Indexed OCR Text
Pages 161-180
أَربعة أَنهار)) قال: ((وأُتِيتُ بثلاثة أَقداح(١)). لم يذكر شُعْبَة فى الإِسناد مالك بن صَعْصَعَة. وعند ابن عائذ من حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه فى حديث المعراج بعد ذكر رؤيته إبراهيم فى السماء السابعة: ((ثم انطلقنا فإِذا نحن بثلاثة آنية مُغَطَّاة)). قال السُّهَيْلى وابن دِحْية وابن المنير وابن كثير والحافظ: ((لعلَّ قُدِّم مَرَّتَيْن جَمْعاً بين الروايات)). قال ابن كثير والحافظ: ((وأَما الاختلاف فى عدد/ الآنية وما فيها فيُحْمَل على ٣٦٤ و أَن بعض الرواة ذَكَرَ ما لم يَذْكُر الآخر ، ومجموعها أربعة آنية فيها تُعْرَض الآنية مَرَّتَّيْن وهى عائدة إلى أربعة أشياء من الأَنهار الأربعة التى تخرج من أصل سِدْرَة المنتهى . التنبيه الثانى والعشرون: إِذا قلنا بِعَرْض الآنية مرتين فَفائدة عَرْض الخمر. [ مع](٢) إِعراضه عنها فى المرة الأولى وتصويبِ جبريل له ، تكثيرُ التصويب والتحذير . وهل كانت الخمر من خمر الجَنَّة أَو من جنس خَمْر الدنيا ؟ فإن كان الأول فَسَبَبُ تَجَنُّبِها صورتُها ومضاهاتها للخمر المُحَرَّمة، ويكون ذلك أَبلغ فى الوَرَع . وإن كان الثانى فاجتنابُها واضح . وعلى التقدير الأول يُسْتَفاد منه فائدة : وهو أَن من وَضَع من الماء ونحوه من الأَّشربة ما يُضَاهى الخمرَ فى الصورة وهَيَّأَهُ بالهيئة التى يتعاطاها [بها](٢) أَهل الشهوات من الاجتماعات والآلات فقد أَتى مُنْكَراً وإن كان لا يُحَدّ(٣). وذكر أصحابنا أَن إِدارة كأَس الماء على شاربه تَشَبُّهاً بشارب الخمر حرامٌ ، ويُعَزَّر فاعِلُه . التنبيه الثالث والعشرون : قال ابن دِخْيَة: أعلم أن النَّخْيِير قد يكون بين وَاجِبَيْن كخصال الكَفَّارة وقد يكون بين مُبَاحَيْن، وأَما التَّخِّيِير بين واجب ومنوع أو مباح وممنوع فمستحيل ، فانظر فى إحضار اللبن والخمر ، هل أُريد به الإباحة لهما والإِذْن فيهما؟ (١) تمام الحديث كما فى صحيح البخارى (جـ ٧ ص ١٩٨): ((رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا فيها أربعة أنهار: نهر ان ظاهران ونهران باطنان فأما الظاهر ان فالنيل والفرات ، وأما الباطنان فنهران فى الجنة فأتيت بثلاثة أقداح : قدح فيه لبن وقدح فيه عسل وقدح فيه خمر ، فأخذت الذى فيه اللبن فشربت فقيل لى أصبت الفطرة أنت وأمتك)). (٢) إضافة يقتضيها السياق . (٣) أى لا يقام عليه الحد . وفى تاج العروس: الحد فى الشرع تأديب المذنب بما يمنعه عن المعاودة ويمنع غيره أيضا عن إتيان الذنب وفى التهذيب: حدود اللّه عز وجل ضربان: ضرب منها حدود حدها للناس مما أحل وحرم وأمر بالانتهاء عما نهى منها ونهى عن تعديها . والضرب الثانى عقوبات جعلت لمن ركب ما نهى عنه وسميت الأولى حدودا لأنها نهايات نهى الله عن تعديها . - ١٦١ - (١١ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣ ) كما لو أَحْضَرْتَ طعامَيْن لضيف وأَبَحْتَهُمَا له ، فما معنى إختياره لأَّحدهما ؟ وما معنى قول جبريل: ((اخْتَرْتَ الفِطْرَة))، أو ((أَصَبْتَ، أَصاب الله بك))؟ وإن كان المراد الإِذن فى أَحدهما لا بِعَيْنِهِ، بحيث يكون الآخر ممنوعاً لَزِمَ النَّخْبِير بين ممنوع ومُبَاحِ ، وذلك لا يُتَصَوَّر ، والذى يرفع الإشكال إن شاء الله تعالى أن يكون المراد تفويض الأمر فى تحريم ما يُحَرَّم منها وتحليل ما يَحِلّ إلى إِجتهاد النبى صلى الله عليه وسلم وَسَداد نظره المعصوم. فلما نظر فيها أَدَّاه اجتهادُه إلى تحريم الخمر وتحليل اللبن ، فوافق الصواب فى علم الله تعالى، فقال له جبريل: ((أَصَبْتَ))، وعلى تقدير ألا تكون الخمر مُحَرَّمة لأَّنها إِنما حُرِّمت بالمدينة فيكون تَوَقِّيها وَرَعاً وتعريضاً بأنها سَتُحَرَّم . التنبيه الرابع والعشرون: قال أَبو الخَطَّاب الكلى: ((الفِطْرة تُطْلَق على الإِسلام، وتطلق على أصل الخِلقة، فمن الأَول قوله صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة(١). ومن الثانى قوله تعالى: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاس عَلَيُّهَا)(٢)، وقال [تعالى]: ( فَاطِرِ السَّمَوَاتِ والأَرض (٣) )، أَى مبدئ خَلْقَهما، وقول جبريل: ((اخْتَرْتَ الفِطْرة)) أَى اخْتَرْتَ اللبن الذى عليه بُنِيت الخِلْقة وبه يَنْبُت اللحم، أَو اخترتَه لأَنهِ الحلال الدائم فى دين الإِسلام، وأَما الخمر فحرام فيما يستقر عليه الأمر ، وقد تكون الإِشارة بتقديم اللبن إلى أن شعار العلم فى التعبير (٤)، كما ورد أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((رَأَيْتُ كأَّنى (١) الحديث كما أخرجه مسلم فى كتاب القدر عن أبى هريرة أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاءهل تحسون فيها من جدعاء)) ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: ((فطرة اللّه التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله)) الآية ((الجمعاء أى المجتمعة الأعضاء السليمةَ عن النقص والجدعاء التى فيها الجدع والنقص))، انظر صحيح مسلم بشرح النووى جـ ١٦ ص ٢٠٧ : ٢١٠ حيث أورد مسلم هذا الحديث بروايات وأسانيد مختلفة . (٢) سورة الروم آية ٣٠ وأورد القرطبى فى تفسيره (جـ ١٤ ص ٢٤ : ٣١ (ما قاله العلماء فى تفسير معنى الفطرة .. (٣) الآية الأولى من سورة فاطر والآية ١٤ من شورة الأنعام والآية العاشرة من سورة إبراهيم والآية ١١ من سورة الشورى. (٤) أى تعبير الرؤيا وتأويل الأحلام الخاصة باللبن وأنه يدل فيها يدل عليه على العلم والتوحيد تناوله عبد الغنى النابلسى فى كتابه : تعطير الأنام فى تعبير المنام ( ج ٢ ص ٢٤٨). - ١٦٢ - .---- أتيتُ بقدح من لبن فَشَربْتُ حتى أرى الرِّىَّ(١) يخرج من أَظفارى ثم ناولتُ فضلى عمر بن الخطاب))، قالوا: يارسول الله ما أَوَّلْتَه؟ قال: ((العلم)). الإِسراء وإن كان يقظة إلا أنه ربما وقعت فى اليقظة إِشارة إلى حكم الفَأْل يُعَبَّر كما يُعَبَّر فى المنام. ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يحب الفَأْلَ الحَسَن، فكأنه لما ◌ُلِّ قلبُهُ إِيماناً وَحكمةٌ أَردِف ذلك بالعلم مطلقاً ، ويجعل الله تعالى ذلك اللبن سبباً فى تَرَادُف العلم وأَشجان القلب النبوى بأَنوارها . وقال القرطبى : يحتمل أن يكون تسمية اللبن فطرة لكونه أَوَّلَ شىء يدخل بطن المولود / ويَشُّقُّ أَمعاءه، والسِّرّ فى ميل النبى صلى الله ٣٦٤ظـ عليه وسلم إِليه دون غيره لكونه مألوفاً له ، ولأنه لا ينشأُ عن جنسه مَفْسَدة ، وافْهَمْ قَوْلَ جبريل ((أَصَبْتَ))، فإن اختيار الخمر خَطَأُ عُصِمٍ منه النبى صلى الله عليه وسلم ، وكانت المسألة حينئذ اجتهادية لأَن الخمر لم تكن خُرِّمت بعد ، فقد وقع تخييره فى مُلْك الله لأَّعظم . التنبيه الخامس والعشرون: ظاهر قوله: ((ثم أُتِى بالمعراج)) أَن العروج كان لا على البُراق وفى ذلك خلاف ، فظاهر حديث مالك بن صعصعة أَنه استمر على البراق حتى عُرِج به إلى السماءِ، وهو مقتضى كلام ابن أبى جَمْرَة وابن دحية. قال الحافظ: ((لكن فى غَير هذه الرواية من الأخبار أَن العُروج لم يكن على البراق بل رقى فى المعراج وهو السَّلَّم ، ويؤيده قوله فى حديث ثابت عن أَنَس كما فى صحيح مسلم (٢): ((ثم أُتيت بالمعراج)). وقال الحافظ ابن كثير : ((إِنه لَمَّ فَرَغ صلى الله عليه وسلم من أَمْر بيت المقدس نُصِب له المعراج وهو السَّلَّم، فصَعَد فيه إلى السماء، ولم يكن الصعود على البُراق كما قد تَوَهَّمَه بعض الناس ، بل كان البراق مربوطاً على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة)) . وقال الشيخ رحمه الله تعالى : ((إِنه الصحيح الذى تَقَرَّرَ من الأحاديث الصحيحة)). (١) الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه عن ابن عمر ( كتاب التعبير باب اللبن = ٧ ص ٦٤). (٢) فى صحيح مسلم بشرح النووي ( ج ٢ ص ٢٠٩ وما بعدها) وفى إسناده ثابت البنانى عن أنس بن مالك . - ١٦٣ - التنبيه السادس والعشرون : نَوَّع ابنُ دِحْية المِعْراج إِلى عَشْرة أَنواع على عدد سنى الهجرة ، منها سبعة معاريج إِلى السموات السبع ، والمعراج الثامن من إِلى سِدْرة المنتهى والمعراج التاسع الذى سَمِع فيه صريفَ الأَقلام فى تصريف الأقدار ، والمعراج العاشر إِلى العَرْش والرَّفْرَف والرؤية وسيأتى ما أبداه من الحِكَم فى ذلك . التنبيه السابع والعشرون : ورد أَن بين الدرجة والدرجة فى الجَنَّة خمسمائة عام وأن الدرجة تهبط كالإِبل لِيَصْعَدَ عليها وَلِيُّ الله تعالى ثم تُرْفَع به إلى مكانها والظاهر أَن دَرَجَ المعراج كذلك . التنبيه الثامن والعشرون : لا يُتَوَهَّم بما تسمعه فى قصة المعراج من الصعود والهبوط أَن بين العَبْد وَرَبِّه مسافة، فإِن ذلك كُفْر ، نَعُوذُ بالله من ذلك، وإنما هذا الصعود والهبوط بالنسبة إلى العبد لا إِلى الرَّبّ، والنبى صلى الله عليه وسلم مع إنتهائه لَيْلَتَئِذٍ إِلى أَن كان قاب قوسين أو أدنى، لم يجاوز مقام العبودية، وكان هو ونَبِىُّ اله يونس بن مَتَّى صلى اله عليه وسلم إِذ التقمه الحوت وذهب به إلى البحار يَشُقُّها حتى انتهى به إلى قرار البحر ، فى مُبَاينة الله تعالى خَلْقَه وعدم الجهة والتحيز والحَدّ والإِحاطة سواء . وقد ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة ذكره الإمام البغوى وغيره. وإِذا عَلِمْتَ ذلك فالمراد بتَرقِّيه صلى الله عليه وسلم وقَطْع هذه المسافات إظهارُ مكانته". عند أهل السموات وأنه أَفضل المخلوقات. ويُقَوِّى هذا المراد بكونه أُركبه البراق ونَصَب له المعراج وجعله إماماً للنبيين والملائكة ، مع أنه تعالى قادرٌ على أن يرفعه بدون البراق والمعراج . ويُقَال لأصحاب الجهة(١): إِنما منعكم من اعتقاد الحق استبعادكم موجوداً إلا فى ٣٦٥ وجهة، فأَحَلْتُم(٢) ذلك. فأَخْبرُونا عن العَرْش والفَوْق هل ذلك قديم؟ / أَو مُحْدَث ؟ فإِن (١) أى ممن يقولون بالجهة والمكان والحد ونسبتها إلى البارى تعالى الله عن ذلك. (٢) فأحلم أى جمعتم بين المتناقضين فى كلامكم . = ١٦٤ - قالوا قديماً جاهروا بقِدَم العالَمِ وأَدَّى ذلك إلى مُحَالَيْن : أَحدهما أن يكون مع البارى تعالى فى الأَزَل غَيْرُهُ، والقديمان ليس أحدهما بأن يكون مكاناً للثانى بأَوْلَى من الآخر . ثانيهما أَن الجهة والمكان إِما أَن يكونا جسْمَيْن، وهذا يُؤَدِّى إلى جواز وجود الأَجساد كلها ، وهو قول من قال بقِدَم العالَم ، نعوذ بالله من ذلك. وإن قالوا: مُحْدَث ، قل: قد صَدَقْتُم بأَن الرَّبَّ تعالى كان موجوداً أولاً ولا جهة، والمستحيل [لا](١) ينقلب جائزاً أَو واجباً لأَن الحادث لا يحتاج إليه القديم ، فإِنه قَبْلَ كَوْنِه كان مستغنياً عنه ، وهو على استغنائه عنه لم يَزَل وكذلك لا يزال ، ومُحَالٌ أَن يكون خالق الكل مُفْتَقِراً إلى بعض مخلوقاته . وما ورد من الاستواء والنزول وغير ذلك من الصفات التى يُشْكِل إجراؤها على ظاهرها ، نُؤْمِن به ونَكِلُ عِلْمَ معناه إلى الله تعالى، ولا نُشبِهُهُ تعالى بِخَلْقِهِ ولا نَنْفِى الصفات التى أَثبتها لنفسه وأَثبتها له رسول الله صلى الله عليه وسلم . التنبيه التاسع والعشرون : نَقَل ابن دِحْيَة عن ابن حبيب ، والحافظ عن ابن المنير عن ابن حبيب وأَقَرَّه : أَن بين السماء والأرض بحراً يسمى المكفوف تكون بحار الدنيا بالنسبة إليه كالقَطْرة من المحيط ، فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبينا صلى الله عليه وسلم فهو أَعظم من انفلاق البحر لمُؤُسَى عليه الصلاة والسلام . التنبيه الثلاثون : فى قدر ما بين السماء والأرض: روى الإمام أحمد وأبو داودوالترمذى وحَسَّنَه، وابن خُزَيْمة فى صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أَتدرون كم بين السماء والأرض)) ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال: ((بينهما مسيرة خمسمائة سنة ، وبين كل سماء إلى سماء خمسمائة سنة وكَثْف كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بَحْرٌ من أَعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض ثم (١) إضافة يقتضيها السياق. - ١١٦٥ - فوق ذلك ثمانية أَوعال (١) بين أَظلافهن ورُكَيهن مثل ما بَيْنُ سماء إِلى سماء وفوق ظهورهن العَرْش وبين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض ثم الله تعالى فوق ذلك . وروى اسحق ابن راهويه والبَزَّار بسند صحيح عن أَبِى ذَرّ رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما بين السماء والأرض خمسمائة عام وغِلَظ كل سماء خمسمائة عام كذلك إلى السماء السابعة ، والأَرضون مثل ذلك . وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك)) . وروى بن جرير وابن المنير عن ابن مسعود وناس من الصحابة رضى الله عنهم قالوا : ((إِن الله عز وجل كان عَرْشُه على الماءِ لم يخلق شيئاً غير ما خلق ، فلما أراد أن يخلق الخَلْقِ أَخرج من الماءِ دخاناً فارتفع فوق الماءِ فَسَمَا عليه فسَنَّه سَمَاءً، ثم أَيْبَس الماء فجعله أَرضاً واحدة، ثم فَتَقَهَا فجعلها سَبْعَ أَرْضين فى يومين: الأحد والإثنين ، فخلق الأرض على الحوت ، وهو الذى ذكر الله تعالى فى قوله: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(٢))، والحوت فى المساءِ والماءِ على ظهر صفاة (٣) والصفاة على ظهر مَلَك والمَلَك على صخرة والصخرة على الريح ، وهى الصخرة التى ذكر لقمان ليست فى السماء ولا فى الأرض ، فتَحَرَّك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأَرسى عليها الجبال فَقَرَّتْ وخلق الجبال فيها وأَقوات أهلها وشجرها وما ينبغى لها فى يومين : الثلاثاء والأَّربعاء ، ثم استوى إلى السماء وهى دُخَان ، ٣٦٥ ظ والدُّحَان من تَنَفُّس الماء حين تَنَفَّس فجعلها سماء واحدة ثم فَتَقها / فجعلها سبع سموات فى يومين : الخميس والجمعة وإِنما سُمِّى الجمعة لأنه جمع فيه خَلْقَ السموات والأرض وأَوْحَى فى كل سماء أَمْرَها أَى خَلَقٍ خَلْقَها من الملائكة والخَلْقِ الذى فيهما من البحار والجبال والبرد وما لا يُعْلَم، ثم زَيَّن السماء الدنيا بالكواكب ، فجعلها زينة وحِفْظاً من الشياطين . .(١) جاء فى النهاية: الحديث فى تفسير قوله تعالى ((ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)). (سورة الحاقة آية ١٧ ) قيل ثمانية أوعال أى ملائكة على صورة الأوعال (النهاية ج ٤ ص ٢٢٠) وأورد القرطبى فى تفسيره ( جـ ١٨ ص ٢٦٦ و٢٦٧) أخبارا وآثارا فى هذا منها الحديث المرفوع: ((إن حملة العرش ثمانية أملاك على صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها سبعين عاما للطائر المسرع)). هذا والأوعال جمع وعل والوعل هو التيس الجبلى. (٢) الآية الأولى من سورة القلم . (٣) الصفاة الحجر العريض الأملس والجمع صفا . - ١.٦٦ - وروى ابن أبى حاتم عن جبير بن مُطْعِم رضى الله عنه قال: ((إِن الله تعالى على عَرْشِهِ وعَرْشُه على سمواته، وسمواته على أرضه هكذا))، وقال بأصبعه: ((مثل القُبَّة)) وروى · ابن حاتم عن القاسم بن أبي بَزَّة - بالزاى المعجمة - قال: ((ليس السماء مُرَبَّعة ولكنها مَقْبُوَّة يراها الناس خضراء)) وروى ابن راهويه والطبرانى فى الأَّوسط ، وابن المُنْذِر ، وابن أبى حاتم عن الربيع بن أَنَس قال: ((السماء الدنيا مَوْجُ مكفوف والسماءُ الثانية زُمُرُّدة بيضاء والثالثة حديد والرابعة نُحاس والخامسة فِضَّة والسادسة ذهب والسابعة ياقوته حمراء)، زاد ابن أبى حاتم: ((وما فوق ذلك صحارى من نور ، ولا يعلم ما فوق ذلك إلا الله تعالى ومَلَكُ هو مُوَكَّلٌ بالحُجُب يقال له ميطاطروس )) . وروى أَبو الشيخ وابن أبى حاتم عن كعب قال: ((السماء أَشَدُّ بياضاً من اللبن واخْضَرَّت من خُضْرَة جبل قاف . [شرح غريب ما سبق](١): ((الموج)) - بميم فواو فجيم - ما ارتفع من فوارن الماء . ((المكفوف)) (٢) - بميم فكاف بفاءيْن بينهما واو - المحبوس. التنبيه الحادى والثلاثون : استفتاح جبريل باب السماء يُحْتَمل أن يكون بقَرْع أَو صَوْت. قال الحافظ: ((والأَشبه الأَول لأَنه صوت معروف)) . قلتُ : فى حديث ثابت البُنَانى عن أَنَس رضى الله عنه: ((فَقَرَع الباب)). قال ابن دحية: وفى استفتاح جبريل لأَبواب السماءِ دليلٌ على أنه صادف أبوابها مُغْلَقَة ، وإِنما لم تُهَيَّأُ للنبى صلى الله عليه وسلم بالفتح قبل مجيئه ، وإِن كان أَبلغ فى الإِكرام، لأنه لو رآها مُفَتَّحَة لظَنّ أنها لا تزال كذلك ، ففُعِل ذلك لِيَعْلَم أَن ذلك فُعِل من أَجْله، وأَن الله تعالى أراد أن يُطْلِعَهُ على كَوْنِه معروفاً عند أهل السموات، وقول أمين الوحى لما قيل له: من هذا؟ ((جبريل)): سَمَّى نفسه لئلا يَلْتَبِسَ بغيره ولا يحتاج إلى موقف لِلْمُرَاجَعَة فى المَرَّةِ ، فإنه معهود عندهم نزولُه وصعودُه ، ولذلك قَدَّم اسمه لأنه الرسول بإحضار النبى صلى الله عليه وسلم . واستنبط ابن دحية وتبعه ابن المنير من قول المَلَك: ((مرحباً)) إلى آخره ، جواز (١) إضافة اضطررنا لزيادتها وصلا لكلام المؤلف وجريا على عادته فى مواضع مماثلة من كتابه. (٢) فيما يتعلق بهذه الكلمة جاء فى النهاية (جـ ٤ ص ٢٨): إن بيننا وبينكم عيبة مكفوفة أى مشرجة على ما فيها مقفلة ضربها مثلا للصدور وأنها فقية من الغل والغش فيما اتفقوا عليه من الصلح وقيل معناه أن يكون الشر بينهم مكفوفا كما تكف ( بالبناء للمفعول ) العيبة على ما فيها من المتاع . - ١٦٧ - رَدّ السلام بغير لفظه. وتَعَقَّبا بأَن قول المَلَك: مرحباً ، ليس رَدَّ السلام ، فإِنه كان قبل أَن يُفْتَح الباب، والسياق يُرْشِد إليه. وقد نَبَّه على ذلك ابن أَبِى جَمْرَة . ووقع فى رواية أَن جبريل قال له عند كل نَبىّ: ((سَلِّمْ عليه))، فرَدَّ عليه السلام. التنبيه الثانى والثلاثون: ينبغى للمُسْتَأْذِن إِذا قيل له هذا أَن يُسَمِّى نَفْسَه فيقول : محمد الشامى مثلاً، ولا يقتصر على قوله: محمد، مثلاً، لأَن المُسَمَّى بمحمد كثير ، فيشتبه عليه ، ولا يقول: ((أَنا))، فإِن جبريل ههنا لم يقل: ((أَنا))، بل سَمَّى نفسه، ولم يَرِدِ أَن أحداً من الملائكة سُمِّى جبريل غير أمين الله تعالى على وَحْبِهِ . وأنكر النبى صلى الله عليه وسلم على الذى استأذن عليه فقال: (((من هذا؟)) فجعل يقول: ((أَنا))، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أنا أنا(١) إِنكارا لذلك. وكُرِهِت هذه اللفظة لِوَجْهَيْن: ٣٦٦ و أَحدهما أَن فيها إِشعاراً بالعظمة. وفى الكلام السائر أول من قال : أَنا إِبليس / فشَقِىَ حيث قال : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَارٍ وَخَلَفْتَهُ مِنْ طِينٍ(٢) ) ، وتَعِس فرعون حيث قال ( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (٣)) والثانى أَنها مُبْهَمَة لافتقار الضمير إلى العَوْد ، فهى غير كافية فى البيان، والضمير إِذا عاد وتَعَيَّن مُضْمَرهُ كان أَعْرَف المعارف، والْمُسْتَأْذِن محجوب عن المُسْتَأْذَنِ عليه غَيرُ مُتَعَيَّنٍ عنده فكأنه أَحاله على جهالة . التنبيه الثالث والثلاثون: قَوْلُ الخازن: (((وقد بُعِث إليه؟)) أَراد الاستفهام ، فحذف الهمزة للعلم بها أَى: ((أَوَ قد بُعِث إِليه؟)) قال العلماء : ليس هذا الاستفهام عن البَعْث الذى هو الرسالة لأَنه كان مشهوراً فى الملكوت الأَعلى ، بل البعث للمعراج ، وقيل : بل سأَلوا تعجباً من نعمة الله تعالى بذلك أَو استبشاراً به، وقد علموا أَن بَشَراً لا يَتَرَقَّى هذا الترقى إلا بإذن الله تعالى وأَن جبريل لا يصعد بمن لا يُرْسَل إِليه . وقول الخازن: ((من معك؟)) يُشْعِرِ أَنَّهم أَحَسُّوا معه برفيق وإلا لكان السؤال: ((أَمَعَكَ أَحد ؟)) وذلك الإِحساس إما بمشاهدة لِكَوْن السماء شَفَّافة، وإِما لأَمر معنوى بزيادة أَنوار ، ولَزِمَ (١) أخرجه البخارى فى صحيحه فى كتاب الاستئذان باب إذا قال من ذا قال أنا ( ج ٨ ص ١٠٠ ) (٢) سورة الأعراف آية ١٢ (٣) سورة النازعات آية ٢٤. - ١٦٨ - من البَعْث إليه صلى الله عليه وسلم الإِذْن فى إزالة الموانع وفتح أبواب السماء . ولم يتوقّف الخازن على أَن يُوحَى إِليه بالفتح، لأنه لَزِمِ عنده من البَعْث الإِذْن ، وفى قول الخازن : ((مَرْحباً به)) إلى آخره ما يدل على أن الحاشية إذا فهموا من سيدهم عَزْماً لإكرام وافد أَن يُبَشِّروه بذلك وإن لم يأذن لهم فيه ، ولا يكون فى ذلك إِنشاء للسِّرِّ، لأَن الخازن أَعلم النبى صلى الله عليه وسلم حال استدعائه أنه استدعاء إكرام وإعظام، فعَجَّل بالبُشْرى والفراسة الصادقة عند أهلها وفى محلها يحصل [بها](١) العلم كما يحصل بالوحى، ولم يخاطبه الخازن بصيغة الخطاب فيقول: ((مرحباً بك)) وإنما أراد التحية بصيغة الغيبة ، والسُّرُّ فى ذلك أنه حيَّه قبل أن يفتح الباب وقبل أن يصدر من النبى صلى الله عليه وسلم خطاب ، ولهذا قال المَلَك لجبريل: ((ومن معك؟)) فخاطبه بصيغة الخطاب ، لأَن جبريل خاطب الملك ، فارتفع حكم الغيبة بالتخاطب من الجانبين ، ويجوز أن يكون حَيَّاه بغير صيغة الخطاب تعظيماً له لأَن هاء الغيبة ربما كانت أَفخم من كاف الخطاب . التنبيه الرابع والثلاثون: قول جبريل حين سُئِل: ((مَنْ معه)) فقال: ((محمد))، دليلٌ على أَن الاسم أَرفع من الكُنْيَة لأَنه أَخبر باسمه ولم يُخْبر بكنيته ، وهو عليه الصلاة والسلام مشهور فى العالَميْن العلوى والسفلى ، فلو كانت الكُنْيَة أَشرف من الاسم لأَخبر بها . التنبيه الخامس والثلاثون: قال ابن أبى جمرة: ((استفهام الملائكة)): ((وقد أُرْسِل إليه؟)) دليل على أَن أَهل العالم العلوى يعرفون رسالته ومكانته لأنهم سألوا عن وقتها : هل جاء؟ لا عنها ، ولذلك أجابوا بقولهم: ((مرحباً ونعم المجىء جاء)) وكلامهم بهذه الصيغة أَدَلُّ دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالة مكانته وتحقيق رسالته لأَن هذا أَجَلّ مايكون من حسن الخطاب، والترفيع على المعروف من عادة العرب. وقد قال العلماء فى معنى قوله تعالى : (لَقَدْ رَأَىْ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى (٢)) إِنه رأَى صورة ذاته المباركة فى الملكوت فإذا هو عروس المملكة)) . التنبيه السادس والثلاثون : وقع فى رواية أَنس ومن رواية أَبِى ذَرّ رضى الله عنهما : (١) إضافة يقتضيها السياق. (٢) سورة النجم آية ١٨ - ١٦٩ - ((قلتُ لجبريل: مَنُّ هذا؟ قال: أَبوك أدم)). وظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له آدم : ((مَرْحَباً)). ورواية مالك بن صَعْصَعَة بعكس ذلك، وهى المُعْتَّمَدة، فَتُحْمَل هذه عليها ، وليس فى رواية أبى ذَرّ ترتيب. وفى قول آدم: ((مَرْحباً بالابن الصالح)) ، إِشارة إِلى افتخاره بأَبُوَّته للنبي صلى الله عليه وسلم . ٣٦٦ ظ وظاهر قوله فى رواية آدم: ((تُعْرَض عليه أَرواح ذُرِّيته)) إلى آخره / أَن أَرْواح بنى آدم من أهل الجنة والنار فى السماء. قال القاضى: ((وهو مُشْكِل، فقد جاء أَن أَرواح المؤمنين [مُنَعَّمةٍ(١)] فى الجنة وأَن أَرواح الكُفَّار فى سِجِّين(٢)، فكيف تكون مجتمعة فى السماء ؟ وأَجاب بأنه يُحْتَمَل أنها تُعْرَض أوقاتاً فصادف وقت عَرْضها مرور النبى صلى الله عليه وسلم، ويدل على أَن كونهم فى النار فى أوقات دون أوقات قوله تعالى: ((النَّارُ، يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وعَشِياً))(٣)، واعْتُرِض بأَن أَرواح الكفار لا تُفْتَح لهم أبواب السماء كما هو نص القرآن(٤))، والجواب ما أبداه القاضى احتمالاً أن الجنة كانت فى جهة يمين آدم والنار كانت فى جهة شماله وكان يُكْشَف له عنهما . وقال الحافظ: ((ويُحْتَمَلِ أَن النَّسَمِ المَرْئِيَّةَ هى التى لم تدخل الأَجساد بعد وهى مخلوقة قبل الأجساد ومستقرها عن يمين آدم وشِمَاله ، وقد أُعْلِم بما سيصيرون إِليه فلذلك كان يستبشِر إِذا نظر إلى من على يمينه ويحزن إذا نظر إلى من على يساره ، بخلاف التى فى الأَجساد فليست مُرَادَة قطعاً وبخلاف التى نُقِلت من الأَجساد إلى مستقرها من الجنة أَو النار فليست مُرَادَةٍ أَيضاً فيما يظهر، وبهذا يندفع الإِيراد، ويُعْرَف أَن قوله: ((نَسَمُ بنيِهِ)) عام مخصوص أَو أُرِيد به الخصوص)) . انتهى . وقال فى الفتح فى باب المعراج: ((وظهر لى الآن احتمالٌ آخر وهو أن يكون المراد من (١) ساقط من الأصول والتكملة من الشفا للقاضى عياض (٢) قال ابن المنير فى شرح سجين بأنها مكان يعذبون فيه أسفل سافلين. وجاء فى المواهب بأنها الأرض السابعة. وفى القاموس : سجين موضع فيه كتاب الفجار وواد فى جهنم . (٣) سورة غافر آية ٤٦ (٤) وذلك فى قوله تعالى: ((إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط وكذلك نجزى المجرمين)) ( سورة الأعراف آية٤٠٠) - ١٧٠ - ٠٠ ((خُرَجتْ من الأَجساد لا أنها مستقرة ولا يلزم من رؤية أدم لها وهو فى السماء الدنيا أَن تُفْتَح لها أبواب السماء ولا أَن تَلِجَها ، ويؤيد هذا ما رواه ابن إسحاق(١): فإِذا أَنا بآدم تُعْرَض عليه أَرواح ذريته المؤمنين فيقول: روحٌ طَيِّبة ونَفْسُ طَيِّبَة اجعلوها فى عِلِيِّين ، ثم تُعْرَض عليه أَرواح ذريته الفُجَّار فيقول: روحٌ خبيثة ونَفْسُ خبيثة اجعلوها فى سِجِّين . وفى حديث أبى هريرة : فإِذا عن يمينه باب يخرج منه ريحُ طيبة وعن شِماله باب يخرج منه ريحٌ خبيثة ، ، فهذا لو صَحَّ لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم ولكن سنده ضعيف وظاهره عدم اللزوم المتقدم )) انتهى . وقال السهيلى: ((فإِن قيل كيف رأى عن يمينه أصحاب اليمين ؟ ولم يكن إِذ ذاك منهم إِلا نفر قليل ، ولعله لم يكن مات تلك الليلة منهم أحد ، وظاهر الحديث يقتضى أنهم كانوا جماعة، والجواب أَن يُقال: إِن كان الإِسراءُ رؤيا بقلبه فتأُويلها أَن ذلك سيكون وإن كانت رؤيا عَيْن فمعناها أَن أَرواح المؤمنين رآها هنالك لأَن الله يَتَوَفَّى الخَلْقِ فى منامهم كما قال فى التنزيل ( اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فِيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلىَ أَجَلٍ مُسََّّى (٢) (( فَصَعِدَ بالأَرواح إلى هنالك ثم أُعِيدت إلى أجسادها )). وقال ابن دِخْية: ((فإِن قيل : كيف تكون نَسَم السُّعَداء كلهم فى السماء ، وقد كان حين الإِسراء جماعة من الصحابة رضى الله عنهم فى الأرض وهم من السعداء ؟ فالجواب : أن آدم إنما رآهم فى مواضعهم ومقارِّهم فى الأرض ، ولكنه يراهم من الجانب الأيمن فالتقييد للنظر لا للمنظور )) . وفى قول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: ((هذا أَبوك آدم فَسلِّم عليه)) ما يقتضى أَن القادم يبدأ بالسلام على المُقِيم . التنبيه السابع والثلاثون: وقع فى رواية شريك(٣): ((فإذا هو فى السماءِ الدنيا بنَهْرَيْن (١) سيرة ابن هشام ( ج ٢ ص ١٢). (٢) سورة الزمر آية ٤٢ (٣) الحديث بطوله فى صحيح البخارى كتاب التوحيد ( ج ١ ص ٢٦٥: ٢٦٨) رواية شريك بن عبد الله - ١٧١ = ٣٦٧ ويَطَرِدان - أَى يجرِيان - النيل والفُرَات، ويُجْمَع مُنْصَرَفُهما)) - / أَى أَصلهما. وظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صَعْصَعَة فإِن فيه بعد ذِكْر سِدْرَة المنتهى: ((فإِذا أَصْلُها أَربعة))، فذكر منها النيل والفرات ، ويُجْمَع بينهما بأَن أَصل منبعها من تحت سدرة المنتهى ومقرهما فى السماء الدنيا ومنها ينزلان إِلى الأَرض . التنبيه الثامن والثلاثون: وَقَع فى رواية شريك أيضاً: ((ثم مضى النبى صلى الله عليه وسلم فى السماء الدنيا فإذا هو بنهر آخر عليه قصور من لؤلؤٍ وزبرجد ، فضرب يده فيه فإذا طينُهُ مِسْكُ أَذْفَر فقال : يا جبريل ما هذا ؟ قال : هذا الكوثر الذى خَبَّأَّ لك رَبُّك ، وهذا مما استُشْكِل فى رواية شريك ، فإِن الكوثر فى الجنة وإِن الجنة فى السماء السابعة . وقد روى الإِمام أحمد عن طريق حُمَيْد الطويل عن أَنس، رَفَعَهُ: ((دخلتُ الجنة فإِذا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربتُ بيدى فى مجرى مائه فإِذا هو مِسْك أَذفر)). فقال جبريل: ((هذا الكوثر الذى أعطاك الله تعالى)). وأَصل هذا الحديث عند البخارى بنحوه، وأَخرجه فى التفسير عن قتادة عن أنس رضى الله عنه ، ولكن ليس فيه ذِكْرُ الجنة . ورواه أَبو داود من طريق سليمان التيمى عن قتادة ولفظه: ((لما عُرِج بنى الله صلى الله عليه وسلم عَرَض له فى الجنة نهر)) ، قال الحافظ : ويمكن أن يكون فى هذا الموضع شىء تقديره : ثم مضى به فى السماء الدنيا إلى السماء [السابعة] فإذا هو بنهر ، قال تلميذه الحافظ قطب الدين الخيضرى(١) فى الخصائص: ((وهذا بعيد إِذ بينه وبين السماء السابعة خمس سماوات أُخرى وكل منها له صفة خلاف صفة الأُخرى ولها أبواب وخُدَّام غير الأُخرى ، فإِطلاق المسير إِليها وذكرها بعد السادسة مما يبعده أيضا ، ولكن يقال من غير استبعاد : إِن أَصل النهر - الذى هو الكوثر - فى الجنة ، وجعل الله تعالى منه فرعاً فى السماء الدنيا عَجَّل لنبيه صلى الله عليه وسلم رُؤْيَتَه استبشاراً لأنها أول المراتب العلوية ، ويؤيد هذا قول جبريل: ((خَبَّأَ لك رَبُّك)). انتهى. التنبيه التاسع والثلاثون: فى قول آدم: ((مرحباً بالابن الصالح والنبى الصالح))، (١) هو محمد بن محمد عبد الله بن خيضر، يعرف بالخيضرى نسبة إلى جد أبيه، توفى سنة ٨٩٤ هوكان تلميذاً الحافظ ابن حجر العسقلانى ، ترجم له السخاوى ترجمة مطولة ملأها بكثير من المآخذ عليه ، انظر الضوء اللامع ج ٩ ص ١١٧ : ١٢٤ رقم ٣٠٥. - ١٧٢ - ٠ ,۔ ثناءٌ جميل جليل للنبي صلى الله عليه وسلم، ووصفه بالصلاح مكرراً مع النبوة ، أى صالح مع النبيين جميعاً ، وفيه تنويه بفضيلة الصلاح وعلو درجته ، ولهذا وُصِف النبى صلى الله عليه وسلم . قال بعضهم : وصلاح الأَنبياء صلاحٌ خاصّ لا يتناول عموم الصالحين . واحْتُجَّ على ذلك بأنه قد تَمَنَّى كثير من الأَنبياء أن يلحق بالصالحين ، ولا يَتَمَنَّى الأَ على أن يلحق بالأَدنى، ولا خِلاف فى أن النبوة أَعلى من صلاح الصالحين من الأُمم . وبهذا تحقّق أَن الصلاح المضاف إلى الأنبياء غير الصلاح المضاف إلى الأُمم ، فصلاح الأنبياء صلاح كامل لأَّنه يزول بهم كل فساد ، فلهم كل صلاح ومَنْ دونهم الأَّمثل فالأَّمثل ، فكل واحد يستحق اسم الصلاح على قدر ما زال به أَو منه من الفساد ، واقتصر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم على وصفه صلى الله عليه وسلم بالصلاح وتواردوا على ذلك لأَن الصلاح يشمل خصال الخير ، ولذلك كررها كل منهم عند وَصْفه (١). والصالح هو الذى يقوم بما يلزمه من حقوق الله تعالى وحقوق العباد /، فمن ثَمَّ كانت ٣٦٧ ظ كلمةً جامعة مانعة شاملة لسائر الخصال المحمودة ، ولم يقل له أحد : مرحباً بالنبى الصادق ولا بالنبى الأَّمين لِمَا ذكرنا من أَن الصلاح شامل لسائر أنواع الخير. التنبيه الأَّربعون: إِنما رأَى أَكَلَةَ الربا مُنْتَفِخَةً بطونُهم لأَن العقوبة مشاكلة للذنب ، فآكل الربا يربو بطنُه كما أَراد أَن يَرْبُوَ مالُه بأَكل ما حُرِّم عليه فَمُحِقَتْ البركة من ماله وجُعِلت نَفْخاً فى بطنه حتى يقوم (كَمَا يَقُومُ الَّذِى يتخبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ(٢)). وإنما جُعِلوا بطريق آل فِرْعَوْن يَمُرّون عليهم غُدُوًّا وعَشِيَّاً، لأَن آل فرعون هم أَشْدُّ الناس عذاباً فضلاً عن غيرهم من الكُفَّار، وهم لا يستطيعون القيام . ومعنى كّوْنِهم فى طريق جهنّم بحيث يُمَرُّ بالكفار عليهم أن الله سبحانه وتعالى قد أَوْقَف أَمْرَهم بين أن ينتهوا فيكون خيراً لهم وبين أن يعودوا ويُصِرُوا فيُدْخِلهم النار ، وهذه صفة مَنْ هو فى طريق النار ، قال الله تعالى: (فَمَنْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، ومَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(٢)) وفى بعض الأحاديث أنه رأَى بطونهم كالبيوت يعنى أَكَلَةَ الربا ، وفيها حَيَّات تُرَى من خارج البطون . (١) هذه الفقرة نقلها الزرقانى فى شرحه على المواهب ج ٦ ص ٥٩. (٢) سورة البقرة آية ٢٧٥. ٠- ١٧٣ : - التنبيه الحادى والأربعون : فإن قيل: هذه الأحوال التى ذكرها عن أَكَلَة الربا ، إِن كانت عبارة عن حالهم فى الآخرة ، فآل فرعون قد أُدْخِلُوا أَشَدَّ العذاب وإِنما يُعْرَضون على النار غُدُوّاً وعَشِّاً فى البرزخ ، وإن كانت الحال التى رآهم عليها فأَىُّ بطونٍ لهم وقد صاروا عِظاماً ورُفَاتاً ومُزِّقُوا كل مُمَزَّق ؟ فالجواب أنه إنما رآهم فى البرزخ ، وهذه الحال هى حال أرواحهم بعد الموت . وفيها تصحيحٌ لمن قال: الأرواح أَجساد لطيفة قابلة النعيم والعذاب ، فخلق الله تعالى فى تلك الأرواح من الآلام ما يَجِدُه من انتفخ بطنُه حتى وُطِئْ بالأَقدام ولا يستطيع معه قياماً. وليس فى هذا دليل على أنهم أَشدّ عذاباً من آل فرعون ، ولكن فيه دليل على أنه يطؤهم آلُ فرعون وغَيْرُهم من الكفار الذين تم يأكلوا الربا ، ماداموا فى البرزخ إلى أن يقوموا يوم القيامة كما يقوم الذى يتخبّطه الشيطان من المَسّ، ثم ينادى منادى الله تعالى (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ(١)). وكذلك ما رأَى من النساء المُعَلَّقات بثُدِيِّهن(٢) يجوز أن يكون رأَى أَرواحَهُنّ وقد خُلِق فيها من الآلام ما يَجِدُه مَنْ هذه حالُه، ويُحْتَمَل أيضاً أن يكون مَثُلَت له حالَهنّ فى الآخرة . التنبيه الثانى والأربعون: ذِكْرُه لإدريس [فى السماء الرابعة مع قوله تعالى (٣):] (وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيًّا(٤))، مع أنه قد رأَى موسى وإِبراهيم صلوات الله وسلامه عليهما فى مكان أَعلى من مكان إِدريس ، فذلك - والله تعالى أعلم - لِمَا ذُكِرٍ عن كعب الأحبار أَن إدريس خُصَّ من بين جميع الأنبياء بأنه رُفِع قبل وفاته إلى السماء الرابعة ، رَفَعه مَلَكٌ كان صديقاً له وهو المَلَك المُوَكَّل بالشمس . وكان إِدريس سأله أَن يُرِيَه الجنة فأَذِن له الله فى ذلك ، فلما كان فى السماء الرابعة رآه هنالك مَلَك الموت فعَجِب وقال: أُمِرْتُ أَن أَقبض روح إدريس الساعة فى السماء الرابعة فقبضه هنالك، فرفعه حَيًّا إِلى ذلك المكان العَلِّ الذى خُصَّ به دون الأَّنبياء ، قاله السهيلى(٥) . وتقدم الكلام فى النسب النبوى على قوله : ((مرحباً بالأخ الصالح)). (١) سورة غافر آية ٤٦. (٢) الثدى يذكر ويؤنث والجمع أثد وثدى وبكسر الثاء أيضاً إتباعاً لما بعدها من الكسر، عن الصحاح للجوهرى. (٣) زيادة من الروض الأنف جـ ١ ص ٢٥٤ للمسهيلى الذى نقل عنه المؤلف. (٤ ) سورة مريم آية ٥٧ . (٥) نص هذا في الروض الأنف ج ١ ص ٢٥٤, - ١٧٤ - التنبيه الثالث والأربعون: قال العلماء(١): ((لم يكن بكاء موسى حَسَداً، معاذَ الله، / فإِن ٣٦٨ و الحَسَد فى ذلك العَالَم منزوع عن آحاد المؤمنين ، فكيف بمن اصطفاهم الله تعالى ، بل كان أَسفاً على ما فاته من الأَجْر الذى يترتَّب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أُمته من كثرة المخالفة المُقْتَضِيَة لتنقيص أُجهدهم والمُسْتَلْزِمة لتنقيص أَجْرِه، لأَن لكل نبيِّ أَجْرَ مَنْ تَبِعه ، ولهذا كان من اتَّبعه فى العدد دون من اتَّبَع نَبيَّنا صلى الله عليه وسلم مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأُمة . وقال ابن أَبِى جَمْرَة: ((قد جعل الله تعالى فى قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرحمة والرأفة لأُمتهم ، وقد بكى النبى صلى الله عليه وسلم ، فسئل عن بكائه فقال : ((هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء(٢)). والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أَخذوا من رحمة الله تعالى أوفر نصيب ، فكانت الرحمة فى قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم. فلأَّجل ما كان لموسى عليه الصلاة والسلام من الرحمة واللطف بكى إِذ ذاك رحمةً منه لأُمته لأَن هذا وقت إِفضالٍ وجودٍ وكرم ، فَرَجا لعله يكون وقت القبول والإِفضال فيرحم الله تعالى أمته ببركة هذه الساعة . فإن قيل : كيف يكون هذا وأُمته لا تخلو من قسمين : قسم مات على الإيمان ، وقسم مات على الكفر فالذى مات على الإيمان لابُدَّ له من دخول الجنة والذى مات على الكفر لا يدخل الجنة أبداً، فبكاؤه لأَّجل . ما ذكرتم لا يسوغ إِذ أَن الحكم فيه قد مَرَّ ونَفَذ . قيل فى الجواب: وكذلك قَدَّر الله عز وجل قَدَرَه على قسمين ، كما شاءت حكمته ، فقدَّرَ قَدَراً وقدَّرَ أَن يَنْفُذ على كل الأَّحوال وقَدَّرَ قَدَراً وقَدَّرِ أَلَّ يَنْفُذ، ويكون وقوعه بسبب دعاءٍ أَو صَدَقَة أَو غير ذلك)) . ومثاله دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوات الثلاث لأُمته وهى : أَّا يظهر عليهم عدوّ من غيرهم ، وأَلَّيُهْلِكَهُم بالسنين (٣)، فأُغْطِيهما ودعا بأَلاَّ يجعل بأُسهم بينهم ، فاستُجِيب فى الاثنتين ولم يُسْتَجَب له فى الثالثة، وقيل له : هذا أَمْرُ قد قَدَّرْته أَى أَنفذتُه ، فكانت الاثنتان من القَدَر الذى قَدَّره الله تعالى وقَدَّر أَلَّا يُنْفِذَه بسبب الدعاء وكانت دعوته (١) الفقرة التالية وردت حرفاً بحرف فى المواهب اللدنية للقسطلانى المتوفى سنة ٩٢٣ « والذي ترجم له العيدروسى فى النور السافر عن أخبار القرن العاشر (بغداد سنة ١٩٣٤ م ص ١١٣ : ١١٥) ويبدو أن المؤلف وهو شمس الدين الشامى المتوفى سنة ٩٤٢ «قد نقلها عنه، راجع ترجمة الشامى فى شذرات الذهب لابن العماد ج ٨ ص ٢٥٠: ٢٥١. (٣) السنين جمع سنة والسنة هنا هى الجدب والقحط. (٢) أخرجه البخاري ومسلم - ١٧٥ الثالثة من القَدَر الذى قَدَّره الله تعالى وقَدَّر إِنفاذه على كل الأحوال لا يرُدُّه رادٌ . وسيأتى لهذا مزيد إيضاح . ((فلأَّجْل (١) ما رُكِّب فى موسى عليه الصلاة والسلام من اللطف والرحمة بالأُمة طَمِع لعل أن يكون ما اتفق لأُمته من القَدَر الذى قَدَّره الله تعالى وقَدَّر ارتفاعَه بسبب الدعاء والتَّضَرُّع. وهذا وقت يُرْجَى فيه التعطف والإِحسان من الله تعالى لأنه وقت أُسْرِىَ فيه بالحبيب ليخلَع عليه خِلَعَ القُرْب والفضل العميم ، فطَمِع الكليم لعل أَن يُلْحِق لأُمته نصيباً)). وبوجه آخر وهو البشارة للنبي صلى الله عليه وسلم وإدخال السرور عليه يشهد لذلك بكاؤه حين وَلَّى النبى صلى الله عليه وسلم وقَبْلَ أَن يبعد عنه لكى يسمعه، لأنه لو كان البكاء خاصاً بموسى لم يكن ليبكى حتى يبعد عنه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمعه لأَن البكاء والنبى صلى الله عليه وسلم يسمع ، فيه شىء من التهوين عليه . فلما أَن كان المراد بذلك ما يصدر عن البشارة له صلى الله عليه وسلم بسبب البكاء بكى والنبى صلى الله عليه وسلم يسمعه، والبشارة التى يَتَضَمَّنها البكاء هى قول موسى عليه الصلاة والسلام لِلَّذِى هو أَكثر الأَنبياء اتباعاً: ((إِن الذى يدخل الجنة من أُمة محمد أكثر ممن يدخلها من أُمَّى)). ((وقد وقع من موسى عليه السلام من العناية بهذه الأُمة فى أَمر الصلاة ما لم يقع لغيره ووقعت الإشارة لذلك فى حديث أبى هريرة(٢) رضى الله عنه، مرفوعاً: ((كان موسى أَشدَّهم علىّ حين مَرَرْتُ به وخَيْرَهم حين رَجَعْتُ إِليه)). وفى حديث أبى سعيد (٣): فأَقبلت راجعاً فَمَرَرْتُ بموسى ونِعْمَ الصاحب كان لكم)) . ٣٦٨ ظ التنبيه الرابع والأربعون: قول موسى عليه الصلاة والسلام /: ((لأَن غلاما .. )) ليس على سبيل النَّقْص بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كَرَمه، إذ أُعطى نبينا صلى الله عليه وسلم فى ذلك السِّنّ ما لم يُعْطِهِ أَحداً قَبْلَه مِمَّن هو أَسَنّ منه . (١) هذه الفقرة نقلها المؤلف عن المواهب اللدنية. (٣) هو أبو سعيد الخدرى عند البيهقى وغيره. (٢) عند الطبرى والبزار. - ١٧٦- وقال الخَطَّابِى: العَرَب تسمى الرجل المُسْتَجْمِعِ السِّنّ: غُلاماً ما دامت فيه بَقيَّة من القوة [ فى الكهولة] وقال ابن أبى جَمْرَة: العَرَب إنما يُطْلِقون على المرء غلاماً إِذا كان سَيِّداً فيهم. فلأَجل ما فى هذا اللفظ من الاختصاص على غيره من ألفاظ الأفضلية ذكره موسى دون غيره تعظيماً النبي صلى الله عليه وسلم قال الحافظ : ويظهر [ لى ] أَن موسى عليه السلام أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا عليه السلام من استمرار القوة فى الكهولة إلى أن دخل فى سِنّ الشيخوخة ولم يدخل على بدنه هَرَم ولا عَرَا قُوَّتَه نَفْصٌ ، حتى أَن الناس لما رَأَوْه مُرْدِفاً أبا بكر عند قدومه المدينة أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبى بكر اسم الشيخ مع كونه عليه السلام فى العُمْرِ أَسَنّ من أبى بكر . التنبيه الخامس والأربعون: قول موسى: ((رب لم أَظُنّ أَن تَرْفَعَ عَلَىَّ أَحَداً - بفتح المُثَنَّاة الفوقية و((أَحداً)) بالنَّصْب، ورواته فى الصحيح بضم المُثَنَّة التحتية و((أَحَدٌ )) بالرفع. قال ابن بَطَّال: (( فهم موسى عليه الصلاة والسلام من اختصاصه بكلام الله تعالى فى الدنيا دون غيره من البشر لقوله تعالى (إِنِىّ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِ سَالَاتِى وَبِكَلامِ)(١) أن المراد بالناس هنا البَشَر كلهم، وأَنه استحق بذلك أَلاَّ يُرْفَع عليه أَحَدٌ، فلما فَضَّل الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام من المقام المحمود وغيره ارتفع على موسى وغيره بذلك(٢). التنبيه السادس والأربعون: قال ابن أَبِى جَمْرَة: الظاهر أن القائل لموسى: (( ما أَبكاك))؟ هو البارى تبارك وتعالى، يدل على ذلك قوله فى الجواب: ((رَبِّ [ هذا غلامُ بعثتَه من بعدى، يَدْخُل من أَمته الجنة أكثر مما يَدْخُل من أُمتى)) (٣) ] التنبيه السابع والأربعون: أكثر الروايات على أن موسى عليه الصلاة والسلام فى السماء السابعة بتفضيل الله تعالى، وهذا مطابق لقوله تعالى : ( إِنَّ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَالَاتِى وَبَكَلامِ(١) ) وهذا يدل على أَن شريكاً ضَبَطَ كَوْنَ موسى فى السابعة ، وحديث أَبِى ذَرّ يوافقه فإن فيه [ فيما رواه ابن شهاب الزهرى عن أنس بن مالك قال: (( فذكر أنه وجد (١) سورة الأعراف آية ١٤٤. (٢) نقل المؤلف هذه الفقرة عن القسطلانى فى المواهب اللدنية. (٣) تكلة حديث موسى كما رواه أبو هريرة وأخرجه البزار والبيهقى . - ١٧٧ - ( ١٢ - سبل الهدى وارشاد جـ ٣) فى السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإِبراهيم صلوات الله عليهم (١) ] ولم يثبت منازلهم ، غير أنه ذكر أنه وجد آدم فى السماء الدنيا وإبراهيم فى السماء السادسة)) . فإِن قلنا بالتعدد فلا إِشكال ومع عَدَمه فقد يُجْمَع بأَن موسى كان حالة العروج فى السماء السادسة وإِبراهيم فى السماء السابعة على ظاهر حديث مالك بن صعْصَعَة وعند الهبوط كان موسى فى السابعة، لأَنّه لم يُذْكَر فى القصة أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كَلَّمه فى شىء مما يتعلَّق بما فُرِض على أُمته من الصلاة كما كَلَّمه موسى عليه السلام والسماء السابعة هى أول [ شىء ](٢) انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها لأَنّه هو الذى خاطبه فى ذلك كما ثبت فى جميع الروايات ويُحْتَمل أن يكون لقى موسى فى السادسة فأُصْعِد معه إلى السماء السابعة تفضيلاً له على غيره من أجل كلام الله تعالى وظهرت فائدة ذلك فى كلامه مع نبينا فيما يتعلق بأمر أمته فى الصلاة . التنبيه الثامن والأربعون : وقع فى رواية شريك عن أنس رضى الله عنه أن كل سماء ٣٦٩ و فيها أنبياء قد سَمَّاهم ((فوَعَيْتُ منهم إدريس فى السماء الثانية وهارون فى السماء الرابعة / وآخرفى الخامسة لم أحفظ اسمَه، وإبراهيم فى السادسة وموسى فى السابعة )) . وفى رواية أنس عن أَبِى ذَرّ رضى الله عنهما قال: (( فذكر أنه وجد فى السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ))، ولم يثبت منازلهم ، غير أنه وجد آدم فى السماء الدنيا وإبراهيم فى السماء السادسة.)) انتهى . وهذا موافق لرواية شريك فى إبراهيم، وهما مخالفان لرواية قَتَادة عن أنس عن مالك بن صَعْصَعَة ، والأكثر وافقوه ، وسياقه يَدُلّ على رُجْحان روايته، فإِنه ضَبَط اسم كل نبى والسماء التى هو فيها ، ووافقه ثابت البُنَانى عن أَنس ، كما هو عند مسلم (٣) فقال فى روايته: ((ثم صَعِد بى حتى أتى السماء الثانية وفيها فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة))، وذكر فى الثالثة يوسف وفى الرابعة إدريس وفى الخامسة هارون (١) زيادة مما أخرجه البخارى فى صحيحه فى أول كتاب الصلاة (جـ ١ طبعة منير ص ١٥٧ و ١٥٨) لتوضيح مراد المؤلف . (٢) ساقطة من الأصول وأثبتناها من القسطلانى الذى نقل عنه المؤلف. (٣) صحيح مسلم بشرح النووى ج ٢ ص ٢٠٩ وما بعدها . - ١٧٨ - وفى السادسة موسى وفى السابعة إبراهيم، وفى سياق الزُّهْرى فى روايته عن أَنَس عن أَنِى ذَرّ أَنه لم يُثْبِت أسماءهم، وسياق شريك فيه أنه لم يَضْبِط منازلهم . ولا شك أن رواية مَنْ ضَبَطِ أَوْلى ، ولا سيما مع اتفاق قتادة وثابت وقد وافتهما يزيد ابن أبى مالك عن أنس إلا أنه خالف فى إِدريس وهارون ، فقال: هارون فى الرابعة وإدريس فى الخامسة، ووافقهم أبو سعيد الخُدْرِىّ رضى الله عنه، فى رواية إلا أنه قال: ((رأَى يوسف فى الثانية وعيسى ويحيى فى الثالثة)). قلت: والأول أَثبت، وأَما إبراهيم فالأرجح من الروايات أنه فى السماء السابعة لقوله فيها : إِنه رآه مُسْنِداً ظَهْرَه إِلى البيت المعمور ، وهو فى السابعة بلا خلاف . وأما (( ما جاء عن علىّ رضى الله عنه أن البيت المعمور فى السماء السادسة عند شجرة طوبى(١) فإن ثبت حُمِل على البيت الذى فى السادسة بجانب شجرة طوبى لأنه جاء عنه أن فى كل سماء بيتاً يُحَاذى الكعبة وكل منها معمور بالملائكة ، وكذا القول فيما جاء عن الربيع بن أَنَس وغيره أن البيت المعمور فى السماء التنبيه التاسع والأربعون : اختلفت طُرُق المتكلمين على حديث الإسراء فى ذِكْر من ذُكِر من الأنبياء وترتيبهم فى السموات ، فمن العلماء من لم يَرَ الكلام على سرّ ذلك أصلاً ، ومنهم من تكلم فيه ، ثم اختلف هؤلاء ، فمنهم من قال : اختص مَنْ ذُكر من الأنبياء بلقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على عُرْف الناس إذا تلَفَّوْا الغائب مُبْتَدِرِين للقائه ، فلابُدَّ غالباً أَنْ يَسْبِقِ بعضهم بعضاً، ويصادف بعضُهم اللقاء ولا يصادفه بَعْضُهم وإِلى هذا جَنَح ابن بطّال وهذا زَيَّفه السهيلى(٢) فَأَصاب. وذهب غير ابن بَطَّال إِلى أَن ذلك تنبيه على الحالات (١) فى التنزيل: ((طوبى لهم وحسن مآب)) (سورة الرعد آية ٢٩)، وأورد القرطبى (ج ٩ ص ٣١٦ ٠ـ٣١٧) تفسيرات عدة لكلمة طوبى منها: ما روى عن ابن عباس أن طوبى لهم أى فرح لهم وقرة عين وأنها اسم الجنة بالحبشية وعن قتادة: حسنى لهم وعن عكرمة نعمى لهم وعن النحاس أن هذه الأقوال متقاربة لأن طوبى فعلى من الطيب، وشرحها بمثل هذا الجواليقى فی المعرب ص ٢٢٦ وابن الأثير فی النهاية ج ٣ ص ٤٦ والزبیدی فی تاج العروس . (٢) تناول السهيلى الإجابة على هذين السؤالين: أولهما تخصيص هؤلاء الأنبياء بالذكر وثانيهما تخصيص من ذكر منهم بهذه الأماكن من السماء الدنيا إلى السابعة وأشار إلى ما كتبه ابن بطال فى هذا الصدد بقوله : ومغزى كلامه أن الأنبياء لما علموا بقدومه عليهم ابتدروا إلى لقائه ابتدار أهل الغائب الغائب القادم فمنهم من أسرع ومنهم من أبطأ)) وعلق السهيلى على ذلك بأن ابن بطال لم يصنع شيئاً. وقال ابن حجر فى فتح البارى: ((قيل ليظهر تفاضلهم فى الدرجات وقيل المناسبة تتعلق بالحكمة فى الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء فقيل أمروا بملاقاته فمنهم من أدركه من أول وهلة ومنهم من تأخر فلحق ومنهم من فاته وهذا زيفه السهيلى)). انظر شرح الزرقانى على المواهب ج ٦ ص ٦٧ والروض الأنف السبيلى = ١ ص ٢٥٠ و ٢٥١ • - ١٧٩ - الخاصة بهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وتمثيل لما سيقع للنبي صلى الله عليه وسلم مما اتفق لهم مما قَصَّه الله تعالى عنهم فى كتابه . والنبى صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل الحَسَن ويستدل به على حُسْن العاقبة وبالضدّ من ذلك . والفأل فى اليقظة نظير الرؤيا فى المنام . وأَهل التعبير يقولون من رأى نبياً من الأنبياء بعينه فى المنام فإن رؤياه تُؤْذِن بما يشبه من حال ذلك النبى من شِدَّةً أَو رخاء أو غير ذلك من الأُمور التى أُخْبر بها عن الأنبياء فى القرآن والحديث . ٣٦٩ظ قال ابن أَبِى جَمْرَة: (( الحكمة فى كون آدم فى السماء الدنيا لأنه أول / الأنبياء وأول الآباء وهو أَصل فكان الأَوَّل فى الأُولَى، ولاَّجل تأنيس النبوّة بالأُبُوة )) وقال السهيلى رحمه الله: ((فآدم وقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض بما سيقع للنبى صلى الله عليه وسلم من الهجرة إلى المدينة ، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقّة وكراهة فراق ما لقيه فى الوطن ، ثم كان لكل منهما أن يرجع إلى وطنه الذى خرج منه)) . وقال ابن دِحْية: ((إن فى ذلك تنبيهاً على أنه يقوم مقامه فى مبدأ الهجرة لأَن مقام آدم التهيئة والنشأة وعمارة الدنيا بأولاده، وكذا كان مقام المصطفى أول سنة من الهجرة مقام تنشئة الإِسلام وتربية أهله واتخاذ الأنصار لعمارة الأرض كلها بهذا الدين الذى أَظهره الله على الدين كله ، وزوى الأَرض لنبيِّه حتى أَراه مشارقَهَا ومغاربها ، فقال صلى الله عليه وسلم: ( وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُ أُمَّتِى مَا زُوِىَّ لى منها(١) )). واتفق ذلك فى زمن هشام بن عبد الملك حتى جىء إليه خراج الأَرض شرقاً وغرباً، وكان إذا نشأَت سحابة يقول : ((أُمْطِرِى حيث شئت فسيصل إلىّ خراجُك)). ثم رأى فى السماء الثانية عيسى ويحيى وهما المُمْتَحَنان باليهود. أَما عيسى فكَذَّتِه اليهود وآذَتْهُ وَهَمُّوا بقتله فرفعه الله تعالى ، وأَما يحيى فقتلوه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى حالة ثانية من الامتحان . وكانت مِحْنَتُه فيها باليهود [آذوه ] (٢) وظاهروا عليه وهَمُّوا بإلقاء الصخرة عليه ليقتلوه فَنَجَّه الله تعالى (١) وفى رواية: ((زويت لى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها)) وفى النهاية جـ ٢ ص ١٣٥ زويت أى جمعت. (٢) التكملة من الروض الأنف = ١ ص ٢٥٠ السهيلى الذى نقل عنه المؤلف. - ١٨٠ -