Indexed OCR Text
Pages 1-20
جمهورية مصر العربيّة وزارة الأوقاف المجلس الأعلى لشّئُونِ الإسلامِيَّة لجنة إحياء التراث الإسلامى السّيرة النَّبَوَنَّة سُبْلُ الهُدَى وَالرّشاء فيسيرةخيرالعباد للامام محمّد بن يُوسُف الصّالِحِ الشَّامِيّ المتوفى ٠٩٤٢.هـ الجزء الرابع تحقيق الأستاذ إبراهيم الترزى الأستاذ عبد الكريم الفزيادى القاهرة ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م إِنَّه الرحمن الرحيم تقديم ,هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً محمد رسول اللّه والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً جداً يبتغون فضلا من الله ورضوانا سياهم فى وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما)»، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم النبى القرشى الأبطعى التهامى المكى المدنى نشأ من أكرم أرومة ونسل من أشرف نبعة وأذكى مغرس أدبه ربه فأحسن تأديبه وصنعه على عينه وأهله للنبوة وأعده للرسالة فكان الرسول المصطفى المختار. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، ولعل من أهم ما يعوز المسلمين اليوم وهم فى نهضتهم الفتية ومحاولة اجتماعهم تحت راية إسلامية أن توضع بين أيديهم سيرة صاحب الرسالة عليه السلام كاملة مفصلة تشتمل على أخباره من يوم مولده الشريف إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى ، وما صاحب حياته من أحداث وأحوال وما كان من سيرته فى مولده الشريف ونشأته بين عشيرته وعمومته وشأنه فى مبعثه وإعلان رسالته وما وقع له مع قومه من معاندة ومكابرة ، ثم أخبار هجر ته من مكة إلى المدينة وانتشار دعوته فيها ثم ذكر جهاده وغزواته وسراياه ومكاتبته الملوك والرؤساء وشيوع دينه بين الخافقين وإعلاء كلمة الله فى العالمين وليكون أيضاً فى هذه السيرة أمام المسلمين "المثل الأعلى فى الخلق الرضى والشمائل المحمودة وليقرعوا فيها صحائف حياته الكريمة فى التضحية والإيثار والبر والإحسان ، وليعرفوا النبع الصافى والمنهل العذب فيما جاء به من شريعة سمحة وعقائد نقية هى القدوة الطيبة فى العدل والمساواة ومسايرتها الزمن فيما يصلح الناس فى دنياهم وآخرتهم فى أقطار الأرض جميعاً ، وكانت سيرته عليه السلام صدر الإسلام أخباراً تروى وأحاديث على ألسنة الصحابة تتلقى عن الأفواه إلى أن انتدب لجمعها عروة بن الزبير بن العوام فى أواخر القرن الأول ثم أبان بن عثمان بن عفان ووهب بن منبه وشرحبيل بن سعد وابن شهاب الزهرى وغيرهم من التابعين ثم تلاهم مومی بن عقبة ومعمر بن راشد ومحمد بن عمر الواقدی حیث وضع كل منهم كتاباً فى سيرته عليه السلام مما استخلصوه من الأحاديث ونقلوه عن الرواة ثم بادت هذه الكتب فيما أبيد من ذخائر المصنفات ولم يبق منها إلا ما تضمنته كتب الحديث والتاريخ وما بقى محفوظاً فى صدور الرواة إلى أن قيض الله لحفظ هذه السيرة عالمين كبيرين أولهما : محمد بن عبد الملك بن هشام فألف سيرة طويلة بناها على رواية ابن إسحق . وثانيهما : محمد بن سعد تلميذ الواقدى . - ٣ - i وصاحب الطبقات المعروفة باسمه وظل عمل هذين المؤلفين الأساس الصحيح لمن ألف بعدهما فى السيرة النبوية العطرة ، ثم جاء من بعدهم من ألفٍ فى جانب من جوانب حياته عليه السلام فمنهم من ألف فى دلائل نبوته كما فعل أبو نعيم والبيهقى ومنهم من ألف فى شمائله مثل الترمذى والقاضى عياض فى كتاب الشفا ، ومنهم من ألف فى معجزاته كابن دحية ، ومنهم من ترجم لأصحابه مثل ابن عبد البر فى الاستيعاب وابن الأثير فى أسد الغابة وابن حجر فى الإصابة ومنهم من شرح أقواله مثل ابن الأثير والزمخشرى والقاضى عياض كما جاء قدر صالح منها فى كتاب أنساب الأشراف البلاذرى والطبرى فى التاريخ والمقريزى فى إمتاع الأسماع والنويرى فى نهاية الأرب والزرقانى فى شرح المواهب ، ومنهم من اختصر هذه السيرة كابن سيد الناس فى كتاب عيون الأثر ، وغيرهم كثيرون ممن سار فى هذا الدرب والدرب طويل وشعابه متنوعة ومجال الكلام فيه ذو سعة . وهكذا ظلت العناية بهذه السيرة عبر الزمن وعلى مر القرون ما بين طويل ومختصر ومنشور ومنظوم إلى أن انتهى الأمر إلى عالمنا الكبير عمدة المحققين وأحد أئمة الحديث محمد بن يوسف الصالحى فألف هذه السيرة الكبرى والموسوعة العظمى جمع فيها أطراف السيرة فى كل جوانبها وألم بشتيت فوائدها ومنثور مسائلها ومتشعب نواحيها ولم يدع فى هذا الشأن آبدة إلا قيدها ولا شاردة إلا ردها إليها ، وحكى فيها جميع أقوال من قبله أو كما قال فى مقدمته ((اقتضبته من أكثر من ثلاثمائة كتاب وتحريت فيه الصواب ذكرت فيه قطرات من بحار فضائل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مبدأ خلقه قبل خلق سيدنا آدم صلى الله عليه وسلم وإعلام أمته وشمائله وسيرته وأفعاله وأحواله وتقلباته إلى أن نقله الله تعالى إلى أعلى جناته وما أعده له فيها من الإنعام والتعظيم عليه من اللّه أفضل الصلاة وأذكى التنزيل ولم أذكر فيه شيئاً من الأحاديث الموضوعات وختمت كل باب بإيضاح ما أشكل فيه وبعض ما اشتمل عليه من النفائس المستجادان مع بيان غريب الألفاظ وضبط المشكلات والجمع بين الأحاديث التى يظن أنها من المتناقضات))، وعلى الرغم من اجتهاد المؤلف وتحرى الصواب فإن بعض ما جاء به من الأحاديث مما تكلم فيه العلماء من قبل ويقوم محققو هذا الكتاب بالتعليق عليها وبيان مرتبتها فى الصحة ما استطاعوا مما نقلوه من كتب الجرح والتعديل وكتب المحدثين ومؤلف هذا الكتاب هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الصالحى الشامى رحل إلى مصر وأقام فى البرقوقية من صحراء مصر ، وتوفى بها سنة ٩٤٢ وذ کره العماد فى كتاب شذرات الذهب فى وفيات هذه السنة ، ونقل عن الشعرانى فى ذيل طبقاته قال: ((كان عالماً صالحاً مفتئاً فى العلوم وألف السيرة النبوية التى جمعها من ألف كتاب وأقبل الناس على كتابتها ومشى فيها على أنموذج لم يسبقه إليه أحد ، وكان عزباً لم يتزوج قط وإذا قدم عليه الضيف يعلق القدر ويطبخ له وكان حلو المنطق مهيب النظر كثير الصيام والقيام . بت عنده الليالى فما كنت أراه ينام إلا قليلا وكان إذا مات أحد من طلبة العلم وخلف أولاد قاصرين وله وظائف يذهب إلى القاضى ، ويتقرر فيها ويباشرها ويعطى معلومها للأيتام حتى يصلحوا للمباشرة ، وكان لا يقبل من مال الولاة وأعوانهم شيئاً ولا يأكل من طعامهم » . -٤ - وذكر له صاحب الشذرات من المؤلفات غير كتابه سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد ، مايلى : - ١ - عقود الجمان فى مناقب أبى حنيفة النعمان. ٢ - الجامع الوجيز الخادم للغات القرآن العزيز . ٣ - مرشد السالك إلى ألفية ابن مالك . ٤ - النكت عليها ، اقتضبه من نكت شيخه السيوطى عليها وعلى الشذرات والكافية والشافية والتحفة ، وزاد عليها يسيراً. ٥ - الآيات الباهرة فى معراج سيد أهل الدنيا والآخرة . ٦ - مختصره المسمى بالآيات البينات فى معراج أهل الأرض والسموات . ٧ - رفع القدر ومجمع الفتوة فى شرح الصدر وخاتم النبوة . ٨ - کشف اللبس فی دور الشمس ، ٩ - شرح الآجرومية . ١٠-الفتح الرحمانى فى شرح أبيات الجرجانى الموضوعة فى علم الكلام .. 1 : - . ٠ بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . جماع أبواب المغازى التى غزافيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقد الكريمة ■ الباب الأول فى الإذن" بالقتال ونسخ العفوعن المشركين وأهل الكتاب قال العلماء رضى الله عنهم : أولُ ما أَوْحَى إليه ربُّه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذى خلق، وذلك أول نُبوَّتِهِ ، فأمره أن يقرأ فى نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبْلِيغٍ ، ثم أنزل عليه: ﴿ يَا أَيُّهَا الِدَّثِرِ قُمْ فَأَنْذِر﴾(٢) فبدأه بقوله: ((اقرأ)). وأرسله بيأيها المدثر ، ثم أمره أن يُنذِرِ عشيرتَه الأَقْرَبين، ثم إنذارَ قومه، ثم إنذارَ من حَوْلَهم من العرب قاطبة ، ثم إِنذارَ مَنْ بلَغَتْه الدعوةُ من الجِنّ والإِنس إلى آخر الدهر ، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويُؤْمَر بالكَفِّ والصَّبْر والصَّفح ، ثم أُذِن له فى الهجرة ، فلما استقَرَّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وأَيَّده الله تعالى ينَصْرِه وبعباده المؤمنين، وأَلَّفَ بين قلوبهم بعد العداوة والإِحَن التى كانت بينهم ، فمنَعَتْه أَنصارُ الله وكَتِيبةُ الإِسلام: الأُّوسُ والخَزْرِج، من الأَسْودِ، والأُخْمر ، وبَذَلُوا أَنفسَهم دونه، وقَدَّمُوا محبَّتَه على مَحَبَّةِ الآباء والأبناء والأزواج ، وكان أولى بهم من أُنفسھم . عادَتْهُم العرب واليهود . رَوَى البَيهِىّ وغيرُه عن أُبّ بن كعب رضى الله عنه قال : لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأُنصار، رمتهم العرب واليهود عن قَوْس واحدة وشعِّروا لهم عن ساق العداوةِ والمحاربة ، وصاحوا بهم من كل جانب حتى كان المسلمون لا يبيتون إلا فى السّلاح ولا يُصْبِحون إلا فيه، فقالوا : تُرَى نعيش حتى نَبِيتَ مطمئنين لا نخاف إلا الله عزَّ وجل، فأنزلَ الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَد اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا منكم (١) ت، م: ((الأذان)). (٢) سورة المدثر : الآية ١ و ٢ -1- وعَيِلُوا الصَّالِحَاتِ ليَستَخْلِفَنْهم فى الأرض كما استَخْلَفَ الَّذين من قَبْلِهِم وليُمَكِّنَنَّ لم دِينَهم الذى ارْتَضَى لهم ولَيُبدِّلَنَّهم من بَعْدِ خَوفِهِم أَمِنًا يَعْبُدُونَنِى لا يُشْرکون بى شَيْئًا ومَنْ كَفَر بعد ذلك فَأُولئك هم الفاسِقُون﴾(١) . قال البَيْهَقِىّ: وفى مِثْل هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿والذين هاجروا فى اللهِ من بعدٍ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّثَنَّهم فى الدُّنْيَا حَسنَةً ولأَجْرُ الآخرةِ أكبرُ لو كانوا يَعْلَمون، الذين صّبِرُوا وعلى رَبِّهِم يتَوَكَّلون ﴾(٢) ذكر بعضُ أَهلِ النَّفسير أنها نَزَلت فى المُعلَّبِينَ بمكّة حين هاجروا إلى المدينةِ بعد ما ظُلِموا ، فوعدهم الله تعالى فى الدُّنيا حسنة ، يَعْنِى بها الرزق الواسع، فأعطاهم ذلك. فيُروى، عن عمرَ بن الخَطَّابِ رضى الله عنه، أنه كان إذا أُعطى الرجلَ عَطاءٍ من المهاجرين يقول: خُذْ باركَ الله لك فيه(٣)، هذا ما وَعَدك الله تبارك وتعالى فى الدُّنيا، وما ادَّخر لك فى الآخرة أفضلُ . انتهى . . وكانت اليهودُ والمشركون من أَهل المدينة يُؤْذُون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. وأصحابَه فأمرهم الله تبارك وتعالى بالصَّبر والعَفْو والصَّفح، فقال تبارك وتعالى : . ﴿ولتَسْمَعُنَّ من الَّذين أُوتوا الكتابَ من قَبْلِكَمْ ومِنَ الَّذِينَ أَشْركوا أَذَّى كَثِيرًا وإِنْ تَصْبِروا وتَتَّقُوا فإِنَّ ذَلِك من عزْم الأُمورِ ﴾(٤) أَى قَطَعه قَطْعَ إيجابهٍ وإلزام، وهو من التِّسْمِية بالمصْدَر، أى من مَعْزُوماتِ الأُمُورِ . وقال عزَّ وجلّ: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ من أَهلِ . الكتابٍ لو يَرُدُّونكُم من بَعْدِ إِيمانكم كُفَّارًا حَسَدًا من عِنْد أَنفسِهِم من بعد ما تَبَيِّنَ لهم الحقِّ﴾(٥) أَى أَن محمدًا رسولَ الله يجدونه مكتوبا عندهم فى النَّوراةِ والإِنْجِيلِ، ﴿فاعْفُوا واصفَحوا حتى يأْتِّىَ الله بأمرٍهٍ﴾، أَى الإِذْن بقِتالهم وضَرْب الجِزْية عليهم . وَرَوَى أَبو داود وابنُ المُنْذِرِ والبَيْهَتِىُّ عن كَعْبٍ (٦) بنِ مالكٍ رضى الله عنه، قال: (١) سورة النور : الآية ٥٥ (٣) م: ((يقول: حق تبارك الله فيه)). (٢) سورة النحل : الآيتان ٤١، ٤٢ (٤) سورة آل عمران : الآية ١٨٦. (٥) سورة البقرة : الآية ١٠٩. (٦) سنن أبي داود ٢٥ ص ٢٥: ((عن كعب بن مالك عن أبيه قال:)) وفيه اختلاف فى الرواية. - ١٠ - ----- ----- (( كان المُشْر كون واليَهُودُ من أَهلِ المَدِينة حين قَدِمِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُؤْذُون رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى ، فأمرهم الله تعالى بالصبر على ذلك والعفو عنهم . وروى الشيخان وابن المنذر وابن أبى حاتم والطبرانى عن أسامة ابنِ زَيْدٍ رضى الله عنهما قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يَعْفُون عن المشرِ كين وأَهلِ الكتاب))؛ يتأَوَّلُ فى العفو ما أَمْره الله تعالى به حتى أَذِن الله تعالى فيهم ، فَقُتِل من قُتِلَ من صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ .. قال العلماءُ : فلمّا قَوِيت الشوكةُ واشتَدَّ الجنَاحُ أَذِن لهم حينئذ فى القتال ولم يفرِضْه عليهم، فقال تباركَ وتَعَالَى: ﴿ أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلِمُوا وإن الله على نصرهم لَقْدِير . الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ إلا أن يقولوا رَبُّنا الله، ولولا دفعُ الله الناسَ بعضَهم ببعضٍ لُهُدِّمت صواِعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذْكَرُ فيها اسمُ الله كثيراً. ولَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لقوِىٌّ عَزِيزٌ ﴾(١) أُذِن: رُخِّصَ وفى قِراءَة بالبِنَاءِ للفاعِل وهو الله. للذين يُقاتِلون المُشر كين وهم المُؤْمِنُون، والمأُذُونُ فيه مَحْلُوف ، لدلالته عليه . وفى قراءة بفَتْح التاء، أَى للذين يقاتلهم المُشْرِكُون. بأَنهم ◌ُلِموا : بسَبب أنهم ◌ُلِموا أَى بِظُلْم الكافرين إِيَّامٍ. وإنَّ الله على نَصْرِهِمٍ لَقَدِيرٌ: وَعَدَهم بالنِّصر كما وَعَدَ بدِفْع ◌َذَى الْكُفَّار عنهم. الَّذين أُخْرِجُوا من ديارهم - يعنى مَكَّةَ - بغَيْرَ حَقٌّ فى الإخراج، ما أُخْرِجُوا إِلاَّ أَن يَقُولوا رَيُّنا الله وَحْده . وهذا القول حَقٌّ فى الإخراج (٢) بغير حَقّ. ولولا تَفْع - وفى قراءة: دِفاعُ - الهِ النَّاسَ بَعْضَهم - بدل بَعْض من النَّاس - بِبَعْض، بتَسْلِيط المؤمنين ، على الكافرين . لُهُدِّمَتْ - بالنَّشْدِيد للتكثير، وبالنَّخفيف - صَوائِعُ لُّهْبان وبيَعُ النَّصَارَى وصَلَوات كنائس لليَّهُود، وهى بالعبرانية ((صلواتا)) وقيل فيه حَذْفٍ مُضاف تَقْديرُه: مواضع صَلَوات ، وقيل : المراد بتَهديم الصَّلواتِ تَعْطِيلُها . ومساجدُ للمسلمين يُذكَرُ فيها ، أى فى المواضع، اسمُ الله كثيرا وتَنْقَطِع العباداتُ بخرابها ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَنْ (١) سورة الحج: الآيتان ٣٩، ٤٠ (٢) ت، ط: ((فالإخراج بغير حق)). - ١١ - يَنْصُرُه)(١) أَى دينه. إنَّ الله لَقَوِىّ على خَلْقِهِ، عَزِيزُ: مَنِيع فى سُلْطانه وقُدْرَتِه. قال العلماءُ : ثم قُرِضَ عليهم القتالُ بعد ذلك لمَنْ قاتلَهم دون مَنْ لم يُقاتِلهم. قال تعالى: ﴿وقاتِلُوا فى سَبِيل الله الَّذين يُقَاتِلُونكم ولا تَعْتَدُوا﴾(٢) يعنى فى قتالهم فتقاتلوا غير الذين يقاتلونكم ﴿ إن الله لا يحب المعتذين). ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة حتى يكون الدين الله. قال الله عز وجل: ﴿وقاتلوا المشركين كافة(٣) ) أى جميعا (كما يقاتلونكم كافَّة). وقال تبارك وتعالى: ﴿ كُتِب عليكم القتالُ وهو كُرْهٌ لكم وعَسَى أَن تكرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لكم وعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرِّ لَكُم﴾(٤) وكان مُحَرَّما، ثم صار مأذونًا فيه، ثم مأمورًا به لمن بَدَأَهم بالقِتالٌ، ثم مأمورًا به لجميع المُشْرِ كين ، إِمَّا فَرِضُ عَيْن على أَحدِ القَوْلَين، أَو فرضُ كِفاية على المَشْهُور . رَوَى الإِمامُ أَحمدُ(٥) والتِّرمذِىُّ، وحَسَّته، والنَّسائِىُّ وابنُ ماجه وابنُ حِبَّان، عن ابن عبّاس وابن أبى شَيْبَةَ: وَعَبْد بن حميد، والبيهقىّ ، عن مجاهد وابن عائذ وعبدالرّزاق وابن المنذر عن الزهرىّ ، والبيهقىّ عن السُّدِّىّ أَن أول آية نزلت فى القتال قوله تعالى : ( أُذن للذين يُقَاتَلُون بأَنَّهم ظُلُوا﴾(٦) وَرَوَى الإِمامُ أَحمدُ والبخارىُّ وَأَبو دَاوُد والنَّسائيّ (٧) وابن حِّان والدارقطنىّ وتَمَّام عن أنس والأَّيِمة عن أَبِى هُرَيْرَة، وأَبُو دَاود الطَّيالسىُّ والنسائىّ ، وابنُ ماجه، والضياءُ عن أَوْس بن أَوْسِ الثَّقَفِىِّ، والإِمامُ أَحمدُ والنسائىّ وابن ماجه والضياء ، عن عَمْرو بْنٍ أُوسٍ بنٍ أَوسِ النَّقَفِىّ عن أبيه - قال الحافظ فى الإصابة : والصواب أنه (١) سورة الحج : الآية ٤٠ (٢) سورة البقرة: الآية ١٩٠. (٣) سورة التوبة: الآية ٣٦ (٤ ) سورة البقرة الآية ٢١٦ (٥) مسند أحمد، الحديث ١٨٦٥ - سنن البيهقى ١٠/٩ - سنن النسائي ٢/٦ (٦) سورة الحج الآية ٣٩. (٧) سنن أبى داود ٢٦١/١ - سنن النسائي ٤/٦ مع اختلاف فى الرواية. - ١٢ - غيرُ الذى قَبْلَه - والطبرانِىُّ عن جابرٍ(١) والنّسائىُّ والبَزَّارُ والطَّبرانِىُّ، عن النعمان بن بَشِيرٍ ، وعن ابن عبّاسٍ ، وعن ابن مالك(٢) الأشجعىّ ، عن أبيه ، وعن أبى بَكْرة وعن سَمُرة، والإِمامُ أَحْمِدُ والخَيْسَةُ عن عُمَرَ ، والشيخان عن ابن عُمَر، ومُسْلِمٌ والنّسائِىِّ وابنُ حِبَّانَ عن أبى هريرةَ ، وابنُ ماجَه عن مُعاذ ، رضى الله عنهم أجمعين: أَنَّ رسولَ الله صلىّ اللهُ عليه وسلم قال: (( أُمِرَتُ أَن أقاتلَ الناسَ حتى يَشْهَدُوا أَن لا إِلَهَ إلا اللهُ وأن محمداً رسولُ الله، وأَن يَسْتَقْبِلوا قِبْلَتنَا، ويُؤْتُوا الزّكاة، ويأُكُلُوا فَبِيحتَنَا ، ويُصَلُّوا صَلَاتَنا ، فإذا فَعُوا ذلك فقد حَرُمت علينا دِماؤهم وأَموالُهم إلا بنحَقِّها ، لَهُم ما للمُسلِمِين وعَلَيهم ما على المسلمين ، وحِسابُهم على الله ، قيل : وما حقها ؟ قال : زِنّا بعد إِحْصانٍ، أَو كُفْرٌ بعد إِسلام، أَو قَتْل نَفْسَ فَيُقْتَل بها)). ثم كان الكفار معه صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ثَلاثةَ أَقْسام : قِسْمٌ صالَحهم ، وَوَادْعَهَم على أَلا يُخَارِبوه ولا يُظاهِرُوا عليه عَدُوَّه ، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأَمْوالِهِم، وقِسْمٌ حاربوه ونَصَبُوا له العداوة، وقسم تاركوه فلم يُصالِحُوه ولم يُحارِبوه، بل انْتَظَرُوا ما يَثول إليه أَمْرُه وأَمْرُ أَعدائه. ثم مِنْ هؤلاء مَنْ يُحِبُّ ظُهورَه وانتِصارَه فى الباطن، ومنهم مَنْ كان يُحِبّ ◌ُهورَ عَدُوِّ عليه وانْتصارَهم، ومنهم من دَخَل معه فى الظّهر وهو مع عدوه فى الباطن، ليَأْمنَ الفَرِيقين، وهؤلاء هم المنافقون، فعَاملَ صَلَّى الله عليه وسلم كُلَّ طائفة من هذه الطوائِف بما أَمره ربِّه تبارك وتعالى؛ فصالح يهود المدينة وكتب بينه وبينهم كتابَ أَمن ، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة : بنى فَيْنُقَاعِ وبنيِ النَّضِير وبَنِى قُريْظَة، فَنَقْضَ العَهدَ الجميعُ ، وكان من أمرهم ما سيأتى فى الغَزَوات، وأَمَرَه الله سُبحانَه وتَعالَى أَن يُقِيمَ لأَهلِ العَقْدِ والصلح بعَهْدِهٍ، وأَن يُوفِّىَ لهم به ما استقاموا على العَهْد، فإِن خاف منهم خيانةً نَبَذَ إليهم عَهدَهم ولم يُقاتِلْهم حتى يُعْلِمَهم بنبذ العَهْدِ ، وأَمَرَه أَن يُقاتل منْ نَفَض عهدَه . (١) ط: ((عن جرير)). (٢) ط: ((أبى مالك)). - ١٣ - ولَمّا نزلت سُورَة ((براءة)) نزلت ببيان هذه الأقسام كلُّها، فأمره الله تعالى أن يُقاتل عدوّه من أهل الكتاب حتى يُعْطُوا الجِزْية أَو يدْخُلُوا فى حِينِ الإِسلام، وأَمَرَه بِجهاد. الكُفَّار والمُنافقين والغِلْظَة عليهم، فجاهد الكفارَ بالسيف والسُّنان، والمنافقين بالحجة واللسان ، وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونَبْذ عهودهم، وجَعَل أَهلَ العهد فى ذلك ثلاثةَ أَقْسام: قسم أَمَرَه بقتالهم، وهم الذين نَقَضُوا عهده ولم يَسْتَقِيموا له، فحارَبهم وظَهَر عليهم ، وقِسْمٌ لهم عهد مؤقت لم يَنْقضوه ولم يُظاهِروا عليه، فأُمره أَن يُتم لهم عَهْدَهم إلى مُدَّتِهم ، وقِشم لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه ، وكان لهم عهد مطلق ، فأمره أَن يُؤَّجّلهم أَربعَة أَشهر، فإذا انسلخت الأربعةُ قاتَلَهم، وهى الأَشهرُ الأَربعةُ المذكورة فى قَوْله تعالى: ﴿ فإذَا أنْسلِغَ الأُشهرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشرِ كين﴾(١) فالحُرُم هنا هى أَشْهُرَ النَّسْيير ، أَولها يَومُ الأَذان وهو العاشر من ذِى الحِجّة، وهو يوم الحَجُ الأَكبر الذى وقع فيه التأُذِينُ بذلك، وآخرُها العاشِرُ من ربيع الآخر وليست هى الأربعة المذكورة فى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُور عند الله اثْنَا عَشَر شَهْرًا فى كتاب الله يوم خَلَقِ السّموات والأرض منها أربعة حُرُم ﴾(٢) فإنَّ تلك واحد فَردُ وثلاثة سَرْد،: رَجَب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ولم يُسَيِّر المشركين فى هذه الأَربعة ، فإنَّ هذا لا يمكن؛ لأَّا غَيرُ مُتوالِية وإنما هو أَجَّلَهم أربعةً أَشْهر . ثم أَمرَه بعد انسلاخها أَن يُقاتِلهم ، فقائل الناقِضَ لعهده، وأَجِّل من لا عَهْد له - أَو له عَهْد مطلق - أربعةً أَشْهر، وأَمَرَه أَن يُتِمّ للمُوفِى بعهده عهده إلى مدته، فأَسلم هؤلاء كُلُّهم ولم يُقِيموا على كُفْرهم إلى مدتهم . وضَرَب على أَهل اللُّمة الجزيةَ، فاستقَرِّ أَمرُ الكُفَّار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له ، وأَهلِ عَهد ، وأَهلِ ذِمَّة، ثم آلت حالُ أهل العَهْد والصُّلْحِ إلى الإِسلام ، فصار الكفار قِسْمَيْنِ: أَهل ذِمَّة آمِنُون وأهلُ حرب وهم خائفون منه ، وصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام : مسلم مؤمن به ، ومُسالم له آمن ، وخائف (١) سورة التوبة: الآية ، وجاء فى ط، ت قوله تعالى: ((فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر)) سورة التوبة: الآية ٢ بدل هذه الآية . (٢) سورة التوبة. الآية ٣٦ - ١٤ - مُحارب. وأُمِرٍ فى المنافقين أَن يَقْبَل منهم علانِيتَهم ويَكِلَ سَرَائرَهم إلى اللهِ تبارك وتعالى، وأَن يُجاهِدوهم بالعلم والحُجَّةِ، وَأُمِرَ أَن يُعْرِضَ عنهم، ويَغْلُظ عليهم، وأن يَبْلُغ بالقول البليغ "إلى نفوسهم، ونُهِىَ أَن يُصَلّى عليهم(١) وأَن يَقُومَ على قبورهم ، وأُخبِر أَنه إن استَغْفَر لهم أَو لم يَسْتَغْفِرِ لهم فلَنْ يَغْفِرِ الله لهم . تنبيه: قال بعض الملحدين: إنما بُعِث صلى الله عليه وسلم بالسَّيف والقَتْل ، والجواب : أَنَّه صلّى الله عليه وسلم بُعِث أَولا بالبراهين والمعجزات، فأَقام يدعو الناس أكثرَ من عِشْر سنين فلم يَقْبَلوا ذلك، وأَصروا على الكُفْر والتكذيب ، فأُمِر بالقتال وهو عوض العذاب الذى عذّب الله تعالى به الأُمم السابقة لَمّا كَنَّبت رسلهم . (١) جاء النهى بعد أن صلى رسول انه على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين. - ١٥ - الباب الثانى اختلاف الناس فى عدد المغازى الذى غزا فيها النبى مذهوالم بنفسه الكريمة ، وفىكم قاتل فيها روى ابنُ سعد عن(٢)ابن إسحاقَ وابن عُقبة وأَّبِى مَعشَر وعن شيخه محمد بن عمر الأَسلمىّ عن جماعة سبّاهم قالوا: كان عدد مغازِى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلّم التى غزا فيها بنفسه سبعًا وعشرِين ، وقيل: تسِعُ(٣) وعشرون، وقيل: ستُّ وعشرون، ومن قال بذلك جعل غزوة خيبر ووادى القُرَى غزوةً واحدة . وقيل : خمس وعشرون ، وزَعَم الحافظُ عبد الغنىِّ المَقْدِىُّ أَنه المشهور، وعزاه لابن إسحاقَ وابنٍ عُقْبة وأَبى معشَر ، والذى رواه عنهم ابنُ سعد ما سبق ، وهو الصحيح الذى جَزَم به أَبو الفرج فى ((التَّلْقِيح)) والدِّمياطِىُّ والعراقىُّ وغيرهم. قال فى المَورِد: وهذا الذى نَقَلَه المؤلفُ، أَىِ الحافظُ عبد الغىِّ عن هؤلاء الأئمةِ الثلاثة لم يقع لى مَنْ نقلَه عنهم غير المؤلف ؛ سَرَدَ أَسماء الغزوات ، وهى غزوة الأبواء ويقال لها: وَدَّان(٤)، ثم غزوة بُواطَ ، ثم غزوة سَفَوان، وهى بدر الأُولى لطلب كرز بن جابر، ثم غزوة(٥) العُشَيرة ، ثم غزوة بذر الكبرى ، ثم غزوة بنى(٦) سُلَيم بالكُدْرِ، ويقال لها: قَرْقَرة الكُدْر ، ثم غزوة السِّيق ، ثم غزوة غَطَّفان، وهى غزوة ذِى أَمرّ (٧) ثم غزوة الفُرُع، من بَحْران بالحجاز، ثم غزوة بنى قَيْنُقاع، ثم غزوة أُحُد، ثم غزوة حَمْراء الأَسَد ، ثم غزوة بنى النَّضِير ، (١) ط: ((اختلاف الناس فى المغازى)). (٢) م، ت: ((روى ابن سعد وابن إسحاق)) (٤) م: ((رداف)). وفى ط: ((ودار)). (٣) ص: ((وقيل: تسع عشرة)). (٥) الطبقات: ((فى العشيرة)). (٦) ط: ((ثم غزوة سليم)) وسقط من ص ((بالكدر)). (٧) معجم ياقوت ٣٦٠/١: ((ذو أمر: من ناحية النخيل، وهو بنجد من ديار غطفان)). - ١٦ - - ثم غزوة بَدْر الأخيرة وهى غزوة بدْر المؤْعِد ، ثم غزوة دُومَة الجَنْدل ، ثم غزوة بنى المُصْطَّلِ وهى المُرَيْشِيع ، ثم غزوة الخَبْدِق، ثم غزوة بنى قُرَيظة ، ثم غزوة بنى لِحْيان ، ثم غزوة الحُديْبية، ثم غزوة ذى قَرَد(١)، ثم غزوة خَيْبَر، ثم غزوة ذات الرِّقَاعِ وهى غزوةٍ مُحارِبٍ وبنى ثَعْلبةً ثم غزوة عُمْرة القَضاء ، ثم غزوة فَتْح مكة ، ثم غزوة حُنَين ، ثم غزوة الطَّائف ، ثم غزوة تَبُوك ، وفى بعض ذلك تقديمٌ وتأُخيرٌ عن بعض المحدثين ، وسيأتى بيان ذلك مفصّلا مع ضَبْطه . قال ابن إسحاق، وابن سعْد وابن حَزْم ، وابنُ الأَثير رحمهم الله ، قاتَلَ النبىِّ صلى الله عليه وسلَّم فى تِسْعِ غَزَوَات: بَدْر، وأُحُد، والخندق، وقُرَيظة ، والمُصْطلق وهى المُرَيْسِيع وخيبر والفتح وُّنَين والطَّائِف ، ويقال: إنه صلى الله عليه وسلم قاتل أيضا فى بنى النَّضِير ووادى القُرَى، والغَابَةَ (٢). وقال ابن عقبة: قاتل فى ثمانى مواطن وأَهْمَلَ عَدَّ قُرَيظة ؛ لأَنّه ضَمهًا إلى الخَنْدق لكونها كانت إثرها، وأَفْرَدها غيرُه لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره ؛ عدَّ الطائف وحُنَيْناً واحدة لكونها كانت فى إثرها . وروى مسلم عن بُرَيْدَةٍ بن الحصيب(٣) رضى الله تعالى عنه قال: قاتَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى ثمان غزوات قال النَّوَوَىُّ: لعل بُرَيدةَ أَسقطَ غزوة الفَتْحِ ويكون مذهَبه أنها فُتِحَتْ صُلْحا- كما قال الشافعىُّ وموافقوه - قلت: والتوجيه السابق أَقعد(٤). قال الحافظُ أَبو العَبّاس الحَرّانى رحمه الله فى الردّ على ابن المطهر الرافض: لا يُفْهَم من قولهم أَنه(٥) صلى الله عليه وسلَّم قاتَلَ فى كذا وكذا أنه قائلَ بنفسه كَمَا فهمه بعض الطلبة ممن لا اطلاع له على أحواله صلى الله عليه وسلم ، ولايعلم أنه قاتل بنفسه فى غزوة إلا فى أُحدٌ فقط. قال: ولا يُعلَم أَنه ضرب أَحداً بيده إلا أُبَىّ بنَ خَلَف؛ ضَرَبَه بِحَرْبَةٍ فی یده . انتهى . (١) القاموس: ((ذو قرد: موضع قرب المدينة، أغاروا به على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزاه)). (٣) ت، م: ((الحصب)) (٢) م: ((والغاية)» (٤) ص: ((أحسن)). (٥) م: ((عن قولهم)). وفى ط: ((عن قوله)) - ١٧ - ( ٢ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤ ) قلت : وعلى ما ذَكَرَه يكونُ المراد بقولهٍ(١): قاتَلَ فى كذا وكذا أَنْه صلَّى الله عليه وسلَّم وَقَعَ بينه وبين عَدُوٌّ فى هذه العَزَوات قتالٌ قائلتْ فيها جيوشُهُ بِحَضْرَتِه صَلَّى الله عليه وسلَّم، بخلاف بَقِيَّةِ الغَزَوات؛ فإنه لم يقع فيها قتالٌ أَصلا ، لكن نَقَلَ الحافظُ فى الفَتْحِ عن ابن عُقْبَةَ أَنه قال : قائلَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلّم بنفسه فى ثمَانِ غَزَوَاتٍ، وراجعتُ نسحةٌ صحيحة فى مغازِى(٢) ابن عُقْبَةَ ونَصُّه: ذِكر مغازِى رسول الله صلى الله عليه وسلّم التى قاتَلَ فيها؛ قاتَلَ فى بدر إلى آخر ما ذَكَره ثم قال : وَغَزًا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم اثنَّتَىْ عشرةَ غزوةً لم يكن فيها قتالٌ. انتهى . ولم يذكر فيها أنه صلَّى الله عليه وسلَّم قاتَل بنفسِه ؛ فكأَّها فى بعض النسخ . وسيأتى ٠٠ فى غزوة أُحُد أَن رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم رَبَى بقوسه حتى صارتْ شَظايا، وأنه أعطى ابنته فاطمةَ رضى اللهُ عنها يومَ أُحُد سيفَه فقال : اغْسِلِى دمَه عنه ، وفى حديث(٣) ... كنا إذا التقينا، كتيبةً أَو جيشًا ، أَول مَن يضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، رواه (٣) .. والغزوات الكِبار الأُمَهَّات سبعٌ: بدر، وأُحُد ، والخندق ، وخَيْرِ ، والفتح ، وحُنَين ، وتبوك . وفى شأن هذه الغزوات نزل القرآن ؛ ففى بدر كثيرٌ من سورة الأنفال ، وفى أُحُد آخر آل عِمْران من قوله تعالى: ﴿ وإذ غدوتَ من أَهلِكَ تُبَوِّىُّ المؤمنين مَقَاعِدَ للقتال﴾(٤) إِلى قُبَيْل آخرها بيسير. وفى قصة الخندق وقُرَيظةً صدرُ سورة الأحزاب، وفى بنى النَّضِير سورةُ الحَشْر . وفى قصة الحُدَيْبِية وخَيْبر سورةُ الفتح، وأُشِير فيها إلى الفتح ، وذُكِرَ الفتحُ فى سورة النَّصْرِ، وَتَّبُوك فى سورة براءة. وجُرِحَ منها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة أُحُد فقط، وقاتَلَتْ معه الملائكة منها فى بَدْر وحُنَين وأُحُد (١) ط: ((بقوله)). (٢) ط: ((من مغازى)). (٣) بياض فى جميع النسخ، ولم نقف على بهذا الحديث فى كتب الحديث أو فى المعجم المفهرس. (٤) سورة آل عمران : الآية ١٢١ ٠- ١٨ - على خلاف فى الثالثة (١) يأتى تحقيقه فى غزوتها. ونَزلت الملائكة يومَ الخندقِ فَزَّلْزَلُوا المشركين وهزّمُوهم . " وَرَقَى بالحَصْباء فى وجوه المشركين فهربوا ، فكان الفتح فى غَزْوَتَيْنِ: بدْر وحُنَين. وقاتَلَ بالمَنْجَنِيقِ فى غزوة واحدة وهى الطَّائف. وتَحَصِّن بالخندق فى واحدة وهى الأحزاب ، أَشار به عليه سَلْمانُ الفارسىُّ رضى الله عنه . (١) م، ت: ((الثانية)). - ١٩ - 1 تَنْيَهَاتٌ الأول: روى الخَطِيبُ البغدادىٌّ فى الجامع وابن عساكر فى تاريخه عن زين العابدين علىَّ من الحُسين بن أَميرِ المؤمنين علىّ رضى الله عنه، قال: كنا نُعَلَّمُ مغازى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما نُعَلَّمُ السُّورة من القرآن . وَرَوَيّا عن إسماعيل بن محمد ابن سعد بن أبى وَقَّاص الزُّهْرىّ المدنىّ قال: كان أَبِى يُعلَّمنا مغازى رسول الله صلَّ الله عليه وسلّم ويعدُّها علينا وسَراياه، ويقول: يا بَنِىَّ هذه شَرَفُ آبائِكم فلا تُضيعوا ذكرها . ورُوَيَا أَيْضًا عن الزُّهْرِىِّ قال : فى علم المغازِى خير الدنيا والآخرة . الثانى: رَوَى ابنُ إِسحَاقَ(١) والإِمامُ أَحمدُ والشيخان عن عبد الله بن بُرَيْدة - بضم الموحّدة وسكون المثناة التحتية - قال: قلت لزيد بن أرقم: كم غَزا رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلَّمٍ ؟ قال : تسع عشرةَ ، قلتُ: كم غزوتَ أنتَ مَعهُ ؟ قال: سبعَ عشرةَ غَزَاة ، قال الحافظ : تسعَ عشرةَ ، والمراد الغَزَوات التى خرج فيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة سواء قاتل أَو لم يقاتل، لكن روى أبو يَعْلَى بسند صحيح عن ابن الزُّبَير عن جابرٍ ابنِ عَبدِ الله رَضِى الله عنهما أن عددَ الغَزَوات إِحدى وعِشْرون. وأَصلُه فى مسلم . فعلى هذا فات(٢) زيد بننَ أَرقمٍ ثنتان منها، ولعلهما الأبواءُ وبُوَاطِ . وكان ذلك خَفِىَ عليه لصِغَرِه ، ويُؤَيِّد ما قلتُه ما وقع عند مسلم بلفظ أُول غَزاةٍ غَزاها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم ذات العُشَيْرةِ(٣) أَو الْمُسَيْرة اهـ. والعُسَيْرة : الغزوة الثالثة . وأما قولُ ابن كَثِير»: يُحمَل قَولُ زيد على أَنَّ الْعُشَيْرَةَ أَولُ ما غَزَاه٤) هو ، (١) م، ت: ((روى عن ابن إسحاق)). (٢) م، ت: فعلى ففات)) وفى ص. فعلى هذا ففات)) وهو تحريف. والمثبت من ط. (٣) كذا فى ص. وفى سائر النسخ: ((((ذات العشير أو العشيرة)). وفى الروض ٥٧/٢: ((يقال فيها العشيرة والعشيراء، وبالسين المهملة أيضا العسيرة والعسيراء)). وفى القاموس ((عسر)): وغزوة فى العسيرة بالشين أعرف)). (٤-٤) والمثبت من البداية والنهاية ٢٤٧/٣ . . - ٢٠ -