىّ. وَأَذِكُرُ رُؤْيَا رَأَيْتُهَا فِى النَّمِ ونَحْنُ مُحَاصِرُونَ بنِى قُرَيْظَة. كَأَنِّى فى حَمْأَّةٍ آسِنَة، فَلَمْ أَخْرُجْ منْها حَتَّى كدْتُ أَمُوتُ مِنْ ريحهَا، ثُمَّ أَرَى نَهْرًا جَارِياً فَأُرَانِى اغْتَسَلْتُ فيه حَتَّى اسْتَنْقَيْتُ وَأَرَانِى أَجِدُ ريحًا طَيِّبَةً فَاسْتَعْبَرَتِهَا أَبَا بَكْرِ فَقَالَ : لَتَدْخَلَنَّ فِى أَمْرٍ تَغْتَمُّ له، ثمَّ يُفْرَجُ(٣) عنْدَئذ، فكنت أَذْكرُ قَوْلَ أَبِى بَكْرٍ وَأَنَا مُرْتَبِطٌ ، فَأَرْجُو أَن يُنْزِلَ اللهُ تَعَالَى - تَوْبَتِى. قَالَ: فَلَمْ أَزَل كَذَلِك حَتَّى مَا أَسْمَعَ الصَّوتَ مِنَ الْجَهْد - وَرَسُولُ الله - صلى اللّه عَلَيْه وسلم - يَنْظِرُ إِلَىَّ. قَالَ ابنِ هِشَامِ : أَقَامَ مُرْتَبِطًا سنَّ لَيَالٍ تَأْتِيه أمرأَنهُ كلَّ صَلَةٍ فَتَحُّه حَتَّى يَتَوضَّأَ ويصلى ثمَّ يَرْتَبِط . وَقَالَ ابْنِ عُقْبَةٍ: زَعَمُوا أَنَّه آرتبط قَرِيباً منْ عِشْرِينَ(٤) لَيْلَة. قَالَ فى الْبِداية: وَهَذَا أَشْبَهُ الْأَقَاوِيلِ، وَقَالَ ابنُ إِسْحَاقِ: أَقَامَ مُرْتَبِطًا خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةٌ. قَالَ أَبُو عمر(٥) : روى ابن وهب عَنْ مَالك عَنْ عِبْد الله بن أبى بكر أَن أَبَا لُبَابَة أَرْتَبَطَ (١) أرى: بفتح الهمزة كما سيجىء فى شرح المفردات ص. وفى شرح المواهب الزرقانى فى ٢: ١٣٢ (( بضم الهمزة وفتح الراء )) . (٢) الآية ٢٧ من سورة الأنفال . (٣) كذا فى ط، م - وفى ت ((يفرج عنك)) (٤ ) انظر البداية والنهاية لابن كثير ٤ : ١٢٠. (٥) أبو عمر: هو الحافظ أبو عمر بن عبد البر (شرح المواهب الزرقانى ٢: ١٣٢). (٢ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥) - ١٧ - بِسْسِلَةِ رَبُوضٍ -والرِّبُوضُ الثَّقيلَةُ - بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَة حَتَّى ذَهَبَ سَمْعُه فَمَا يَكَادُ يَسْمَعِ، ويَكَادُ(١) يَذْهَبُ بَصَره، وَكَانَتْ أبنته تَحُلُّهُ إِذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ أَو أَرَادَ أَن يَذْهِبِ لحاجته فإذا فَرَغَ أَعَادَتِ الرباط. والظَّاهر أَنَّ زَوْجَتَهِ كَانَتْ تُبَاشِرُ حَلَّهُ مَرَّةً وَأَبنَتْهُ مُرَّة . وَأَنْزَلَ اللّه تَعَالى - فى تَوْبَة أَبِى لُبَابة ﴿وَآخَرُونَ أَعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَملاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئَا عَسَى اللّه أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ(٢)) قَالَ ابنُ إِسْحَاق: حَدَّثَنِى يزيد بن عبد الله بن قُسَيْطَ (٣) : إن تَوْبَةَ أَبِى لُبَابة نزلت على رَسُولِ الله - صَلَى الله عليه وَسَلَّم من [السحر](٤) وَهُوَ فى بَيْت أَمّ سلمة، قَالَت أُمُّ سَلَمَة: فَسَمِعْتُ رَسُولَ الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم منَ السَّحر وَهُو يَضْحِكُ، قَالت: فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله ممَّ تَضْحَكُ؟ أَضْحَكَ اللهُ سنَّك؛ قَال: ((تيبَ عَلَى أَبِى لِبَابَة)) قَالَتْ: قُلْتُ أَفَلاَ أَبَشِّرُهُ يَارَسُولَ الله؟ قَال: بَلَى إِنْ شِئْت)) قَالَ : فَقَامَت عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهنَ الحجاب - فَقَالَتْ: يَا أَبَا لُبَابِةِ، أَبْشِرْ فَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَيْكَ قَالَت: فَسَارَ النَّاسُ إِلَيْه ليُطْلِقُوه، فَقَالَ: لَا وَالله حَتَّى يكونَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - هُوَ الَّذِى يُطْلقُنى بيده. فَلَمَّا مَرّ عليه خَارِجًا إِلى صَلَاة الصُّبْحِ أَطْلَقَهِ . قَالَ السُّهَيْلِىُّ وَرَوى حَمَّد بن سلمة عَنْ على بن زيد عن على بن الحسين - رضوان الله عليهم أجمعين - قال: إن فاطمة - رضى الله عنها. جاءت تَحُلُّه فقال إِنِّى حَلَفْتُ أَلا يَحُلَّنى إلا رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فقال النبى - صَلَى اللهُ عليه وَسَلَّم : ((إِنَّ فَاطمَة بِضْعَةٌ مِنِّى)) قلت : على بن زيد هو ابن جدعان ضعيف، وعلى ابن الحسين روايته مرسلة - قَالَ أَبو لُبَابة : يارسولَ الله إِنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَنْ أَهْجُرٌ (١) كذا فى ط ؛ م. وفی ت (( وكاد)). (٢) الآية ١٠٢ من سورة التوبة. (٣) يزيد بن عبد الله بن قسيط: بقاف ومهملتين مصغراً - ابن أسامة اليثى أبى عبد الله المدنى الأعرج الثقة توفى سنة ١٢٢ هـ روي عنه الستة (شرح المواهب ٢ : ١٣٢). ( ٤) الإضافة عن السيرة لابن هشام ٢ : ٢٣٧. - ١٨ - دَارَ قَوْمِى الَّتِى أَصَبْتُ فيها الذنب، وَأَن أَنخلع منْ مَالِى كُلِّه صَدَقَةً إِلى الله وَإِلَىَ رسوله . قَالَ : ((يجزئك الثُّلث يَا أَبا لُبابة (١))). ذكر نزول بنى قريظة على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورده الأمر إلى سعد بن معاذ - رضى الله عنه فَلَمَّا جَهَدِهِ الْحِصَارُ، نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فَأْمَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلَّم بأسراهم(٢) فَكُتِّفُوا رِبَاطا، وَجَعَلَ عَلَى كِتَافِهِم محمد بنَ مَسْلَمةِ، وَنُخُوا نَاحِيةً، وَأَخْرَجُوا النِّسَاءَ والذرية مِنَ الْحُصُون فَكَانوا نَاحية وأَسْتَعْمَلَ عليهم عَبْدَ الله بن سَلام، وَجُمعَتْ أَمتعتُهم وَمَا وُجِدَ فى حُصُونهم مِنَ الْحِلْقَةِ والْأَثَاث وَالنِّيَابِ ، وَوَجَدُوا فيها ألفًا وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع ، وَأَلْفَىْ رُمْح، وألفاً وخمسمائة تُرْس وحجَفة(٣) وَأَثَاثًا كثيرا، وآنية كثيرة، وَخَمْراً، وَجِرَارًا، وسكرا (٤) فَهُرِيقَ ذَلكَ كله. وَلَمْ يُخَمِّسْهِ وَوَجَدَ مِن الجِمَالِ النَّواضِحِ عِدَّةَ، وَمِنَ الْمَاشِيةِ شَيْئًا كَثيرا ، فجمع هذا كله . وَتَنَحِّى رسول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم - وَجَلَسَ وَتَوَاثبت(٥) الْأَوْسُ إِلى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فَقَالُوا: يَارَسُولَ اللهِ حُلَفَاوُنَا دُونَ الخزرج، وَقَدْ رأيتَ ما صنعتَ بِبَنِى قَيْنُقَاعِ بِالْأَمْس حلفاءَ ابن أَبَىّ وهبتَ له ثَلاثَمائة حَاسِر ، وأربعمائة دارع. وَقَدْ نَدِمَ حُلفَاوُنَا عَلَى مَا كَانَ مِنْ نَفْضِهِم العهد فَهَبْهُمْ لَنَا، وَرَسُولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - سَاكتٌ لَا يَتَكَلَّم حَتَّى أَكْثَرُوا عَلَيْهِ وأَلحوا وَنَطَقَتْ الْأُوس كلها ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وَسَام: ((أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يكونَ / الحكمُ فيهم إلى رجل ١٥٢ , منكم )) ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ((فَذَلِكَ إِلَى سَعْدٍ بن مُعَاذ)). (١) كذا فى ط. وفي ت، م ((يجزيك يا أبا لبابة الثلث)). (٢) كذا فى ط. وفى ت، م ((بأسرائهم)). (٣) الحجفة: بفتح الحاء والجيم والفاء، وهى الترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب (الصحاح ص ١٣٤١ ) . (٤) فى مغازى الواقدي ٢: ٥١٠ ((وجرار سكر)). (٥) كذا فى ط، وفى ت، م ((ودنت)) وتوافقها (مغازى الواقدى ٢ : ٥١٠). - ١٩ - -- - ---- 1 ! وَقَالَ أَبْنُ عُقْبَةِ: فَقَالَ رَسُولُ الله - صَلّى الله عَلَيْه وَسَلَّم: ((اخْتَارُوا مَنْ شِئْتُم مِنْ أَصْحابى )) فَاخْتَارُوا سَعْدَ بْنَ مُعَاذ، فَرَضِى بِذَلِك رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - وَسَعْدٌ يومئذٍ فى المسجد بِالمدينة، فى خيمة كُعَيْبَة بنت سُعَيْد - بالتَّصْغير فيهما - الأَسْلَمِيّةِ(١)، وكَانَتْ تُدَاوِى الْجَرْحِى وَتَلُمُّ الشَّعَث، وتقوم عَلَى الضَّائِعِ الَّذِى لاَ أَحَدَ له، وَكَانَ لَهَا خيمةٌ فى المسجد، وَكَانَ رَسُولِ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - جعل سَعْدَ ابنَ مُعَاذٍ فيها لِيَعُودَه مِنْ قريب فَلَمَّا جَعَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - الحُكْمَ إلى سَعْدٍ خَرَجَت الْأَوسُ حَتَّى جالموه فَحَمَلُوه عَلَى حِمَارٍ بِأَعرابى بِشَنَذَةَ(٢) مِنْ ليف وَعَلَى الحمار قطيفة فَوْقَ الشَّنَذَةِ، وخطامه مِنْ ليف، وَكَانَ رجُلاً جَسيمًا، فَخَرَجُوا حَوْلَه يَقُولُون: يَا أَبَا عمرو، إنَّ رَسُولَ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - قَدْ وَلَّكَ أَمْرَ مَوَالِيك لْتُحْسنَ فيهم ، فَأَحْسِنْ فَقَدْ رأَيتَ ابنَ أُبَىّ وَمَا صَنَعَ فى حُلَفَائِه، وَأَكثروا منْ هذا وشبْهِهِ، وَهُوَ لَا يَتكلم ، حَتَّى إِذا أَكثروا عليه قال سعد: قد آنَ لسعدٍ أَلاَّ تَأْخُذَه فى الله لومةُ لَائم، فقال الضَّحّاك بن خليفة بن ثعلبة بن عَدِىّ بن كعب بن عبد الْأَشْهَلِ الْأَنْصَارِى: وَقَوْمَاه ! وَقَالَ غيرُهُ مِنْهُمْ نَحْوَ ذلك ثُمَّ رَجع الضَّحّاكُ إِلى الْأَّوسِ فَنَعَى لهم رِجَالَ بنى قُرَيْظَة قَبْلَ أَنْ يَصلَ إِلَيْهِم سعد ؛ عنْ كَلِمَتِهِ أَلَّتِى سَمِعَ مِنْه، وأَقْبَلَ سعدٌ إلى رسُولِ اللهِ - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم والنَّاسُ حَوْلَ رَسُولِ الله صَلَى عليه وسلم جُلُوسٌ ، فَلَمَّا طلع سَعْدُ بن مُعَاذ - وفى الصَّحِيحَيْن - فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَسْجِد : أَى الذى كان فيه رَسُولُ الله - صَلّى الله عليه وَسَلم - أَعَدَّ بِبَنِى قُرَيْظة - أيام حِصَارِهِم - للصلاة، قَالَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم: ((قُومُوا إِلى سَيِّدِكُم)) وفى لفظ ((خَيْرٍ كم)) فَأَمَّا المهاجرون مِنْ قريش فَإِنَّمَا يقولون(٣): إنَّما أراد الأَنْصار، وأَمَّا الأَنْصَارُ فَيَقُولُون: قَدْ عَمَّمَ بِها رَسُولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلم - المسلمين، وَعِنْدَ الإِمام أحمد (( قُومُوا إِلَى سَيِّدكم)) فَأَنْزلوه، وَكَانَ رجال من بنى عبد الأشهل يقولون: قُمْنَا له عَلَى أَرجلنا صَّفَّيْن، يُحَيِّيه كُلُّ رَجُلٍ منَّا حتَّى انتهى إلى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وَلم . (١) عبارة السيرة لابن هشام ٢: ٢٣٩ (( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ فى خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة فى مسجده )» . (٢) الشئذة: شبه إكاف يجعل لمقدمته حنو (النهاية ٢: ٢٣٨) وهى فى ت، م ((شندة)) بدال مهملة. (٣) كذا فى ط، وفى ت، م ((فيقولون إنما أراد الأنصار)). - ٢٠ -