Indexed OCR Text
Pages 261-280
فى نصيبه من الفيء . ((أُعِفَّة(١) )) [ جمع عفيف وهو من يَكُفّ عما لا يحل ولا يَجْمُل](٢) ((صُبُر)): بضم أوله وثانيه جمع صَبِير(٣) وهو هنا مُقَدَّم القوم. ((النَّركة)): الشىء المتروك أَى الذى تركه الميت لوارثه . ((الضَّيْعَة (٤))): بالفتح العقار . (١) وفى الحديث: فإنهم ما علمت أعفة صبر، وأعفة جمع عفيف، عن النهاية (جـ ٣ ص ١١٠). (٢) بياض فى الأصول بقدر بضع كلمات . (٣) فى التاج: والصبير أيضا مقدم القوم وزعيمهم الذى يصبر لهم ومعهم فى أمورهم .. والجمع كالواحد وقيل الجمع صبر بضمتين . (٤) فى التاج: الضيعة العقار نقله الجوهرى وقال ابن فارس تسميتهم العقار ضيعة ما أحسبها من اللغة الأصلية وأغلنها من محدث الكلام قال : سمعت من يقول إنها سميت ضيعة لأنه إذا ترك تعهدها ضاعت فإن كان كذا فهو دليل ما قلناه إنه من الكلام المحدث . وفى القاموس : الضيعة الأرض المغلة . - ٢٦١ - الباب الثالث فى بَدْء إِسلامهم رضى الله عنهم ٠ قال ابن إسحق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره كلما اجتمع له ناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله تعالى وإِلى الإِسلام ويَعْرِض عليهم نفسه وما جاءهم به من الله تعالى من الهُدَى والرحمة، ولا يسمع بقادم يَقْدَم مكة من العرب له اسْم وشَرَف إِلا تَصَدَّى له ودعاه إلى الله تعالى وعَرَض عليه ما عنده(١). وروى ابن إِسحق بسَنَد جَيِّد عن محمود بن لبيد قال: لما قدم أَبو الحَيْسَر أَنس(٢) بن رافع [ مكة ] - فيما ذكره ابن إسحق ، وبشْر فيما ذكره الزبير بن بَكَّار - فى فِتْيَة من قومه بنى عبد الأشهل يلتمسون الحِلْف من قريش على قومهم من الخزرج ، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: ((هل لكم فى خَيْرٍ مما جِئْتُم له؟)). فقالوا له : وما ذاك ؟ قال : (( أَنا رسول الله بعثنى إلى العباد، أَدعوهم إلى أَن يعبدوا الله ولا يُشْركوا به شيئاً وأَنزل علىّ الكتاب)) ، ثم ذكر لهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن مُعَاذ ، وكان غلاماً حَدَثَاً: ((أَىْ قوم هذا والله خَيْرٌ مما جئتم له )). فأَخذ أَبو الحَيْسَرِ أَنَس بن رافع حَفْنَةٌ من تراب البطحاء فضربِ بها وجه إياس بن مُعَاذ ، وقال : دَعْنا منك فَلَعَمْرِى لقد جئنا لغير هذا. فصمت إِياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم [ وأنصرفوا(٣) ] إِلى المدينة . وكانت وقعة بُعَاث(٤) بين الأوس والخزرج ثم لم يلبث إياس بن مُعَاذ أن هلك. (١) هذه الفقرة مما رواه ابن إسحق فى سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣٤. (٢) فى جوامع السيرة لابن حزم ص ٦٩ أنيس بالتصغير ولكنه فى سيرة ابن هشام (ج ٢ ص ٣٦) أنس وكذلك فى أسد الغابة ( ج ١ ص ١٢٤) وهو فى الأخير أنس بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل أبو الحيسر قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فى فتية من بنى عبد الأشهل .. إلى آخر الخبر بإسناد ابن إسحق وقد أخرجه ابن منده وأبو نعيم. (٣) ساقطة من الأصول والتكملة من ابن هشام (٤) فى معجم البكرى (ج ١ ص ٢٥٩: ٢٦٠) بعاث بضم أوله وبالثاء المثلثة موضع على ليلتين من المدينة فيه كانت الوقيعة واليوم المنسوب إليه بين الأوس والخزرج . وذكر عن الخليل بغاث بالغين المعجمة ولم يسمع من غيره . - ٢٦٢ - قال محمود بن لبيد : فأخبرنى من حَضَّرَهُ من قومى عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يُهُلِّل الله تعالى ويُكَبِّرِه ويُسَبِّحه حتى مات، فما كانوا يَشُكُّون أَن قد مات مسلماً، لقد كان استشعر الإسلام فى ذلك المجلس حين سَمِع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع . وروى أَبو زُرْعَة الرازى فى دلائل النبوة له بسَنَد حَسَن، والحاكم وصَحَّحه عن معاذ ابن رفاعة بن رافع عن أبيه عن جَدِّه(١) أنه خرج هو وابن خالته معاذ بن عفراء(٢) حتى قدما مكة ، فلما هبطا من الثَّنِيَّة، رأَى رجلاً تحت شجرة . قال : وهذا قبل خروج الستة من الأَنصار ، فلما رأيناه قلنا نأتى هذا الرجل لنستودعه راحلتنا حتى نطوف بالبيت ، فجئنا فسَأَّمنا عليه تسليم أهل الجاهلية، فرَدَّ علينا تسليم أَهل الإِسلام ، وقد سَمِعْتُ بالنبى ، فأنكرنا فقلنا: من أنت؟ قال: ((انزلوا))، فنزلنا فقلنا: أَين هذا الرجل الذى يَدَّعى ما يَدَّعى ويقول ما يقول؟ قال: ((أَنا هو)). قلنا: أَعْرِض علينا الإِسلام، فعَرَض ، وقال: (( من خلق السموات والأَرض والجبال؟)) قلنا: خلقهُنّ الله عز وجل. قال ((فَمَنْ خلقكم؟)) قلنا: الله عز وجل. قال: ((فمن عَمِل هذه الأصنام التى تعبدون؟)) قلنا: نحن. قال: ((الخالق أحق بالعبادة أَو المخلوق؟)) قلنا: الخالق. قال: ((فأَنتُمْ أَحق أَن تعبدوا ربكم وأنتم عَمِلْتُمُوهُنّ / واللّه أَحٌ أَن تعبدوه من شىء عَمِلْتُمُوه وأَنا أَدعوكم إلى ٣٩٣ ظـ عبادة الله عز وجل وشهادة أَلَّا إِله إِلا الله وأَنى رسول الله، وصِلَة الرَّحِمِ وتَرْك العدوان وإِن غَضِب الناس )). فقالا: لو كان هذا الذى تدعو إليه باطلاً [ لَمَا (٣) ] كان من معالى الأُمور ومحاسن الأخلاق ، فأَّمْسِك راحلتنا حتى نأتى البيت . فجلس عنده مُعَاذ بن عفراء . قال رافع : فَجِئْتُ البيت فطُفْتُ وأَخرجتُ سبعة أَقداح وجعلتُ له بينها قِدْحاً ، فاستقبلتُ البيت وقلت : اللهم إن كان ما يدعو إليه محمد حقاً فَأَخْرِجْ قِدْحَه سبع مرات ، فضربت بها سبع مرات ، فَصِحْتُ: ((أَشهد أَلا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله )). فاجتمع (١) نسب جده كما فى جمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص ٣٣٨) هو رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو ابن عامر بن زريق ، ورافع هذا عقبى بدرى . (٢) هو معاذ بن الحارث الأنصارى من الخزرج يعرف بابن عفراء وهى أمه شهد بدرا هو وأخواه عوف ومعوذ توفى فى خلافة عثمان وقيل فى خلافة على. انظر أسد الغابة جـ ٤ ص ٣٧٨: ٣٨٠. (٣) زيادة يقتضيها السياق. - ٢٦٣ - الناس عَلَىَّ وقالوا: مجنون رَجُلٌ صَبَاً(١)، فقلت : بل رجل مؤمن ، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأَعلى مكة، فلما رآنى مُعَاذ بن عَفْرَاء قال : لقد جئتَ بوجهٍ ما ذهبتَ به يا رافع، لقد جئتَ وآمنت. وعَلَّمنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سورة يوسف، [ وسورة العَلَق ]: ((اقرأ باسم ربك الذى خَلَق، خَلَقَ الإِنسانَ من عَلَق)). ثم خرجنا راجعين إِلى المدينة . بيان غريب ما سبق ((الحِلْف)) - بكسر الحاء وسكون اللام: المُعَاقَدَة والمُعَاهدة على التعاضد والاتفاق. ((أَبو الحَيْسَر )): بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية بعدها سين مهملة ثم راء ، ذكره ابن مَنْدَه فى الصَّحَابة، وذكره الحافظ فى الإصابة فى الأَسماء وفى الكُنِىَ فى القسم الرابع فيمن ذُكِرٍ فى الصحابة غَلَطاً. ((إِياس بن مُعَاذ)): ذكره ابن السَّكَن وابن حِبَّان فى الصحابة ، وذكره البخارى فى تاريخه الأوسط فيمن مات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأَولين والأنصار. ((الثَّنِيَّة)): كل عَقَبة مستلوكة. ((الأَقداح)) : جمع قِدْح - بكسر القاف وهو عود السهم إذا قُوِّم وإِلى أَن يُرَاش فإذا رُكِّب ◌ِيه النَّصْل وريش فهو سهم ، والمراد هنا السهم الذى يستقسمون به . (١) جاء فى التاج: صبأ يصبأ ويصبو كمنع وكرم صبأ وصبوءاً بالضم وصبوءاً بالفتح خرج من دين إلى دين آخر كما تصبأ النجوم أى تخرج من مطالعها قاله أبو عبيدة وفى التهذيب صبأ الرجل فى دينه يصبأ صبُّوءا إذا كان صابئا . وفى النهاية (ج٢ ص ٢٤٨) فى حديث بنى جذيمة: كانوا يقولون لما أسلموا: صبأنا صبأنا. يقال صبأ فلان إذا خرج من دين إلى دين غيره من قولهم صبأ ناب البعير إذا طلع وصبأت النجوم إذا خرجت من مطالعها . وكانت العرب تسمى النبى صلى اللّه عليه وسلم الصابى لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام ويسمون من يدخل فى دين الإسلام مضبوا لأنهم كانوا لا يهمزون فأبدلوا من الهمزة واواً ويسمون المسلمين الصباة بغير همز كأنه جمع الصابى غير مهموز كقاض وقضاة وغاز وغزاة - ٢٦٤ - الباب الرابع فِى ذِكْر يوم بُعَاث قالت عائشة رضى الله عنها : (( كان يوم بُعَاث يوماً قَدَّمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقَدِمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد افْتَرَق مَنَؤُهم وقُتِلت سَرَواتُهم وجُرِّحوا، فقَدَّمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فى دخولهم فى الإِسلام)). رواه البخارى(١). [ بيان غريبه ] ((بُعَاث)): بضم المُوَخَّدة، وحَكَى القَزَّازِ فى الجامع فَتْحَها وبتخفيف العَيْن المهملة وآخره المثلثة - قال الجمهور - وقال ابن دُرَيْد: وذُكِر عن الخليل إعجامُها ولم يُسْمَعَ من غيره وإنما هو بالعين المهملة. وذكر الأَزهرى أَن الذى صَحَّفَهُ الَّيْث عن الخليل. وذكر القاضى أَن الأصيلى(٢) أَحد رواة الصحيح رواه بالوَجْهَيْن أَى بالغين المعجمة والعين المهملة ، وأن وجهاً واحداً هو الذى وقع فى رواية أبى ذَرّ بالغين المعجمة .. ويُقَال إِن أَبا عُبَيْدَة ذكره بالمعجمة أيضاً . وبُعَاث: مكان ويقال حِصْن، وقيل مزرعة عند بنى قُرَيْظة على ميلين من المدينة كانت به وَقْعَة بين الأَوس والخزرج قُتِل فيه كثير منهم ، وكان رئيس الأَّوْس فيه. حُضَيْر - بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية بعدها راء - والد أسيد بن حُضَيْر، وكان يقال له: حُضَيْر الكتائب، وبه قُتِل(٣) ، وكان رئيس (١) إسناده كما أخرجه البخارى فى صحيحه (= ٥ ص ١٠٨) حدثنى عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها . (٢) هو عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جعفر الأموى المعروف بالأصيلى من أهل أصيلة توفى سنة ٣٩٢ ( كان من كبار أصحاب الحديث والفقه. سمع بقرطبة وفاس ورحل إلى المشرق سنة ٣٥١ حيث سمع بمصر وبمكة صحيح البخارى من أبى زيد محمد بن أحمد المروزى عن محمد بن يوسف الفربرى عنه. ثم رحل إلى العراق وأكثر الجمع والرواية وعاد إلى الأندلس حيث ألف كتابا فى اختلاف مالك والشافعى وأبى حنيفة سماه كتاب الدلائل على أمهات المسائل . ترجم له ابن الفرضى فى تاريخ العلماء والرواة بالأندلس ( ج ١ ص ٢٩٠ : ٢٩١ رقم ٧٦٠ طبعة القاهرة سنة ١٩٥٤م) والحميدى فى جذوة المقتبس ( ص ٢٣٩: ٢٤٠ رقم ٥٤٢ طبعة القاهرة سنة ١٩٥٢ م) . (٣) وبه قتل، الضمير فى ((به)) عائد على اليوم أى يوم بعاث . - ٢٦٥ -. °ی، ٣٩٤ والخزرج يومئذ عمرو بن النعمان البياضى فقُتِل بها(١) أيضاً. وكان النَّصْر / فيها أولاً للخزرج ثم هُزِم حُضَيْر فرجعوا وانتصرت الأَّوس وجُرح حُضَيْر يومئذ فمات منهزماً ، وذلك قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل بأَربعين سنة وقيل بأَكثر. قال الحافظ: ((الأَّول أَصَحّ)). وذكر أبو الفرج الأموى أَن سبب ذلك كان من قاعدتهم أَن الأصيل لا يُقْتَل بالحليف ، فقتل رجل من الأَوس حليفاً للخزرج ، فأرادوا أَن يُقِيدوه ، فامتنعوا ، فوقعت بينهما الحرب لأَّجل ذلك ، فقُتِل فيها من أكابرهم من كان لا يُؤْمَن أَن يَتَكَّر ، ويأْنف أَن يدخل فى الإِسلام حتى لا يكون تحت حكم غيره ، وقد كان بَقِّى منهم من هذا النحو عبد الله بن أَبَىّ بن سَلُول كما سيأتى بيان ذلك. ((سَرَوَاتُهم(٢)): بفتح المهملة والراء المخففة والواو، أَى خيارهم، والسَّرَوَات جمع السَّرَاة - بفتح المهملة وتخفيف الراء - والسَّرَاة جمع السَّرِىّ وهو الشريف ((جُرِحوا)) للأَّكثر بضم الجيم والراء المكسورة مُثْقَلاً ومُخَفَّفاً فحاء مهملة، وعند الأصيلى بجيمين جَرِحُوا أَى اضطرب قولهم ، من قول العَرَب جَرِجَ الخاتم إذا جال فى الإصبع ، وعند ابن أبى صُفْرَة بحاء مهملة مفتوحة من الحَرَج : أَى ضيق الصدر، وعند المستملى وعبدوس والقابسى: ((وخرجوا)) بفتح الخاء المعجمة والراء من الخروج، وصَوَّب ابن الأثير الأول وقال صاحب التقريب إِنه المشهور ، وصوب غيره الثالث(٣). (١) فقتل بها : الضمير عائد على الوقعة . (٢) فى المصباح: السرى الرئيس والجمع سراة وهو جمع عزيز لا يكاد يوجد له نظير لأنه لا يجمع فعيل على فعلة، وجمع السراة ((أى جمع الجمع)) سروات هذا وقد وردت كلمة مراة فى الشعر الجاهلى قال: الأفوه الأودى. لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم .. ولا سراة إذا جهالهم سادوا انظر الشعر والشعراء لابن قتيبة طبعة ليدن سنة ١٩٠٢ م ص ١١٠ والطرائف الأدبية ص ١٠ القاهرة سنة ١٩٣٧ م. (٣) أورد أبو الفرج الأصفهانى فى الأغانى ( جـ ١٧ ص ١١٧ : ١٣١ طبعة القاهرة سنة ١٩٧٠ م). أخبارا عن يوم بعاث أوفى مما ذكره المؤلف وذلك فى الفصل الذى عقده عن نسب أبى قيس بن الأسلت ، وكذلك السمهودى فى وفاء الوفا ( ج ١ ص ١٥٢: ١٥٦) (الفصل السادس فيما كان بين الأوس والخزرج من حرب بعاث) ولخص أخبار هذه الحرب عز الدين بن الأثير فى الجزء الأول من كتاب الكامل فى التاريخ (ص ٢٨٦: ٢٨٨ طبعة بولاق سنة ١٢٩٠ هـ) وكان يحسن بالمؤلف أن يبسط القول فى حرب بعاث لما كان لها من أثر فى نجاح بيعة العقبة وتوطيد دعائم الدعوة الإسلامية كما يدل على ذلك حديث السيدة عائشة رضى الله عنها الذى أخرجه البخارى فى صحيحه (جـ ٥ ص ١٠٨). - ٢٦٦ -_ الباب الخامس فِى بَيْعَة العَقَبَةِ الأُولَى وكانت فى رجب . وقال الزهرى وابن عُقْبَة وابن إسحق: ((فلما أراد الله سبحانه وتغالى إظهار دينه وإعزاز رسوله وإنجاز موعده له ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المَوْسِمِ الذى لَقِى فيه النفر من الأَنصار ، فَعَرَض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع فى كل موسم. فبينما هو عند العقبة لَقِى رَهْطاً من الخزرج أَراد الله بهم خيراً . فقال لهم: ((من أَنتَم)) ؟ قالوا: نَفَر من الخزرج. قال: ((أَمِن موالى يهود؟، قالوا: نعم. قال : ((أَفَلَا تجلسون أُكَلِّمُكم؟)) قالوا: بلى، من أنت ؟ فانتسب لهم وأخبرهم خَبَرَه . فجلسوا معه ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعَرَض عليهم الإِسلام ، وتلا عليهم القرآن . وكان مما صنع الله لهم [ به](١) من الإِسلام أَن يهود كانوا معهم فى بلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم ، وكانوا [هماً أَهْلَ شِرْك وأَصحاب أَوثان، وكانوا قد عَزُّوهٍ(٢) ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شىء قالوا لهم: إِن نبياً مبعوث الآن قد أَظَلَّ زمانُه، نَتَّبِعِه فنقتلكم قَتْلَ عادٍ وإَِم. فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله أَيقنوا به واطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا منه وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من صفته ، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تَعَلَّمُوا والله إنه لَلسَّبِىّ الذى تُوعِدكم به يهود فلا تَسِْقَنَّكُمْ إِليه [فأجابوه إلى ما دعاهم إِليه(١)] بأَن صَدَّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام . ثم قالوا : قد علمت الذى بيننا من الاختلاف وسفك الدماء ، ونحن حِرَاصٌ على ما أَرسلك الله به ، مجتهدون لك بالنصيحة ،، وإِنا لنشير عليك برأينا ، فامكث على رِسْلك باسم الله حتى نرجع إلى قومنا، فنذكر لهم شأنك ، وندعوهم إلى الله ورسوله، فلعل الله يصلح ذات / بينهم ٣٩٤ ظ ويجمع لهم أمرهم ، فإنا اليوم متباغضون متباعدون ، ولكنا نواعدك الموسم من العام المقبل . (١) زيادة من ابن هشام (ج ٢ ص ٣٨) (٢) بالعين المهملة ، عز فلائا يعز عزا من باب نصر ، غلبه وقهره .! - ٢٦٧ - فرضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانصرفوا راجعين إِلى بلادهم وقد أمنوا وصَدَّقُوا . وهم فيما ذكر ابن اسحق فى رواية ستة نفر من الخزرج : [١] [من بنى النَّجَّار(١)]: أَبو أُمَامة أسعد بن زُرَارة - بضم الزاى - [ ابن عُدَس بن عُبَيْد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجار] . [٢] عوف بن الحارث ابن رِفاعة - بكسر الراء وبالفاء - [ ابن الحارث بن سَوَاد بن. مالك بن غَنْم بن مالك بن النجار ] وهو ابن عَفْراء . [٣] ومن بنىْ زُرَيْق - بتقديم الزاى على الراء - [ابن عامر ابن زُرَيْق بن عبد حارثة ابن مالك بن غَضْب بن جُشَم بن الخزرج] : رافع بن مالك بن العَجْلان . قال ابن الكلبى : وهو أول من أسلم من الأَنصار . [٤] ومن بنى سَلِمَة - بلام مكسورة - [ابن سعد بن على بن أسد]: قُطْبَة - بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبالموحدة - ابن عامر [بن حَدِيدة بن عمرو بن سَوَاد بن غَنْم بن كعب ابن سَلِمَة بن سعد بن على بن أسد بن سارِدة بن تزيد بن جُشَم بن الخزرج بن حارثة] . [٥] ومن بنى حَرَام [بن كعب بن غَنْم بن كعب بن سلمة]: عُقْبَة - بضم العين المهملة وسكون القاف ـ ابن عامر بن نَابِى - بنون فأَلف فباءِ مُوَحَّدة فمثناة تحتية - [ابن زيد بن حرام بن كعب بن غَنْم بن سَلِمَة]. [٦] ومن بنى عبيد(٢) [ بن عَدِىّ بن غَنْم بن كعب بن سَلِمَة]: جابر بن عبد الله [بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد .. ] . وفى رواية جرير بن أبى حازم عن ابن إسحق بدل عُقْبَة بن عامر ، مُعَاذ بن عفراء ، وعند موسى بن عقبة عن الزهرى عن عُروة أَنهم ثمانية . وهم : مُعَاذ بن عفراء(٣) ، وذَكْوَان- بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف - ابن عَبْد قيس(٤) [بن خَلَدة بن مُخْلِد بن عامر بن (١) ما بين أقواس معقفة زيادة من سيرة ابن هشام وجوامع السيرة لابن حزم وجمهرة أنساب العرب له. (٢) فى الأصول عقيل والتصويب من سيرة ابن هشام . .(٣) هو معاذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وهو ابن عفراء أخو عوف المذكور قبل . (٤) وذكوان هذا رحل إلى مكة فسكنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مهاجرى أنصارى قتل يوم أحد، عن جوامع السيرة لابن حزم ص ٧١ . - ٢٦٨ - زُرَيْقِ (١)]، وعُبَادة - بضم العين المهملة فباء مُوَحَّدة - ابن الصامت [بن قيس بن الأَصرم ابن فِهْر بن ثعلبة بن غَنْم بن عوف بن الخزرج بن حارثة ] ، وأبو عبد الرحمن يزيد ابن ثعلبة [بن خَزْمَة بن أَصْرَم بن عَمْرو بن عَمَّارَةً من بنى غُصَيْنَة ثم من بَلِّ حليف لهم]. وأَبو الهيثم بن النَّيِّهان [بن جُشْم بن الحارث(٢) ]، وعُوَيْمٍ - بضم العين المهملة وفتح الواو وسكون المُثَنَّة التحتية - بن ساعدة [من بنى عمرو بن عوف بن مالك بن الأَوس بن حارثة ] . [ بيان ما سبق ] ((العقبة الأُولى)): قال المحب الطبرى(٣): ((الظاهر أنها العَقَبة التى تُضاف إليها الجمرة إذ ليس أَظهر منها وعن يسار الطريق لقاصد مِنى من مكة شِعْبُ قريبٌ منها ، فيه مسجد مشهور عند أهل مكة أنه مسجد البيعة ، وهو على نَشَرٍ من الأَرض، ويجوز أن يكون المراد من العقبة ذلك النَّشَز، وعلى الأَول يكون قد نُسِب إِليها لِقُرْبِهِ منها)) قال فى النور: ((وجزم غيره بأن البيعة التى وقعت عندها البيعة هى العقبة التى تضاف إليها الجمرة (٤) )). ((موالى يهود)): أَى حلفاؤهم، وهم سُمُّوا حلفاء لأنهم تحالفوا على التناصر والتعاضد . ((الرَّهْط)): بسكون الهاء وتُفْتَح دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة أَومنها إلى أربعين. ((يهود)): لا ينصرف للعلمية والتأنيث. ((أَظَلَّ زمانه)): بفتح الظاء المعجمة وتشديد اللام أَى قَرُب وَدَنَا . ((قَتْلَ عَادٍ وإرم)) : أَى تستأُصلكم . ((تَعَلَّمُوا)): بفتح اللام المُشَدَّدَة ومعناه اعلموا . (١) تكملة النسب من ابن هشام وجوامع السيرة وكذلك ما بين الأقواس المعقفة التالية. (٢) أبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة من الأوس، أما من سبق ذكرهم فهم من الخزرج، ويلاحظ أن المؤلف خلط بين الستة الأول الذين مهدوا الدعوة وبين رجال العقبة الأولى وعدتهم اثنا عشر . (٣) هو محب الدين أحمد بن عبد اللّه الطبرى المتوفى سنة ٦٩٤ هـ كتب فى التفسير والتاريخ ومن مؤلفاته: الرياض النضرة فى مناقب العشرة ( طبع فى القاهرة فى جزئين سنة ١٣٢٧ هـ ) وذخائر العقبى فى مناقب ذوى القربى ( القاهرة سنة ١٣٥٦ هـ) انظر شذرات الذهب جـ ٥ ص ٤٢٥ : ٤٢٦. (٤) لم يحدد الأزرق فى كتابه أخبار مكة (جـ ٢ ص ١٦٦: ١٦٧، طبعة مكة سنة ١٣٥٢ هـ) تحت عنوان ذكر مسجد البيعة وما جاء فيه موقع هذا المسجد ولكن علق محقق الكتاب رشدى الصالح ملحس على ذلك بقوله : مسجد البيعة على يسار الذاهب إلى منى بينه وبين العقبة التى هى حد منى مقدار غلوة أو أكثر ويسمى الموضع الذى فيه المسجد : شعب البيعة أو شعب الأنصارى . - ٢٦٩ - الباب السادس فِى بَيْعَة العَقَبة الثانية قال ابن إِسحق : فلما كان العام المُقْبِل وَافَى المَوْسِم من الأَنصار اثنا عشر رجلاً ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أَن يُفْرَض عليهم الحرب ، وهم : أَسْعَد بن زُرَارة، وذَكْوَان بن عبد قيس الزرقى ، وعُبَادة بن الصامت ، والعباس بن عُبَادة بن نَضْلَة - بالنون والضاد المعجمة - وقُطْبَة بن عامر [بن حَدِيدة]، وعُقْبَة بن عامر [بن نابى]، وعوف بن الحارث - بالفاء - [ابن رفاعة ] ، وعُوَيْم بن ساعدة ، ومالك بن التيهان - بمثناة تحتية مُخَفَّفة عند أهل الحجاز وعند غيرهم بتشديدها- ومُعوِّذ(١) - بميم مضمومة فعين مهملة مفتوحة فواو مكسورة مُشَدَّدة فذال معجمة - ابن الحارث ، أَخو عوف السابق ، ويزيد بن ثعلبة أَبو عبد الرحمن البلوى حليف لهم . فبايع هؤلاءِ على بيعة النساء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم . وروى الشيخان والبيهقى ، واللفظ له عن عُبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: ((بايعنا ٣٩٥ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة / النساء وذلك قبل أن تُفْتَرَض علينا الحرب، على أَلَّا نُشْرِك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزنى ولا نقتل أولادنا ، ولا نأُّنى ببُهْتَان نفتريه من بين أيدينا وأَرجلنا ولا نعصيه فى معروف. قال: ((فمن وَفَى ذلك منكم فأَجْرُه على الله)» ، وفى لفظ: ((فله الجَنَّة))، ((ومن أَصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فى الدنيا فهو له كَفَّارة وطهور، ومن أَصاب من ذلك [شيئاً](٢) فَسَتْرَهُ اللهُ فَأَمْرُه إِلى الله إِن شاء عَذَّب وإن شاء غفر )) . فبايعناه على ذلك . (١) أبناء الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك من بنى النجار، هم ثلاثة وهم: معاذ ومعوذ وغوف وهم بنو عفراء بنت عبيد بن ثعلبة هكذا ذكرهم ابن حزم فى جمهرة أنساب العرب ص ٣٢٩ وابن حجر فى الإصابة (جـ ٥ ص ٤٢ فى ترجمته لعوف بن الحارث رقم ٦٠٨٧) وترجم ابن الأثير فى أسد الغابة لمعاذ ومعوذ ولم يترجم لعوف وإنما ذكر سميا له هو عوف بن الحارث ونسبه يختلف عن نسب عوف بن الحارث بن رفاعة مما يدل على أنه شخص آخر . (٢) زيادة من صحيح البخارى (= ٥ ص ١٥٠). - ٢٧٠ - قال ابن إسحق: ((فلما انصرف القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مُصْعَب ابن عُمَيْر [بن هاء بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصَىّ(١)])). وذكر ابن إِسحق فى رواية (٣) أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مُصْعَباً حين كتبوا إِليه بِبَعْتِهِ إِليهم ، وهو الذى ذكره [موسى (٣)] بن عُقْبَة إلا أنه جعل المَرَّة الثانية هى الأولى. قال البيهقى: (وسياق ابن إِسحق أَتَمّ(٤))). قال ابن إسحق: ((وأَمَرَه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقْرِئَهم القرآن ويُعَلِّمَهُم الإِسلام ويُفَقِّهَهم فى الدين ، فكان يسمى فى المدينة المُقْرِىء والقارىء، وكان مَنْزَلُه على أَسعد بن زُرَارَة [بن عُدَس أَبِى أُمَامةُ(٥) ]، وذلك أَن الأَّوس كَرِهِ بَعْضُهم أَن يَؤُمَّه بعض. وقوله ((على بيعة النساء)) يعنى على وفق ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية ، وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابُه ليلة العقبة، وليس هذا بعجيب فإِن القرآن نزل بموافقات عمر بن الخطاب. ((تنبيه)): ذكروا هنا أَن أَسعد بن زُرَارة أول من جَمَّع بالصحابة قبل أن يهاجر النبى صلى الله عليه وسلم وسيأتى الكلام على ذلك فى الخصائص إن شاء الله تعالى . (١) زيادة من ابن هشام. (٢) رواية رواها البيهقى عن ابن إسحق قال: حدثنى عاصم عن عمر عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث مصعبا حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم . (٣) زيادة من البداية والنهاية لابن كثير (جـ ٣ ص ١٥١). (٤) زاد ابن كثير: وقال ابن إسحق: فكان عبد الله بن أبى بكر يقول: لا أدرى ما العقبة الأولى ثم يقول ابن إسحق _ بل لعمرى قد كانت وعقبة عقبة. (٥) زيادة من ابن هشام . = ٢٧١ - الباب السابع فى إسلام سعد بن مُعَاذ وأُسَيْد بن حُضَيْر رضى الله تعالى عنهما . · روى ابن أبى الدنيا(١) والخرائطى والبيهقى عن عبد المجيد بن أبى عيسى عن أبيه عن جَدِّه، وابن عساكر عن البخارى فى تاريخه الأَوسط عن شيخه أَبى محمد الكوفى قالا : سَمِعَتْ قُرَيْش قائلاً يقول فى الليل على أَبِى قُبَيْس : فإِن يُسْلِمُ السَّعْدَانُ يُصْبِحْ محمدٌ بمكةً لا يخشى خلاف المُخَالِفِ فلما أصبحوا قال أبو سفيان - وفى لفظ قريش - ((مَنْ السَّعْدَان؟)) ((أَسَعْدُ بن بكر أَم سعد بن هُذَيْمَ(٢)؟)) فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلاً يقول : وياسَعْدَ سَعْدَ الخزرجيين الغَطَارِفِ فياسَعْدَ سَعْدَ الأَوس كُنْ أَنت ناصراً على الله فى الفِرْدَوْسِ زُلْفَةَ عارِفِ (٣) أَجيبا إِلى داعى الهُدَى وَتَمَنَّيَا جِنَانٌ من الفِرْدَوْسِ. ذاتُ زخارِفٍ (٤) فإِنَّ ثوابَ الله للطالِبِ الْهُدَى فقالت قريش : هذا سعد بن معاذ وسعد بن عُبَادة : وروى ابن إسحق : وحَدَّثَنِى عبيد الله بن المغيرة بن مُعَيْقِيب ، وعبد الله بن أبى بكر ابن محمد بن عمرو بن حَزْم أَن أَسعد بن زُرَارة خرج بمُصْعَب بن عُمَيْر ، يريد به دار (١) هو عبد اللّه بن محمد بن عبيد بن أبى سفيان المعروف بابن أبى الدنيا المحدث العالم الصدوق، عده الذهبى من حفاظ الطبقة العاشرة ( تذكرة الحفاظ ج ٢ ص ٢٢٤: ٢٢٥) له مصنفات كثيرة فى الزهد والرقائق ( أورد ابن النديم فى الفهرست (ص ٢٦٢) ثبتا بها وطبع منها كتاب ذم الدنيا، ترجم له الخطيب فى تاريخ بغداد (جـ٠ ١٠ ص ٨٩: ٩١ رقم ٥٢٠٩) ترجمة مطولة نوعا وقال بأنه كان يؤدب غير واحد من أولاد الخلفاء توفى سنة ٢٨١ هـ وله ترجمة مختصرة فى فوات الوفيات لابن شاكر ( ج ١ ص ٤٩٤) وكذلك فى البداية والنهاية (جـ ١١ ص ٧١). (٢) فى السهيلى: ((فحسبوا أنه يريد بالسعدين القبيلتين: سعد هذيم من قضاعة، وسعد بن زيد مناة بن تميم)) وفى جمهرة أنساب العرب لابن حزم ، أجذام سعد هزيم ( ص ٤١٨: ٤٢١) وأجذام سعد بن زيد مناة ( ص ٢٠٤ : ٢١١) (٣) فى الروض الأنف ج ١ ص ٢٧٢ : منية عارف. (٤) فى البداية والنهاية لابن كثير ( ج ٣ ص ١٦٥): ذات رفارف . - ٢٧٢ - بنى عبد الأَشهل ودار بنى ظَفَر، وكان سعد بن مُعَاذ [بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل(١)] ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطاً من حوائط بنى ظَفَر فجلسا فيه، واجتمع إِليهما رجال مِمَّنْ أَسْلَمَ، وسعد بن مُعَاذ، وأُسَيْد بن حُضَيْر / يومئذٍ ٣٩٥ ظـ سَيِّدًا قومهما من بنى عبد الأشهل ، وكلاهما مُشْرِك على دين قَوْمِه ، فلما سَمِعا به قال سعد ابن معاذ لأُسَيْد بن حُضَيْرِ : لا أَبا لك ، انْطَلِقْ إِلى هذَيْنِ الرجلَيْنِ الذين قد أَتْيا دارَنا لِيُسَقِّهَا ضُعَفَاءَنَا، فازْجُرْهما وانْهَهُما عن أَن يأْتيا دارَنا، فإِنه لولا أَن أَسعد بن زُرَارة مِنِّى حيث قد عَلِمْتَ كَفَيْتُكَ ذلك، فهو ابن خالتى ولا أَجد عليه مقدماً. [قال]: فأَخذ أُسَيْد بن حُضَيْرِ حَرْبَتَه، ثم أقبل إِليهما. فلما رآه أَسعد بن زُرَارة قال لمُصْعَب بن عُمَيْرِ : هذا سَيِّدُ قومه فاصدُق اللهَ فيه. قال مصعب: إِن يجلِسْ أُكَلِّمْه. [قال] : فوقف عليهما مُتَثَتِّماً، قال: ما جاء بكما إلينا تُسَفِّهان ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلانا إِن كانت لكما بأَنفسكما حاجة فقال له مُصْعَب : أَوَ تجلس فتسمع ، فإِن رَضِيتَ أَمراً قَبِلْتَه وإِن كَرِهْتَه كُفَّ عنك ما تكره ؟ فقال: أَنْصَفْتَ. ثم رَكَزْ حَرْبَتَه وجلس إِليهما ، فَكَلَّمَه مصعب بالإِسلام وقرأ عليه القرآن . فقالا فيما يُذْكَر عنهما: والله لعَرَفْنَا فى وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم به فى إِشراقه وتَسَهُلِه، ثم قال: ما أَحسن هذا الكلام وأَجْمَلَه ! كيف تصنعون إِذا أردتم أَن تدخلوا فى هذا الدين ؟ قالا له : تَغْتَسِل فَتَطَّهَّر وتُطَهِّر ثوبَيْك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تُصَلِّى. فقام فاغتسل وطَهَّر ثوبَيْه وَتَشَهَّد بشهادة الحق ، ثم قام فصلى ركعتَيْن ، ثم قال لهما : إِن ورائى رجلاً إِن اتَّبَعَكُما لم يتخَلَّف عنه أَحَدٍّ من قومه، وسأُرسله إليكما الآن : سَعْد بن مُعَاذ، ثم أَخذ حَرْبَتَه وانصرف إلى سعد وقومه ، وهم جلوسٌّ فى ناديهم ، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مُقْبِلاً قال : أَحْلِف بالله لقد جاءكم أُسَيِّد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم . فلما وقف على النادى قال له سعد : ما فعلتَ ؟ قال : كَلَّمْتُ الرجُلَيْنِ فوالله ما رأيتُ بهما بأُساً وقد نَهَيْتُهُمَا فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدِّثْتُ أَن بنى حارثة قد خرجوا إِلى أَسعدر بن زُرَارة ليقتلوه ، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ليُخْفِروك . قال : فقام (١) زيادة من ابن هشام = ٢ من ٤٣. - ٢٧٣ - ( ١٨ - سبل الهدى والرشا دجـ ٣) سعد مُغْضَباً مُبَادِراً تَخَوُّفاً للذى ذَكِرَ له من أَمر بنى حارثة. فأَخذ الحَرْبَةَ من يده ، ثم قال: والله ما أَراك أَغْنَيْتَ شيئاً. ثم خرج إِليهما، فلما رآهما مُطْمَثَنَّيْن عرف سعد أَن أُسَيْداً إِنما أراد أن يسمع منهما. فوقف عليهما مُتَشَتِّماً، ثم قال لأَسعد بن زُرَارة : يا أَبا أُمَامَة أَمَا والله لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رُمْتَ هذا مِنِّى ، أَتعشانا فى دارنا بما نكره ؟ وقد قال أَسعد بن زُرَارة لمُصْعَب بن عُمَيْر: أَىْ مُصْعَب : جاءك والله سَيِّدُ مَنْ وراءه من قومه إِن يَتْبَعْكَ لا يَتَخَلَّفْ عنك منهم اثنان . قال : فقال له مُصْعب : أو تقعد فتسمع ؟ فإِن رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْتَ فيه قَبِلْتَه ، وإِن كَرِهْتَه عزلنا عنك ما تكره . قال سعد : أَنْصَفْتَ. ثم رَكَزَ الحَرْبَةَ وجلس ، فعَرَض عليه الإِسلام وقرأ عليه القرآن . ، قالا : فَعَرفنا والله فى وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم لإِشراقه وتَسَهُّله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إِذا أَنتم أَسلمتم ودخلتم فى هذا الدين ؟ قالا : تغتسل فَتَطَّهَّر وتُطَهِّر ثوبَيْك ، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تُصَلَّى ركعتَيْن. ثم أَخذ حَرْبَتَه فأَقبل عامداً إلى نادى قوته ومعه أُسَيْد بن حُضَيْرِ ، فلما رآه قَوْمُه مُقْبِلاً قالوا : نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم . فلما وقف عليهم قال: يابنى عبد الأشهل كيف تعلمون أَمرى فيكم ؟ قالوا: سَيِّدُنا وأَفْضَلُنا رأياً وأَيْمَنُنَا نقيبةً. قال: فإِن كلام رجالكم ونسائكم عَلَىَّ حَرَام حتى تؤمنوا بالله ورسوله . قال : فوالله ما أمسى فى دار بنى عبد الأشهل رجل ولا امرأة إِلا مسلماً أَو ٣٩٦ ومسلمة، حاشا / الأُصَيْرِم وهو عَمْرو بن ثابت بن وَقْش(١) فإنه تأخر إِسلامه إلى يوم أُحُد فَأَسلم واستُشْهِد ولم يسجد لله سجدة، وأَخْبَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهمل الجنة . قال ابن إِسحق : ورجع سعد ومصعب إلى منزل أَسعد بن زُرَارة ، فأَقاما عنده (١) هو عمرو بن ثابت بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصارى الأوسى استشهد يوم أحد وهو الذى قيل فيه إنه دخل الجنة ولم يصل صلاة ، وذلك أنه كان يأبى الإسلام فلما كان يوم أحد ، بدا له الإسلام فأسلم ، ثم أخذ سيفه فقاتل فأثبتته الجراح ، فخرج رجال بنى عبد الأشهل يتفقدون رجالهم فى المعركة فوجدوه فى القتلى فى آخر رمق فسألوه : ما جاء بك يا عمرو ، أحدبا على قومك أم رغبة فى الإسلام ؟ فقال : بل رغبة فى الإسلام أسلمت وقاتلت حتى أصابنى ما ترون ، فلم يبرحوا حتى مات، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إنه لمن أهل الجنة)). انظر أسد الغابة = ٤ ص ٩٠ ، ٠٩١ - ٢٧٤ - -----* ٠٠ ٠ يدعوان الناس إلى الإِسلام حتى لم تَبْقَ دار من دور الأَنصار إِلا وفيها رجال ونساء مسلمون ومسلمات إلا ما كان من دار بنى أمية بن زيد وخَطْمَةِ (١) ووائل وواقف(٢)، وتلك أَوس الله وهم من الأَوْس بن حارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأَّسلت واسمه صَيْفِىّ . وكان شاعراً لهم قائداً يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإِسلام ، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأُحُد والخندق . قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموى(٣): كان أَبو قيس(٤) هذا قد تَرَهَّب فى الجاهلية ولَبِسَ المسوح وفارق الأَّوثان واغتسل من الجنابة، وتَطَهَّر من الحائض من النساء ، وهَمَّ بالنصرانية ثم أمسك عنها ودخل بيتاً له فاتخذه مسجداً لا يدخل عليه فيه حائض ولا جُنُب ، وقال: أَعْبُد إِله إِبراهيم حين فارق الأَّوثان وكَرِهها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَسلم وحَسُنَ إِسلامه وهو شيخ كبير ، وكان قَوَّالاً بالحق مُعَظِّماً له فى الجاهلية وله فى ذلك أَشعار [حِسَان(٥)] . (١) فى القاموس المحيط: وخطمة من الأنصار بنو عبد الله بن مالك بن أوس، وبنو خطامة كثمامة حى من الأزد. (٢) فى جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ٣٢٤: ولد امرئ القيس بن مالك بن الأوس: مالك وهو واقف · بطن ، والسلم بطن وهم حلفاء بنى عمرو بن عوف . (٣) هو أبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان الأموى اشتغل بالحديث وروى عنه البخارى ومسلم وغيرهما وله كتاب المغازى ترجم له الخطيب فى تاريخ بغداد (ج ٩ ص ٩٠ : ٩١) وقال إنه توفى سنة ٢٤٩ هـ وذكره السخاوى بين كتاب السيرة وذلك فى كتابه الإعلان بالتوبيخ الذى نشر ذيلا للترجمة العربية لكتاب روزنتال : علم التاريخ عند المسلمين ، بغداد سنة ١٩٦٣ م ( ص ٥٢٥ ، ٦٨٩، ٧٠٠). (٤) لم يكن أبو قيس بن الأسلت هذا هو الذى ترهب فى الجاهلية إنما هو سميه وهو أبو قيس صرمة بن أبى أنس ابن مالك بن عدى بن النجار، كما أوضح ابن الأثير فى أسد الغابة ( جـ ٥ ص ٢٧٧: ٢٧٨) وذلك قبل ترجمته لابن الأسلت مباشرة . والفقرة التى نقلها ابن الأثير عن ابن إسحق والتى تبدأ بقوله : وكان رجلا قد ترهب فى الجاهلية إلى قوله وله فى ذلك أشعار حسان ، أوردها ابن الأثير فى ترجمة أبى قيس صرمة بن أبى أنس وليس فى ترجمة أبى قيس بن الأسلت . ووقع فى هذا الخطأ سعيد بن يحيى الأموى وكذلك ابن كثير فى البداية والنهاية ( جـ ٣ ص ١٥٦) وتلاهم مؤلف هذا الكتاب . وقد أوضح ابن حجر ذلك فى ترجمته له ( جـ ٧ ص ١٥٨ : ١٥٩ رقم ٩٣٥ ) وقال بأنه كان يتأله فى الجاهلية ويدعى الحنف واختلف فى إسلامه فقيل إنه أسلم وقيل إنه وعد بالإسلام ثم سبق إليه الموت فلم يسلم وكان عبد الله بن أبي بن سلول قد حرضه على عدم مخالفة قريش . وذكر ابن الأثير فى الكامل ( جـ ١ ص ٢٨٤ ) أنه كان رئيسا للأوس فى جرب حاطب قبل الهجرة وأورد الضبى له قصيدة فى المفضليات ( هى الخامسة والسبعين فى شرح ابن الأنبارى ص ٥٦٤ : ٥٧٤ طبعة ليال أكسفورد سنة ١٩٢١ م) وعقد أبو الفرج فصلا عنه فى الأغانى (جـ ١٧ ص ١١٧ : ١٣١) وذكر ابن حجر فى ، الإصابة (جـ ٥ ص ٢٥٧) أخبارا أخرى عنه فى ترجمته لولده: قيس بن صيفى بن الأسلت رقم ٧١٨٣ . (٥) زيادة من أسد الغابة وتاريخ ابن كثير وأورد كل منهما ستة أبيات لامية نسبها الأول لأبى قيس صرمة بن أبي = - ٢٧٥ - [ بيان غريب ما سبق ] ((الحائط)): البستان . ((لا أَبالك)): هذا أَكثر ما يُسْتَعْمَل فى المدح أَى؛ لا كافى لك غير نفسك، وقد يُذْكَر فى مَعْرِض الدَّمّ كما يقال: لا أُمَّ لك، وقد يُذْكَر فى مَعْرِض التَّعَجُّب ودفعاً للعين كقولهم : لِ دَرُّك، وقد تكون بمعنى ((جِدّ فى أَمرك وشَمِّرْ))، لأَن من له أَب النَّكَل عليه فى بعض شأنه، وقد تُحْذَف اللام فيقال: ((لا أَباك)) .. ((دَارَيْنَا)): هو تثنية دار، والدار هى القبيلة والعشيرة الْمُجْتَمِعَة فى المَحَلَّة فَتُسَمْى المُحَلَّة داراً . ((النَّادِى)): مُتَحَدَّث القوم. ((لِيُخْفِروك)): بضم أوله وكسر الفاء رُبَاعِّيَا أَى لينقضوا عَهدَك، يقال: أَخْفَرْتُ الرجل إِذا نقضت عَهْدَه وذِمَامَه. ((الغَطَارِف)): جمع غِطْريف بكسر الغين المعجمة: السّيد (مُتَشَتِّماً): من الشَّتْم وهو السَّبّ. = أنس وأخطأ الثانى فى نسبتها إلى أبى قيس بن الأسلت وأضاف إليها قصيدة أخرى (جـ ٣ ص ١٥٧) وتقع فى خمسة عشر بيتاً وأضاف فى ذيل الصحيفة مطلع قصيدة أخرى قدم له بقوله وقال أبو قيس صرمة أيضا بذكر ما أكرمهم الله به ، مما يدل علي خليط ابن كثير بين الرجلين . - ٢٧٦ - الباب الثامن فى بيعة العقبة الثالثة قال جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: ((إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَبِث عَشْر سنين يتبع الناس فى منازلهم مَجَنَّة وعُكَاظ وفى المواسم بمِنى يقول: ((من يُؤْوينى؟ ومن ينصرنى؟ حتى أُبَلِّغ رسالات ربى وله الجنة))، فلا يجد أحداً يُؤْويه ولا ينصره، حتى أَنَّ الرجل ليرحل من مُضَر أَو اليمن ، فيأْتيه قومه وذوو رَحِمِهِ فيقولون : احْذَرْ فتى قريش لا يفْتِنُكَ يمضى بين رِحَالهم ، وهم يشيرون إليه بأصابعهم، حتى بعثنا الله إليه من يَثْرِب فيأْتيه الرجل منا فيؤمن به ويُقْرِئه القرآن فينقلب إلى أَهله فيُسْلِمون بإِسلامه حتى لم تَبْقَ دارٌ من دور يثرب إلا وفيها رَحْطٌ من المسلمين يُظْهِرون الإِسلام . ثم بَعَثنا الله تعالى فأُعمرنا واجتمعنا فقلنا : متى نَذَر رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف فى جبال مكة ويخاف ؟ فرحَلَ إِليه منا سبعون رجلاً حتى قَدِموا عليه فى المَوْسِمِ ، فواعدناه شِعْب العقبة ، فاجتمعنا فيه من رَجُلٍ وَرَجُلَيْن حتى تَوَافَيْنَا عنده ، فقلنا : يا رسول الله عَلَمَ نبايِعُك ؟ قال : ((تبايعونى على السمع والطاعة فى النشاط والكسل، وعلى النفقة فى العُسْرِ والْيُسْر ، وعلى الأَمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وعلى أن تقولوا / فى الله، لا تأخذكم لومة لائم، وعلى ٣٩٦ ظ أَن تَنصرونى إذا قَدِمْتُ عليكم يثرب، تَمْنَعُونى مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناء كم ولكم الجَنَّة )» . ((فقمنا نبايعه ، فأَخذ بيده أَسعد بن زُرَارة، وهو أصغر السبعين رجلاً إِلا أَنا فقال : رُوَيْداً يا أهل يثرب. فإِنا لم نَضْرِب إليه أَكباد المُطِىّ إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وأَن إخراجه اليوم مُفَارَقَةُ العرب كافَّةً وَقَتْلُ خياركم وأَن تَعُضَّكم السيوف ، فإِما أَنتَم قَوْمٌ تَصْبِرون على عَضّ السيوف إِذا مَسَّتْكُم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كَافَّةً ، فخذوه ، وأَجْركُم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة ، فَذَرُوه فهو أَعذر لكم عند الله . - ٢٧٧ - فقلنا : ابْسُطْ يَدَك يا أَسعد بن زُرَارة ، فوالله لا تَذَرُ هذه البيعة ولا نستقيلها. فقمنا إليه نبايعه رجلاً رجلاً ، يأخذ علينا شَرْطَه ويعطينا على ذلك الجنة))، رواه الإِمام أحمد والبيهقى . وروى ابن إسحق عن كعب بن مالك رضى الله عنه (١) قال: ((خرجنا فى حُجَّاج قومنا من المشركين وقد صَلَّيْنا وفَقِهْنَا، ومعنا البَرَاء بن معرور سَيِّدُنا وكبيرنا - زاد الحاكم - وكنا خمسمائة ، حتى إذا كنا بظاهر البيداء قال: يا هؤلاء إِنى قد رأيتُ رَأْياً ، ووالله ما أَدرِى أَتوافقوننى عليه أم لا. فقلنا: وما ذاك ؟ قال : قد رأَيتُ أَلَّ أَدَعَ هذه البَنِيَّة مِنِّى بظَهْر - يعنى الكعبة - وأَن أُصلِى إِليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلى إِلا إلى الشام ، وما نريد أن نخالفه، فقال: إِنى لمُصَلِّ إِليها . فقلنا له : لكنَّا لا نفعل. قال: فَكُنَّا إِذا حَضَرت الصلاة صَلَّيْنا إلى الشام وصَلَّى هو إلى الكعبة حتى قدمنا مكة [ وقد كُنَّا عِبْنا عليه ما صنع وأَبَى إِلا الإقامة على ذلك فلما قدمنا مكة (٢)] قال لى: يَا ابْنَ أخى ، انطلق بنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أسأله عما صنعت . فى سفرى هذا ، فإِنه والله لقد وقع فى نفسى منه شىء لِمَا رأَيتُ من خلافكم إياى فيه . قال: فخرجنا نسأل [عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، [وكنا لا نعرفه لم نَرَه قبل ذلك فلقينا رجلاً من أهل مكة فسأَلناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (٣)] فقال: هل تعرفانه ؟ فقلنا : لا . قال : فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عَمَّه ؟ قلنا : نعم . وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يَقْدَم علينا تاجراً . قال : فإِذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس . قال : فدخلنا المسجدٍ فإِذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالِس معه . فسلَّمنا ثم جلسنا إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعبَّاس: (( هل تعرف هذين الرجلين يا أَبا الفضل؟ )) قال : نعم ، هذا البَرَاء بن معرور سَيِّد قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الشاعر؟)) (١) إسناده كما فى سيرة ابن هشام (جـ ٢ ص ٤٧ ): قال ابن إسحق وحدثنى معبد بن كعب بن مالك بن أبى كعب ابن القين أخو بنى سلمة أن أخاه عبد اللّه بن كعب وكان من أعلم الأنصار حدثه أن أباه كعباً حدثه وكان كعب ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (٢) زيادة من سيرة ابن هشام طبعة التجارية جـ ٢ ص ٤٨ (٣) زيادة من ابن هشام فى الموضع السابق. - ٢٧٨ - قال: نعم . فقال البَرَاء بن معرور: يا نَبِىَّ الله، إِنى خرجت فى سفرى هذا وقد هدانى الله تعالى للإِسلام فرأَيتُ أَلَّ أَجعل هذه البَنِيَّةَ مِنِّى بظَهْر فَصَلَّيْتُ إِليها ، وقد خالفنى أَصحابى فى ذلك، حتى وقع فى نفسى من ذلك شىء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: ((قد كُنْتَ على قِبْلَةٍ لو صَبَرْتَ عليها)) . قال: فرجع البرَاء إِلى قِبْلَة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصَلَّى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلَّى إلى الكعبة حتى مات ، وليس ذلك كما قالوا ، نحن أَعلم به منهم . . قال ابن هشام : وقال عَوْن بن أيوب الأنصارى : ومِنَّ المُصَلِّى أَوَّلَ النَّاسِ مُقْسِسلاً على كَعْبَةِ الرحمن بَيْنَ المشاعِرِ يعنى البَرَاء بن معرور. قال كعب: ثم خرجنا إلى الحَجّ وواعدنا رسول الله صلى الله / ٣٩٧ و عليه وسلم العقبة من أَوسط أيام التشريق - زاد ابنُ سعد - ((ليلة النَّفَر الأول [إِذا هدأَت الرِّجْل(١)] أَن يوافوه فى الشِّعْب الأَيمن إِذا انحدروا من مِنَىَ بأَسفل العقبة حيث المسجد الحرام اليوم، وأَمَرَهم أَلَّ يُنَبِّهُوا نائماً ولا ينتظروا غائباً)). [قال]: فلما فرغنا من الحَجِّ وكانت الليلة التى وإعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها ومعنا عبد الله بن عَمْرو بن حَرَامٍ أَبو جابر ، سَيِّدٌ من ساداتنا وشريف من أشرافنا أَخذناه معنا، وكنا نَكْتُم من معنا من قومنا من المشركين أَمْرَنا فكَلَّمْنَاه وقلنا له : يا أَبا جابر إِنك سَيِّدٌ من سادتنا وشريفٌ من أشرافنا ، وإِنا نرغب بك عَمَّا أَنت فيه أن تكون حَطَباً للنار غداً، ثم دعوناه إِلى الإِسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إِيَّانا العقبة. قال : فأُسلم وشهد معنا العقبة [وكان نقيباً(٢)] . [قال] : فنِمْنَا تلك الليلة مع قومنا فى رِحالنا حتى إذا مَضَى ثُلُثُ الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نَتَسَلَّل تَسَلُّلَ القَطَا مُسْتَخْفِين حتى اجتمعنا فى الشِّعْب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان من نسائنا : نسيبة (٣) بنت (١) زيادة من الطبقات الكبرى لابن سعد ( ج ١ ص ٢٠٥) (٢) زيادة من ابن هشام ( جـ ٢ ص ٤٩) (٣) هى نسيبة بنت كعب بن عمرو شهدت العقبة وكان معهازوجها زيد بن عاصم بن كعب وابناها عبد اللّه وحبيب ابنا زيد بن عاصم ، وحبيبة قتله مسيامة ، انظر أسد الغابة = ٥ ص ٥٥٥ . - ٢٧٩ - كعب ، أُمّ عُمارة، إِحدى نساء بنى مازن بن النَّجَّار، وأسماء بنت عُمْرو بن عَدِىّ [بن نابى، إِحدى نساء بنى سَلِمة وهى أُم منيع(١)]. فاجتمعنا فى الشِّعْب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذكر ابن سعد وأبو مَعْشَر أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقهم وانتظرهم - حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أَحَبّ أَن بحضر أَمر ابن أَخِيه ويَتَوَثَّق له فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: ((يا مَعْشَر الخزرج ، - قال : وكانت العرب إِنما يسمون هذا الحىّ من الأَنصار الخزرج خزرجها وأَوسها - إن محمداً منا حيث قد علمتم ، وقد منعناء من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو فى عِزٍّ من قومه وَمَنَعَةٍ فى بلده، وإنه قد أَبَى إلا الانحياز إِليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم تَرَوْنَ أَنكم وافُونَ له بما دعوتموه إليه ومانِعوه شَمن خالفه ، فأَنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أَنكم مُسْلِمُوه وخاذِلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ، فإنه فى عِّ ومَنَعَةٍ من قومه وبَلَده . وروى الإمام أحمد عن الشَّعْبِىّ عن أبى مسعود البدرى(٢) رضى الله عنه قال : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عَمَّه العباس إِلى السبعين من الأَنصار عند العَقَبة تحت الشجرة فقال: ((ليتكلم متكلمكم ولا يُطِلِ الخُطبة فإن عليكم من المشركين عَيْناً، وإِن يَعْلَمُوا بكم يفضحوكم )). فقلنا ((قد سمعنا ما قلت فَتَكَلَّمْ يا رسول الله وخُذْ لنفسك ولربك ما أحببت ». قال : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فَتَلا القرآن ودعا إلى الله ورَغَّب فى الإِسلام ، ثم قال: ((أُبَايِعُكُم على أَن تمنعونى مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم)). قال: فأَخذ البَراء ابن معرور بيده ، ثم قال: ((نعم فوالله الذى بعثك بالحق لَنَمْنَعَنَّك مما نمنع منه أُزُرَنا ، فَبَايِعْنَا يا رسول الله فنحن والله أَبناء الحرب وأَهْلُ الحَلْقَة وَرِثْنَاها كابراً عن كابر)). (١) زيادة من سيرة ابن هشام = ٢ ص ٤٩ (٢) أبو مسعود البدرى: هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة، بن أسيرة بن عطية .. بن الخزرج، مشهور بكنيته ، اتفقوا على أنه شهد العقبة واختلفوا فى شهوده بدرا فقال الأكثر نزلها فنسب إليها وجزم البخارى بأنه شهدها وروى ابن سعد عن الواقدى أنه ليس من أصحابنا اختلاف فى أنه لم يشبدها وقد شهد أحداً وما بعدها. توفى بعد سنة ٤٠ ھ فى نظر ابن حجر، أنظر الإصابة جـ ٤ ص ٢٥٢ رقم ٥٥٩٩ ٠ - ٢٨٠ -