Indexed OCR Text

Pages 321-340

المازنىّ ، وبه جَزَمَ إسحاقُ بنُ راهَوَيْه والحاكم ، وقيل : هو عَدِىُّ بنُ سَهْل ، وجزم به سَيْف
فى الرِّدَّة، وقيل: أَبو دُجانَة، وقيل: زَيدُ بنُ الخَطَّاب، قال الحافظ: والأُولُ أَشْهَر، ولعل
عبد الله بن زَيْد (١) هو الذى أصابته ضربتُه، وأما الآخران فحملا عليه فى الجُملة، وأَغرب
وَثِيمَةُ فى كتاب الرِّدَّةِ فزعمٍ أَن الذى ضرب مُسَيْلمة اسمهُ شَنّ(٢) - بفتح المعجمة وتشديد.
النون - بن عبد الله. وأغربُ من ذلك ما حكاه أبو عُمَر أنَّ الذى قَتل مُسَيْلِمة هو الجُلاس
ابن بشير (٣) بن الأُصمّ ، كذا فى خطّ الحافظ: الجلاس بن بشير بن الأَصمّ، ولم أر له ذكرًا
فى التجريد ، ولا العجالة للبرهان النووى ، ولا فى الإصابة للحافظ ، فالله أعلم .
وروى البخارىّ(٤) وابن إسحاق عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما -
وكان قد شهد اليمامة - قال : سمعت صارخًا يقول: وا أَميراه(٥) قَتْلَه العبدُ الأسود.
وذكر محمد بن عمر، وتبعه فى الإمتاع أَن وَحْشِيًّا لما قتل حمزة شقّ بطنَه وأخرجَ كبده، فجاء
بها إلى هند بنتٍ عتبة، فقال: هذه كبد حمزة، فمضَغَتْها ثم لفظَتْها، ونزعتْ ثيابها وحِلْيَتها،
فأَعطته لوحشىّ ، ووعدتْه إذا جاء مكة أن تعطيَه عشرة دنانير ، وقامتْ معه حتى أراها
مصرع حمزة ، فقطعت من كبده وجدعَتْ أَنفَه، وَقَطَعت أُذُنَيْه، ثم جعلت مَسَكَّتَيْن
ومِعْضَدَيْنِ وخَدَمَتَيْن، حتى قَدِمَتْ بذلك مكةً .
٠
ومَرَّ الحُلَيْس - وهو بالحاء المهملة مصغّراً - بن زَبّان - بزاى فموحدة مشددة - وهو
يومئذ سيد الأحابيش، بأبى سفيان وهو يضرب فى شِدْقِ حمزةً رضى الله عنه بزُج الرُّمح ،
وهو يقول : ذُق عُقَقَ(٦)، فقال الحليس: يا بنى كنانة، هذا سيدُ قريش يصنع بابْنِ
عمَّهُ ماتَرَوْن لحما ، فقال: ويحك، اكتُبْها علىّ، فإنّها كانت زَلَّة . وعَلَتْ مِنْدُ صخرةً
مُشرفةً وصرخت بأعلى صوتها فقالت(٧):
والحربُ بعد الحَرْب ذاتُ سُعْرٍ
نحن جَزّيناكم بيومٍ مَدْرٍ .
ولا أُخِى وعَمّه وبِكْرِى
ما كان عن عُثْةً لی من صَبْرٍ
(١) ص: ((عبدالله بن عاصم)).
(٣) م، ت: ((البشير)).
(٥) صحيح البخارى: ((وا أمير المؤمنين قتله العبد)).
(٧) الأبيات فى السيرة لابن هشام ٩٧/٣ والبداية والنهاية ٣٧/٤
(٢) ت، م: "شين)).
(٤) صحيح البخارى ٣٧/٥
(٦) ط: ((حقيق)) وفى ص: ((عققه)).
- ٣٢١ -
( ٢١ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤ )

شغیتَ وَحْشِىُّ غليلَ صَدْرِى
شغیتُ نفیی وقضیتُ نذری
حتى تَرِمٌ أَعظُمى فى قَبْرى
فشُكْرٍ وَحْشِىِّ عَلىِّ عُمرِى
فأجابتها هند بنتُ أُثاثَةً - بضم الهمزة وبثاءين مثنيين - بن عبّاد بن المطلب فقالت (١)
يَابِنْتَ(٢) وَقَاعٍ عظيم الكُفرِ
خُزيتٍ فى بدر وبعد بَدْر
ح الهاشِمِيِّينَ الطَّوالِ الزُّهْرِ
صَبَّحِكِ اللهُ غَدَاةَ الفَجْرِ
حمزةُ لَيْئِى وَعَلِيُّ صَغْرى
بكلِّ قَطَّاعٍ حُسامٍ يَفْرِى
فخَضِّبَا منه ضَواحِى النَّحْرِ
إِذْ رام شَيْبَ وأبوٍ غَدْرِی
ذكر مقتل عبد الله بن جحش رضي الله
روى محمدُ بنُ عُمر الأَسلَمِىّ عن شيوخِه وابنُ وَخْب عن سعدٍ بن أبى وقاص رضى الله
عنه أَنَّ عبدَ الله بن جحش قال له يوم أحد : أَلا تأّى ندعو الله تعالى فى ناحية ، فدعا
سَعْد فقال: ياربّ إِذا لقِيتُ العَدوَّ غَدًا فَلَقَّنِى رَجُلًا شديدًا بأْسُه، شديدًا حَرَدُه، أُقاتله فيك
ويقاتلنى ، ثم ارزقنى الظَّفَر عليه حتى أَقتله، وآخذ سلبه ، فأَمَّن عبد الله بن جحش ، ثم
قال : اللهم ارزقْنى رجلًا شديدًا بأْسُه، شديدًا حَرَدُه، أُقاتله فيك ويقاتلى، فَيَقْتُلُنى ثم
بأُخَذُفى فَيَجْدَعُ أَنْفِى وأُقُنى، فإذا لَقِيتُك قلتَ: يا عَبْدى، فيم جُدِعَ أَنفُك وأُذُنُك ؟
فَأَقُول: فيكَ وفى رسولِك، فيقول الله تعالى: صَدقتَ. قال سعد: كانت والله دعوةُ عبد الله
ابن جَحْش خَيْرًا من دَعْوَتِى، ولقد رأيتُه آخرَ النهار وإِنَّ أُذُنَيْه وأَنفَه مُعلَّقات (٣) فى خَيْط.
قال محمد بن عمر : وتَولَّى تَرِكَتَه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فاشترى لابنِهَ مالاً بخَيْبر،
ودُفِن هو وخاله حَمْزَة بن عبد المطلب فى قَبٍ واحد .
:.
(١) الأبيات فى السيرة لابن هشام ٩٧/٣ والبداية والنهاية ٣٨/٤
(٣) ت، م: ((معلقتان)).
(٢) م، ت: ((يابنة)».
- ٣٢٢ -

ذكر مقتل أبي سعد حيثمة بن أبي خيثمة رضياللّه
وهو بخاء معجمة مقتوحة فتحتية ساكنة فئاء مثلثة .
ذكر محمد بن محمر أَنَّ خيثمةَ قال يوم أُحد: يا رسول الله لقد أخطأَتْنِى وقعةُ بَدْر،
وكنتُ واللهِ حريصًا عليها ، حتى ساهَمْتُ ابْتى فى الخروج فخرج سهمهُ فُرُزق الشَّهادةَ ،
وقد رأيتُه البارحة فى النَّوم فى أحسن صورة - يسرحُ فى ثمار الجنَّة وأَنهارها، ويقول : الحقْ
بنا تُرَافِقْنا فى الجنة، فقد وجدتُ ما وَعَدَنى ربى حَقًّا، وقد واللهِ يا رسول الله أَصبحتُ مُشتاقًا
إلى مرافقته فى الجنة ، فادعُ الله تعالى أن يرزُقَنِى الشَّهادة ، ومرافقتَه فى الجنة ، فدعا له
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتِل فى أُحد .
ذكر مقتل مصعب بن عمير رضى اللّه
روى ابنُ سَعْد، عن محمد بن شُرَحْبِيلِ العَبْدَرِىّ قال :
حَمَل مُصعبُ بن عمير اللواء يوم أُحُد فقُطِعت يَدُه اليمنى، فأخذ اللواء بيده اليُسْرى
وهو يقول: ﴿وما مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُول قد خَلَتْ من قَبْلِهِ الرُّسُل﴾(٢) الآية .. ، ثم قطعت يَدُه
اليُسرَى فحَنًا على اللواء وضمه بعَضُدَيْه إلى صدره وهو يقول: ﴿ وما محمدٌ إِلاَّ رسول﴾
الآية .. ثم قُتل فسقط اللواء ، قال محمد بن شُرَحْبِيل: وما نزلت هذه الآية: ( وما محمدٌ
إلاّ رسول﴾ يومئذٍ حتى نزلت بعد .
وكانت (٣) عائِشة وأُمُّ سُلَيْم رضى الله عنهما تَسْقِيَان النَّامَر، كما فى الصحيح عن أَنْس
. قال: لقد رأيت عائشة بنتَ أَبى بكر وأُمَّ سُلَيْم، وإِنَّهما لمُشَمِّرتَان أَرى خَدَمْ سُوقهما
تَنْقُزان القِرَب ، وفى لفظ تَنْفُلان القِرَب على مُتُونهما ، تُفرغانِه فى أفواه القوم ، ثم ترجعان
فتحلَّانها ، ثم تَجِيئَان فتُفرِغَانه فى أَفواه القوم .
وروى البخارِىّ(٤) عن ثعلبةً بن مالك رضى الله عنه أَنَّ عُمَر بنَ الخَطَّب رضى الله عنه
(١) ص: ((أبى سعيد)) وهو تحريف.
(٣) مسميح البخارى ٣٤/٥
(٢) سورة آل عمران: الآية ١٤٤
(٤) صحيح البخارى ٣٦/٥
- ٣٢٣ -

قَسَمِ مُرُوطًا بين نِساء من نساء أهل المدينة، فبقى منها مِرْطُ جَيِّد ، فقال له بعض من عنده :
يا أمير المؤمنين أعطِ هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التى عندك - يريد أُمَّ كلثوم
بنت علىّ - فقال عمر: أُمُّ سُلَيْطِ أَحقُّ به، وأُم سُلَيْط من نساء الأنصار مَّن بايع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قال عمر: فإنَّها كانت تَزْفِرُ لنا القِرَب يوم أُحد . انتهى. وأُمُّ سليط
هذه والدة أبى سَعِيد الخُدْرِىّ رضى الله عنه .
ذكر تمثيل نساء المشركين: هند بنت عتبة ومن معها بقتلی المسلمین
قال ابن إسحاق : حدَّثنى صالح بن كيسان قال : وقفت هند بنت عتبة والنسوة اللاتى
معها يمثِّلِن بالقَتْلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يَجْدَعْنَ الأُذُن والأَنْفَ(١)،
حتى اتَّخِذَتْ هند من آذان الرجال وأَنافِيهم(٢) خَدَمًا وقلائِد.
ذكر رجوع المشركين إلى مكة
قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر وغيرهما : لمَّا تحاجَزَ الفريقان أراد أبو سفيان
الانصراف، فأقبل على فرسٍ حتى أَشرف على المسلمين فى عُرضٍ الجبل فنادى بأَعْلَى صوتِه :
أَفى القوم محمد ؟ ثَلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتُجيبوه، فقال : أَفِى القومِ
ابنُ أَبى قحافة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتُجيبُوه، فقال: أَفى القوم
ابن الخطاب ؟ فقال : لاتُجِيبوه، ولم يسأل عن هذه الثلاثة إلا لعلمه وعِلمٍ قومهِ أَنَّ قِيامَ
الإسلام بهم ، فقال أبو سفيان بعد أن رجع إلى أصحابه : إن هؤلاء قد قُتلوا فلو كانوا
أحياء لأجابوا ، فلم يملك عمر نفسه !
وفى حديث ابن عباس عند الإمام أحمد(٣) والطَّبرانىّ والحاكم: أَنَّ عمر بن الخطاب قال:
يا رسول الله، ألا أُجِيبُه؟ قال: بَلَى. قال فى الفتح: كأَنَّه نَهَى عن إجابته فى الأُول
وأَذِنَ فيها فى الثَّالثة، فقال عمر: كذبتَ ياعدوَّ الله، قد أَبقَى الله لك ما يُخْزِيك، إِنَّالذين
عددتَ لِأَحياء كلُّهم. فقال أبو سفيان : اعْلُ هُبَل، وأَظهِرْ دِينَك. فقال رسول الله
(١) ص: ((والأنوف)).
(٢) أنافيهم جمع أنف (القاموس / مادة أنف).
(٣) مسند أحمد ٢٨٧/١، ٢٨٨ والبخارى ٢٩/٥، ٣٠
- ٣٢٤ -

صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: قُمْ يا عُمَر فأَجْه، فقال: اللهُ أَعْلَى وأَجلّ. فقال
أبو سفيان: اعلُ هُبَل، وأُظهِرِ دِينَك، فقال أبو سفيان: يَومٌ بيومٍ بَدْر، أَلاَ إِنَّ الأيّامَ
دُوَلَ ، وإن الحربَ سِجالٌ، وفى لفظ: سِمالٌ (١).
فيومُ علينا ويوم لنا ويَومُ نُساءُ ويوم نُسَرّ
وحَنْظلةُ بحنظلة ، وفلان بفلان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : قُل :
لا سَواء ، قَتْلَانَا فى الجنة، وقتلاكم فى النَّار ، فقال أبو سفيان: إنكم لتقولون ذلك،
لقد خِيْنا إذن وخسرنا ، لنا العُزِّى ولا عُزَّى لكم ، فقال رسول الله لعمر، قال : الله مولانا
ولا مولى لكم، فقال أبو سفيان: إنها قد أَنْعَمَتْ فَعالٍ عنها، هلمّ يا عمر ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم لعمر: اثْتِهِ فانظر ما شأنه، فجاءه، فقال أبو سفيان: أَنْشُدُكَ بالله
ياعمر ، أَقَتَلْنا محمدًا؟ قال: اللهمَّ لا، وإنه ليَسْمع كلامَك الآن ، قال : أَنت عندى
أَصدقُ من ابنٍ قَمِئة وأَبرُ - لقول ابن قمئة لهم : إنى قتلت محمدًا - ثم قال أبو سفيان :
ورفع صوته : إِنكم واجدون فى قتلاكم مُثَلًا، والله ما رضيتُ ولا نهيتُ ولا أَمرتُ ، إِلَّا أَنَّ
موعد كم بدرُ الصفراء(٢) على رأس الحَوْل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل: نعم،
بيننا وبينكم موعد .
وانصرف أبو سفيان إلى أصحابه وأَخذ فى الرَّحيل ، فأَشفق رسول الله صلى الله عليه
وسلم والمسلمون من أن يغير المشركون على المدينة، فتهلك الذَّرارِىُّ والنساء.
قال ابن إسحاق: فبعث عليًّا - وقال عروة . ومحمد بن عمر ، وابن عائذ : سعد
ابن أبى وَقَّاص - لينظر، فقال: إِن رَكِبُوا الإِبلَ وجَنُِّوا الخيلَ فهو الظَّعْن وإن ركبوا
الخيل وجَنَّبُوا الإِبلَ فإنهم يريدون المدينة ؛ فهى الغارة ، والذى نفسى بيده لئن ساروا إليها
لأَسيرنَّ إليهم، ثم لأُناجزَنِّهم. فسار علىّ أَو سعد وراءهم إلى العقيق فإذا هم قد ركبوا الإبل
وجَنَّبُوا الخيلَ بعدما تشاوروا فى نَهْب المدينة ، فقال صفوان بن أُميَّة - وأسلم بعد ذلك - :
لاتفعلوا ، لاتدرون ما يغشاكم ، فعاد فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(١) سمال: جمع سملة وهى الماء القليل يبقى فى أسفل الإناء ونحوه. (المعجم الوسيط) (٢) م، ت: ((الصغرى)).
- ٣٢٥ -

وقدم أبو سفيان مكة ، فلم يَصِل إلى بيته حتى أَتِى هُبَل فقال: أَنعمتَ ونَصَرتَنى ،
وشفَيْتَ نفسى من محمد ومن أصحابه ، وحلق رأسه .
ذكر طلب المسْلمين قتلاهم
روى البيهقىّ عن عروة قال : لمّا رحل المشركون انتشر المسلمون يطلبون قتلاهم فلم
يجدوا قَتِيلاً إِلاّ وقد مَثَّل به المشركون، إلّ حنظلة بن أبى عامر فإن أَباه كان معهم
فتر کوه له .
وقال ابن إسحاق ومحمد بن عمر : لمّا انصرف المشركون أقبل المسلمون على موتاهم
يطلبونهم . وروى الحاكم والبيهقى ، عن زيد بن ثابت رضى الله عنه وابن إسحاق
عن شيوخه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: مَنْ ينظر لى ما فعل سعد بن الربيع ،
أَفى الأحياء هو أَم فى الأَّموات، فإنى رأيتُ اثنى عشر رمحا شَرْعَى إليه ، فقال رجل
من الأنصار - قال محمد بن عمر : هو محمد بن مَسْلمة ، وقال أَبو عمر :
هو أُبىّ بن كعب - فنظر فى القتلى، فناداه ثلاثا فلم يُجبه ، فقال : إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أَمرَنى أن أنظر إلى خبرك ، فأجابه بصوت ضعيف. وفى حديث زيد: فبعثنى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم أُحد، لطلب سَعْد بن الربيع، وقال: إنْ رأيتَه فأَقْرِهِ
منّى السلام ، وقل له : كيف تَجدك ؟ قال : فأَصبتُه وهو فى آخر رَمق ، وبه سبعون
ضربة ما بين طعنةٍ برمح ، وضربة بسيف ، ورمية بسهم ، فقلت : إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، أَمرَنى أَن أَنظُر أَفى الأحياء أَنت أم فى الأَموات؟ فقال: أَنا فى الأَموات ، فأَبلغْ
رسول الله صلى الله عليه وسلم عنّى السلام، وقل له : إن سَعْدَ بن الرّبيع يقول: جزاكَ
الله تعالى عنّا خير ما جَزَى نَبِيًّا عن أُمَّتِهِ، وقل له: إنَّى أَجدُ ريح الجنَّة، وأَبلغْ قومَك(١)
عى السلام ، وقل لهم : إن سعد بن الرّبيع يقول لكم: إنه لاعذر لكم عند الله إن يُخْلَص
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنكم(٢) عين تَطرِف، ثم لم يبرح أن مات، فجاء
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره خبرَه .
(١) ص: ((وبلغ قومى)).
(٢) البداية والنهاية ٣٩/٤: ((وفيكم عين تطرف)):
- ٣٢٦ -

قال ابن هشام : وحدَّثنى أَبو بكر الزُّبيرىّ: أَنَّ رجلا دخل على أبى بكر الصُّدِيق، وبنتٌ
لِسَعدٍ بن الربيع : جارية صغيرة على صدره يرشُفُها ويُقبِّلها، فقال له الرجل : من هذه ؟
قال له : بنت رَجُلٍ خَيْرٌ مِنِّى : سَعد بن الربيع، كان من النُّقَباء يوم العَقَبة ، وشهد
بدراً ، واستشهد يومَ أُحد .
٠
قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنى - يلتمس حمزةً
ابنَ عبد المطلب . قال محمد بن عمر وغيره : وجعل يقول : ما فعل عَمِّى ؟ ويكرر ذلك .
فخرج الحارثُ بن الصِّمَّة يلتِسه فأَبطأَ ، فخرج علىَّ فوجد حمزةَ بَبَطْن الوادى مقتولاً،
فأخبر النبيَّ صلى اله عليه وسلم، فخرج يَمْشِى حتى وَقَف عليه، فوجده قد بُقِرَ بطنُه عن
كبده ، ومُثِّل به ؛ فجُدِعَ أَنفُه وأُذُناه، فنظر إلى شىء لم ينظر إلى شىء قطُّ كان أَوجعَ
لِقَلْبه منه، ونظره وقد مُثَل به . وفى حديث كعب بن مالك عن ابن أبى شيبة فى سنده
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا قِيل له: إن حمزة مُثِّل به، كره أَن يَنْظُر إليه. انتهى.
فقال : أحتسبُك عند الله !
وروى البَزَّار (١" بسند لابأس به، عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما قال :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا بلغه قَتْلُ حمزة بكى ، فلما نظر إليه شَهِق .
وروى الحاكم (١) عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما قال: فَقَد رسول الله
صلى الله عليه وسلم حمزة حين فاء الناسُ من القتال ، فقال رجل : رأيتُه عند تلك
الصَّخرات وهو يقول: أَنا أَسدُ الله وأَسدُ رسوله، اللهمَّ أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -
يعنى أبا سفيان وأصحابَه ــ وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم. فجاء رسول الله صلى الله
عليه وسلم نحوه ، فلما رأَى جُثَّتَه بكى . ولمَّا رأَى ما مُثِّلَ به شَهِق ثم قال: أَلا كَفَن ؟
فقام رجل من الأنصار فرمى بثَوْبه عليه ، ثم قام آخر فرمى بثَوْبه عليه ، فقال : يا جابر
هذا الثوب لأَّبيك وهذا لعَمِّى، وقال صلى الله عليه وسلم : رحمةُ الله عليك ، فإنك
كنتَ كما عَلِمْتُك؛ فَعُولاً للخيرات، وَصُولاً للرّحِم، ولا أَن تحزنَ صَفِيَّة - وفى
لفظٍ : نساؤنا، وفى لفظِ: أولا حُزْنُ مَنْ بعدى عليك، وتكون سُبَّة من بَعْدِى -
! (١) سيرة ابن هشام. ١٠١/٣ - ١٠٣
- ٣٢٧ -

لتركثَه ، حتى يُحشر من بطون السُّباع وحواصل الطير، ثم قال : أَبْشِرُوا ؛ جاءنى
جبريل فأخبرنى أَن حمزةَ مكتوب فى أهل السموات السبع : حمزة بن عبد المطلب أسد
الله وأسد رسوله. وقال: لئن ظَفَّرنى(١) الله تعالى على قريش فى موطن من المواطن
لأُمثِّلنَّ بِسَبْعِينٍ(٢) منهم مكَانَك ، فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وغيظه على مَنْ فعل بعَمِّه ما فَعَل، قالوا: والله لئن ظفَّرنا الله تعالى بهم يومًا من الدهر لنمثلنَّ
بهم مُثْلَةً لم يمثِّلها أَحد من العرب ، قال أبو هريرة ، كما رواه ابن سعد والبزار وابن
المنذر والبيهقىّ : فنزل جبريل والنبيُّ صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم سورة النَّحل
﴿وإن عاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بمثل ما عُوقِيْتم به ولئن صَبَرتُم لَهُو خَيْرٌ للصابرين﴾(٣). فكفَّر النبى
صلى الله عليه وسلم عن يمينه ، وأَمسكَ عن الذى أراد وصَبَر .
وروى ابن المنذر والطبرانىّ والبيهقىّ نحوه عن ابن عباس .
وروى الترمذيّ(٤) وحَسّنة، وعبد الله بن الإِمام أحمد(٥) فى زوائد المسند ، والنَّسائىُّ،
وابن المنذر ، وابن خُزيمة فى فرائده(٦) ، وابن حِيّان والضياء فى صحيحيهما عن أُبىّ بن كعب
رضى الله عنه قال: لمَّا كان يوم أحد أُصيب من الأَنصار أربعة وستون(٧) رجلا. ومن
المهاجرين ستة ، منهم حمزة ، فمثَّلوا به ، فقالت الأَنصار : لئن أَصبنا منهم يومًا مثل هذا
لنُرْبِيَنّ عليهم ، فلما كان فتح مكة أنزل الله تعالى : { وإن عاقَبتُم فَعَاقِبُوا بِمِثْل ما عُوقِيتُم
به ولَئِنْ صَبَرتُم لهو خير الصَّابِرِين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نَصِر
ولا نُعاقب، كُفُوا عن القوم إلا أربعة.
وروى ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال : نزلت سورة النحل كلُّها بمكة
إلا ثلاثَ آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أُحد، حيث قُتِل حمزة ومُثِّل به ، فقال رسول
(١) الواقدى ٢٩٠/١: ((لئن ظفرت بقريش)).
(٢) البداية والنهاية ٣٩/٤: ((لأمثلن بثلاثين رجلامتهم)).
(٣) سورة النحل : الآية ١٢٦
(٤) سنن الترمذى ٢٨٩/١١ - ٢٩٠
(٥) مسند أحمد ١٣٥/٥
(٧) ط: ((أربعة وسبعون)).
(٦) ط: ((فوائده)).
- ٣٢٨ -

الله صلى الله عليه وسلم: لَئِنْ ظَهرنا عليهم لَتُمثِّلِنَّ بهم مُثْلَةً لم يُمثِّلها أحدٌ من العرب بأَحَدٍ
قطٌ، فأَنزل الله تعالى: ﴿ وإن عاقبتم) إلى آخر السورة .
وروى ابن إسحاق عن سَمُرةَ بن جُندب رضى الله عنه قال : ما قام رسول الله صلى الله
عليه وسلم فى مقام قطُّ ففارقه ، حتى أَمر بالصدقة ونهى عن المُثْلة .
قال ابن إسحاق وغيره : وأَقبلتْ صَفِيَّة بنتُ عبد المطلب رضى الله عنها لتنظرَ إِلى
حمزة ، وكان أخاها لأُمها وأَبِيها ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن تراه(١) ، فقال :
المرأةَ المرأة . فقال الزبير بن العوام: فتوسَّمتُ أَنهَا أُمِّى صفيةُ، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم له : الْقَها فأَرْجْها لاترى ما بأَخيها، فخرج يسعى فأَدركها قبل أن تنتهىَ
إلى القتلى، فردَّها فلكمتْ صدرَه، وكانت امرأةً جَلْدة ، وقالت : إِليكَ عنى، لا أرضى
لك. فقال: يا أَمَّهْ إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أَن ترجعى. قالت: ولمّ وقد
بلغنى أنه قد مُثِّل بأَخى ؟ وذلك فى الله، فما أَرضانا بما كان من ذلك، فلأَصبِرِنَّ وأُحتسبنٌ
إن شاء الله . فجاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فُخبره، فقال: خَلِّ سبيلَها .
فأَنتْه فنظرت إليه ، فصنَّتْ عليه ، واسترجعَتْ ، واستغفرت له .
وروى الطبرانيّ والبزار ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف على
عَقْل صفيّة بنت عبد المطلب ، فوضع يده على صدرها فاسترجعتْ، وبكَتْ .
وروى الإمام أحمد(٢) وأبو يَعْلَى والبزار عن الزبير والطبرانىّ بسند رجاله ثقات ، عن
ابن عباس : أن صفية رضى الله عنها أتت بثوبين معها فقالت : هذان ثوبان جئتُ بهما لأخى
حمزة ، فقد بلغنى مَقتلُه فكفُّنوه فيهما . قال : فجئنا بالثوبين لنلفَّه فيهما فإِذا إلى جنبه
رجل من الأَنصار ، فُعِلَ به مثل ما فعل بحمزة ، فوجدنا غضاضةً وحياء أن نُكَفْنَ حمزة
فى ثوبين، والأَنصارىُّ لاكفَن له، فقلنا: لحمزةَ ثوبٌ، وللأَنصارىِّ ثوبٌ، فكان
أحدهما أكبر من الآخر فأَفْرعْنا بينهما فكفنًا كلاَّ منهما فى الثوب الذى طاوله ، وجعل
أبو قتادة الأنصارىُّ رضى الله عنه يريد أن ينال من قريش؛ لما رأى من غمِّ رسول الله صلى الله
(١) م، ت: ((تراهم)).
(٢) مسند أحمد ١٦٥/١ - الواقدى ٢٨٩/١-٢٩١
- ٣٢٩ -

عليه وسلم فى قتل حمزة ومامُثِّل به ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يُشير إليه أن اجلس
وكان قائما ، ثم قال : يا أَبا قتادة ، إنَّ قريشًا أَهلُ أَمانة، من بَغاهم العَواثِر أَكْبَّه الله
تعالى لِفِيه ، وعسى إن طالتْ بك حياة أَن تحقر عملك مع أعمالهم ، وفعالك مع فعالهم ،
لولا أَن تَبْطَر قريش لأَخبرتُها بما لها عند الله تعالى. فقال أبو قتادة : يا رسول الله،
ما غَضِبتُ إِلا لِلّه عزّ وجلّ ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، حين نالوا من حمزة مانالوا ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقتَ ، بئس القومُ كانوا لنبِيِّهم .
وروى الحاكمُ عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قُتِل حمزة جُنُبًا، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : غَسَّتْه الملائكة، وعند ابن سعد عن الحسن مُرسَلاً: أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : لقد رأيتُ الملائكة تُغسِّل حمزة.
وروى ابنُ أَبِى شَيبة فى سنده والطبرانىُ برجال ثِقات ، عن أَبِى أُسَيْد الساعِدِىّ وابن
أَبِ شَيْبَة والحاكم عن أَنَس قالا: كَفَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فى نَمِرة، فمُدَّت "
الثَّعِرة على رأسه وانكشف رجلاه، فمُدَّت على رجليه فانكشف رأسُه ، فقال رسول الله صلى الله .
عليه وسلم : مُدُّوها على رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الحَرمل، وفى لفظ: من الإِذْخرِ .
ذكر أمره مقيد الم بدفن من استشهد يوم أحد
روى الإمام أحمد (١) وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أَمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد بالشُّهداء أَن يُنْزَع عنهم الحَدِيدُ والجلودُ، وقال :
ادفنوهم بدمائهم وثیابهم
.
وروى(٢) أبو داود عن هشام بن عامر الأنصارىّ قال: جاءت الأَنصار يوم أُحد فقالوا:
يا رسول الله لقد أصابنا قَرْحٌ وجَهْد، فكيف تأمرنا ؟ فقال: احفروا (٣) واعْمقُوا
ووسعوا ، واجعلوا الرجُلَين والثلاثة فى القبر الواحد ، قيل: يا رسول الله، فأَيُّهُم يُقَدَّم؟
قال : أكثرهم قُرآنا .
(١) مسند أحمد ٢٤٧/١
(٢) البداية والنهاية ٤٢/٤
(٣) مسند أحمد ١٩/٤
- ٣٣٠ -
٢.

وروى ابن أبى(١) شَيبة فى سَنّده والطَّرانىّ برجال الصحيح، عن كعب بن مالك
رضى الله عنه: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وَقَّف يوم أُحد بين ظَهْراَىِ القَتْلَى فقال :
أَنا شَهِيدٌ على هَؤُلاء، كَفِّنوهم بدمائِهم؛ فإنه ليس جريح يُجرَح فى الله إلا جاء يوم القيامة
يَدْعَى، لونُه لونُ الدِّم، ورِيحُهُ رِيحُ المسك، قَدِّمُوا أَكثرَهم قرآنًا فاجعلوه فى اللَّحْد.
وروى البخارىّ(٢) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يَجمَع بين الرجلين من قَتْلَى أُحد فى ثوب واحد ، ثم يقول: أيُّهم أكثر
أخذاً للقرآن ؟ فإذا أُشِير له إلى أحدهما قدّمه فى اللَّحْد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء،
وأمر بدفْنِهم بدمائهم ، ولم يُصَلُّ عليهم ، ولم يُغَسِّلهم .
قال جابر: وكُفِّن أَبى وعَمِّى فى نَمِرةٍ واحدة .
وروى ابن إسحاق(٣) عن أشياخٍ من بنى سُلَيْم: أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال يومئذٍ حين أَمر بدفن القَتْلَى: انظروا عمْرَو بن الجَمُوحِ وعبدَ الله بن عمرو بن
حرام ؛ فإنهما كانا متصافِيَيْن فى الدنيا فاجعلوهما فى قبر واحد .
قال ابن إسحاق : وقد احتمل الناسُ قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وقال: رُدُوهم وادفنوهم حيث مُرِعُوا.
قال محمد بن عمر فلم يُردّ أَحدٌ إلا رجلٌ واحدٌ أَدركه المُنادِى قبل أن يُدفن؛ وهو
شَعَّاس بن عثمان المَخْرُومِىّ.
ورَوَى الإِمام أحمد والأربعة عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: أَنَّ قتلى أُحد
حُيِلوا من أماكنهم فنادى مُنادِى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن رُدُّوا القتلى إلى
مضاجِعِهم (٤).
(١) أبوداود ٤٦/٢ والبداية والنهاية ٤٢/٤
(٢) صحيح البخارى ٣٩/٥
(٣) البداية والنهاية ٤٢/٤
(٤) مسند أحمد ٢٩٧/٣ (( أن ردوا القتلى إلى مضاجعها)).
- ٣٣١ -

وروى الإمام أحمد(٤)عنه قال: استُشهد أَبِى بأُحد فأرسلنى أَخواتِ إليه بناضِحٍ لهنّ
فقُلْنَ : اذهبْ فاحتملْ أَباك على هذا الجمل ، فادفنه فى مقبرة بنى سلمة . قال: فجئتُه
وأعوانٌ لى، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وهو جالس بأُحُد ، فدعانى فقال :
(والذي نفسي بيده لايُدفَن إلا مع أصحابه [بأُحُد](٢)).
وروى(٣) أبو داود والنّسائيّ عنه أيضاً قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
المشركين ليقاتلهم، وقال لى أَبِى عبدُ الله: يا جابر، لاعليك أن تكونَ فى النَّظَّارة من
أهل المدينة، حتى تَعلمَ ما يَصِيرُ أَمرُنا، واللهِ لولا أَنَّى أَترك بناتٍ بعدى لِأَحْبَبْتُ أَن
تُقتل بين يدىّ. قال(٤): فبينا أَنا فى النَّظَّارة إذ جاءت عُمَّى بأَبِى وخَالِ عادَلَتْهُما
على ناضِح ، فدخلتْ بهما المدينة؛ إذْ لحِق رجل يُنادِى: أَلا إِنَّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقَتْلى فتدفِنُوها فى مضاجعها ، حيثٍ قُتلوا .
وروى الحاكم (٥) والبيهقىّ عن أبى هريرة(٦) رضى الله عنه وابن مَرْتَوَيْه عن خَبَّاب بن
الأَرتّ رضى الله عنه: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بمصعب بن عُمَيْروهو مقتول
على طريقه فوقف عليه، فدعا له ثم قرأً؛ ﴿من المُؤْمنين رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه(٧))
الآية. ثم قال: لقد رأيتُك بمكة وما بها أحد أَرقّ حُلَّةً ولا أحسن لِمَّةً منك.
وروى البخارى(٨) : أن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه أُتِی بطعام و کان صائما
فقال: قُتْل مُصعَب بن عمير ، وهو خير من كُفِّن فى بُرده، إِن غُعَلّىَ رأْسُه بدت رِجْلاه ،
وإن غُطِّىَ رِجْلاه بدا رأسُه .
وروى(٨) الخمسةُ عن خَبَّابٍ رضى الله عنه قال: هاجرتُ مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم نبتَغى رحمة الله، فوجب أجرُنا على الله، فعنَّا مَنْ قَضَى أَو ذَعَب ولم يأكل من أجره
شيئاً ؛ منهم مصعب بن عمير، قُتل يوم أُحد فلم يترك إلا نَمِرة، وكنًّا إِذا خَطَّينا بها
(١) مسند أحمد ٣٩٦/٣
(٣) البداية والنهاية ٤٣/٤
(٢) التكملة من الحديث فى المصدر السابق.
(٤) كذا فى مسند أحمد ٣٩٨/٣
(٥) البداية والنهاية ٤٤/٤، ٤٥
(٦) ت: ((عن أبى ذر رضى الله عنه)) والمثبت من باقى النسخ والبداية والنهاية.
(٨) مسميح البخارى ٣١/٥
(٧) سورة الأحزاب: الآية ٢٣
- ٣٣٢ -

رأسه خرجتْ رِجْلاَه، وإذا غَطَّينا بها رجْليه خرجَ رأْسُه، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : غَطُوا بها رأسَه، واجعلوا على رجليه من الإِذْخِر . ومنا من أينعتْ له ثمرتُه فهو
يَهْدِبُها .
ذكر دعائه مَيد الله، بعد الوقعة يوم أحد
روى الإمام أحمد (١) والنَّسائىّ، فى كتاب عَمَلَ اليَوْم واللَّيْلة ، والحاكم ، وقال على شرط
الشيخين، وأَقرَّه الذهبىُّ ومحمد بن عمر الأَسلمىُّ، عن رفاعة بن رافع الزُّرَقّ رضى الله عنه :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا فرغ من دفن أصحابه ركب فرسَه، وخرج المسلمون
حوله ، عامتهم جرحى، ولا مِثْلَ لبَنى سَلَمة وبنى عبد الأشهل ، ومعه أربع عشرة امرأة ، فلما
كانوا بأَّصل أُحد قال: ((اصطفُّوا حتى أُثْنى على ربِّى عزَّ وجلَّ، فاصطف الرجال خَلْفهُ (٢)
صُفوفاً، خلفهم النساء ، فقال اللَّهُمَّ لك الحمد كلُّه، اللهم لا قابضَ لما بَسَطْتَ،
ولا باسطَ لما قَبَضْت، ولا هادِىَ لمن(٣) أَضللت، ولامُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْت، ولا مُنْعِىَ
لما مَنَعت، ولا مانعَ لما أَعْطَيْت ولا مُقَرِّب لما باعدت، ولامُباعِدَ لما قَرَّبت. اللهم
ابْسُطْ علينا من بركاتك ورحمتِك وفضلِك ورزقِك ، اللهم إنا نسألك النَّعِيمَ المُقِيمَ
الذى لا يَحُولُ ولا يَزُول ، اللهم إنا نسألك النعيم يوم العَيْلة، اللهم إنا نسألك الأَمْنَ
يوم الخوف [ والغنى يوم الفاقة] (٤)، اللهُم إلى عائِذ بك من شرما أَعْطَيْتَنا، ومن شر ما مَنَعْتنا،
اللهم حَبِّبْ إلينا الإيمانَ وزيِّنْه فى قلوبنا، وكَرِّه إلينا الكُفر والفُسوقَ والمِصْيان، واجْعَلْنَا
من الراشدين . اللهمَّ توقَّنا مُسلِمين، وأَحْيِنا مُسلِمين، وألحِقنا بالصالحين ، غيرَ خَزَايا
ولا مَفْتُونين . اللهمَّ قاتِل الكفرة الذين يُكلِّبون رسلَك ، ويَصُدُّون عن سَبيلِك، واجعل
عَلَيْهِم رِجْزَك وعذابَك. اللهمَّ قاتِل الكفرة الذين أُوتُوا الكتاب، إِلَّهَ الحَقِّ . آمين)).
(١) البداية والنهاية ٣٨/٤ - ٣٩
(٢) كذا فى مسند أحمد ٤٢٤/٣ وص. وفى م، ت: ((حوله صفوفاً)).
(٢) مسند أحمد ٤٢٤/٣: ((ولاهادى لما أضافت)).
(٤) تكملة من الإمتاع ١٦٢/١
- ٣٣٣ -
٠٠٠١
٠

٠
فكر رَحيل النبى عُنَّدٌ ولمّ إلى المدينة
لمّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من دفن أصحابه، رضى الله عنهم ، ركب فرسه
وخرج المسلمون حوله راجعين إلى المدينة، فلقيتْه حَمْنَةُ بنت جحش، فقال لها رسول الله
صلى الله عليه وسلم : يا حَمْن : احتَسِ ، قالت: مَنْ يا رسول الله ؟ قال : خالك حمزة
ابن عبد المطلب . قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون ، غفر الله له ، هنيئًا له الشهادة،
ثم قال لها : احتسبى ، قالت : مَنْ يا رسول الله ؟ قال: أَخوك عبد الله بن جحش ، قالت :
إنا لله وإنا إليه راجعون ، غفر الله له ، هنيئًا له الشهادة ، ثم قال لها : احتسبى ، قالت :
من يا رسول الله؟ قال: زوجك مُصعَب بن عُمَيْر، فقالت: واحُزْنَاه، وفى لفظ: واعَقْراه(١) ،
وصاحتْ وولولتْ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زوج المرأة منها لَبِمكان ؛ لما رأَى
مِنْ تثَبُّتها على أَخِيها وخَالِها، وصِياحها على زَوْجها ، ثم قال لها: لِمَ قُلتِ هذا ؟ قالت :
يا رسول الله ؛ ذكرتُ يُتْمَ بَنِيه فراعَنِى. فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولولدها
أن يُحسِن الله تعالى عليهم من الخَلَف .
وروى ابن ماجة(٢) عن إبراهيم بن أحمد بن عبيد الله بن جحش عن أبيه عن حَمْنة
بنتٍ جَحْش: أَنَّه قيل لها: قُتِل أَخوك، فقالت: رَحِمَه الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون ،
فقالوا : قُتِل زوجك ، فقالت : واحزناه ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن للزَّوج من المرأة لشَغَفَة ما هى لشئُ (٣) !
وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى طلع على بنى عَبْد الأشهل وهم يبكون
على قتلاهم ، فذرفتْ عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : لكنَّ حمزة لابَوَاكِىَ له !
فخرج النساء ينظرن إلى سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت أُمُّ عامر الأشهلية :
كل مصيبة بعدك جَلَل !
(١) م، ت: ((واغفراه)) والمثبت عن الواقدى ٢٩١/١، ص.
(٢) ابن ماجة حديث (١٥٩٠) ط الحلبى والبداية والنهاية ٤٦/٤، ٤٧
(٣) وفى سنن ابن ماجه: ((لشعبة)) بدل: ((لشغفة))، وكذلك فى البداية والنهاية ٤٧/٤.
- ٣٣٤ -
:
1

ومَرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بامرأة من بنى دينارقد أُصيب أبوها وزوجُها وأَخُوها
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأحد، فلمَّا نُعُوا إِليها قالت: ما فَعَل رسول الله صلى الله
عليه وسلم ؟ قالوا : خيراً يا أُمَّ فلان، هو بحمد الله كما تُحِبِّين ، قالت : أُرُونِيه حتى
أَنظرَ إليه ، فأُشير بها إليه، فلما رأَتْه قالت: كل مُصيبةٍ بعدك جَلَل !
وروى الطبرانىّ عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: لَمَّا كان يوم أُحد حاصَر(١)
أَهلُ المدينة حَيْصة، وقالوا : قُتِل محمد، حتى كثر الصراخ فى ناحية المدينة ، فخرجت
امرأةٌ من الأَنصار محزمة ، فاستقبلت بأبيها وابنها وزوجها وأخيها ، لا أدرى أَيّهم
استقبلت به أولا ، فلما مرَّت على آخرهم قالوا : أَبوكِ ، زوجكِ، أَخوكِ ، ابنكِ ، فتقول :
ما فعل رسول الله ؟ يقولون: أَمامكِ، حتى دُفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأَغذَتْ
بناحية ثوبه ، ثم قالت: بأَّبِى أَنتَ وأُمِّى يا رسولَ الله، لا أُبالِ إِذا سَلِمِتَ مَنْ عَطِب !
وروى ابنُ أَبِى حَاتِم ، عن عكرمة مُرسَلاً قال: لما أَبطأُ الخَبرُ على النساء خرجنَ
يستخبرن ، فإذا رَجُلان مقتولان على دابة أَو بعير، فقالت امرأة من الأنصار: مَنْ هذان؟
قالوا : فلان وفلان : أَخوها وزوجُها ، أَو زوجُها وابنُها . فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله
عليه وسلم ؟ قالوا : حَىّ ، قالت ، فلا أُبالِ، يَتَّخِذُ الله من عباده شهداء، وأنزلَ الله تعالى
على ما قالت: ﴿ ويتَّخِذَ منكم شُهَداء﴾(٢).
وجاءت أُمُّ سَعْد بنٍ مُعاذ، وهىْ كَبْشة بنتُ رافع تَعْدُو نحو رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وقد وقف على فَرَسه، وسعدُ بنُ مُعاذ آخِذْ بِعنِان فَرسَه ، فقال سعد : يا رسول الله !
أُمِّى!، فقال: مرحبًا بها ، فدنتْ حتى تأَّلتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت:
أَمَا إِذْ رأيتُك سالما فقد أَشْوَتِ المُصِيبةُ ، فعزَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمرو بين
معاذ ابنها ، ثم قال: يا أُمّ سعد؛ أَبشِرى وبَثِّرى أَخْلِيهم : أَنَّ قتلاهم ترافقوا فى الجنة
(١) حاص القوم: جالوا جولة يطلبون الفرار والمهرب (المعجم الوسيط)
(٢) سورة آل عمران: الآية ١٤٠
- ٣٣٥ -

جميعا، وقد شُفِّعُوا فى أَهْلِيهم . قالت: رَضِينا يا رسول الله ، ومَنْ يبكى عليهم بعد
هذا ؟ ثم قالت: يا رسول الله ادْعُ لمَنْ خُلِّفُوا فقال: اللهم أَذهِبْ حُزْنَ قُلُوبهم، واجْبُر
مُصِيبَتهم ، وأَحسن الخَلف على مَنْ خُلِّفوا، ثم قال : خَلِّ يا أَبا عمرو - يعنى سعد بن
معاذ - الدَّابَّةَ، فخلَّى سعدُ الفَرسَ، فَتَبعه النَّاسُ، فقال: يا أَبا عمرو إنّ الجراح
فى أهل دارِك فاشِيَة، وليس منهم مجْروحٌ إلا بأّى يوم القيامة جُرُه كأَغْزَرِ ما كان،
اللَّونُ لَونُ الدِّم، والرِّيحُ ريحُ المسك ، فمن كان مَجْروحاً فليَقِرَّ فى داره وَلَيُدَاوِ جرحه ،
ولا يَبْلُغَ مَعِى بَيْتى؛ عَزِيمةٌ مِنِّى. فنادى فيهم سعد : عَزِيمة من رَسُول الله صلى الله عليه
وسلم أَلاَّ يتّبع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جَرِيحٌ من بَنى عبد الأشهل، فَتَخَلَّف كُلُّ
مجروح، فباتوا يُوقِدُون النِّيران، ويُدُون الجَرْحَى، ومضى سَعْد مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم حتى جاء بيتَه ، فما نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم، عن فرسه إلا حَمْلاً، واتَّكاً
على سعد بن عُبادةً وسَعْد بن معاذ ، حتى دخل بيته ، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه
عليه وسلم إلى أهله ناول سيفَه ابنته فاطمة، فقال: اغسِلى عن هذا دَمَه ، فوالله لقد صَدقَنِی
اليوم، وناولها علىَّ بن أبى طالب سيفَه، فقال: وُهذا، فاغسِلى عنه دَمَه ، فَوالله لقد
صدقَنِى اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَئِنْ كنتَ صدقتَ القِتالَ لقد صدقَه
معك سَهْلُ بن حُنَيْف وأبو دُجَّانة .
وروى الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: جاء علىْ بسَيْفه
يوم أُحد وقد انحنَى ، فقال لفاطمة : هاكِ السيفَ حميداً ؛ فإنه قد شغانى(١) اليوم، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَئِنِ أَجَدْتَ الضَّربَ بسيفِك لقد أَجادَ سَهْلُ بن حُنَيْف،
وأبو دُجَانة ، وعاصم بن ثابت ، والحارثُ بنُ الصِّمّة.
قال ابنُ هِشامٍ: وحدَّثنى بَعضُ أَهل العلم أَنَّ ابنَ أَبِى نُجَيْح قال: نادَى منادٍ يومَ أُحد:
رٍ ولا فَتَّى إِلَّا علىّ
لاسَيِفَ إِلا ذو الفَقًا
(١) م، ت، ص: ((فإنها قد شفتى اليوم)).
٠
- ٣٣٦ -.

يَعْنِى بذِى الفَقَار سيفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذى غَيِمه يوم بَدْر ، وهو
الذى رَأَى فيه الرُّؤْيَا يومَ أُحُد .
ولمَا أَذِّن بلالٌ بصلاة المغرب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على تلك الحال،
يتوكَّأُ على السَّعْدَيْن، فَصَلَّى بهم، ثم عاد إلى بيته. ومضى سعدُ بن معاذ إلى نسائه ونساء
قومه، فساقهنَّ حتى لم تبق امرأةٌ إلا جاء بها إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبكينَ
حمزةً بين المغرب والعشاء ، والنَّاسُ فى المسجد يُوقدون النيران ؛ يتكمِّدون بها من الجراح .
وأَذِّن بلالُ العِشاء حين غاب الشَّفَقَ الأَحمرُ، فلم يَخْرُج رسول الله صلى الله عليه وسلم،
حتى ذهب ثُلثُ الليل.، ثم ناداه : الصَّلاةَ یا رسول الله ، فهبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من نومِه وخرج ، فإذا هو أخفُّ فى مِثْيته منه حين دَخَل ، وسَمِع البُكاء ، فقال : ما هذا ؟
فقيل : نِساءُ الأَنصار يبكين على حمزة، فقال: رَضِىَ الله عنكنَّ وعن أولادٍ كنَّ، وأمر أَن
تُرَدّ النِّساءُ إلى منازِلِهنّ.
وذكر ابنُ هشام أنه صلى الله عليه وسلم خرج عليهنَّ ، وهُنَّ على باب المسجد يبكين على
حَمْزة فقال : ارجعنَ رَحمكُنَّ الله، لقد واسَيْتُنَّ، رَحِم اللهُ الأَنصارَ ؛ فإن المواساة فيهم
ما علمتُ قديمة ، فرجَعْنَ بِلّيلٍ مع رجالهنٌ .
وروى(١) أَبو يَغْلَى برجال الصحيح عن ابن عمر، وعن أنس، والإمام أحمد(٢) ، وابن
ماجة(٣) بسندٍ صحيح، عن ابن عمر، والطبرانىّ، عن ابن عباس رضى الله عنهم: أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، لمّا رجع من أُحد سَمع نساء الأنصار يبكين على أزواجهنّ فقال:
لكن حمزةَ لابواكِىَ له ، فبلغ النساء ذلك ، فجِئن فبكين على حمزة ، فانتبه من الليل
فسمِعَهنّ وهن يبكينَ ، فقال: وَيْحَهنَّ مازِلْنَ يبكين منذ الليلة. مُروهنّ فليرجعنَ ولا يبكينَ
على هالك بعد اليوم .
وصلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم العِشاء، ثم رجع إلى بيته وقد صُفّ له الرِّجال
(١) ابن هشام ١٠٤/٣، ١٠٥ والبداية والنهاية ٤٧/٤، ٤٨
(٢) مسند أحمد ٤٠/٢
(٣) سنن ابن ماجة حديث ١٥٩١ ط الحلبى.
- ٣٣٧ -
( ٢٢ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤).

ما بين بيته إلى مُصَلاَّه يمثى وحده حتى دخل، وباتَتْ وجُوهُ الأُوس والخزرج على بابه
فى المسجد يَحرسُونه ؛ فَرِقاً من قريش أَن تَكُرّ .
ذكر إظهار المنافقين واليهود الشماتة والسروربما حصّل للمسلمين
ولما حَصَل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما حَصَل جعل عبد الله بن أبيّ بن سَلول
والمنافقون يُشْمَتون(١) ويُسَرُّون بما أصاب المسلمين، ويظهرون أَقبح القول، فيقول ابن أبىّ
لابنه عبد الله وهو جريح قد بات يَكْوِى الجراحةَ بالنار : ما كان خروجك معه إلى هذا
الوجه برَأَى؛ عَصائِى محمد وأَطاع(٢) الوِلْدَانَ، والله لكأَنى كنت أنظر إلى هذا. فقال
ابنه: الذى صنع الله تعالى لرسوله وللمسلمين خَير. وأظهر اليهود القولَ السَّيِّئْ، فقالوا:
ما محمد إلا طالب مُلْك، ما أُصِيب هكذا نِىُّ قطّ ، أُصيب فى بَدَنِه ؛ وأُصيب فى أصحابه .
وجعل المنافقون يُخَدِّلون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، ويأمرونهم بالتفرُّق عنه
ويقولون : لو كان مَنْ قُتِلِ منكم عندنا ما قُتِلِ . وسمع عمر ابن الخطاب رضى الله عنه
ذلك فى أماكن، فمشى إلى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، لِيَسْتَأْذِنَه فى قَتْل مَنْ سَمِع ذلك
منه؛ من اليهود والمنافقين، فقال صلَّى الله عليه وسلم: يا عمر ، إن الله تعالى مُظهِرُ دِينَه،
ومُعِزَّ نبيَّه، ولليهود ذِمَّة فلا أَقتلهم، قال : فهؤلاء المنافقون؟ قال : أليس يُظهِرون شهادةً
أن لا إلهَ إلَّ الله وأنى رسول الله ؟ قال: بلى يا رسول الله، وإنما يفعلون ذلك تعوَّذًا من
السيف ؛ فقد بان لنا أَمرُهم، وأبدى الله تعالى أَضغائَهم عند هذه النَّكبة، فقال: إنى
نُهِيتُ عن قَتْل من قال : لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله ، يا بن الخطاب إِنَّ قريشًا لن
يَنالوا منَّا مثل هذا اليوم، حتَّى نستلمَ الرُّكن .
ذكرقيام عبدالله بن أبى وإرادته الخطبة ومنعالمسلمينلهمنذلك
قال ابن شهاب الزُّهرىّ: لمَّا قَدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدينة كان عبد الله
ابن أبيّ بن سَلُولٍ يقوم كل جمعة، لا يُنكر شيئاً قاله فى نفسه ولا فى قومه ، وكان شريفًا
(١) م، ت، ط: (يشتمون)، وهو تحريف.
(٢) منْ: ((واتبع)).
- ٣٣٨ -

فيهم(١)، إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام عبد الله
فقال : أَنبها الناس هذا رسول الله بَيْن أظهركم، أكرمكم الله تعالى، وأَعزِّكم به ، فانصروه
وعَزُروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس حتى إذا صَنَع يومَ أُحُدما صَنَع، ورجع بالنّاس
قام يَفْعَلُ ذلك كما كان يفعل ، فأَخذ المسلمون بثَوْبه من ذَواحِيه وقالوا له : اجلِسْ أَْ عدوّ
اللّه، لستَ لذلك بأَهل، وقد صَنَعْتَ ما صَنَعْتَ، فخرج يَتَخَطَّى رِقَابَ الناس ويقول :
والله لكأَّما قلتُ بُجْراً أَنْ قمت لأَشُدَّ أَمرَه. فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال :
مالك ؟ ويلك ! قال : قمتُ أَشدُّ أَمره فوثب رجال مِن أَصحابه يجذبوننى ويعنِّفوننى،
لكأنى قلتُ بُجرأ أَن قمتُ أَشدُّ أَمره ، قال: ويلك : ارجعْ يستغفِرْ لك رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فقال : واللهِ ما أَبتغِى أَن يستَغْفِرَلى .
ذكر مانزل من القرآن فى شأن أحد
قال ابن إسحاق : وكان مما أنزل الله تعالى فى يوم أحد من القرآن ستون آية من آل
عمران ، فيها صِفَةُ ما كان فى يومهم ذلك .
وروى أبو يَعْلَى وابن المنذر وابن أبى حاتم عن المِسْوَر بن مَخْرمة قال: قلتُ: لعبد
الرحمن بن عوف : يا خال ؛ أُخبرْلى عن قصتكم يوم أحد ، قال : اقرأ بعد العشرين ومائة
من آل عمران تجْد قِصَّتَنا، أَى من قوله تعالى: ﴿ وإِذْ غَدَوْتَ من أَهلِكِ تُبَوِّىُّ المُؤْمِنِين
مَقَاعِدَ القِتالِ(٢) ) إلى آخر الستين .
ذكر بعض ما قاله المسلمون من الشعر فى غزوة أحد
قال حسان (٣) بن ثابت رضى الله عنه يُجِيب مُبَيْرةَ بن أَبِى وَهْب عن كلمة قالها:
إلى الرسول فجُند الله مُخْزِيها(٤)
سُقْتُم كِنانةَ جَهْلاً من سفامتكم
فالنَّارُ موعِدها والقَتِل لاقِيها
أوردتُموها حياضَ الموت ضاحِیةً
(١) ص: ((وكان شريفاً فى قومه)).
(٢) سورة آل عمران: الآية ١٢١
(٣) الأبيات فى سيرة ابن هشام ١٣٨/٣ و البداية والنهاية ٥٣/٤
(٤) البيت ساقط من ط، وهو فى باقى النسخ، وسيرة ابن هشام ٣/ ١٣٨. وفى الديوان (( .. جهلا من عداوتكم .. ))
- ٣٣٩ -

أَئِمةُ الكُفر خَبِرَتْكُم طَوافِيها
جمعتُموهٍ أُحابِيشاً(١) بلا حَسَبٍ
أَهْلَ القَلِيبِ ومَنْ أَلْقَيْنَه فيها (٢)؟!
أَلَا اغْتَبَرْتُم بخّيلِ الله إذا قَتَلتْ
وجَزَّ ناصِيَةٍ كُنَّا موالِيهَا
کم من أُسِيرٍ فگّكْنَاه بلا ئَمَنٍ
وقال كعب بن مالك رضى الله عنه يُجِيبه (٣) أيضا:
أَلاَ هل أَتَى غَسَّانَ عَنَّسا ودُونَهم من الأَرض خَرْقٌ سَيْرُه مُتَنَعْنِعُ
من البُعدِ نَفْعُ هامِدٌ مُتَقَطَّعُ
صَحارٍ وأَعَلامٌ كأَنَّ قَتَامَها
نَظَلُّ بِهِ البُزْلُ العَرامِيسُ رُزَّحا
بِه ◌ِيَفُ الحَسْرَى يلوح صَليبها
به العِينُ والأَرْآمَ يَمْشِينَ خِلْفَةً
مُجَالدنا(٤) عن ديننا كلٌّ فَخْمَةٍ
وكلُّ صَمُوتٍ فى الصِّوان كأنّها
ولكن ببَدْرٍ سائِلُوا مَنْ لَقِيتموا
وإِنَّا بأَرْضِ الخَوْفِ لو كان أهلها .
إذا جاء مِنَّا راكِبٌ كان قوله
ويَخْلو به غَيْثُ السنين فيُمْرِعُ(٤)
كما لاح كتَّنُ التِّجار المُوَضّع
وبَيض نَعامٍ قَيْضُه بَتَقَلَّع
مُدَرَِّةٍ فيها القَوانِسُ تلمَع
إذا لُبِسَت نِهْىٌ من الماء مُتْرَعُ
من النَّاسِ والأَنْباءُ بالغَيْب تَنْفَع
سِوانًا لقد أَجْلَوْا بَلَيْل فَأَفْتَعوا
أَعِدُّوا لِمَا يُزْجِى ابنُ حربٍ ويَجْمع
فنحن له من سائر الناس أَوسَع
فَمَهْمَا يُهِمُّ النَّاسَ مما يَكِيدُنا
بَرِيَّةُ قد أعطَوْا بداً وتَوَرِّعوا
فلو غیرنا کانت جمیعاً تکیده الـ
(١) كذا فى ط وسيرة ابن هشام. وفى م، ت: ((أحابيش)). وفى ص: ((جمعتموها أحابيثاً)).
٠
ورواية الديوان: ((أنّم أحابيش جمعتم بلا نسب».
(٢) روى البيت فى الديوان :
أهل القليب ومن أردينه فيها ؟ !
هل اعتبرتم بخيل الله إذ لقيت.
(٣) الأبيات فى الديوان ط بغداد ص ٢٢٢ وسيرة ابن هشام ٣٩/٣، والبداية والنهاية ٠٣/٤.
(٤) م، ت: ((تضل به البزل القراميس رزحاً)) وفى ص: ((تزل به البزل)). والمثبت من ط والديوان وسيرة
ابن هشام ٠١٣٩/٣ وفى البداية والنهاية ٥٣/٣ وم ، ت: ((ویحلوبه » باح.
(٥) ص: ((يجالدنا)).
- ٣٤٠ -