Indexed OCR Text
Pages 501-520
ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسائر الإبل ، فقال: يا محمد، أصبتُم ابنتى ، وهذا فداؤها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأَين البَعِيران اللذان غَيِّبْتَ بالعَقِيق بشِعْب كَذَا؟ فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله، ولقد كان مِنِّى فى البعيرين، وما اطَّع على ذلك إلا الله تعالى ، فأَسلم. ذكر مانزل فى ابن أبىّ فى هذه الغزوة روى محمد بن عمر، عن رافع بن خَدِيج قال : سمعت عُبادة بن الصامت يقول يومئذ لابن أُبَىّ قبل أن ينزل فيه القرآن : إيتِ رسولَ صلى الله عليه وسلم بستَغْفِرْ لك، قال: فرأيتُه يَلْوِى رأسَه مُعرِضًا. يقول عُبادةٍ: أَمَا واللهِ لينزلنَّ الله تعالى فى لَىِ رأْسِك قرآناً يُصَلَّى به . قال : فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير من يومه ذلك ، وزيد بن أَرقم يُعارِضٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِراحِلَته يُرِيد وجهَه فى المَسِير، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يَسْتَحِثُ راحِلَته: ((حَلْ حَلْ)) وهو مُخِذٌّ فى السّير، إِذ نزل عليه الوَحْىُ . قال زيد بن أَرقم : فما هو إلاَّ أَن رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخذه البُرَحَاءُ وَيَعْرَقُ جَبِينُه، وَتَفْقُلُ يَدَا رَاحِلَتِهِ حتى ماتكاد تنقلهما عرفتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُوحَى إليه، ورجوتُ أَن يُنزل الله تعالى تصديقى(١) قال زَيْد: فَسُرِّىَ عز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذَ بأُذُنِى وأَنا على راحِلَتى حتى ارتفَعْتُ مِن مَقْعَدِى، ورَفَعها إلى السماء ، وهو يقول: وَفَتْ أُذُنُكَ يا غلام، وصدَّق الله حديثَك. ونزلت سورةُ المنافقين فى ابن أُبَىّ من أَوَّها إلى آخرها ، وجعل بعد ذلك ابن أُبَىّ إِذا أُحدث حدثاً كان قومه هم الذين يُعاقبونه ويأخذونه ويُعَنِّفُونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه شأنُهم : كيف ترى يا عمر، إنّى والله لو قتلتُه يوم قُلتَ لى: اقتُلْه لأُرعِدَتْ له آنُفُ لو أمرتُها اليوم بقتله لقتلْه. قال عمر: قد واللهِ عَلِمتُ ، لَّمْرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَعلَمُ بركةً من أمری ! (١) الواقدى ٤٢٠/٢: ((تصديق خبرى)). - ٥٠١ - i تَنْبِيَهَاتٌ الأول : المُصْطَلِقِ - بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وكسر اللام بعدها قاف - مُفْتَعِل من الصَّلْق وهو رَفْع الصوت، وهو لقب، واسمه جُذَيْمة (١) - بجيم فذال معجمتين مفتوحة فتحتية ساكنة - بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة : بطن من بنى خُزاعة . ٠ والمُرَيْسِيع - بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانيتين بينهما سين مهملة مكسورة وآخره عين مهملة - وهو ماء لبنى خُزاعةً بينه وبين الفُرْع مسيرةُ يوم ؛ مأخوذ من قولهم : وَسِعَتْ عَيْنُ الرجل؛ إِذا حَمَعَتْ من فسادٍ . ٠٠ الثانى : اختلف فى زمن هذه الغزوة ؛ فقال ابن إسحاق : فى شعبان سنة ست، وبه جزم خليفة بن خياط والطبرىّ . وقال قتادة ، وُروة : كانت فى شعبان سنة خمس . ووقع فى صحيح البخارى(٢) نقلاً عن ابن عُقبة أنها كانت فى سنة أربع . قال الحافظ : وكأنّه سَبْقُ قَلم ؛ أراد أن يكتب سنه خمس فكتب سنة أربع . والذى فى مغازى موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعد النَّيسابورىّ والبيهقىّ فى الدلائل وغيرهم : سنة خمس . ولَفْظُه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب : ثم قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنی المُضْطَلِقِ وبنى لِحْيَانَ فى شعبان سنة خمس. ويؤيده ما أخرجه البخارىُّ فى الجهاد عن ابن عمر أنه غزا مع النبيُّ صلى الله عليه وسلم بنى المصطلق . (١) م، ت: ((مذية - بهيم مضمومة فذال معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة - بن سعد ... الخ)). (٢) صحيح البخارى ٥٤/٥: ((من ابن إسحاق أنها سنة ست، وعن موسى بن عقبة سنة أربع)). - ٥٠٢ - وقال الحاكم فى الإكليل : قولُ عُروةً وغيرُه أنها كانت فى سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق . قال الحافظ : ويؤيده ماثَبَت فى حديث الإفك أنّ سعدَ بنَ مُعاذ تنازع هو وسعد بن عُبادة فى أصحاب الإفك ، أَى المذكور فى الحوادث ، فلو كانت هذه الغزوة فى شعبان سنة ست ، مع أن الإفك كان فيها ، لكان ما وقع فى الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا ؛ لأَن سعد بن معاذ مات أيام قُرَيْظة وكانت سنة خمس على الصحيح ، كما سيأتى تقريره، وإن كانت سنة أربع فهو أَسَدّ(١)، فظهر أَن غزوة بنى المصطلق كانت سنة خمس فى شعبان ، فتكون وقعت قبل الخندق ؛ لأن الخندق كانت فى شوال من سنة خمس ، فتكون بعدها ، فيكون سعد بن معاذ موجوداً فى المُرَيْسِيع . ورُمِىَ بعد ذلك بسهم فى الخندق ، ومات من جراحته بعد أن حُكّم فى بنى قريظة . ويأتى لهذا مزيدُ بيانٍ فى الكلام على حديث الإفك فى الحوادث ، ويؤيده أيضاً أن حديث الإفك كان سنة خمس؛ إذ الحديث فيه التصريح بأن ذلك كان بعد نزول الحجاب ، والحجاب كان فى ذى القعدة سنة أربع عند جماعة ؛ فتكون المريسيع بعد ذلك، فيترجّح أَنه سنة خمس . أَما قول الواقدىّ : إن الحجابَ كان فى ذى القعدة سنة خمس ، فمردود . وقد جَزَمَ خليفةُ وأَبو عبيدة وغيرُ واحدٍ أَن الحِجابَ كان سنة ثَلاثٍ، فحَصَلْنَا فى الحجاب(٢) على ثلاثة أقوال: أَشْبَهُهما سنة أربع . الثالث: روى الشيخان عن ابن عون (٣) قال: كتبتُ إلى نافع أَسأَلُه عن الدعاء قبل القتال ، فكتب إلىّ : إنما كان ذلك فى أول الإِسلام ، قد أَغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنى المصطلق ، وهم غارُّون وأَنعامهم تسعى على الماء، فقتل مُقَاتِلَتَهم، وسَبَى ذَرارِيَّهم ، الحديث. وعنه حدثنى هذا الحديث عبد الله بن عمر ، وكان فى ذلك الجيش . غارّون ، بتشديد الراء ، أَى غافِلُون . وذكر أَهلُ المغازى(٤) أَنه حصل بين الفريقين قِتالٌ ، وذكر جماعة منهم أن النبىّ (١) ص: ((فهو أقل)). (٣) م، ت: ((عن ابن عوف). (٢) م ، ت: ((محصلنا فى الجواب)). (٤) ص: ((وذكر جل أهل المغازى)». - ٥٠٣ - صلى الله عليه وسلم أَمر عُمَر أَن يَدعُوَهم إلى توحيد الله تعالى. قال فى الفتح: فيُحتمل أن يكونوا حين الإيقاع بهم تَثَبِّتُوا قليلا، فلما كَثُر فيهم القتال انهزموا ؛ بأن يكون لما دَهَمَهم وهم على الماء ثبتوا وتَصافُوا، ووقع القتال بين الطائفتين ، ثم بعد ذلك وقعت الغَلَبَةُ عليهم . . وأشار: ابنُ سَعْد إلى حديث نافع ثم قال: والأُول أَثبت ، وأَقَرَّه فى العيون ، والحكم يُكون الذى فى السِّيَر أَثبتَ مما فى الصحيح مردود ، لاسِيّما مع إِمكان الجمع . الرابع : جَهْجَاه، قيل: اسم أبيه مسعود، وقيل: سعيد: قال الطبرىّ: المحدِّثون يزيدون فيه الهاء ، والصواب جهجا ، دون ماء . وسِنَان اختُلف فى اسم أبيه أيضا فقيل: وَبْر بسكون الموحّدة ، وقيل بفتحها - وقيل أُبَيْر - بوزن ... (١)، وقيل: وَبَرَة واحدة الوَبَر، وقيل: عمرو ، وقيل: تَيْم. الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم: ((دعوها فإنها مُنْتِنة)). قال أبو القاسم الخَفْعَمِىّ(٢): يعنى ((يالَفُلان))، لأنها من دعوى الجاهلية. وقد جعل الله تعالى المؤمنين إخوة، وحزبًا واحدًا؛ فإِنما ينبغى أن تكون الدعوة: يَالَلْمُسْلِمِينَ(٣)، فمَنْ دَعَا فى الإِسلام بدعوى الجاهلية فيتوجّه فيها للفقهاء ثلاثة أقوال : أحدها أَن يُجلَد مَنِ اسْتَجابَ لها بالسلاح خمسين سوطًا؛ اقتداء بأَبى موسى الأشعرى فى جلده النابغَة الجعدىَّ خمسين سوطًا، حين سمع: يا لَعَامر! فأَقْبل يشتدُّ بعَصَبَةٍ له. القول الثاني: أَنَّ فيها الجَلْدَ دُونَ العَشَرة؛ لِنَهْبِهِ صلى الله عليه وسلم أَن يُجلَد أَحدُ فوق عشرة أسواط ، إلا فى حَدٍّ . والقول الثالث : اجتهاد الإِمام فى ذلك على حسب ما يراه من سَدّ الذريعة ، وإغلاق باب الشرّ بالوعيد، وإما بالسَّجْن، وإما بالضرب(٤) . فإن قيل: إن رسول الله صلى الله (١) بياض فى جميع النسخ ، ولعلها زبير . (٢) م ، ت: ((الخشمى)). (٤) م، ت، الروض الأنف ٢١٧/٢: ((وإما بالجلد)). (٣) م، ت : بالمسلمين. - ٥٠٤ - عليه وسلم لم يُعاقب الرجليْن حين ◌َعَوا بها، قلنا: قد قال: دَعُوها فإنها مُنْعِنة، فقد أَكِّد النهى ، فَمَن عاد إليها بعد هذا النهى ، وبعد وصف النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالإنتان، وجب أَن يُؤدّب حتى يَثُمَّ نتنَها ، كما فعل أبو موسى بالجعدىّ، ولا معنى لنتنها إلا سوء العاقبة فيها ، والعقوبة عليها . السادس : فى استئذان عبد الله بن عبد الله بن أبىّ فى قتل أبيه المنافق؛ من أجل المقالة الخبيئة التى قالها . [ وفى هذا] (١) العلمُ العظيم (٣) والبرهانِ النَّيِّرُ من أعلام النبوة؛ فإن العرب كانت أشدَّ خَلْقِ اللّه حَمِيَّةً وَتَعَصًُّا، فبلغ الإيمان منهم ونورُ اليقين من قلوبهم إلى أن يرغب الرجلُ منهم فى قتل أبيه وولده، تقرّبًا إلى الله تعالى [ وتزلُّفا](١) إلى رسوله، مع أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أبعد الناس [ نسبا](١) منهم؛ أَى الأَنصار، وما تأَخَّر إسلامُ قومه وبنى عمِّه وسبق إلى الإِيمان به الأَباعِدَ إلا لحكمةٍ عظيمةٍ ؛ إذ لو بادر أهله وأقربوه إلى الإيمان به لقيل : قوم أرادوا الفخر برجل منهم، وتَعَصَّبوا له، فلما بادر إليه الأَّباعدُ وقاتلوا على حُبِّه مَنْ كان منهم ، أو من غيرهم ، عُلِمَ أن ذلك عن بصيرة صادقة ، ويقين قد تغلغل فى قلوبهم ، ورهبة من الله تعالى أَزالت صفةً قد كانت [سَدِكَتْ](٣) فى نفوسهم من أخلاق الجاهلية، لايستطيع إزالتها إِلا الذى فَطَر الفِطرةَ الأُولى ، وهو القادر على ما يشاء . السابع : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لجُويريةً حتى عرف من حُسنها ما عرف ، وذلك لأنها كانت أمَّةً مملوكةً، ولو كانت حرةً ما ملأَّ عينَه منها، لأَنه لايُكْرَه النظر إلى الإِماء . وجائز أيضًا أن يكون نَظَر إليها لأَنه نوی نِكاحها، أَو أَنَّ ذلك قبل أن تنزل آية الحجاب . الثامن: وقع فى هذه الغزوة حديث الإفك، وسيأتى الكلام عليه فى الحوادث فى سنة خمس . قيل : وفيها نزلتْ آية التيمُّم، وسيأتى الكلام عليه فى الحوادث . . (١) تكملة من الروض الأنف ٢١٧/٢ (٣) تكملة من الروض الأنف ٢١٨/٢، وسدكت: لزمت. (٢) م، ت: ((الواضح)). .. 0.0 - التاسع : فى بيان غريب ما سبق . الفُرْع - بالفاء والراء والعين المهملة وزن تُفْل - من أعمال المدينة. تألّبوا : تجمِّعوا. استأصله : أهلكه . كَثِيف ـ بكاف فمثلثة فتحتية ففاء - اسم يُوصف به العسكر والسحاب والماء وكثُفَ : غَلُظَ . عَرَضُ الدنيا - بفتحتين - المتاع، وكل شىءٍ فهو عَرَض سوى الدّراهم والدنانير فإنها عَيْن . الخَلائِقِ - بالخاء والقاف جمع خَلِيقة - : مكان به مزارع وآبار قرب المدينة . الرَّوْحاء - بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة وألف - : من عمل الفُرْع. العين هنا الجاسوس . الأَدَم ( بفتحتين) . يُرَى - بضم التحتية وفتح الراء -: يُظَنّ. أَفناء العرب: قال فى النهاية: رجل من أَفناء الناس؛ أَى لم يُعْلَم من هو ، الواحدفِنْو . وقيل : هو من الفِنّاء ، وهو المُتَّسَع أمام الدار . النَّبْل .- بفتح النون وسكون الموحدة - السهم العربيّ. أُفْلِت ( بضَمْ أَوله والفاء). عدا عليه . من العُدوان . ذو الشُّقرة ( بشين معجمة فقاف فراء). (( يامنصور أمت)): أَمْرٌ بالموت، والمرادبه التفاؤلُ بالنصر بعد الإماتة مع حصول الغرض للشِّعار ، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها ؛ لأجل ظلمة الليل . الرُّعب - براء وعين مهملتين مضمومتين وبضم الراء وسكون العين - : الفَزّع . - ٥٠٦ - شرح غريب أمره عليه والم بتكتيف الأسَارى ٠ سِيقَت (بكسر السين المهملة وبالبناء للمفعول) . سُهْمان - بالصّمّ - وأَسْهُمُ وسِهَام : جمع سَهْم . رِئَّة (١) بالمثلثة وزن مِرّة: خَلِقَة. رضی الله عليه وسلم بجويرية عنّها شرح غريب تزوجه محلىالله مُلَّاحة قال فى المصباح: مَلُح الشِّئُْ بالضَّم مَلاحَةٌ بالفَتْح: بَهُجَ وحَسُن مَنظَرُه فهو مَلِيحٌ والأُنثى مَلِيحة ، والجمع مِلاحٌ. لا طاقَةً بكذا ولا يدان ؛ أَى لاقوة لى ولاقدرة عليه . شرح غريب ذكر افتداء من بقى من السبى وما يذكرهعه العُزُوبة - بضم العين المهملة والزاى -: عَدمُ الزَّوجة . العَزْل - بفتح العين المهملة وسكون الزاى - : تَرْكُ الإِنزال فى الفَرْجِ. النَّسَمة : النَّفْس والروح . السَّخْل - بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة -: الولد المُحبَّب إلى أبويْه ؛ وهو ٠ فى الأصل ولد الغنم. المَوْمُودَة: يقال: وَأَدَ ابنتَه وَأَدًا من باب وعد: دَفَنَها حَيَّةً، فهى مَوْمُودَة. شرح غريب ماظهرمن ابن أبىّ مِنَ النفاق الماء الظَّنُون : الذى تتوهَّمه ولستَ منه على ثِقَة، فَعُول بمعنى مفعول ، وقيل: هى البِثْر التى يُظَنّ أَن فيها ماء وليس فيها ماء، وقيل: البئر القليلة الماء، وهو المراد هنا . (١) القاموس (رث ): الرثة: السقط من متاع البيت. - ٥٠٧ - شَهْروا السلاح : أُظهروه . يالَ فلان(١) ... ... دَعُوها - بدال فعين مهملتين فواو فأَلف - : اتركوها . مُنْتِنة - بميم مضمومة فنون ساكنة فمثناه فوقية فنون - أَى مذمومة فى الشّرع، مُجْتَنَبة مكروهة كما يُجتَنَبُ الشَّىُ المُنْتِنِ ؛ يريد قولهم: بالّفلان . نافَرُونا - بنون فألف ففاء مفتوحة فراء فواو فنون فأَلف -: غَلَبونا. يقال: نافره إذا غلبه . مِنْتُنا : نِعْمتنا. الجلابيب - بفتح الجيم -: لقبٌ لكل من أسلم من المهاجرين، لَقَّبَهم بذلك المشركون. والجَلابيب فى الأصل الأُزُر الغلاظ ، كانوا يلتحفون بها فلقّبوهم بذلك. الغِيَرُ - بكسر الغين المعجمة وفتح التحتية - الاسم من قولك: غَيِّرتُ الشىءَ فتَغَيّر . أسهمتُموهم : أعطيتُموهم نصيبًا من أموالكم. الغَرَض - بالغين والضاد المعجمة بينهما راء - : الهدف الذى يرمى إليه . الرَّهْط : مادون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة ، وسكون الهاء أفصح من فتحها يُونِّبون: يُبالغون فى التَّوبيخ والتَّعنيف . عَمَدت : قَصَدت . سَلَف منك: صَدَر ووقع . حَدَباً على ابن أبىّ - بفتح الحاء والدال المهملتين وبالموحّدة -: عَطْفًا عليه. شرح غريب ذكر تكبيس ظهر عليه وسلم ". صَلى الله فى فَرْءُ: الأُولى حرف جر ، والثانية من الفَىْء ، وهو الظلّ. يَغْمِز ظهرَه - بغين معجمة فزاى - : يعصره ، وهو التِّكبيس . تقحَّمتْ بى الناقة : أَلْقَشْنى . (١) بياض فى جميع النسخ واللام هنا للاستغاثة. (٢) عنوان يقتفي نهج الكتاب فى شرح الغريب . - ٥٠٨ - أُرعِدتْ (بضم الهمزة وكسر العين المهملة وبالبناء للمفعول). آنُفَ - بفتح الهمزة - وآناف وأُنوف جمع أَنف: العضو المعروف. يشعر : يعلم . الرِّوَاحِ. قال الأزهرىُّ وغيره: قد يَتَوّ بعض الناس أَنَّ الرَّواح لايكون إلا فى آخر النهار، وليس كذلك، بل الرّواح والغدُوُّ عند العرب يُستعملان فى المسير أَىِّ وقت كان من لَيْل أَو نهار. وأَما رَاحَت الإِبلُ فهى رائِحة، فلا يكون إلا بالعَشِىِ، إِذا أَرَاحَها رَاعِيها على أهلها. يقال : سرحتْ بالغداة إلى المرعى وراحت بالعشىِّ على أهلها؛ أى رجعت من المرعى إليهم. وقال ابن فارس: الرَّوَاحِ: رواحُ العَشِىّ وهو من الزَّوال إلى الليل. الخَرَز - بخاء مفتوحة معجمة فراء فزاى - : الذى ينضمّ ، الواحدة خرزة . أُرِبَ بهم : اشتدّ عليهم فى ثمنها . الْبُحَيْرة : اسم للمدينة الشريفة ، وتقدم فى أسمائِها . اتَّسَقُوا عليه : اجتمعوا . يُتَوِّجوه: يُلبسوه التاجَ ويُسَوِّدوه. والتاج: مايُصاغ للملوك من الذهب والجوهر . مَثَّنَ - بميم ففوقية مخففة فنون مفتوحات - فإذا بالغتَ شَدَّدتَ: سار حتَّى أَضعفَ الإِبلَ. ليَشْغَل الناس ( بفتح التحتية وسكون الشين وفتح الغين المعجمتين). مَسّ الأَرض : أول ما ينال منها . الحِجاز - بحاء مهملة فجيم فألف فزاى -: مكة والمدينة والطائِفِ ومَخالِيفها؛ كاّها حُجِزِتْ بين نجد وتهامة، أَو بين نجد والسَّراة، أَو لأنها احتجزت بالحداء . النَِّيع - بفتح النون وكسر القاف ـ وهو على أربعة بُرُدٍ من المدينة. نَفْعاء ( بفتح النون وإسكان القاف وبالعين المهملة والمد). - ٥٠٩ - : شرح غريب ذكر أخباره عليه وسلّم بموت منافق وما يذكرهعه ماجت : ثارت وتحر کت : عصفت الريح : اشتدّت . كثيبًا : حَزِنَ أَشَدَّ الحُزن .. قاتله الله ": لعنه الله وأهلكه نَبَذوه - بالذال المعجمة - : رَمَوْه . العَمْر - بفتح العين المهملة - : الحياة . الشِّغب - بكسر الشين المعجمة - : الطريق فى الجبل . عَمَد - بعين مفتوحة فميم مفتوحة فدال مهملتين -: قَصَد . شَمِت به : فرح بمصيبةٍ نزلتْ به . الزِّمام - بكسر الزاى - : المِقْود . سُقِط فى يده ( بضم البسين المهملة وكـ أَنَشْدُكم اللهَ، أَى أَسالُكم الله. قال فى النهاية: وتعديتُه إلى مفعولين إمّا لأَنْه بمنزلة دَحَوْتُ : حيث قالوا : نشدتُك اللهَ وبالله، كما قالوا : دعوتُ زيدًا أو بزيدٍ ، أَو لأنهم ضمَّنوه معنى ذكرتُ. فأَما أَنشدتُك بالله فخطأً . الفَشِل ـ بفتح الفاء وكسر الشين المعجمة - : الجبان الضعيف القلب. تَصَفَّح وجوه الناس : نظر فى صفحات وجوههم . الرِّكَابِ - بالكسر - المَطِىُّ ، الواحدة : راحلَةٌ من غير لفظها. يالُكَع - بضم اللام وفتح الكاف - وهو فى الأَّصل العَبْد، ثم استُعوِل فى الحُمق واللَّمّ . يَرْفِدُه : يُعينه . الكُلأُّ - بفتحتين وبالحمز - : العُشب رطبًا كان أَو يابسًا، قاله ابن فارس وغيره . الغَدران : جمع غدير وهو القطعة من الماء . مُقَعَّل - بميم فقاف مفتوحة فميم مشددة - : جبل قرب المدينة. - ٥١٠ - شرح غريب ذكر نهيه عبد الله عن طروق النسَاء طَرَقَ أَهلَه يطرُقهم بالضم ◌ُروقًا : أتاهم ليلا. المُعَرِّس - بيم مضمومة فعين مهملة فراء مشددة فسين مهملة - : النازل بمكان ليلا . بِبَارِح - بموحدتين فألف فراء فحاء مهملة - يذَاهب. الغِمْد ( بكسر الغين المعجمة وسكون الميم). تَوْسَن ...... (١) الماشطة: مُسَرِّحة الشّعر. بئرُ أَبى عِنَبة : بلفظ واحدة العنب . شرح غريب ذكر مانزل فى ابن أبىّ المنافق حَلْ حَلْ - بفتح الحاء المهملة وسكون اللام فيهما ، ويقال بكسرها فيهما بالتنوين وبغير تنوين - : كلمةُ زَجْرٍ للإبل . مُغِدّ فى السير : مُجدّ . الْبُرَحاء ( بضم الموحدة وفتح الراء) . (١) بياض فى جميع النسخ، وهو من الوسن: شدة النوم، أو أوله، أو النعاس (للقاموس / وس ن). - ٥١١ - ! الباب التاسع عشر فى غزّوة الخَنْدَق وتُسَمَّى غزوة الأحزاب ، وهى الغزوة التى ابتلى الله فيها عباده المؤمنين ، وبعث الإِيمان فى قلوب أوليائه المتقين، وأَظهر ما كان يُبْطِئُه أَهلُ النفاق، وفضحَهم وفَزَّعهم، ثم أُنزل الله تبارك وتعالى نَصْرَه، ونَصَرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحده، وأَعزّ جُندَه، ورَدَّ الكفَرَةَ بِغَيْظِهِم، ووَفَى المؤمنين شَرَّ كَيْدِهِم، وحَرَّم عليهم شرعًا وقدرًا أَن يغزوا المؤمنين بعدها ، بل جعلهم المغلوبين ، وجعل حِزْبُه هم الغالبين . وسببُها أَن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمّا أَجْلَى بنى النَّضِير، وساروا إلى خيبر ، وبها من بهودَ قَومٌ أَهل عَدَد وجَلَد ، وليس لهم من البيوت والأُحساب مالِيَنِى النضير، فخرج حُبَىُّ ابنُ أَخْطِبَ وكِنانةُ بن أبى الحُقَيْقِ وهَوْذَة - بفتح الهاء وبالذال المعجمة - بن قيس الوائِىّ، وأبو عامِر الفاسِقِ، فى جماعة سواهم، إلى مكة فدَعَوْا قريشًا وأَتباعَها إِلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين حَزَّبُوا الأحزاب، فقالوا لقريش: نحن مَعَكم حتى نَسْتَأْهِل محمدًا ، جئنا لنُحالفكم على عداوته وقتاله، ونَشِطتْ قريش لذلك، وتذكروا أَحقادهم ببدر ، فقال أبو سفيان : مَرْحَبًا وأَمْلًا، أَحَبُّ النّاس إلينا مَنْ أَعانَنَا على عَداوةِ محمد . وأخرج خمسين رَجُلًا من بُطونِ قريش كلِّها، وتحالفوا وتَعاقَدوا وأَلْصَقُوا أَكبادَهم بالكَعْبة ، وهم بينها وبين أَستارِها، لا يَخِذُل بعضُهم بعضا، ولتكوننَّ كلمتُهم واحدة على محمد ، مابقى منهم رجل . وقال أبو سفيان: يا معشَرَ يَهُود ، أَنتم أَهلُ الكتابِ الأَوَّل والعِلم ، أَخِرونا عمّا أَصبحنا تختلف فيه نحن ومحمد: أَدِينُنَا خَيْرٌ أَم دينه؟ فنحن عُمَّار البيت، نَنْحَرُ الكُومَ ، ونَسقِى الحَجِيجِ ، ونَعُد الأصنامَ . فقالت يهود: اللهم أَنْتُم أَوْلَى بالحَقِّ منه ؛ إنكم لتُعَظّمون هذا البيت، وتَقُومُون على السِّقاية، وتَنْحَرون البُدْن، وتعبُدُون ما كان يعبد آباؤكم، فأَنتَم - ٥١٢ - أَوْلَى بالحقِّ منه. فأَنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا من الكِتابِ يُؤْمِنُون بالجِبْت والطَّاغُوت، ويَقُولُون لِلَّذِين ◌َفَروا: هَؤُلَاءِ أَهْدَى من الذين آمنوا سَبِيلا، أُولَئِكِ الَّذِينَ لَعَنَّهم الله، ومن يَلْعَنِ اله فَلَنْ تَجِدَ له نَصِيرا. أَم لهمْ نَصِيبُ من المُلكِ، فَإِذًا لايُؤْتُون النَّاسَ نَقِيرًا. أَمْ يَحْسُدُون النَّاسَ على ما آتاهُم الله من فَضْلِه، فقد آتَيْنا آلَ إِبراهيمَ الكِتابَ والحكمة، وآتيناهم مُلْكًا عَظِما. فمنهم مَنْ آمَنَ به، ومنهم من صَدَّ عنه، وكفى بجهنَّمَ سَعِيرا(١)﴾. فلما قالوا ذلك لقريش سَرِّهم، ونَشِطُوا إِلى ما دَعَوْهم إليه من حَرْب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، فاتَّعَدُوا لذلك وَقْتًا أَقْتُوه . ثم خرجت يهودُ إِلى غَطَفَانَ فدَعَوْهم إلى حَرْب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال محمدُ بنُ عُمَر: وجَعَلوا لهم تَمْر خَيْبَر سنةً، إِن هم نَصَروهم، وأخبروهم أَنَّ قريشا قد تابعوهم على ذلك ، واجتمعوا معهم فيه . ثم خرجت يَهودُ إلى بنى سُلَيْم فوعدوهم المَسِيرَ معهم إذا خرجت قريش . ذكر خروج قريش ومن ذكرمعهم ثم إن قُريشًا تَجَهَّزت، وسَيِّرتْ تَدعُو العرب إلى نصرها وأَلَّبُوا أَحابِيشَهم ومَنْ تَبعهم، وخَرجُوا فى أربعة آلاف، وعَقَدُوا اللَّوَاء فى دَارِ النَّدْوة، وحمله عثمانُ بن طلحة - وأسلم بعد ذلك - وقادُوا معهم ثلاثمائة فرسٍ ، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير . ولاقَتْهُم بَنُو سُلَيمٍ بِمَرِّ الظَّهْرانِ فى سبعمائة، يَقُودهم سُفْيَانُ بنُ عَبْد شمْس [وهو](٢) أَبُو أَبِى الأَعْور السُّلمِىّ ، الذى كان مع معاوية بصِفِّين . وخرجَتْ بَنو أَسَد بن خُزَيْمَةَ وَقائِدُها طَلْحَةُ بنُ خُوَيْلد الأَسَدِىّ، وأَسْلَم بعد ذلك. (١) سورة النساء : من الآية ٥٠ - ٥٤ (٢) تكملة عن الواقدى ٤٤٣/٢. - ٥١٣ - ( ٣٣ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤) أ وخَرَجَتْ بَنُو فَزَارَة [ وَأَوْعَبَتْ](١) وهم ألف يَقُودُهم عُبَيْنَةُ بنُ حِصْن، وأسلم بعد ذلك. وخرجَتْ أَشْجَعُ، وقائِدُها مَسعُودُ بن رُخَيْلَة - بغَمَّ الرَّاءِ وفَتْح الخاءِ المُعْجَمة - وأَسْلَم بعد ذلك - وهم أربعمائة . وخرجت بَنُو مُرَّةً فى أربعمائة، يَقودُهم الحارِثُ بنُ عَوْف المُرِّىّ - بميم مَضُْومة فراء مشَدَّدة مكسورة ، وأسلم بعد ذلك. قالوا : وكان القوم الذين وافوا الخَنْدَق من قُرَيْش وسُلَيْم وأَسَد وغَطَفان عَشْرة آلاف. وعِنَاجُ الأَمرِ إلى أَبِى سُفْيانَ بنِ حَرْب. هذا ما كان من أمر المشركين .. وأما ما كان من أمرٍ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللّه صلَى الله عليه وسلم فإنَّ خُزاعَةً عندما تَهَيَّأَتْ قُریش للخُروج أُنی ر کبُهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أربع ليال حتى أَخبروه ، فندب الناسَ، وأخبرهم خَبَر عَدُوّهم، وشاوَرَهم فى أَمرهم: أَيَيْرُزُ من المَدِينةِ أَم يكون فيها"، ويُحارِبُهم عليها وفى طُرُقِها؟ فَأَشارَ سَلْمان - رضى الله عنه - بالخَنْدق، وقال: يا رسولَ الله إِنا كنَّا بأَرضِ فارسَ إِذا تَخوَّفنا الخيلَ خندَقْنا علينا، فأَعجَبَهم ذلك، وأَحُبُوا الثَّباتَ فى المدينة، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجِدِّ، ووعدهم النَّصْر، إِذا هم صَبِّرُوا واتَّقوا ، وأمرهم بالطَّاعة، ولم تكن العرب تُخَتْدِقُ عليها . ورَوَى البَزَّار عن مالك بن وَهْب الخُراعىّ أَنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ سُلَيْطًا وسُفيانَ بنَ عَوْف الأَسْلَمِىِّ طليعةٌ يوم الأحزاب، فخرجا حتى إذا كانا بالبيداء التفَّتْ عليهما خيلٌ لأبى سفيان ، فقاتلا حَتَى قُتِلا ، فأتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدُفنا فى قبر واحد ، فهما الشَّهِيدان القَرِينان . وركِبَ فَرسًا له ومعه عِدَّةٌ مِن المهاجرين والأَنْصار رضى الله عنهم ، فارتَادَ موضِعًا يَنْزِلُه، (١) أوعبت: خرجت كلها، والجملة عن الواقدى ٤٤٣/٢. - ٥١٤ - فكان أعجبَ المنازل إِليه أَن يَجْعَلِ سَلْعًا الجَبَلَ خَلْفَ ظَهْرِه، ويُخَيْدِق من المَذَادُ(١) إِلى ذُبَاب إِلى رَاتِج، فعمل يومئذ فى الخَبْدِق، ونَدَب النَّاسِ وخَبَّرهم بدُنُوِّ عَدُوّهم [ وعسكرهم إلى سَفْحَ سَلْع](٢) وجعل المسلمون يعملون مستعجلين ، يُبادِرُون قُدومَ العدوّ عليهم ، واستعاروا من بنى قُرِيظَةَ آلةً كثيرةً من مَساحِىَ وكَرَازِينَ ومَكَاتِلَ الحَفْر . ووكّل رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلّ جانِبٍ من الخندق قَومًا يحفرونه ؛ فكان المهاجرون يَحْفِرون من ناحية راتِج إِلى ذُبَاب، وكانت الأَنْصار يَحْفرون من ذُبَابَ إلى جبل أَبِى عُبَيدة(٣). وروى الطبرانىُّ بسَنَدٍ لابَأْس به عن عَمْرو بن عَوْف المُزَّ: أَن رسول الله صلى اله. عليه وسلم خطَّ الخندق من أُجَمِ الشَّيْخَيْن طرف بنى حارثة حتى بلغ المذاد(٤) فقطع لكل عشرة أربعين ذراعًا . وتَنَافَس المُهاجِرُون والأَنْصارُ فى سَلْمان الفَارِسِىّ، وكان رَجُلًا قَوِيًّا؛ فقال المُهاجِرُون: سَلْمان مِنَّا! وقالت الأَنصار: سَلْمان مِنّا (٥)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سَلْمان مِنَّا أَهْلِ البَيْت)). وكان سَلْمان يَعْمَلُ عَمَل عَشْرة رجالٍ، حتَّى عانَه(٦) قَيِسُ بنُ أَبِى صَعْصَعَة فلُبِطَ به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مُرُوه فَلْيَتَوَضّأُ له، ولْيَغْتَسِل به (٧) سَلمان، ولُيُكَْةِ الإِناءِ خَلْفَه ، ففعل فكأَنَّما حُلَّ من عِقال . قال أَنَسُ بنُ مالك: وحَفَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وحَمَل التُّرابَ على ظَهْره ، حتى أن الغُبار عَلَا ظَهْرَه ومُكَنَهُ . (١) معجم ياقوت (المذاد): المذاد: موضع بالمدينة حيث حفر الخندق النبى صلى الله عليه وسلم. (٢) تكملة عن الواقدى ٤٤٥/٢ . (٣) الواقدى: ((إلى جبل بنى عبيد)). (٤) م، ت: من أحمر الشيخين ... حتى بلغ المداجج)). (٥) الواقدى: ((وقالت الأنصار هومنا ونحن أحق به)). (٦) عانه أى أصا به بعينه ، حسداً !». (٧) به : يريد بالماء الذى توضأ به. - ٥١٥ - ! 1 وقالت أُمَّ سَلَمة رضى الله عنها : ما نَسِيتُ يومَ الخَنْدق، وهو يُعامِيهم اللَّيِن، وقد اغْبَرَّ شَعْرُه ؛ تَعْنِى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم. رواه الإِمام أَحْمَد برجال الصّحيح وأَبويَهْلَى. ورَوَى محمدُ بنُ عُمَر عن البَراء - رضى الله عنه - قال: لقد رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَحمِل التُّرابَ على ظَهرِهِ، حتى حال التُّراب بينى وبينه، وإلى لأَنْظرُ إلى بياض بَطْنِهِ . وكان مَنْ فَرَغَ من المسلمين من حِصَّته عاد إلى غيره فأَعانه حتى كَمُل الخَنْدِق . ولم يتأَخَّر عن العَمَل فى الخَنْدق أَحدٌ من المسلمين، وكان أبو بكر وهُمَر رَضِى الله عنهما يَنْفُلان التُّرابَ فى ثيابِهِما . إذ لم يجدا مكاتِل - مِنَ العَجَلة، وكانا لايَفْتُرِقان فى عمل ، ولا مَسِيرٍ ولا مَنْزِل . ذكرما كان المسلمون يرتجزون به من الشعرفىعملالخندق قال ابنُ إِسحاق وابنُ عمر : وارتجز المسلمون فى الخندق برجل يقال له : جُعَيْل - بضم الجيم - أَو جُعالَةُ بنُ سُراقة، وكان رَجُلًا دَمِيمًا صالِحًا ، وكان يعمل فى الخندق ، فغيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمَه يومئذٍ فسماه عَمْرًا، فجَعَل المسلمون يرتجزون ويقول : سَمَّاه من بَعْد جُعَيْلٍ عَمْرًا وكان للبائِس يومًا ظَهْرًا(١) وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول شيئاً من ذلك، إلا إذا قالوا: عَمْرًا، وإذا قالوا : ظَهْرًا ، قال : ظَهْرا. وروى الشَّيخان وغيرُهما عن سَهْل بنِ سَعْد والبُخارِىّ عن أَنَس رضى الله عنهما قالا: جاءنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ونحن نَحفِر فى الخندق، ونَنْقُل القُّراب على أُكْتَادِنا وفى لفظ: أكتافِنا ، وفى آخر: عن منوزِنا. وفى رواية: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون يَحفِرون فى غَداةٍ باردةٍ، ولم يكن لهم عَبِيدٍ يَعْمَلون ذلك ، فلما. رأى ماهم فيه من النَّصَبَ والجوع قال : (١) ابن هشام ٢٢٨/٣ - ٥١٦ - اللهم لاعيش إلا عيش الآخرة ، فاغفرْ ، وفى لفظ : فأَصلحْ ، وفى لفظ : فأكرمْ المُهاجِرين والأَنصار ، وفى لفظ: فاغفرْ للأَنصار والمهاجرة ، فقالوا مجيبين له : نحن الذين بايعُوا محمدًا على الجِهاد ما بَقِينَا أَبدًا قال أنس: ويُؤْتونَه بملء كَفَّى شعير ، فيصنع لهم بإهالة سَنِخة ، تُوضع بين يدى القوم ، وهم جياع وهى بَشِعَة فى الحَلْق ولها رِيح مُنتِن . وروى الشيخان وأبو يَعْلَى وابن(١) أَبى أسامة عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى وارى الترابُ بياضً بَطْنِهِ، وفى لفظِ: حتى أَغْمَرَ (٢) بطْنَه، أَو قال اغبرّ بطنُه، وفى لفظ: حتى وَارَى الْغُبارُ جِدَه، وكان كثيرَ(٣) الشعر، فسمِعْتُه يرتَجِزُ بكلمات لابْنِ رَواحة : ولا تصدَّقنا ولا صَلَّينا واللّهِ لَولَا الله ما اهتدينا فأَنْزِلَنْ سَكِينَةً علينا وثَبِّتِ الأَّقدامِ إِن لاقَيْنَا والمشركون (٤) قد بَغَوْا عَلَيْنَا إذا أرادُوا فِتنةً أَبَيْنَا ورفع بها صوته : أَبينا أَبينَا، وفى رواية يمدُّ صوتَه بآخرها، ولفظ أبى يَغْلَى: ((اللهم لولا أَنت))، وقد بَدَّل بتَصدَّقْنا ((صُمْنا)). وروى البيهيُّ عن سَلْمانَ رضى الله عنه ، وابن أبى أسامة عن أبى عثمان النَّهْدِىُّ رحمه الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب فى الخندق وقال : ولو عَبَدْنا غيره شَقِينا باسم الإله وبه مُدِینا • يا حبَّدًا ربًّا وحَبَّ دِينًا. (١) ص: ((وأبو أسامة)). (٢) م، ت: (( حتى أغم بطنه)). (٣) ص: ((وكان كثيف الشعر)). (٤) البداية والنهاية ٩٦/٤: ((إن الألى قد بغوا علينا)). -- ٥١٧ - ١ قال محمد بن عمر : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة اجتهاده فى العمل يضرب مَرَّة بالمِعْوَل ومَرَّةٍ يَغْرِفِ بالمِسْحاة [التراب](١)، ومرة يحمل التراب فى المِكْتَل ، وبَلِغَ منه الثَّعبُ يومًا مَبْلَغَا فَجلس ، ثم اتَّكَأَ على حَجَرٍ على شِقُّه الأَيْسر فنام : فقامَ أَبوبَكْر وُبَرَ رضى الله عنهما على رأسه يُنَحِّيَان النَّاسَ عنه؛ أَن يَمُرُّوا به، فَيُنِّبُهُوه، ثم استيقظ ووثب فقالٍ : أَفلا أَفْزَعْتُمُونى! وأَخذ الكِرْزَنَ يضرب به ، ويقول : فاغفِر للأَنْصارِ والمُهاجِرَةْ اللَّهِمّ إن العَيْشَ عَيشُ الآخرةْ فهم كَلِّفُونِى أَنْقُلُ الحِجَارَةُ(٢) اللَّهِمّ الْعَنْ عَضَلَاً والقَارَةُ وعَمِل المسلمون فى الخَنْدق حتى أَحْكَمُوه . قال محمد بن عمر ، وابن سعد : فى سِنَّة أَيّام . وكان الخندق بسطة(٣) أو نحوها . وأَعْقَبَ بين عائشة وأُمِّ سَلَمة وزيْنبَ بنت جَحْش ، فتكون عائشة عنده أيامًا، ثم تكون أُمُّ سَلَمة عنده أيامًا، ثم تكون زينبُ عنده أيامًا، فهؤلاء الثلاث اللَّتِى يُعْقِب بَيْنَهُنَّ فَ الخندق، وسائر نِسائه فى أُطْم بَنِى حَارِثَة، وكان حَصِينًا، ويقال كُنَّ فى النَّسْرِ (٤) أُطْ فِى بَنِى زُرَيْق، ويقال : كان بعضهنّ فى فارِعِ(٥). ذكر الآيات التى وقعت عند ظهور الصّخرة فى الخندق روى الإِمامُ أحمدُ والشيخان وغيرهم عن جابر بنِ عبدِ الله ، والإمام أحمد بسند جَيِّد عن البراء بنِ عازِب، وابن سعد وابن جرير وابن أبى حاتم عن عمرو بن عوف، وأَبو نُعَيْم (١) تكملة عن الواقدى ٤٥٣/٢ (٢) ص: ((فإنهم كلفونى نقل الحجارة)). (٣) م ، ت: ((سبطة)). (٤) الواقدى ٤٥٤/٢: ((المسير)) وفى وفاء الوفاء ٣٧٣/٢: قال السمهودى: ((المسير: أطم بنى عبد الأشهل كان لبنى حارثة » . (٥) وفاء الوفاء ٣٥٤/٢: ((فارع: أطم كان فى دار جعفر بن يحيى بباب الرحمة)). - ٥١٨ - -------- عن أنس، والحارثُ والطَّبرائىُّ عن ابن عمر ، والطبرانىُّ بسند جيِّد ، عن ابن عباس ، والبيهقىُّ وأَبو نُعَيْم من طريقَين عن ابن شهاب(١)، ومحمد بن عمر عن شيوخه، وابن إسحاق عن شيوخه : أَنَّ المسلمين عرض لهم فى بعض الخندق صخرة ، وفى لفظ كُدْيَةُ عَظِيمة شديدة بَيْضاء مُدَوَّرة، لا تَأْخذ فيها المَعاوِلُ، فكَسَرتْ حَدِيدَهم، وشقَّتْ عليهم ، وفى حديث عمرو ابن عوف: أَنَّها عرضت لسَلْمان. وذكر محمد بن عمر أنَّها تَعرَّضَت لعمر بن الخطاب ، فشكَوْ! ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو (٣) فى قبة تركية فقال : أَنا نازل ، ثم قام ، وبَطْنُهُ مَعْصوب بِحَجَرٍ من الجوع، ولبثنا(٣) ثلاثة أيام لانَذُوقُ ذَوَاقا ، فدعا بإناء من ماء فَتَفَلَ فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نَضَح من ذلك الماء عليها ، فيقول(٤) مَنْ حضرها : والذى بَعَثَه بالحق إنها عادت كالكِئِيب(٥) المَهِيل ما تَرُدُّ فَأُسا ولا مِسْحاةً، فأَخذَ المِعْولَ من سلمان ، وقال: بِسْم الله، وضرب ضَرْبةٍ فَكَسَرِ ثُلُثَها، وبرقتْ بَرْقَة فخرج نور من قِبل اليمن فأَّضاء ما بَيْن لاَبَتَّىِ المَدِينة حتى كأنَّ مِصْباحًا فى جَوْف ليل مُظْلِمٍ، فكَبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أُعطِيتُ مفاتِيحَ اليَمَن، إنى لأُبْصر أبوابَ صَنْعاء من مَكانِى السّاعة، كأَنَّهَا أَنيابُ الكلاب، ثم ضرب الثانية فقَطَع ثلثاً آخر ، وبرق منها برقة فخرج نورٌ من قِبَل الرُّوم فأَضاء مابين لابتي المدينة فكَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أُعطِيتُ مفاتيحَ الشام، والله إنى لأُبصِر قُصورَها الحُمْرَ من مكانى الساعة. ثم ضَرَب الثالثة فقطع بقيةَ الحَجَر وبرق برقة من جهة فارسَ أَضاءت ما بين لابَتَىِ المدينةِ، فَكَبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أُعطِيتُ مفاتيح فارس ، والله إنى لأُبصر قُصورَ الجِيرة ومدائنَ كسرى كأَنَّها أَنياب الكِلاب من مكانى هذا ، وأخبرنى جِبْريلُ أَنَّ أَنَّىٍ ظاهرةٌ عليها ، فَأَبْشِرُوا بالنَّصْر. فاستَسَرَّ المسلمون ، وقالوا : الحمدُ لله موعدٌ صادق ، بأَنْ (١) م: ((عن ابن هشام)). (٢) الواقدى / ٤٥٠: ((وهو عند جبل بنى عبيد» . (٣) ص: (( ولنا ثلاثة أيام)). (٤) الواقدى /٤٥٠: ((فكان عمربن الخطاب يقول)). (٥) الواقدى /٤٥٠: ((لصار كأنه سهلة)). وفى الصحاح: ((السهلة: رمل ليس بالدقاق)). - ٥١٩ - وَعَدنا النصرَ بعد الحَصْرِ، وجعل يصف لسَلْمان ، فقال سلمان: صدقتَ يا رسول الله ، هذه صِفَتُه ، أشهد أنك رسول الله. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه فتوحٌ يَفْتَحُها الله تعالى بعدى يا سَلْمان، لَتُفْتَحَنَّ الشَّامِ، ويَهرُب مِرِقَلُ إِلى أَقصى مملكته، وَتَظْهَرون على الشام فلا يُنازِعُكم أحد، ولَيُفْتَحَنَّ هذا المَشْرِقُ، ويُقتل كِسرى فلا يكون كِسْرى بعده. قال سَلْمان : فكلّ هذا قد رَأَيْتُ. قال أبو هريرة - فيما رواه ابن إسحاق - حين فُتحت هذه الأَمْصار زمانَ عمر، وزمان عثمان ومن بعده : «افتَحُوا مَابَدًا لكم، فو الذى نفسُ أَبى هريرة بيده ما فتحتمُ من مدينة ولاتَفْتَحُونَها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله تعالى محمدًا .فاتِيحَها قبل ذلك)). فقال المنافقون : يُخبركم محمد أنه يُبصِر من يثربَ قصورَ الحِيرة ومدائنَ كسرى وأنها تُفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق، ولا تستطيعون أَن تَبْرُزُوا، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وإذ يَقُولُ المنافقون والذين فى قلوبهم مرضٌ ما وَعَدَنا الله ورسولُه إِلا غُرُورًا﴾(١). ذكر الآيات التى وقعت لما أصابتهم المجاعة فى حفر الخندق روى الشيخان(٢)، ومحمد بن عمر، والحاكم، والبيهقيُّ عن جابر بن عبد الله، والطبرانى عن ابن عباس رضى الله عنهم : أن جابراً رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عاصِبًا بطنه بِحَجٍ من الجوع، وأنهم لبثوا ثلاثة أيام لا يَذُوقون ذَواقًا. قال جابر: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنزل ، فأَذِن لى، فذهبت فقلت لامرأتى: إنَّى رأيت رسول اله صلى الله عليه وسلم خَيِصًا شديدًا، ما فى ذلك صَبْرِ (٣)، فعندك شىء ؟ قالت : عندى صاعُ من شعير وعَذَاقٌ، فأخرجتْ إِناء فيه صاحٌ من شعير، وذبحتُ العَنَاق، وطحَنتِ الشعير ، وجعلنا اللَّحم فى (١) سورة الأحزاب: الآية ١٢ (٢) صحيح البخارى ٤٦/٥ مع اختلاف فى اللفظ وزيادة فى العبارة . (٣) م ، ت: ((أما من ذلك صبر)). - ٥٢٠ - أ