Indexed OCR Text

Pages 141-160

فى أربعة مواضع الأول والثانى والثالث فى آل عمران (فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلَّى فى
المِحْرَابِ(١) )، وهو جبريل وحده بدليل قراءة ابن مسعود رضى الله عنه (وَإِذْ قَالَتِ
المَلاَئِكَةْ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ(٢) )، ( إِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ
مِنْهُ(٣) ) والرابع فى النحل: ( يُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه (٤) ) يعنى جبريل والرُوح
الوَحْى . وذُكِر بلفظ الروح فى ثمانية مواضع بلفظ الروح مُطْلَقاً، وبإضافته إلى نفسه
وبإضافته إلى القدس وهو الطهارة، وبوصفه بالأَمانة، فقال: ( تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ
إِلَيْهِ (٥) ) يعنى جبريل ( تَنَزَّلُ المَلائِكَة وَالرُّوحُ فِيهَا (٦))، (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا (٧)) ،
( وأَيِّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ(٨)) وفى المائدة (إِذْ أَيَّدتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ(٩) ) وفى النحل ( قُلْ
نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنْ رَّبِّكَ بِالْحَقِّ(١٠))، وفى الشعراء ( نَزّلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ
لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ(١١) )، ووصفه فى موضع واحد بسبع صفات جميلة وهى : الرسالة
والكرم والقوة والقُرْبَة والمكانة وطاعة الملائكة والأمانة ، وذلك فى سورة التكوير فى قوله
تعالى : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم، ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى العَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ(١٢)
وروى أبو الشيخ فى العَظَمة عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( (( أَقربُ الخَلْق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل وإِنهم
من الله بمسيرة ألف سنة)). وروى أبو الشيخ عن وَهْب. قال: هؤلاء الأربعة أملاك : جبرائيل
وميكائيل وإِسرافيل ومَلَك الموت، أَوَّل مَنْ خلقهم الله من الملائكة وآخر من يُمِيتُهم ،
· وأول من يُحْيِيهم وهم المديرات . وروى أبو الشيخ عن خالد بن أبى عمران قال : جبريل
أمين الله تعالى إلى رُسُلُه، وميكائيل يُلقى الكتب التى ترفع من أعمال الناس وإِسرافيل
بمنزلة الحاجب .
وروى أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد أَحد التابعين أن رجلاً قال : يا رسول الله أَى
(١) آل عمران آية ٣٩
(٤) النحل آية ٢
(٧) سورة مريم آية ١٧
(٩) سورة المائدة آية ١١٠
(١١) سورة الشعراء آية ١٩٣ و١٩٤
(٣) آل عمران آية ٤٥
(٢) آل عمران آية ٤٢
(٥) المعارج آية ٤
(٦) سورة القدر آية ٤
(٨) سورة البقرة آية ٨٧ كما وردت فى الآية ٢٥٣ بنفس السورة.
(١٠) سورة النحل آية ١٠٢
(١٢) سورة التكوير الآيات ١٩ و ٢٠ و٢١.
- ١٤١ -

الملائكة أكرم على الله ؟ قال : لا أدرى فجاءه جبريل فقال: يا جبريل أَى الملائكة أكرم
على الله ؟ قال : لا أَدرى ، فَعَرَج جبريل ، ثم هبط فقال : جبريل وميكائيل وإسرافيل
٣٥٩ و ومَلَك الموت، فأَما جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين / وأما ميكائيل فصاحب
كل قطرة تسقط وكل ورقة، وأَما مَلَك الموت فهو مُوَكِّل بقبض روح كل عبد فى بَرٍ
أَوْ بَحْرِ ، وأَما إسرافيل فأَمين الله بينه وبينهم .
التنبيه السادس : فى لغات ميكائيل وهى سبع : الأُولى وهى الأَفصح : میکال بوزن
ميقات وميعاد وبها قرأْ أَبو عمرو (١). الثانية: مكائيل بهمزة فياء وهى قراءة نافع. الثالثة : .
ميكائيل بياءيْن وهى قراءة باقى السبعة . الرابعة : ميكثيل بهمزة بعد الكاف فمُثَنَّة تحتية
وهى قراءة ابن مُحَيْصِن . الخامسة : كذلك [ أَى ميكثل] إلا أنه لا ياء بعد الهمزة وبها
قَرَأَ بعضُهم . السادسة : ميكاييل بياءين صريحتين بعد الألف وبها قرأ الأعمش . السابعة :
ميكاءيْل بهمزة مفتوحة بعد الألف .
التنبيه السابع : فى الكلام على البُرَاق، وهو بضمّ المُوَّحدة وتخفيف الراء مُشْتَىُّ من
البَرِيق فقد جاء فى لونه أنه أبيض أَو من البَرْق (٢) لأَنه وُصِف بسرعة السَّيْر أَو من قولهم:
شاة بَرْقاء إِذا كان خلال صوفها الأَبيض طاقات سوداء ، ولا ينافيه وَصْفُه فى الحديث
بالبياض لأَن البَرْقاء من الغَنَم مَعْدُودٌ فى البيض . وفى حديث أَبِى هُرَيْرة رضى الله عنه
عند أَحمد والحارث(٣): ((أَبْرِقوا فإِنّ دَمَ عَفْرَاء أَزْكَى عند الله من دَمِ سَوْدَاوَيْن(٤) ))،
(١) هناك كثير من القراء ممن كنيتهم أبو عمرو والأرجح أن المؤلف يقصد أشهرهم وهو عثمان بن سعيد أبو عمرو
الدانى المتوفى سنة ٤٤٤ « ترجم له ابن الجزرى ترجمة مطولة فى كتابه غاية النهاية ( جـ ١ ص ٥٠٣: ٥٠٥ رقم ٢٠٩١)
(٢) أورد ابن الأثير فى النهاية ( ج ١ ص ٧٤) هذين الرأيين فى اشتقاق كلمة براق إذ قال: سمى بذلك لنصوع
لونه وشدة بريقه وقيل لسرعة حر كته شبهه فيهما بالبرق غير أن الدميرى فى حياة الحيوان ( ج ١ ص ٠٧ ١ ) قال بأن.
الكلمة مشتقة من البرق الذى يلمع فى الغيم كما روى فى حديث المرور على الصراط فمنهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر
كالريح العاصف ومنهم من يمر كالفرس الجواد .
(٣) لعله الحارث بن محمد بن أبى سلمة التميمى صاحب المسند توفى سنة ٢٨٢ هـ. انظر ميزان الاعتدال = ١ ص
٤٤٢ و ٤٤٣ رقم ١٦٤٤ .
(٤) أورد المؤلف كلمة: أفضل بدلا من أزكى وآثرنا إثبات نص الحديث كما أورده كل من الزمخشرى فى الفائق
(ج ١ ص ٧٥) وابن الأثير فى النهاية (جـ ١ ص ٧٤) وقال الأول فى شرحه ؛: أى ضحوا بالبرقاء وهى الشاة
التى تشق صوفها الأبيض طاقات سود، والعفراء التى يضرب لونها إلى بياض من عفرة الأرض . وزاد ابن الأثير شرحا آخر
جاء فيه : وقيل معناه: اطلبوا الدسم والسمن من برقت له إذا دسمت طعامه بالسمن .
- ١٤٢ -

فجعل البَرْقاء مقابلة السوداوَيْن تفضيلاً للبياض ، فلهذا يكون البُرَاق أفضل الألوان ،
ويجوز أن يجْمَع بين المعنيَيْنِ فيُسَمى بُرَاقا لِلزْنِه ولسرعة مسيره فيكون ذلك من قبيل
مُجْمَلْ اللفظ المُشترَك دفعةً واحدة فى اللفظ ويُحْتمَلِ أَلا يكون مُشتقاً .
قال ابن أَبِى جَمْرَة: وإنما كان ركوب النبى صلى الله عليه وسلم على البُرَاق إِشارة إِلى
أَن الاختصاص به لأنه لم يُنْقَل أَن أحداً مَلَكَه بخلاف جنسه من الدواب. قال: والتُدْرة
صالحة لأَن يَصْعَد بنفسه بغير بُرَاق، لكن كان البُرَاق بشارةً له فى تشريفه، لأَّنه لو صَعِد
بنفسه لكان فى صورة ماشٍ، والراكب خلاف الماشى. وقال ابن دِحْيَة: رُبَّمَا مُزِجَ حَرْقُ
العادة بالعادة تأْنيساً ، وقد كان الحَقُّ قادراً على أن يرفع نَبِيَّه صلى الله عليه وسلم بدون
الْبُرَاق، ولكن الركوب وصِفَة المركوب المُعْتَاد تأُنيس فى هذا المقام العظيم بِطَرَف من
العادة، ولعل الإِسراء بالبُرَاق إظهارٌ للكرامة العُرْفِيَّة، فإن المَلِك العظيم إذا استدعى وَلِيّا
له وخِصِّيصاً به، وأَشخصه إليه بَعَثَ إِليه بمركوبٍ سَنِيٍ ، يحمله عليه فى وفادته إِليه .
ولم يكن البُراق بشكل الفَرَس ولكنه بشكل البَغْل ، وكان ذلك - والله تعالى أعلم - للإِشارة
إلى أن الركوب فى سَلّم وأَمْن لا فى حربٍ وخَوْف ، أَو لإظهار المعجزة فى الإِسراع العجيب
من دابة ما يوصف شكلها بالإسراع الشديد عادةً .
فإن قيل : فقد ركب النبى صلى الله عليه وسلم البغلةَ فى الحرب ، فالجواب : كان
ذلك لتحقيق نبوته عليه الصلاة والسلام فى مواطن الضرب والطعن والانتشاب فى نَحْر العدو ،
ولِمَا كان الله تعالى خَصَّه بمزيد من الشجاعة والقوة . وإلا فالبغال عادةً من ركوب الطمأنينة
والأُمَنَّة (١)، فَبَيِّنَ أَن الحرب عنده كالسِّلْمِ قُوَّةُ قلب وشجاعةُ نَفْس، وثِقَةٌ وَتَوَكَّل. وركبت
الملائكة فى الحرب على الخَيْل لا غير لأنها بصدد ذلك عُرْفاً دون غيرها من المركوبات .
ولَطُف شكل البراق لما وصفه ، عن شكل البغل، وما لَطُف من البغال واستدار أَحْمَدُ
وَأَحْسَن من المُطَهِّمات (٢) منها ، وذلك بخلاف الخيل .
(١) من أمن يأمن أمنا وأمانا وأمانة وأمنة. وفى الحديث: النجوم أمنة السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد
وأنا أمنة ((لأصحابى فإذا ذهبت أتى أصحابى ما يوعدون .. انظر النهاية لابن الأثير ( جـ ١ ص ٤٤).
(٢) من طهم الشىء ضخم وطهم الشىء ضخمه، وفى النهاية (ج ٣ ص ٤٩) المطهم المنتفخ الوجه وقيل الفاحش السمن
وقيل النحيف الجسم وهو من الأضداد .
- ١٤٣ -

٣٥٩ظ
ولم يُسَمِّ الله سبحانه وتعالى / سَيْرَ البراق برسوله صلى الله عليه وسلم طيراناً، وإنما سَّاه
بما يُسَمّى به السير المعتاد وسير الليل عند العرب سُرَى، فيؤخذ من هذا أَن الوَلِّ إذا طُويت
له الأرض البعيدة فى الساعة الواحدة يتناوله اسم المسافر ، ويشمله أحكام السَّفَر باعتبار
القَصْر والفِطْر (١). وإِنما لم يُذْكَر البُرَاق فى الرجوع لأَن ذلك معلوم بذكره فى الصعود ،
كقوله تعالى: ( وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُم الحَرَّ(٢)) يعنى والبرد.
قال فى فتح الصفا : فإن قيل : هَلاَّ كان الإِسراء على أجنحة الملائكة والريح كما كانت
تحمل سليمان عليه الصلاة والسلام أَو الخطوة كطَىّ الزمان ؟ قلت المراد إِطلاعه على الآيات
الخارقة للعادة ، وما يتضَمَّن أمراً عجيباً ، ولا عَجَب فى حَمْل الملائكة أَو الريح بالنسبة
إِلى قَطْعةٍ هذه المسافة ، بخلاف قَطْعِها على دابّة فى هذا الحجم المَحْكِىّ عن صفتها ، ووقع
من تعظيمه بالملائكة ما هو أعظم من حَمْله على أجنحتها فقط . فقد أَخذ جبريل برٍ كَابه
وميكائيل بزِمام البُرَاق، وهما من أكابر الملائكة ، فاجتمع له صلى الله عليه وسلم حَمْلُ
البراق ، وما هو كَحَمْلِ البُراق من الملائكة وهذا أَتَمّ فى الشرف ..
واختلفت الأقاويل فى صفته ، فنُقِل عن ابن عباس رضى الله عنهما ما ذُكِر . وقال
صاحب الاحتفال : إنه دون البغل وفوق الحمار ، وَجْهُه كوجه الإِنسان ، وجَسَدهُ كجَسَد
الفرس وقوائمه كقوائم الثور وذّنَيُه كذّنَب الغزال . وقال غيره : جَسَدُه كجسد الإنسان
وذَنَبُه كَذَنب البعير وعُرْفُه كعُرْف الفَرَس وقوائمه كقوائم الإِبل وأَظلافه كأَظلاف البَقَر
وصَدْرُه ياقوتة حمراء وظَهْرُهُ دُرَّة بيضاء، له جناحان فى فخذيه وهذا كله لم يَصِحّ منه
شىء، وما ذكره عن ابن عباس أَمثلها ، ولعل السِّرّ فى كونهما فى فخذيه لثِقَل مُؤَّخَّر الدابّة،
أو لأن ذلك جارٍ على هذا الأمر فى خَرْق العادة ، أَو لأَجل الراكب ، لأَنهما لو كانا فى جنّبْيه
على العادة لكاذا تحت فَخْذَىْ الراكب أَو فوقهما، ويَحْصُل له من ذلك مشقَّة بضَمِّهما
ونشرهما خصوصاً مع السرعة العظيمة .
(١) القصر فى الصلاة والفطر للمسافر، وفى التنزيل: (وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا
من الصلاة ) ( سورة النساء آية ١٠١) وقصرت الصلاة بالبناء للمفعول فهى مقصورة وفى حديث السهو: أقصرت الصلاة
أم نسيت وفى لغة يتعدى بالهمزة والتضعيف ، انظر المصباح المنير ، والنهاية جـ ٣ ص ٢٥٧ .
(٢) سورة النحل آية ٨١.
-- ١٤٤ -

وفى بعض الآثار أنه ليس بذَكَر ولا أُنْىَ، فاقتضى ذلك أن يكون مُفْرَداً بالخُلُق
بهذه الصِفة من غير توليد، وقد قال تعالى: ((وَمِنْ كُلِّ شَىءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْن(١)) ونقل
الشيخ سعد الدين أن الملائكة الكِرَام لا ذكور ولا إِناث إلى آخر ما ذكره . وفى أثر آخر
أَن جبريل خاطبه خطاب المؤنث .
واخْتُلِف فى الحكمة فى استصعاب البُرَاقِ، فقال ابن بَطَّل: إِنما استَصْعَب عليه نبَعْدِهِ
بركوب الأنبياء قبله، ويُؤَّيِّده ما فى المبتدأ لابن إِسحق رواية وَثِيمَة بن موسى فى ذكر
الإِسراء، ((فاستصعب البراق وكانت الأنبياء تركبها قبلى)) وكانت بعيدة العهد بر كوبهم
فلم تكن رُكِبَتْ فى الفترة(٢).
وقال ابن دحية وابن المنير: ((إِنما استصعب تيهاً وزَهْوَاً بركوب النبى صلى الله عليه
وسلم ))، وأراد جبريل بقوله : أَبمحمد تستصعب ؟ استنطاقه بلسان الحال إذ أنه لم يقصد
الصعوبة ، وإنما تاه لمكان النبى صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال: فارْفَضَّ عَرَفًا، فكأنه أجاب
بلسان الحال ، فَبَرِئ من الاستصعاب ، وعرق من خَجَل العِتاب ، وذلك قريب من رجفة
الجَبَل به حتى قال له: اثبت فإنما عليك نَبِىُّ وصِدِّيق وشهيد، فإنها هِزَّةٌ طَرَب لَا هِزَّة
غضب ، كما سيأتى الكلام على ذلك مبسوطاً فى المعجزات . قال الشيخ قاسم بن قَطْلُوبُها(٣)
الحنفى رحمه الله تعالى: ولا يَبْعُد أن يقال إنما كان استصعابه فَرَقًا من هيبة سيدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
التنبيه الثامن : قال الحافظ : من الأخبار الواهية أَن البُرَاق لما عاتبه جبريل عليه
السلام اعتذر إليه البراق بأنه مَسَّ الصَّفْرَاء(٤) / اليوم، وأن الصفراء صَنَمٌ من ذهب عند ٣٦٠و
(١) سورة الذاريات آية ٤٩.
(٢) الفترة هى الفاصل الزمنى بين بعث عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
(٣) هو العلامة زين الدين قاسم بن قطلوبنا السودونى الحنفى تتلمذ على ابن حجر العسقلانى وكانت له مشاركة فى علوم
الحديث والفقه والأصول، ترجم له السخاوى فى الضوء اللامع ترجمة مطولة ( ج ٦ ص ١٨٤: ١٩٠ رقم ٦٣٥) أورد فيها
ثبتا ضافيا بمؤلفاته التى لم يطبع منها سوى كتيب فى طبقات الأحناف اسمه تاج التراجم اطلعنا عليه ، كما ترجم له ابن العماد
فى شذرات الذهب ( = ٧ ص ٣٢٦) فى وفيات سنة ٨٧٩ هـ.
(٤) جاء فى الروض الأنف جـ ١ ص ٢٤٥: قال جبريل لمحمد عليه السلام حين شمس به البراق: لعلك يا محمد
مسست الصفراء اليوم فأخبره النبى صلى الله عليه وسلم أنه ما مسها إلا أنه مر بها فقال تبا لمن يعبدك من دون الله وما ٠مها
إلا لذلك وذكر هذه الرواية أبو سعيد النيسابورى فى شرف المصطفى فالله أعلم .
- ١٤٥ -
(١٠ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣)

باب الكعبة، وأَن النبى صلى الله عليه وسلم مَرَّ به فقال: ((تَبَّا لمن يعبدك من دون الله)))،
وأن النبى صلى الله عليه وسلم نَهَى زيد بن حارثة أَن يمسَّه بعد ذلك ، وكسره يوم الفتح.
وقال فى الزهر : هذا لا ينبغى أَن يُذْكَر ولا يُعْزَى لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الإِمام أحمد - روى عنه ابنُه عبد الله أنه قال: ((هو موضوع)) وأَنكره جداً.
التنبيه التاسع : قال الحافظ : من الأخبار الواهية ما ذكره الماوردى والثعلبى والقرطبى
فى التذكرة من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : الموت
والحياة جسمان؛ فالموت ليس يجد ريحَه [فى ] شىء إِلا مات، والحياة فَرَس بلقاء أُنثى
وهى التى كان جبريل والأنبياء يركبونها لا تمرّ بشىء ولا يجدرِيحَها شّْءٌ إِلا حَبِىَ .
التنبيه العاشر : اختُلِف فى ركوب جبريل على البراق مع النبى صلى الله عليه وسلم ،
وعلى القول به هل ركب أمام النبى صلى الله عليه وسلم أم خَلْفَه ؟ فعند الإِمام أحمد عن
حُذَيْفَة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُنِى بالبراق فلم يزايل ظَهْرَه هو
وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس. وفى رواية عنه عند ابن حِيَّان أن جبريل حَمَله
على البراق رديفاً له ، وفى لفظ فرَكِبَه خَلْفَ جبريل فسار بهما . وفى حديث أبى ليلى أن
جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالبراق فحمله بين يديه ، رواه الطبرانى . وفى حديث
ابن مسعود، رَفَعَهُ (١): ((أُتِيتُ بالبراق فرَكِبْتُه خَلْفَ جبريل)). والصحيح أنه كان مُعَدَّا
لركوب الأنبياء قبل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . -
وروى النماكهى بسند حسن عن على رضى الله عنه قال: ((كان إبراهيم يزور إسماعيل
وأَّ على البراق)). وفى حديث أبى سعيد رضى الله عنه: (( وكانت الأنبياء تركبها قبلى)).
رواه البيهقى وغيره. وقال أنس رضى الله عنه: ((وكانت تُسَخَّر للأنبياء قبلى ))، رواه
النسائى وابن مَرْدَويه. وقال سعيد بن المُسَيِّب وأبو سَلّمة بن عبد الرحمن: ((أُسْرِىَ
برسول الله صلى الله عليه وسلم على البُراق ، وهى دابَّة إبراهيم التى كان يزور عليها البيت
الحرام))، رواه ابن جرير .
(١) أى أنه حديث مرفوع والحديث المرفوع هو ما أضيف إلى النبى صلى الله عليه وسلم قولا ، أو فعلا عنه سواء
كان متصلا أو منقطعا أو مرسلا وننى الخطيب أن يكون مرسلا فقال : هو ما أخبر فيه الصحابى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم . انظر الباعث الحثيث إلى معرفة علوم الحديث لابن كثير (ص ٣٤ و ٣٥).
- ١٤٦ -

التنبيه الحادى عشر: قوله فى حديث ابن عَبَّاس رضى الله عنهما: ((وتكلم أربعةٌ
وهم صغار)) فذكر ابن الماشطة وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى بن مريم . وروى
الشيخان من حديث أبى هريرة مرفوعاً: ((لم يتكلم فى المهد إلا ثلاثة))، فذكر عيسى
وصاحب جريج وابن الماشطة. وفى حديث مسلم عن صُهَيْب رضى الله عنه فى قصة أصحاب
الأُخدود: أَن امرأةً جىء بها لتُلْقَى فى النار [ أو ](١) لتَكْفُر ومعها صبيّ يرضع فتتقاعست
فقال : يا أُماه اصبرى فإنك على الحَقِّ . وفى رواية عند ابن قتيبة : إنه كان ابن سبعة
أَشهر . وروى الثعلى عن الضحاك أَن يحيى بن زكرياء تكلم فى المهد وذكر البغوى فى
تفسيره أَن إبراهيم الخليل عليه السلام تكلم فى المهد . وفى سير الواقدى أَن النبى صلى الله
عليه وسلم تكلم فى أوائل ما وُلِد . وقد تكلم فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم مبارك اليمامة
كما سيأتى فى المعجزات ، فهذه عشرة ، وتقدم نَظْمهم فى أبواب المولد، وسيأتى الكلام
على ذلك مبسوطاً فى المعجزات . وإذا عُلِم ذلك فقوله صلى الله عليه وسلم: (( لم يتكلم فى المهد
إِلا ثلاثة)) ، قاله قبل أن يعلم الزيادة على ذلك .
التنبيه الثانى عشر: ذُكِر فى القصة نزوله صلى الله عليه وسلم عن البُرَاق وصلاتُه بعِدَّة
مواضع كما هو مذكور فى القصة. وقال حُذَيْفة رضى الله عنه: ((إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لم يزايل ظَهْرَ البراق هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس)). قال الحافظ :
(( وهذا لم يُسْنِدِه حُذَيْفة إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فيُحْتَمَل أَنه قاله عن اجتهاد)).
قلتُ : ويدل على ذلك إنكارهُ رَبْط البراق والصلاةَ فى بيت المقدس ، مع ورود الأحاديث
الصحيحة عن جماعة من الصحابة بوقوع ذلك كما سيأتى .
التنبيه الثالث عشر: أَنكر حُذيفة رضى الله عنه رَبْطُ الْبُرَاق، فروى الإمام أحمد
والترمذى عنه أنه لمما قيل له : رَبّط البراق قال: أَخَافَ أَن يغرّ منه وقد سَخَّره له عالِم
الغيب والشهادة؟ قال البيهقى والسهيلى: والمُثْبِت مُقَدِّمُ على النَّافِى، يعنى من أَثبت رَبْطٌ
البراق فى بيت المقدس معه زيادة عِلْم على مَنْ نَفَى ، فهو أولى بالقبول . قال الإمام النووى :
(١) إضافة يقتضيها السياق
- ١٤٧ -

وفى ربط البراق الأَّخذ بالاحتياط فى الأُمور وتعاطى الأسباب ، وأَن ذلك لا يَقْدَح فى
التَّوَكُّل إِذا كان الاعتماد على الله سبحانه وتعالى. وقال السهيلى: وفى هذا من الفقه التنبيه
على الأخذ بالحزم مع صِحَّة التوكل وأَن الإِيمان بالقَدَر كما رُوِى عن وَهْب بن مُنَبِّه لا يمنع
الحَزْم من تَوَقِّى المهالك ، قال وهب : وَجَدْتُه فى سبعين كتاباً من كتب الله القديمة ،
وهذا نحو من قوله صلى الله عليه وسلم: ((اعْقِلْها وتَوَكَّلْ))(١). فإِيمانه صلى الله عليه وسلم
بأَنَّه قد سُخِّر له كإِمانه بِقَدَر الله تعالى وعِلْمِهِ بأَنّه قد سبق فى أم الكتاب ما سبق ،
ومع ذلك كان يتزود فى أَسفاره، ويُعِدّ السلاح فى حروبه، حتى لقد ظَاهَرَ بين دِرْعَين
فى غزوة أُحُد ورَبْطُه المبراق من هذا الفن .
التنبيه الرابع عشر : فى بعض فضائل بيت المقدس وفيه فوائد : الأُولى : فى مبدأ
خَلْقه : روى أبو بكر الواسطى عن على رضى الله عنه قال : كانت الأرض ماءً ، فبعث
الله تعالى ريحًا فمسحت الماء ثمَسْحًا، فظهرت على الأَرض زَبَدَة (٢) فقَسَّمها أَربع قِطَع، خلق
من قطعة مكة ومن أُخرى المدينة ومن أُخرى بيت المقدس ومن أُخرى الكوفة . وتقدم
حديث أَبى ذَرّ فى الباب الأول من أبواب بعض فضائل بلده المنيف فراجِعْه . وروى الإمام
أحمد والنِّسَائى وابن ماجه والحاكم عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((إن سليمان عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأَل رَبِّه خِلالاً ثلاثاً
فأعطاه إياها : سأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله مُلْكًا لا ينبغى لأَجَد من بَعْدِهِ
فأعطاه إياه ، وسأله أَيُّما رجلٌ خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة فى هذا المسجد يعنى
بيت المقدس خرج من خطيئته كيوم وَلدَتْه أُمُّه )). قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( ونحن
نرجو أن يكون الله تعالى قد أعطاه ذلك)).
وروى ابن أبى شيبة والواسطى عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال: ((إِن بيت
المقدس لَمُقّدَّس فى السموات السبع بمقداره فى الأرض)) وروى الواسطى عن عطاء الخراسانى
(١) رواه الترمذى، واعقلها من عقل يعقل عقلا، عقل البعير ضم رسغ يده إلى عضده وربطهما معا بالعقال ليبقى
باركا ، ورواية السهيلى : قيدها وتوكل .
(٢) ((زبدة)) هكذا فى الأصول، والزبد بفتحتين من البحر وغيره كالرغوة، ولعلها هنا محرفة عن ((ربوة))
- ١٤٨ -

قال: ((لما فرغ سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام من بناء بيت المقدس أَنبت الله شجرتين
عند باب الرحمة أَحدهما تُنْبت الذهب والأُخرى تُنْبِت الفِضَّة، فكان كل يوم تُنْزَع من
كل واحدة مائة رطل ذهب وفِضَّة، ففُرِشَ المسجد ، بلاطة ذهباً وبلاطة فضة . فلما جاء
بختنصرَّ خَرَّبه واحتمل منه ثمانين عجلة ذهباً وفضة فطرجهما برومية )) .
وروى الواسطى عن سعيد بن المُسَيَّب رحمهما الله تعالى أن سليمان عليه السلام لما فرغ
من بناء بيت المقدس فَرَّغ له عشرة آلاف من قُرَّاء بنى إسرائيل : خمسة آلاف بالليل
وخمسة آلاف بالنهار ، فلا تأتى ساعةٌ من ليل أو نهار إلا والله تعالى يُعبْد فيه . وروى الواسطى
عن كعب الأحبار أَن سليمان بن داود عليهما السلام لما فرغ من بناء المسجد خَرَّ ساجداً
شكراً لله وقال: (( يا رَبِّ مَنْ دخله من خائف فأَمِّنْه أَو من داع فاسْتَجِبْ له أَو مُسْتَغْفِر
فاغْفِرْ له ))، فأوحى الله تعالى إِليه: ((إِنى قد أَجَبْتُ لآل داود الدعاء)). قال: فذبح
أربعة آلاف بقرة وسبعة آلاف شاة، وصنع طعاماً كثيراً ودعا بنى إِسرائيل إليه ..
والآثار فى هذا كثيرة ، وقد ذكر المؤرخون فى عمارته وما فيه من الجواهر والمعادن
واليواقيت فى سمائه وأَرضه وجدرانه ما تعجز عنه ملوك الدنيا . فلما دخل بختنصر خَرَّبه
وأَخذ تلك النفائس التى فيه ، وذِكْرُ ذلك هنا ليس من غرضنا . الثانية : فى بعض فضله ، .
قال الله سبحانه وتعالى: ( سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلىَ المَسْجِدِ
الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ (١)) وهذه الآية هى المُعَظِّمة لقدره بإِسراء رسول الله صلى الله عليه
وسلم إِليه قبل عروجه إلى السماء وإخبار الله تعالى بالبركة حوله . وتقدم الكلام على ذلك .
وقال تعالى : ( ونَجَّيْنَاهُ وَلُوطأً إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ(٢)).
روى أبو المعالى المشرف بن المُرَجَّى المقدسى فى فضائله عن أَنَس بن مالك رضى الله
عنه قال: ((الجَنَّةُ تَحِنُّ إِلى بيت المقدس، وصخرة بيت المقدس من جَنَّة الفِرْدَوْس)).
وروى الواسطى عن مكحول قال: (( من صَلَّ فى بيت المقدس ظهراً وعصراً ومَغْرِباً وعِشاءً،
ثم صَلَّى الغَدَاةَ خرج من ذنوبه كيوم وَلَدْهُ أُنُّه)) .
(١) من الآية الأولى من سورة الإسراء
(٢) سورة الأنبياء آية ٧١ .
- ١٤٩ -

ورُوى أيضاً عن كعب قال: ((فى بيت المقدس ، اليوم فيه كأَلف يوم وشَهْرٌ فيه
كأَلْف شهر والسَّنَةُ فيه كألف سنة، ومن مات فيه كأنما مات فى السماء )). وروى الحاكم
عن أَبِى ذَرّ رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فى بيت المقدس
لِنِعْمَ المُصَلَّى، وليوشكن أَلا يكون للرجل مثل بَسْطِ فَرْشِه من الأرض حيث يرى منه
بيت المقدس خَيْرٌ له من الدنيا وما فيها)). وروى الواسطى عن كعب قال: ((إِن الله تعالى
ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مَرَّتَيْن)). والآثار(١) فى فضله كثيرة .
٣٦١و
الثانية: فى أسمائه: الأول: المسجد الأقصى وتقدم / الكلام عليه . الثانى: مَسْجِد
إيلياء بوزن كِبْرِياء. وحكى البكرى(٢) وغيره(٣) قَصْرَ أَلِفِهِ، وحكى ابن يونس فى شرح
التعجيز . وابن الأثير فى النهاية (٤) بتشديد الياء . وحكى صاحب المطالع وغيره حذف
الياء الأُولى وكَسْر الهمزة وسكون اللام والمَدَّ ، قال محمد بن سهل الكاتب : معنى إيلياء
بيت الله. وفى حديث ابن عباس رضى الله عنهما فى مُسْنَد أَبِى يَعْلَى: ((الإِيلا)) بالأَلف
واللام ، قال النووى: وهو غريب(٥). الثالث والرابع: ((بَيْتُ المَقْدِس)) بفتح الميم
وإِسكان القاف وكسر الدال مُخَفَّفَةٍ، ((والبَيْتُ المُقَدَّس)) بضم الميم وفتح القاف والدال
المشددة. قال الواحدى: ((معناه المُطَهَّر))، قال: أبو على المقدسى: ((وأَما بيت المقدس
يعنى بالتخفيف فلا يخلو إما أن يكون مصدراً أَو مكاناً ، فإن كان مصدراً كان كقوله
(١) الآثار جمع أثر والأثر فى مصطلح الحديث ما كان مرويا عن الصحان أما ما كان عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيسمى خبرا وعلى ذلك فالحديث الموقوف يعد أثرا . ويقول ابن كثير فى الباعث الحثيث ( ص ٣٥ ): ومن هذا
يسمى كثير من العلماء الكتاب الجامع لهذا وهذا ( أى الخبر والأثر) بالن والآثار ككتابى السن والآثار للطحاوى
والبيهقى .
(٢) فى معجم ما استعجم البكرى ج ١ ص ٢١٧: إيلياء مدينة بيت المقدس فيها ثلاث لغات: مد آخره وقصره:
- إيلياء وإيلياً وقصر أولها : إلياء .
(٣) فى معجم البلدان لياقوت جـ ١ ص ٣٩٢: إيلياء بكسر أوله واللام وياء وألف ممدودة اسم مدينة بيت المقدس
أ قيل معناه بيت الله، وحكى الحفصى فيه القصر وفيه لغة ثالثة حذف الياء الأولى .. قال أبو على: وقد سمى البيت المقدس
إيلياء بقول الفرزدق : وبيتان بيت الله نحن ولاته وقصر بأعلى إيلياء مشرف .
(٤) جاء فى النهاية لابن الأثير جـ ١ ص ٥٣ و ٥٤ أن ابن عمر رضى الله عنهما أهل بحجة من إيلياء وأضاف أن إيلياء
بالمد والتخفيف اسم مدينة بيت المقدس وقد تشدد الياء الثانية وتقصر الكلمة وهو معرب .
(٥) هذا النص ابتداء من صاحب المطالع نقله المؤلف عن تهذيب الأسماء واللغات للنووى (القسم الأول من اللغات
ص ٢٠) ولكنه أدخل فيه عبارة محمد بن سهل الكاتب المنقولة عن معجم البكرى .
- ١٥٠ -

تعالى: ( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا(١) ) ونحوه من المصادر ، وإِن كان مكاناً فالمعنى بيت المكان
الذى جعل يه الطهارة أو بيت مكان الطهارة ، وتطهيره على معنى إِخلائه من الأصنام
وإبعاده منها ))، وقال الزَّجَّاج: ((البيت المُقَدَّس أَى. المكان المُطَهَّر، وبيت المَقْدِس
أَى المكان الذى يُطَهَّر فيه من الذنوب، هذا ما ذكره الواحدى))، وقال غيره: ((البيت
المُقَدَّس وبيت المَقْدِس لغتان الأُولى على الصفة والثانية على إِضافة الموصوف إِلى صفته
كصلاة الأُولى ومسجد الجامع .
قال ابن سُرَاقة: ((ويقال الأَرض المقدسة ثلاثة: فَلَسْطِين - بفاء مفتوحة فلام
مفتوحه - والأردن - بهمزة مضمومة فراء ساكنة فدال مهملة مضمومة فنون ، قال البكرى :
مُشَدَّدَة - ودمشق ، وهو ما أدرك بَصَرُ إِبراهيم صلى الله عليه وسلم حين رُفِع على الجبل وقيل
له: (( ما أَدرك بَصَرُك فهو ميراث لك ولولدك من بعدك)).
الخامس : بيت القُدُس : بضم الدال وإِسكانها بغير ميم ، ذكره الحازمى فى أسماء الأماكن
ونقل عن ابن الأثير أيضاً .
السادس: سَلَّم بتشديد اللام لكثرة سلام الملائكة فيه. قال ابن بَرِّى: وأصله ((شلم))
بالشين المعجمة لأن الشين المعجمة فى العربية سين ، فالسلام شلام واللسان لشان والاسم
اشم، وقال البكرى فى حرف الشين المعجمة: ((شَلَّم)) بفتح أوله وثانيه وتشديده على
وزن فَعَّل(٢) اسم لبيت المقدس. وقال الهَمْدانى: ((شَلَّم)): وقد تُعَرِّبها العرب فنقول: شَلِمٍ .
وحكى ابن القَطَّاع: شَلاَّم على وزن فَعَّال. وقال ابن الأثير(٣): ((شلمّ)) بالمعجمة وتشديد
اللام اسم لبيت المقدس ويُرْوَى بالمهملة وكسر اللام [ سَلِمٍ ] كأَنّه عَرَّبه . ومعناه بالعبرانية:
بيت السلام .
(١) سورة يونس آية ٤ .
(٢) فى الأصول: وتشديده على اسم فعل)) والتصويب من معجم ما استعجم البكرى جـ ٣ ص ٨٠٧ وقد أورد البكرى
بيتا للأعشى ذكر فيه أور شليم :
وقد طفت للمال آفاقه عمان فحمص فأورى شلم
(٣) جاء فى النهاية (جـ ١ ص ٥٠): فى حديث عطاء: أبشرى أورى شلم براكب الحمار يريد بيت المقدس.
والمشهور أورى شلم بالتشديد وهو اسم بيت المقدس ورواه بعضهم بالسين المهملة وكسر اللام كأنه عربه .
- ١٥١ -

السابع: رُوى عن كعب الأحبار ، أَن الجنة فى السماء السابعة بحيال (١) بيت المقدس
والصخرة، ولو وقع حَجَرٌ منها لوقع على الصخرة ولذلك دُعِيَت: أَورِى شَلِمٍ، ودُعِيَت الجنة:
دار السلام .
الثامن : أُوْرِى شلم ، بضم الهمزة وسكون الواو وكسر الراء وسكون التحتية وفتح
الشين المعجمة وكسر اللام المخففة، كذا قال أبو عُبَيْدة مَعْمَر بن المُثَنِىَّ، والأكثرون
بفتح الشين واللام. التاسع : كَوْرة إِلْيَا ، العاشر: أُورى شَلَمْ ، بضم الهمزة وفتح الشين
المغجعة واللام وسكون الميم. الحادى عَشَر: بيت إِيل، أَى بيت الله. الثانى عشر: ((صِهْيَوْن)):
٣٦١ظ بعاد مهملة مكسورة فهاء ساكنة فُمُثَنّاة تحتية فواو فنون، ذكره البكرى (٢). قال / :
وهو بفتح الصاد اسم قبيلة. الثالث عشر: ((مصرث(٣) بميم فصاد فراء فثاء مثلثة. الرابع عشر:
((بابوش)): بموحدتين وآخره شين معجمة. الخامس عشر: ((كورشيلاه)). السادس عشر:
((صلحون)) ذكر غالب هذه الأسماء ابن خالويه. السابع عشر: سليم. الثامن عشر: ((فُسْط
مصر، بضم الفاء . التاسع عشر: أَرض المَحْشَر والمَنْشَر . العشرون: المحفوظة . الحادى
والعشرون: المُفَرِّقه . الثانى والعشرون : مدينة الجنة
الرابعة: فى خصائصه (٤): [ الأُولى] فى مضاعفة(٥) الصلاة فيه: وقد اختلفت
الأحاديث فى مقدارها : الأول : خمسمائة صلاة : روى الإِمام أحمد وابن ماجه والبَزَّار
والقاسم بن الحافظ أبى القاسم بن عساكر عن أبى الدَّرْداء رضى اللّهعنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم. قال: ((الصلاة فى بيت المقدس بخمسمائة صلاة)). الثانى: ألف صلاة :
(١) فى النهاية لابن الأثير: بميزان .
(٢) فى معجم ما استعجم البكرى جـ ٣ ص ٨٤٤: ((صهيون)) بكسر أو له وإسكان ثانيه بعده الياء أخت الواو،
وهو اسم لبيت المقدس وكذلك: إيليا ، وشلم. قال الأعشى :
وإن أجلبت صهيون يوما عليكما .
فإن رحى الحرب الدكوك وحاكما
وأما صهيون بفتح الصاد فاسم قبيلة، أراد الأعشى أهل صهيون أى إن أجلبت الروم. واجتمعت فأنتم أهل لها ،
دكوك طحون، دك: طحن)) كما ذكرها ياقوت بهذا الضبط فى معجم البلدان ( جـ ٥ ص ٤٠٢).
(٣) ما أورده المؤلف من هذه الأسماء الظاهرة العجمة لم يتيسر لنا الاهتداء إليه لضبطه فى المعجمات اللغوية والبلدانية.
(٤) فى إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشى ص ٢٨٧: فى أحكامه.
(٥) فى توم: فى مضافات الصلاة فيه وفى ط مضاعفة وكذلك فى إعلام الساجد.
- ١٥٢ -

روى ابن ماجه عن ميمونة(١) رضى الله عنها ، قالت : قلت : يا رسول الله افْتِنا فى بيت
المقدس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَرْضُ المَحْشَر والمنشر ، ائتوه فصلوا فيه
فإن صلاةً فيه كأَلف صلاة)) . قال النووى : لا بأس بإِسناده ، وقال الذهبي : حديث
مُنْكَر . الثالث : خمسون ألف صلاة : روى ابن ماجه عن أَنَس بن مالك رضى الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الرجل فى بيته بصلاة ، وصلاته فى مسجد
· القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته فى المسجد الذى يُجَمَّع فيه بخمسمائة [ صلاة ] ،
وصلاته فى المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة )) . وصلاته فى المسجد الحرام بمائة ألف
صلاة(٢) )). الرابع: مائتان وخمسون : روى الطبرانى فى معجمه عن أَبِى ذَرّ رضى الله عنه ،
مرفوعاً: ((صلاةٌ فى مسجدى أفضل من أربع فيه)) ، يعنى بيت المقدس ، فَدلَّ على أَن
الصلاة فى بيت المقدس بمائتين وخمسين صلاة . الخامس : بعشرين ألف صلاة ، رُوِى
ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما ولهذا مزيد بيان فى أبواب فضائل المدينة الشريفة .
الثانية: استحباب شَدّ المطىّ إِليه لما رواه الشيخان: ((لا تُشَدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة
مساجد : مسجدى هذا ، والمسجد الحرام والمسجد الأقصى )) .
الثالثة : استحباب خَتْم القرآن فيه : روى سعيد بن منصور في سننه عن أبى بكر
مَجْلَز - بكسر الميم وحُكِى فتحها وإسكان الجيم وفتح اللام وبالزاى - واسمه لاحق بن
حميد ، قال : ((كانوا يَسْتَحِبُّون لمن أتى المساجد الثلاثة أن يختم بها القرآن قبل أن يخرج .
الرابعة : استحباب المجاورة به : روى الحاكم عن ثور بن يزيد عن مكحول قال :
((كان عُبادة بن الصامت وشَدَّاد بن أَوس رضى الله عنهما يسكنان بيت المقدس)) . وقد
سكنه عِدَّة من الصحابة رضى الله عنهم .
(١) هى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست زوجه. وقال أبو نعيم: هى عندى ميمونة بنت سعد ولكن
ابن الأثير فى أسد الغابة ( جـ ٥ ص ٥٥١ ) نسب الحديث المروى فى فضل الصلاة فى بيت المقدس إلى ميمونة أخرى كانت
مولاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست ميمونة بنت سعد خادمته التى ترجم لها أيضا ابن الأثير فى أسد الغابة. ونقل
ابن حجر العسقلانى عن ابى يزيد الضبى قوله بأن حديث فضل بيت المقدس روى عن ميمونة أخرى وأن ابن منده ذكر ميمونة
ثالثة غير منسوبة . وقد أطال ابن حجر فى مناقشته لهذه التفرقة بين هؤلاء الميمونات ولكنه ختمها قائلا : والذى يغلب على
الظن أن الثلاثة واحدة، انظر الإصابة ج ٨ ص ١٩٣ و ١٩٤ طبعة القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ.
(٢) ابن ماجه جـ ١ ص ٤٥٣ نقلا عن تحقيق الشيخ أبى الوفاء المراغى لإعلام الساجد.
- ١٥٣ -

الخامسة: يُسْتَحَبُّ الصيام فيه فقد رُوِى: ((صومُ فى بيت المقدس براءةٌ من النار)).
السادسة: استحباب [الإِحرام] بالحج والعُمْرَة منه. روى أبو داود عن أُم سَلَمة
رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من أَهَلَّ بحجَّةٍ أَو عُمْرَة من المسجد
الأَقْصى غُفِرِ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر(١))) .
السابعة : يُستحب لمن لم يقدر على زيارته أَن يُهْدِى له زيتًا ، روى أبو داود وابن ماجه
واللفظ له عن ميمونة رضى الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله : أَفْتِنا فى بيت المقدس .
قال: (( أَرضُ المَحْشَر والمَنْشَر، إِيتوه فصلُّوا فيه فإن صلاةً فيه كأَلَف صلاة فى غيره )).
قلت: يا رسول الله أرأيت إن لم أستطع أَن أَصل إليه؟ قال: ((فَتُهْدى إليه زيتًا ليُسْرَج فيه
فمن فَعَل ذلك فهو كمن أَتاه (٢))). المَحْشَر مَفْعَل من الحَشْر وهو الجمع يعنى يوم القيامة ،
فإِذا فتحتَ الشين فهو المصدر ، وأَمَّا الموضع فهو بالكسر . قال الجوهرى": المَحْشِر بالكسر
موضع الحَشْر. انتهى. وذكر صاحب [ مختصر ](٣) العين أَن المَحْشَر بالكسر والفتح
الموضع الذى يُحْشَر إِليه الناس والمنشر موضع النشور وهو قيام الموتى من قبورهم.
الثامنة: حُكِى عن بعض السلف أَن السيئات تُضَاعَف فيه ، رُوى ذلك عن كعب
الأحبار وأنه لما كان يأتى من حمص للصلاة فيه، فإذا صار منه قَدْرَ ميل اشتغل بالذِّكر
والتلاوة والعبادة حتى يخرج منه بقدر ميل أيضاً ويقول: ((السيئات تضاعف فيه))،
أَى تزداد قُبْحًا وفُحْشًا لأَن العاصى فى زمان أو مكان شريف أَشد جُرْأَةً وأقل خوفاً من الله
تعالى. وذكر أبو بكر الواسطى عن ذافع قال: قال لى ابن عُمَر: ((اخرج بنا من هذا
المسجد فإن السيئات تُضَاعَف فيه كما تُضَاعَف الحسنات )) .
التاسعة : أَن الدَّجَّل لا يدخل بيت المقدس. روى ابن أبى شيبة فى المُصَنَّف عن سَمُرَة
ابن جُنْدَبُ رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الدَّجَّال فقال: ((وإنه سيظهر
(١) رواه البيهقى فى السنن الكبرى جـ ٥ ص ٣٠ نقلا عن محقق إعلام الساجد حاشية رقم ٢ ص ٢٨٩
(٢) أخرجه أبو داود نقلا عن تيسير الوصول لابن الديبع (ج ٣ ص ١٢٧ القاهرة سنة ١٣٣١ هـ).
(٣) زيادة من إعلام الساجد ص ٢٩٠ وصاحب مختصر العين هو أبو بكر محمد بن الحسين الزبيدى الإشبيلى توفى
سنة ٣٧٩ « انظر ابن الفرضى فى تاريخ علماء الأندلس طبعة القاهرة سنة ١٩٥٤ م - ٢ ص ٩٢ رقم ١٣٥٧ .
- ١٥٤ -

[ على] الأَرض كلها إلا الحَرَم وبيت المقدس [ وأنه يحصر المؤمنين فى بيت المقدس قال :
فيهزمه الله وجنوده حتى إِن جِذْم الحائط وأَصل الشجرة ينادى : يا مُؤْمِن : هذا كافر
يستتر بى تعالَ اقْتُلْهُ إلى آخره ](١) .
العاشرة : أَن الصخرة فى المسجد الأقصى كالحجر الأسود فى المسجد الحرام . روى
أَبو نُعَيْم عن وَهْب بن مُنَبِّه قال: ((إِن الله تعالى قال لصخرة بيت المقدس: لأَضَعَنَّ عليكِ
عَرْشِى وَأَحْشُرَنَّ إِليك خَلْقٍ وليأَتينَّك يومئذ داود راكباً ؛ . وروى أبو بكر الواسطى وابن
عساكر عن يزيد بن جابر فى قوله تعالى: ( واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ المُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ(٢)) ،
قال: ((يقف إِسرافيل على صخرة بيت المقدس فينفخ فى الصور فيقول: (( يا أَيتها العِظام.
النَّخِرِةِ والجلود المتعزِّقة والأشعار المُتَّقَطَِّة إِن الله يأمرك أن تجتمعى لفصل الخطاب)).
وروى ابن جرير وابن أبى حاتم والواسطى عن قتادة فى الآية قال: ((كنا نتحدث أنه يُنَادَى
من بيت المقدس من الصخرة وهى أَوسط الأَرض، وحُدِّثنا أَن كعبًا قال: هى أقرب الأرض
إلى السماء بثمانية عشر ميلاً (٣).
الحادية عَشْرَةَ: يُكْرَه استقبال بيت المقدس واستدباره بالبول والغائط ولا يَحْرُم قاله
فى الروض .
الثانية عشرة: رُويَ أَنه من دُفِن فى بيت المقدس وُفِىَ فِتْنَةَ القبر وسؤال الملكَيْنِ ومَنْ
دُفِن فى زيتون المِلَّة(٤) [ يعنى بإِلياء](٥) فكأَّما دُفِن فى السماء الدنيا .
وروى أبو نعيم فى تاريخه عن أحمد بن جعفر بن سعيد(٦) [قال] حدثنا يحيى بن مُطَرِّف
حدثنا محمد بن بكر (٧)، حدثنا يوسف بن عطيه، عن أبى سفيان، عن الضَّحَّك بن عبدالرحمن
(١) إضافة من إعلام الساجد ص ٢٩٠
(٢) سورة ق آية ٤١
(٣) فى إعلام الساجد ص ٢٩٢: بإثنى عشر ميلا.
(٤) فى الأصول : بيوت الملمة .
(٥) بياض بالأصول بنحو كلمتين والتكملة والتصويب من الإنس الجليل فى تاريخ القدس والخليل العليمى جـ ٢
ص ٤١٣ وزيتون الملة مقبرة كبيرة من مقابر بيت المقدس .
(٦) فى إعلام الساجد: ابن معبد بدلا من ابن سعيد .
(٧) فى إعلام للساجد : ابن كثير :
- ١٥٥ -

ابن عَرْزَب(١) .- بفتح المهملة وسكون الراء وفتح الزاى ثم مُوَحَّدة، وقد تبدل ميماً -
٣٦٢ظ عن أبى هريرة رضى الله عنه / قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات فى
بيت المقدس فكأنما مات فى السماء)).
الثالثة عشرة: روى الخطيب فى [ كتابه ] المُوَضِّح [ أَوهام الجمع والتفريق(٢)]
عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( أول من يدخل الجنة الأنبياء ثم مؤذنو البيت ثم مؤذنو بيت المقدس ثم مؤذنو مجدى
ثم سائر المؤذنين )) .
الرابعة عشرة : ليحذر من اليمين الفاجرة فيه وكذا فى المسجد الحرام ومسجد المدينة
فإِن عقوبتها مُعَجَّة. رُوى أَن عمر بن عبد العزيز أَمر بحمل عُمَّال(٣) سليمان بن عبد الملك
إلى الصخرة ليحلفوا عندها فحلفوا عندها إلا واحداً، فدى يمينه بألف دينار ، فما مَرَّ
الحَوْل على واحد منهم بل ماتوا كلهم .
الخامسة عشرة : روى ابن جرير عن أبى أُمَامة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أُمتى ظاهرين على الحق لا يَضُرُّهم من خالفهم)).
قيل: فَأَيْنَ هم يارسول الله؟ قال: ((بِبَيْتِ المقدس)). وروى أبو يَعْلَى عن أبى هريرة رضى
الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تزال عصابة)) من أُمَتى يُقاتلون على
أبواب دمشق وعلى أبواب بيت المقدس وَمَا حَوْلَه لا يَضُرُّهم خِذْلانُ من خذلهم ظاهرین علی
الحق إلى أن تقوم الساعة)).
(١) هكذا ضبطه الزبيدى فى تاج العروس وذكره الذهبى فى ميزان الاعتدال ج ٢ ص ٣٢٤ رقم ٢٩٣٥ وجاء فى
خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال الخزرجى ص ١٤٩ : الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب بمهملتين ثم معجمة كدحرج
الأزدى الأشعرى أبو عبد الرحمن الطبرى الدمشقى وليها لعمر بن عبد العزيز (روى) عن أبيه وأبى موسى وعنه مكحول
وحريز بن عثمان والأوزاعى ، وثقه العجلى .
(٢) زيادة من إعلام الساجد ص ٢٩٤ وذكر ياقوت كتاب الموضح فى ثبت مؤلفاته (معجم الأدباء - ؛ ص ١٩ :
٢١) .
(٣) عمال هنا: أى ولاة وفى سيرة عمر بن عبد العزيز لعبد الله بن عبد الحكم ( طبعة القاهرة سنة ١٩٦٧ م ص
٨٧ : كتب عمر بن عبد العزيز إلى العمال أى ولاته على أقاليم الدولة الإسلامية .
- ١٥٦ -

السادسة عشرة: روى أبو المعالى المشرف بن المُرَجَّى المقدسى قال: ((من حَجَّ وصَلَّى
فى مسجد المدينة، ومسجد الأقصى فى عام واحد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) . وإِذا
ثبت ذلك فتقول النووى: ((إِنه لا أَصلِ لذلك(١)) فيه نظر .
السابعة عشرة: ذكر الدارمى: ((أَنه لا يجوز الاجتهاد يُمْنَةً ولا يُسْرَةً بمحراب بيت
المقدس)) وألحقه مسجد المدينة.
الثامنة عشرة : نَصَّ الصيدلانى والماوردى والرويانى والبغوى والبَنْدِنِيجى - بفتح
المُؤَخَّدة وسكون النون الأُولى وكسر الثانية ثم تحتية والجيم - والجُوَيْنِى فى مختصره
والغزالى فى الخلاصة والخراسانى(٢) فى كافيه على استحباب صلاة العيد فى مسجد بيت المقدس
وأَن فعلها فيه أَوْلى من المُصَلَّى .
التاسعة عشرة: قال ابن سُرَّاقة فى كتاب الأعداد: ((أكبر مساجد الإِسلام واحد وهو
بيت المقدس)). وقيل: ((ما تَمَّ فيه صَفَّ واحدٌ قط لا فى عيد ولا فى جمعة ولا غير ذلك)).
العشرون : يُسْتَحب لزائره زيارة الأماكن المشهورة بآثار الأنبياء لاسيما مواضع صلاة
نبينا صلى الله عليه وسلم .
الحادية والعشرون : حَشْر الكعبة إلى بيت المقدس : روى الواسطى فى فضائل بيت
المقدس عن خالد بن مَعْدان - بفتح الميم - قال: ((لا تقوم الساعة حتى تُزَفّ الكعبة إِلى
الصخرة زَفِّ العروس، فيتعلَّق بها جميع من حَجَّ واعتمر ، فإذا رأَتها الصخرة قالت : مرحباً
بالزائرة والمزور إليها)). ورُوِى أيضاً عن كعب قال: ((لا تقوم الساعة حتى يُزَفْ البيت
الحرام إلى بيت المقدس فيتَغَادان إلى الجَنَّة، فيها أَهْلُها، والعَرْضِ والحساب ببيت المقدس»
وروَى ابن مردويه والأصفهانى فى ترغيبه والدّيْلَمى عن جابر رضى الله تعالى عنه قال :
(١) جاء فى إعلام الساجد ص ٢٩٦: قال النووي: ((ما يروى من حديث)): من زارنى وزار قبر أبى إبراهيم
فى عام واحد ضمنت له على اللّه الجنة)). باطل لا يعرف، وضعه بعض الفجرة، وزيارة الخليل غير منكرة ولكن لا
تعلق لها بالحج ولا بزيارة النبى صلى الله عليه وسلم بل هى قربة على حدة .
(٢) فى إعلام الساجد ص ٢٩٧ .
- ١٥٧ -

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِذا كان يوم القيامة زُفَّتْ الكعبة : البيت الحرام إلى
٣٦٣و قبرى فتحول الكعبة: السلام عليك يامحمد، فأَقول: عليك يابيت الله ، ما صنع بك /
أُمَتِى بعدى؟ فتقول : يا محمد من أتانى فأَنا أَكفيه وأَكون له شفيعاً ، ومن لم يأْتنى فأَنت
تكفيه وتكون له شفيعاً)) . وروى الجندى عن الزُّهْرِى نحوه .
التنبيه الخامس عشر : أنكر حذيفة بن اليمان رضى الله تعالى عنه صلاة النبي صلى الله
عليه وسلم ببيت المتمردس تلك الليلة ، واحتج بأَنه لو صلى فيه لكُتِب عليكم الصلاة فيه .
قال البيهقى وابن كثير: والمُثْبِت مُقَدَّم على النَّافى ، يعنى من أَثبت الصلاة فى بيت المقدس،
وهم الجمهور من الصحابة معه زيادةُ عِلْم على من نفى ذلك ، فهو أَوْلى بالقبول . والجواب
عما استند إليه حذيفة رضى الله عنه منع التلازم فى الصلاة إن كان أَراد بقوله كُتِب
عليكم الفَرْض ، وإن أُريد التشريع فيلتزمه ، وقد شَرَع النبى صلى الله عليه وسلم فى بيت
المقدس، فَقَرَنهُ بالمسجد الحرام ومسجده فى شَدِّ الرِّحلة وذَكَر فضيلةَ الصلاة فيه فى غير
ما حديث .
التنبيه السادس عشر : تظافرت الروايات على أنه صلى الله عليه وسلم صَلَّى بالأنبياء
قبل العروج وهو أحد الاحتمالين للقاضى، وقال الحافظ: ((إِنه الأُظهر))، والاحتمال الثانى
أنه صلى الله عليه وسلم صَلَّى بهم بعد أن هبط من السماء أيضاً فهبطوا . وصححه الحافظ ابن
كثير، وقال صاحب السراج: ((وما المانع من أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى بهم مرتين ،
فإن فى بعض الأحاديث ذكرَ الصلاة بهم بعد ذكره المعراج)) .
التنبيه السابع عشر : قيل : كيف يصلى الأنبياء وهم أموات فى الدار الآخرة وليست
دار عمل؟ وأجاب القاضى وتّبِعه السبكى بجوابين: الأول : إنا نقول : إنهم كالشهداء
بل أَفضل، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يَبْعُد أن يحجُوا وَأَن يُصَلُّوا كما ورد فى الحديث
الآخر ، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا لأنهم وإِن كانوا قد توفوا فهم فى هذه الدنيا
التى هى دار العمل حتى إذا فنيت مُدَّتُها ، وتَعْقُبُها الآخرة التى هى دار الجزاء انقطع العمل،
- ١٥٨ -

وحاصله أن البَرْزَخ(١) ينسحب عليه حكم الدنيا فى استكثارهم من الأعمال وزيادة الأُجور.
الثانى ولفظه السبكى رحمه الله تعالى: ((إِنا نقول إن المُنْقَطِع فى الآخرة إِنما هو التكليف،
وقد تحصل الأعمال من غير تكليف على سبيل التلذذ بها والخضوع لله تعالى . ولهذا ورد
أنهم يُسَبِّحون ويَدْعُون ويقرأُون القرآن وانظر إلى سجود النبى صلى الله عليه وسلم وقت
الشفاعة ، أليس ذلك عبادةً وعملاً؟ وعلى كلا الجوابين لا يمتنع حصول هذه الأعمال
فى مدة البَرْزخ)) .
وقد صَح عن ثابت البُنانى التابعى أنه قال: ((اللهم إن كنت أَعْطَيْتَ أَحداً أَن يصلى
فى قبره فأَعْطِى ذلك)). فرؤى بعد موته يُصَلِّ فى قبره، ويكفى رؤية النبي صلى الله عليه
وسلم لموسى قائماً يصلى فى قبره ، لأَن النبى صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء لم يُقْبَغُوا
حتى خُيِّرُوا بين البقاء فى الدنيا وبين الآخرة فاختاروا الآخرة . ولا شك أنهم لو بقوا فى
الدنيا لازدادوا من الأعمال الصالحة ثم انتقلوا إلى الجنة ، فلو لم يعلموا أن انتقالهم إلى
الله تعالى أفضل لما اختاروه ، ولو كان انتقالهم من هذه الدار يفوت عليهم زيادة فيما يقرب
إلى الله تعالى لما اختاروه . انتهى ولهذا مزيد بيان يأتى فى باب حياته فى قبره صلى الله عليه
وسلم .
التنبيه الثامن عشر / : هذه الصلاة التى صلاها النبى صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم ٣٦٣ظ
الصلاة والسلام ، الصواب أنَّها الصلاة المعروفة لأن النص يحمل على حقيقتها الشرعية
قبل اللغوية إلا إذا تَعَذَّر حَمْلُه على الشرعية ، ولم يتعذّر هنا فوجب حَمْلُه على الشرعية .
وعلى هذا قال بعضهم: ((كانت الصلاة التى صَلَّاها العِشَاء)) وقال بعضهم: ((إِنها الصبح)) ..
قلت: وليسا بشىء سواء قلنا صَلّى بهم قبل العروج أو بعده لأَن أول صلاة صَلَّها
النبى صلى الله عليه وسلم من الخمس مطلقاً الظُّهْر بمكة باتفاق، ومن حمل الأولية على
مكة فعليه الدليل ، والذى يظهر والله تعالى أعلم أنها كانت من النّفْل أَو كانت من الصلاة
المفروضة عليه قبل ليلة الإسراء ، وفى فتاوى النووى ما يؤيد الثانى .
(١) البرزخ ما بين الدنيا والآخرة وفى التنزيل: ((ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)) (المؤمنون آية ١٠٠ )
وفى تفسير القرطبى ( = ١٢ ص ١٥٠) هو الحاجز بين الموت والبعث وقبل الإمهال إلى يوم القيامة أو الأجل ما بين النفختين
وقال الجوهرى البرزخ هو الحاجز بين الشيئين .
- ١٥٩ -

التنبيه التاسع عشر : قال بعضهم : ورؤيته إياهم صلى الله عليه وسلم فى السماء محمول
على رؤيته أَرْوَاحَهُمْ إِلا عيسى، لما صَحَّ أَنه رُفِع بجسده ، وقد قيل فى إِدريس أيضاً ذلك .
وأما الذين صَلُّوا معه فى بيت المقدس فيحتمل الأَرواح خاصةً، ويؤيده ما فى حديث أَبِى
هريرة رضى الله تعالى عنه، عند الحاكم والبيهقى، ((فلقى أرواح الأنبياء))، وفيه دليل على
. تَشَكُّل الأَرواح بصور أجسادها فى علم الله تعالى، ويحتمل الأرواح بالأَجساد ويؤيده
حديث عبد الرحمن بن هاشم عن أنس رضى الله عنه عند البيهقى . وبعث الله له آدم فَمَنْ
دُونَه من الأَنبياء . وعند البَزَّار والطبرانى: ((فنُشِر لى الأَنبياء، من سَمَّى اللهُ تعالى ومن
لم يُسَمِّ ، فصَلَّيْتُ بهم)).
التنبيه العشرون: قول سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ((وأعطانى مُلْكاً عظيماً):
قال ابن دِحْيَة: لا يُعْهَد لإِبراهيم مُلْك عُرْفى، فإِما أَن يُرَاد بالمُلْك الإِضافة إِليه نفسه وذلك
لقهره لعظماء الملوك ، وناهيك بالنمرود ، وقد قهره الله تعالى لخليله وأَعجزه عنه ، وغاية
المُلْك العظيم قهر المَلِك العظيم ، فالقاهر أعظم من المقهور قطعاً . ويحتمل أن يُرَاد الإضافة
إلى نَبِّه وذُرِيَّته وذلك نحو مُلْك يوسف الصِّدِّيق صلى الله عليه وسلم وهلم جَرًّا كَمُلْك داود
وسليمان والكل من ولد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وفى التنزيل: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَإِبْرَاهِيمَ
الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (١) ) والإشارة هنا إلى ذُرِّيتِهِ. وإِما أَن يُرَادِ مِلْكُ
النفس فى مَظِنَّةِ الاضطراب مثل مِلْكه لنفسه . وقد سأله جبريل فقال : أَلَكَ حاجة ؟
فقال : أَما إِليكَ فلا .
التنبيه الحادى والعشرون : اختُلِف فى تقديم الآنية هل هو قبل العروج أو بعده ؟
واختُلِف فى عددها فأكثر الروايات أنه كان قبله . روى الإمام أحمد والشيخان والنسائى
والترمذى من حديث أنس عن مالك بن صعصعة رضى الله تعالى عنه: ((ثم رُفِع إلى البيت
المعمور))، إلى أن قال: ((ثم أتيت بإناءين: أحدهما خَمْر والآخر لّبَن))، وعند البخارى
فى الأَّشربة من طريق شُعْبَة عن قَتَادة عن أَنَس مرفوعاً: ((رُفِعْتُ إِلى سِدْرةِ المُنْتَهَى فإذا فيها
(١) سورة النساء آية ٥٤
- ١٦٠ -