Indexed OCR Text

Pages 121-140

إِسرائيل على يدى، وجعل من أُمّتى قومًا يهدون بالحق وبه يعدلون)). ثم إِن داود أثنى على ربه
فقال: ((الحمد لله الذى جعل لى مُلْكًاً عظيماً، وعَلَّمنى الزبور، وأَلان لى الحديد، وسَخَّر
لى الجبال يُسَبِّحْن والطير، وأعطانى الحكمة وفصل الخطاب )).
ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: ((الحمد لله الذى سَخَّر لى الريّاح وسَخَّر لى الشياطين
والإِنس يعملون لى ما شئت من محاريب وتماثيل وجفانٍ كالجوابى وقدور راسيات ،
وعَدَّمنى / منطق الطير وأَتانى من كل شئ فضلاً، وسَخَّر لى جنود الشياطين والإِنس والطير، ٣٥٣ و
وفَضَّلَنى على كثير من عباده المؤمنين، وأَتانى ملكًاً عظيماً لا ينبغى لأحد من بعدى وجعل
مُلْكی مُلْكًا طيبًا ليس فيه حساب ولا عقاب)).
ثم إِن عيسى بن مريم أثنى على ربه تبارك وتعالى فقال: (( الحمد لله الذى جعلنى كلمته
وجعل مَثَلَى مَثَل آدم خلقه من تراب ، ثم قال له : كن فيكون ، وعَلَّمنى الكتاب والحكمة،
والتوراة والإنجيل، وجعلنى أُبْرِئ الأكمه والأبرص وأُحْيِى الموتى بإذن الله، ورفعنى
وَطَّهرنى ، وأَعاذنى وأمى من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل)).
فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((كلكم أثنى على ربه وإِنِى مُثْنٍ على ربىّ))، فقال:
((الحمد لله الذى أرسلنى رحمةً للعالمين وكافَّةً للناس بشيرًا ونذيرًا، وأَنزل عَلَىَّ الفُرْقَان
فيه تِبْيَان كل شىء، وجعل أُمَتى خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجت للناس، وجعل أُمَّتِى وَسَطًا، وجعل أُمّتِى
هم الأَولون والآخرون ، وشرح لى صدرى ووضع عنى وِزْرى ورفع لى ذِكْرِى وجعلنى فاتحاً
وخاتماً)). فقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ((بهذا فَضَلَكَمُ محمد صلى الله عليه وسلم)).
ثم تذاكروا أَمْرَ الساعة، فَرُدُّوا أَمْرَهم إلى إِبراهيم فقال: ((لا عِلْم لى بها)). فردوا
أَمرهم إلى موسى فقال:((لا عِلْمَ لَ به)). فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: ((أَما وَجْبَتُها (١)
فلا يعلمها إلا الله، وفيما عهد إلىَّ ربى أن الدَّجَّل خارج، ومعى قضيبان ، فإِذا رآنى
ذابَ كما يذوب الرصاص ، فيهلكه الله تعالى إذا رآنى ، حتى أَن الحجر ليقول : يا مسلم
إِن تحتى كافراً فتعالَ فاقتله ، فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم فَعِنْدَ
(١) من وجب الشىء يجب وجوبا وجبة ووجبة ، لزم وثبت.
- ١٢١ -

ذلك يخرج يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حُدْب يَنْسِلون فيطأُون بلادهم لا يأتون على
شىء إِلا أَهلكوه ، ولا يمرون على ماء إِلا شربوه، ثم يرجع الناس فيشكونهم إِلَّى، فأَدعو الله
تعالى عليهم ، فيهلكهم ويُمِيتهم حتى تحوى الأَرض من ريحهم ، فُيُنزِل الله تعالى المطر ،
فيجرف أجسادهم حتى يقذفهم فى البحر . ففيما عهد إِلىّ ربى أن ذلك إِذا كان كذلك فإن
الساعة كالحامل المُتِمّ لا يدرى أَهلها متى تفجأَهم بولادتها ليلاً أَو نهارًا)).
وأَخذ النبى صلى الله عليه وسلم من العطش أَشد ما أَخذه ، فأُتِى بقدحَيْن أَحدهما
عن اليمين والآخر عن الثِّمال فى أَحدهما لبن والآخر عَسَل - وفى روايةٍ أَتِى بآنية ثلاث
مُغَطَّةٌ أَفواهها ، فأُتِى بإِناءٍ منها فيه ماء فشرب منه قليلاً ، وفى لفظ أنه لم يشرب منه
شيئًا ، ثم دُفِع إليه إِناءٌ آخر فشرب منه حتى رَوِىَ منه، ثم دُفِع إليه إِناءُ آخر فيه خمر ،
فقيل له : اشرب فقال: ((لا أَريده قد رَوِيتُ)). فقال جبريل: ((إِنها سَتُحَرَّم على أُمّتك)).
وفى رواية : فعرض عليه الماء والخمر واللبن ، وفى رواية العسل بدل الماء فشرب من
العسل قليلاً، وتناول اللبن فشرب منه حتى رَوِىَ، فضرب جبريل منكبيه وقال: ((أَصَبْتَ
الفِطْرة، ولو شَرِبْتَ الخمر لغَوَت أُمَّتُكَ ولم يتبعك منهم إلا القليل، ولو شَرِبْتَ الماء لغرقت
أُمّتك))، وفى رواية فقال شيخ (( مُتَّكِئ على مِنْبَر له لجبريل: ((أَخذ صاحِبُك الفِطْرَة،
وإنه لِمُهْتَدٍ )). ثم أُتِى بالمعراج الذى: تَعْرُجُ عليه أَرواح بنى آدم ، فلم ير الخلق أحسن
من المعراج ، له مَرْقَاةٌ من فضة ومَرْقَاة من ذهب . وفى روايةٍ لأَبى سعيد فى شرف المصطفى أَنه
أُتِى بالمعراج من جَنَّة الفردوس مُنَضَّدٍ باللؤلؤ، عن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة ،
٣٥٣ ظ فصعد هو وجبريل حتى انتهيا إلى باب / من أبواب السماء الدنيايُقَال له باب الحَفَظَة وعليه مَلَك
يقال له إسماعيل ، وهو صاحب السماء الدنيا - وفى حديث جعفر بن محمد عند البيهقى :
((يسكن الهواء فلم يصعد إلى السماء قط ولم يهبط إلى الأرض قط إلا يوم مات النبى صلى الله
عليه وسلم ))، انتهى - وبين يديه سبعون ألف مَلَك مع كل مَلَك جنده مائة ألف.
فاستفتح جبريل باب السماء : قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟
قال : محمد ، قيل: أَوَ قد أُرْسِل إِليه ؟ - وفى رواية: بُعِث إِليه ؟ قال : نَعَم ، قيل :
مَرْحَبًا به وأَهلاً، حَيَّه الله من أَخ ومن خليفة، فنِعْمَ الأَّخِ ونِعْمَ الخليفة، ونعْمَ المجىء
- ١٢٢ -

جاء . فلما خلصا إلى السماء ، فإِذا فيها آدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته، تُعْرضُ
عليه أَرواح ذريته المؤمنين فيقول: رُوحٌ طَيِّبة ونَفْسُ طَيِّبَة، إِجعلوها فى علِّيِّين،
ثم تُعْرِضَ عليه أَرواح ذريته الكُفَّار، فيقول : رُوحٌ خبيثة ونَفْسُ خبيثة ، اجعلوها فى
سِجّين وعن يمينه أسودة وباب تخرج منه ريح طيبة وعن شماله أَسْوِدة وباب تخرج
منه ريح خبيثة ، فإِذا نظر عن يمينه ضَحِك واستبشر ، وإِذا نظر عن شماله حزن وبكى .
فسَلَّم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فرَدَّ عليه السلام ، ثم قال : مَرْحباً بالابن
الصالح والنبى الصالح ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا
أَبوك آدم ، وهذه الأَسودة نسَمَ بنيه ، فأَهل اليمين منهم أهل الجنة ، وأَهل الشِمال منهم
أَهل النار ، فإذا نظر عن يمينه ضَحِك ، وإِذا نظر عن شِماله بكى ، وهذا الباب الذى عن
يمينه باب الجنة، إِذا نظر من يدخله من ذُرِّيته ضحك واستبشر، والباب الذى عن شماله
باب جهنم ، إذا نظر من يدخله من ذريته بكى وحزٍن .
ثم مضى صلى الله عليه وسلم هنيهة، فإذا هو بأَخْوِنَةٍ عليها لحم مشرح ليس يقربه
أَحد ، وإِذا بأَخونة عليها لَحْمٌ قد أَرْوَحَ وأَنْتَن ، عنده ناس يأكلون منه . فقال : يا جبريل
مَنْ هؤلاء ؟ قال: هؤلاء من أُمَّتَك يتركون الحلال ويأُتون الحرام . وفى لفظ : وإِذا هو
بأَقوام على مائدة عليها لحم مَشْوِىّ كأحسن ما رُؤْىٍ من اللحم ، وإِذا حوله جِيَف ، فجعلوا
يُقْبِلون على الجِيَف يأكلون منها ويَدَعُونَ اللحم . فقال : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال :
هؤلاء الزنَاة يُحِلّون ما حَرَّم الله عليهم ويتركون ما أَحَلَّ الله لهم .
ثم مضى هنيهة فإذا هو بأَقوامٍ بطونُهم أَمثال البيوت فيها الحياة تُرَى من خارج
بطونهم ، كلما نهض أحدُهم خَرَّ ، فيقول : اللهم لا تقم الساعة ، قال : وهم على سابلة
آل فرعون، فتجئ السابلة فتطؤهم فسمعتهم يَضِجون إلى الله تعالى . فقال : يا جبريل
من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء من أُمتك ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى
يَتَخَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ(١))
(١) سورة البقرة آية ٢٧٥
- ١٢٣ -

ثم مضى هنيهة فإِذا هو بأقوامٍ مَشَافِرُهم كَمَشَافِرِ الإِبل، فتُفْتَحِ أَفواههم ويُلْقَمون
حجرًا، وفى رواية: يُجْعَل فى أَفواههم صَخْرٌ من جهنم ، ثم يخرج من أَسافلهم ، فسمعهم
يَضِجون إِلى الله تعالى. فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّما يأكلون فى بُطونِهِم نَارًا وَسَيَصْلَوْن سَعِير!)(١) ثم مضى هنيهة فإِذا
هو بنساء مُعَلَّقات بثُدِيِّهِنّ ونساء مُنَكَّسات بأَرجلهن، فَسَمِعَهُنَّ يَضْحِجْنَ إِلى الله تعالى،
قال : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء اللاتى يزنين ويَقْتُلْنَ أَولادهن. ثم مضى هنيهة
إِذا هو بأقوام يُقْطَع من جنوبهم اللحم فيُلْقَمُونَه، فيقال له : كُلْ كما كنت تأكل
٣٥٤ و من لحم أَخيك. فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الهَمَّازون / من أُمَّتَك اللَّمَّازون.
:
ثم صعد إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل . قيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل :
ومن معك؟ قال : محمد . قيل: أَوَقد أُرْسِل إليه ؟ قال : نعم. قيل: مرحباً به وأهلاً،
حَيَّه الله من أَخٍ ومن خليفة، فنِعْمَ الاخ ونِعْمَ الخليفة ونِعْمَ المجىء جاء . ففتح لهما .
فلما خَلَصا فإذا هو بابْنَى الخالة : عيسى بن مريم ، ويحيى بن زكريا ، شبيه أحدهما
بصاحبه : ثيابُهما وشَعْرُهما ومعهما نَفَرٌ من قومهما . وإِذا بعيسى جَعْدٌ مربوع الخَلْق
إلى الحُمَرَة والبياض سبط الشَّعْرِ كأنما أُخْرِج من ديماس أَى حَمَّامَ شَبَهُه بِعُرْوة بن مسعود
الثقفى .
فسَلَّم عليهما فردًا عليه السلام ، ثم قالا : مرحباً بالأخ الصالح والنبى الصالح ودَّعَوَا
0
له بخیر ا،
ثم صعد إلى السماء الثالثة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟. قال : محمد. قيل: أَوقد أُرْسِل إِليه ؟ قال: نعم . قيل : مرحباً به
وأهلاً، حَيَّه الله من أَخٍ ومن خليفة فنِعْمَ الأَّخِ ونِعْمَ الخليفة ونِعْمَ المجىء جاء. ففتح
لهما فلما خُلَصا فإِذا هو بيوسف ومعه نَفَرٌ من قومه فسَلَّم عليه ، فَرَدَّ عليه السلام ، ثم قال :
مرحباً بالأَخ الصالح والنبى الصالح ودعا له بخير ،وإذا هو قد أُعْطِىَ شطر الحُسْن ، وفى
(١) سورة النساء آية ١٠
٠٠
- ١٢٤ -
٥

رواية أَحْسَن ما خَلَق الله، قد فضل الناس بالحُسْن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب .
قال : من هذا يا جبريل ؟ قال : أَخوك يوسف .
ثم صعدا إِلى السماء الرابعة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قيل: أَوَقد أُرْسِل إليه ؟ قال: نعم . قيل : مرحباً
به وأَهلاً حَيَّاه الله من أَخٍ ومن خليفة، فنِعْمَ الأَخِ ونِعْمَ الخليفة ونِعْمَ المجىِّ جاء . فلما
خَلَصا فإِذا هو بإدريس فقد رفعه الله مكاناً عَلِيًّا، فسَلَّم عليه فرَدَّ عليه السلام ، ثم قال :
مرحباً بالأَخ الصالح والنبى الصالح ثم دعا له بخير .
ثم صعد إلى السماء الخامسة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من هذا ؟ فقال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل: أَوَقَدْ أُرْسِل إِليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحباً به
وأهلاً، حَيَّه الله من أَخٍ ومن خليفة، فنِعْمَ الأَخ ونعم الخليفة ونعم المجئ جاء. ففتح.
لهما ، فلما خلصا فإِذا هو بهارون ، ونصف لحيته بيضاء ونصف لحيته سوداء ، تكاد تضرب
إِلى سُرَّته من طولها ، وحوله قوم من بنى إِسرائيل، وهو يقص عليهم فسَلَّم عليه فرَدَّ عليه
السلام ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبى الصالح ، ثم دعا له .. فقال : يا جبريل
مَنْ هذا ؟ فقال : الرجل المُحَبَّبُ فى قومه هارون بن عمران .
ثم صعد إلى السماء السادسة ، فاستفتح جبريل . قيل : من هذا ؟ قال : جبريل .
قيل: ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : أَوَقد أُرْسِل إِليه ؟ قال : نعم. قيل : مرحباً به
وأَهلاً ، حَيَّه الله من أَخٍ ومن خليفة، فنِعْمَ الأَّخِ ونِعْم الخليفة ونِعْم المجىء جاء ،
ففتح لهما ، فجعل يَمُرّ بالنبى والنبيين معهم الرهط ، والنبى والنبيين معهم القوم ، والنبى
والنبيين ليس معهم أحد . ثم مَرَّ بوادٍ عظيم قد سَدَّ الأُفُقى من ذا الجانب ومن ذا الجانب
فقيل له : هؤلاء أُمتك وسوى هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب .. فلما خلصا
فإِذا بموسى بن عمران ، رجل آدم طوال كأنه من رجال شنوءة، كثير الشَّعْر ، لو كان
عليه قميصان لنَفَذَ شَعْرُه دونهما .
فسَلَّم عليه النبي صلى الله عليه وسلم فردَّ عليه السلام ، ثم قال: مرحباً بالأَّخ الصالح
والنبى الصالح ، ثم دعا له بخير ، وقال : يَزْعُم الناس أَنى أكرم على الله من هذا ، بل هذا
- ١٢٥ -

٣٥٤ ظ أكرم على الله منى. / فلما جاوزه النبي صلى الله عليه وسلم بكى. فقال له : ما يُبْكيك؟
قال : أَبكى لأَن غلاماً بُعِث من بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل الجنة من أُمتى ،
ويَزْعُم بنو إسرائيل أَنى أَكرم بنى آدم على الله . وهذا رجل من بنى آدم خَلَفِى فى دنيا
وأنا فى أُخْرَى ، فلو أَنه بنفسه لم أُبَالِ ، ولكن معه كل أُمته . ثم صعد .
.
فلما انتهينا إلى السماء السابعة رأى فوقه رعداً وبرقاً وصواعق ، فاستفتح جبريل ،
فقيل : من هذا ؟ فقال : جبريل . فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : أَوَقد أُرْسِل
إِليه ؟ قال : نعم. قيل: مرحباً به وأهلاً، حَيَّه الله من أَخٍ ومن خليفة، فنِعْمَ الأَخ
ونعم الخليفة ونعم المجىء جاء . ففُتِح لهما فسمع تسبيحاً فى السموات العُلا مع تسبيح كثير :
سَبَّحت السموات من ذى المهابة مشفقات؛ سبحان العَلِيّ الأَعلى، سبحانه وتعالى . فلما
خلصا فإِذا النبي صلى الله عليه وسلم بإِبراهيم رَجُلٌ أَشمط ، جالسٌ عند باب الجنة ، على
كُرْسِىٌّ مُسْنِدًا ظَهْرَه إِلى البيت المعمور ، ومعه نَفَرٌ من قومه، فَسلَّم عليه النبى صلى الله
عليه وسلم ، فَرَدَّ عليه السلام ، فقال : مرحبًا بالنبى الصالح والابن الصالح وقال :
مُرْ أُمّتَكْ فَلُيكْثِرِوا من غِراس الجنة فإِن تُرْبتها طَيِّبة وأرضها واسعة . فقال له :
وما غِراسُ الجَنَّة؟ قال ((لا حول ولا قوة إلا بالله العَلِىّ العظيم)). وفى رواية:
((أَقْرِىء أُمَّتَك منى السلام، وأَخْبِرْهم أَن الجنة طيبة التُّرْبة عَذْبة الماء وأَن غِرَاسَها ؟ سبحان
الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)). وهو أشبه ولده به، وعنده قَوْمٌ جلوس بيض الوجوه
أَمثال القراطيس ، وقومٌ فى ألوانهم شىء ، فقال هؤلاء الذين فى ألوانهم شىء ، فدخلوا نهراً ،
فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خَلَصَتْ أَلوانُهم فصارت مثل ألوان أصحابهم . فجاءوا فجلسوا
إِلى أَصحابهم فقال : يا جبريل مَنْ هؤلاء البيض الوجوه ومَنْ هؤلاء الذين فى ألوانهم شىءٍ
وما هذه الأنهاز التى دخلوها ؟ فقال: أَما هؤلاء البيض الوجوه فقومٌ لم يَلْبِسوا إِيمانَهم بظلم،
وأَما هؤلاء الذين فى ألوانهم شىء فقوم خلطوا عملاً صالحاً وآخَرَ سيئاً فتابوا فتاب الله عليهم ،
وأَما هذه الأَنهار فأَولها رحمة الله والثانى نعمة الله والثالث ( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً (١) )
(١) سورة الإنسان آية ٢١ .
- ١٢٦ -

وقيل له : هذا مكانك ومكان أَمتك، وإِذا هو بأُمَّتِه شطرين : [شطر] عليهم ثياب كأنها
القراطيس ، وشطر عليه ثياب رُمْد (١) ، فدخل البيت المعمور ، ودخل معه الذين عليهم
الثياب الرُّهْد وهم على خير ، فصَلَّى ومَنْ معه من المؤمنين فى البيت المعمور ، وإِذا هو يدخله
كل يوم سبعون ألف مَلَك لا يعودون إليه إِلى يوم القيامة، آخر ما عليهم ، ثم خرج
ومن معه .
وفى حديث عند الطبرانى بسَنَد صحيح: (( مَرَرْتُ ليلة أُسْرِى بى على الملأَّ الأَعلى فإذا
جبريل كالحِلْس البالى من خشية الله، وفى رواية عند البزار ((كأَنّه حِلْس لاطىء(٢)).
انتهى ، ثم أُتِى بإِناءٍ من خَمْر وإِناءٍ من لبن وإِناءٍ من عسل ، فشرِب اللبن ، فقال جبريل :
اختارت أُمَّتُك الفِطْرة(٣)، وفى رواية : هذه الفطرة التى أَنت عليها وأُمَّتُك. ثم رُفِع إلى
سِدْرة المنتهى ، وإِليها ينتهى ما يعرض من الأَرض فيقبض منها ، وإليها ينتهى ما يهبط
من فوق فيقبض منها . وإِذا هى شجرةٌ يخرج من أَصلها أنهارٌ من ماءٍ غَيْر آسِنِ، وأَنهارٌ
من خَمْرِ لَذَّةً للشاربين، وأَنهارٌ من عسل مُصَفَّى ، يسير الراكب فى ظلها سبعين عاماً
لا يقطعها. وإِذا نَبِقُها / مِثْلُ قِلال هَجَر، وإِذا ورقها كآذان الفيلة، تكاد الورقة تُغَطِّى ٣٥٥ و
هذه الأَمة ، وفى رواية : الورقة منها مُغَطِّيةٌ للأَمة كلها . وفى لفظ عند الطبرانى : الورقة
منها تُظِل الخلق، على كل ورقة مَلَك، تغشاها أَلوان لا يُدْرَى ما هى ، فلما غَشِيَها من أمر
الله تعالى ما غشيها تغيّرت ، وفى رواية : تحوَّلت ياقوتًا وزيرجداً فما يستطيع أَحَدٌ أَن
ينعتها من حُسْنها ، فيها فَرَاتٌ من ذهب ، وفى رواية يلوذ بها جرادٌ من ذهب .
فقيل له : هذه السدرة ينتهى إليها كل أحد من أمتك خلا(٤) على سبيلك ، وإِذا فى
أَصلها أربعة أَنهار : نهران باطنان ونهران ظاهران ، فقال : ما هذه يا جبريل ؟ قال : أَما
(١) فى الأصول ((رمة)) وصوابها رمد، جاء فى النهاية لابن الأثير (جـ ٢ ص ١٠٢): وفى حديث المعراج:
وعليهم ثياب رمد ، أى غبر فيها كدورة كلون الرماد ، واحدها أرمد .
(٢) الخلس هو الكساء الذى يلى ظهر البعير تحت القتب، ومنه الحديث: كن حملسا من أحلاس بيتك)) أى ملازما
له فى الفتنة . ولا على من لطى يلعلى لعليا كسعى لزق بالأرض ولم يكد يبرح .
(٣) يلى ذلك فى رواية الحديث : هديت وهديت أمتك.
(٤) من خلا عليه أى اعتمد عليه كما فى النهاية (جـ ١ ص ٣٢٠) ولكن شرحها محققو نهاية الأرب (= ١٦ ص
٢٨٩): خلا على سبيلك أى مضى على طريقتك وسنتك.
- ١٢٧ -

الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفُرَات . وفى رواية : فإِذا فى أَصلها عَيْنٌ
تجرى يقال لها السلسبيل ، ينشقّ منها نهران : أَحدهما الكوثر ، يَطَّرِد عَجَاحاً مثل السَّهْم،
عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد ، وعليه طيورٌ خُضْر أَنعم طير ، رأَى فيه آنية الذهب
والفضة ، تجرى على رضراض من الياقوت والزمرد ، ماؤه أشد بياضاً من اللبن ، فأخذ
من آنية ، فاغترف من ذلك الماء ، فشرِب فإذا هو أَحلى من العسل ، وأَشدّ ريحاً من المسك ،
فقال له جبريل: هذا هو النهر الذى حباك به رَبُّك، والنهر الآخر نهر الرحمة فاغْتَسِل
فيه ، فعُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأَخَّر .
وفى حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل
عند السدرة له ستمائة جناح ، جناحٌ منها قد سَدَّ الأُفُق ، تتناثر من أَجنحته التهاويل :
الدرّ والياقوت مما لا يعلمه إلا الله تعالى. انتهى. ثم أخذ على الكوثر حتى إذا دخل الجنة
فإِذا فيها ما لا عَيْنٌ رَأَت ولا أُذُنُ سمعت ولا خَطَر على قلب بَشَر ، فرأى على بابها مكتوباً :
الصَّدَقَة بعشر أمثالها ، والقَرْض بثمانية عشر. فقال: يا جبريل ما بالُ القرض أفضل من
الصدقة ؟ قال : لأَن السائل يسأل وعنده ، والمُسْتقرِض لا يسأل إلا من حاجة . فاستقبلته
جارية فقال : لمن أَنتِ يا جارية ؟ فقالت : لزيد بن حارثة .
ورأَى الجَنَّة من دُرَّة بيضاء وإِذا فيها جنابذ(١) اللؤلؤ. فقال: يا جبريل، إِنهم يسألونى
عن الجنة. فقال: أَخْبِرهم أنها قيعان تُرَابُها المسك، وسمع فى خارجها وَجْساً(٢) ، فقال:
يا جبريل ما هذا ؟ قال : بلال المؤذن . فسار فإذا هو بأَنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار
من خَمْر لَّذةً للشاربين، وأَنهار من عَسَل مُصَفَّى، وإِذا رُمَّنها كالدِّلاء ، وفى رواية: وإِذا
(١) فى النهاية: جنابذ من لؤلؤ وهى جمع جنبذة وهى القبة. وفى شرح الزرقانى على المواهب (ج ٦ ص ٩٠):
الجنبذة ما ارتفع من البناء فارسى معرب والجنابذ القباب ويؤيده ما فى التفسير لسورة الكوثر عن البخارى من طريق قتادة عن
أنس لما عرج بالنبى صلى الله عليه وسلم قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ. وفى تاج العروس . الجنبذة وقد تفتح بالباء.
ما ارتفع من الشىء واستدار كالقبة وهو فارسى معرب . ومع ذلك لم نعثر عليه فى المعرب للجواليقى ولا فى شفاء الغليل للخفاجى
ولا فى الألفاظ الفارسية المعربة لإدى شير الكلدانى .
(٢) الوجس: الصوت الخفى وفى النهاية: دخلت الجنة فسمعت فى جانبها وجسا فقيل: هذا بلال .
- ١٢٨ -

فيها رُمَّان كأنه جلود الإِبل المُقَنَّبة، وإذا بطيرها كالبَخَاتِى(١). فقال أبو بكر: يا رسول
الله إن تلك الطير لناعمة . قال : أَكْلَتُها أَنعم منها وإنى لأرجو أن تأكل منها(٢) . وبينا
هو يسير بنهر على حافتيه الدرّ المُجَوَّف ، وإذا طينة مسك أَذفر فقال: ما هذا يا جبريل ؟
قال : هو الكوثر .
ثم عُرِضت عليه النار فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته ، ولو طُرِح فيها الحجارة
والحديد لأَّكلتها ، فإذا قوم يأكلون الجِيَف ، فقال : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال: هؤلاء
الذين يأكلون لحوم الناس . ورأى رجلاً أحمر أزرق فقال : من هذا يا جبريل ؟ قال :
هذا عاقر الناقة . ورأى مالك خازن النار ، فإذا رجل عايِس يُعْرَف الغضب فى وجهه ،
فبدأ النبى صلى الله عليه وسلم بالسلام ، ثم أُغْلِقت دونه ، ثم رُفِع إلى سدرة المنتهى ،
فغشيها / من أَنوار الخلائق ومن أنوار الملائكة أَمثال الغربان حين يَقُضّ على الشجرة وينزل ٣٥٥ ظ
على كل ورقة مَلَك من الملائكة فغشيها سحابة من كل لون .
وفى حديث أَن جبريل قال له : إِن رَبِّك يُسَبِّح. قال : وما يقول ؟ قال : يقول :
(( سُبُوحٌ قُدوس، رَبّ الملائكة والروح، سبقت رحمتى غضبى)). فتأخر جبريل، ثم عَرَج
به حتى ظهر لمستوى سمع فيه صريف(٣) الأفلام. ورأى رجلاً مُغَيِّبًا فى نور العَرْش، فقال :
مَنْ هذا ؟ مَلَك ، قيل: لا ، قال : نبى ، قيل : لا ، قال : من هو ؟ قيل : هذا رجل كان
فى الدنيا لسانه رَطْبٌ من ذِكْر الله، وقلبه مُعَلَّق بالمساجد ، ولم ينتسب لوالديه قط ، فرأى
ربه سبحانه وتعالى ، فَخَرَّ النبى صلى الله عليه وسلم ساجداً، وكَلَّمه ربه تعالى عندذلك .
فقال له : يا محمد. قال: لَبَّيْك يا رب . قال: سَلْ. فقال: إنك اتخذتَ إِبراهيم
(١) البخاتى والبخت كما فى المصباح نوع من الإبل الواحد بختى مثل روم ورومى والأنثى من الإبل بختية والجمع بخت
وبخاقى ويخفف ويثقل وفى التهذيب وهو أعجمى معرب. وفى النهاية البختية الأنثى من الجمال البخت والذكر بختى وهى جمال
طوال الأعناق وتجمع على بخت وبخاتى واللفظة معربة .
(٢) أضاف الزرقانى (ج ٦ ص ٩٠ و ٩١) فى شرحه لهذا الحديث: وفى عرضها عليه كرامة عظيمة لأنه كان
يعرضها على أمته ليشتروها كما قال تعالى: (( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)) (التوبة آية ١١١)
فأراد الله أن يعاين نبيه ما يعرضه على أمته ليكون وصفه لها عن مشاهدة .
(٣) فى النهاية لابن الأثير: أسمع صريف الأقلام أى صوت جريانها بما تكتبه من أقضية اللّه تعالى ووحيه وما
ينتسخونه من اللوح المحفوظ ( ج ٢ ص ٢٦٠)
- ١٢٩ -
( ٩ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣ )

خليلاً ، وأَعْطَيْتَه مُلْكًاً عظيماً وكَلَّمْتَ موسى تكليماً، وأَعْطَيْتَ داودِ مُلْكًاً عظيماً وسَخَّرْتَ
له (١) الجنّ والإِنس والشياطين وسَخَّرْتَ له الرياح وأعطيته مُلْكًا لا ينبغى لأحد من بعده .
وعَلَّمْتَ عيسى التوراة والإنجيل، وجعلتَه يُبْرِئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإِذنك ،
وأَعَذْتَه وأُمَّه من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان عليهما سبيل .
فقال الله سبحانه وتعالى : قد اتخذتُك حبيبًا . قال الراوى : وهو مكتوب فى التوراة :
حبيب الله . وأرسلتُك للناس كافةً بشيراً ونذيراً، وشَرحْتُ لك صدرك ، ووضعتُ عنك
وِزْرَك، ورفعتُ لك ذِكْرَك، لا أُذْكَر إلا وذُكِرْتَ معى، وجعلتُ أُمتك أُمَّةً وَسَطًا، وجعلتُ
أُمتك هم الأولون والآخرون ، وجعلت أُمتك لا يجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أَنك عبدى
ورسولى، وجعلت من أُمتك أقوامًا قلوبُهم أناجيلُهم، وجعلتك أَوَّلَ النبيين خَلْقًا وآخِرَهم
بعثًا ، وأَوَّلَهم يُقْضَى له ، وأَعْطَيْتُكَ سبعاً من المثانى لم أُعْطِها نبيًّا قبلك ، وأعطيتُك خواتيم
سورة البقرة من كنزتحت عَرْشى لم أُعْطِها نبيًّا قبلك، وأعطيتُكَ الكوثر، وأعطيتُك ثمانية
أسهم : الإِسلام والهجرة والجهاد والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ،
وأَنى يوم خلقتُ السموات والأرض، فَرَضْتُ عليك وعلى أُمتك خمسين صلاة ، فقُمْ بها
أَنت وأُمتك .
قال أبو هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فَضَّلَنِى ربى:
أرسلنى رحمةً للعالمين، وكافّةً للناس بشيراً ونذيراً، وألقى فى قلوب عَدُوِّى الرُّعْبَ من
مسيرة شهر ، وأَحلَّ لى الغنائم، ولم تَحِلّ لأحدٍ قبلى، وجُعِلت لى الأَرض مسجداً وطهوراً ،
وَأَعْطِيت فواتح الكَلِمِ وخواتمه وجوامعه، وعُرِضْتُ على أُمتى فلم يَخْفَ علىَّ التابع والمتبوع
ورأيتهم على قوم ينتعلون بالشَّعْر ، ورأيتهم أَتوا على قوْمٍ عِرَاض الوجوه صِغار الأَعين
كأنما أُخْرِمَتْ أَعْيُنهم بالمَخِيط فلم يَخْف عَلَّ ما هم ، لا قوِىٌّ من بعدى ، وأُمِرْت بخمسين
صلاة)). انتهى. وأُعْطِى ثلاثاً: أَنه سَيِّد المُرْسَلين وإمام المُثَّقين وقائد الغُرّ المُحَجَّلين.
وفى حديث ابن مسعود : أُعْطِى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس ، وخواتيم
سورة البقرة ، وغفر لمن لم يُشْرِك بالله من أُمته شيئاً المُفْحِمَات(٢).
(١) لعل هذه العبارة فى الأصل: وسخرت لسليمان، حيث أن تسخير الجن والرياح كان لسليمان عليه السلام.
(٢) فى رواية لحديث عبد الله بن مسعود: ((من لقى الله لا يشرك به شيئا غفر له المقحمات؛ أى الذنوب العظام التى
تقحم أصحابها فى النار أى تلقيهم فيها ، نقلا عن النهاية لابن الأثير جـ ٣ ص ٢٣١ .
- ١٣٠ -

ثم انجلت عنه السحابة وأخذ بيده / جبريل، فانصرف سريعاً ، فأتى على إبراهيم ، ٣٥٦ و
فلم يقل شيئاً ، ثم أتى على موسى، قال: ونعم الصاحب كان لكم، فقال: (( ما صنعت
يا محمد؟ ما فَرضَ عليك رَبُّك وعلى أُمتك؟)) قال: ((فَرضَ عَلَّ وعلى أُمتى خمسين
صلاة كل يوم وليلة)). قال: ((فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف عنك وعن أُمتك ، فإن
أُمتك لا تُطِيق ذلك، فإنى قد خَبَرْتُ الناسَ قبلك وبَدَوْتُ بنى إِسرائيل وعالجتُهم أَشدَّ
المعالجة على أدنى من هذا فضَعُفوا وتركوه ، فأُمتك أَضعف أجساداً وأَبداناً وقلوباً وأبصاراً
وأسماعاً)). فالتفت النبى صلى الله عليه وسلم إلى جبريل يستشيره ، فأُشار إليه جبريل
أَن نعم إن شئت ، فرجع سريعاً حتى انتهى إلى الشجرة ، فغشيته السحابة ، وخَرَّ ساجداً .
وقال: ((رَبِّ خَفِّف عنا))، وفى لفظ: ((عن أُمتى فإنها أَضعف الأُمم)). قال: ((قد
وضعت عنك خمساً))، ثم انجلت السحابة، ثم رجع إلى موسى فقال: ((وضع عنى خمساً)).
قال: ((ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإِن أُمتك لا تُطِيق ذلك)). فلم يزل يرجع بين
موسى وبين ربه، يَحُطُّ عنه خمساً خمساً، حتى قال: ((يا محمد))، قال: ((لَبَّيْك وسَعْدَيْك))
قال: (( هُنّ خمس صلوات كل يوم وليلة ، لكل صلاة عَشرْ، فتلك خمسون صلاة لا يُبَدَّلُ
القولُ لدىّ ولا ينْسخُ كِتَابِى تَخْفِيفَها عنك كتخفيف خمس صلوات، ومن هَمَّ بحَسَنةٍ
فلم يعملها كُتِبَتْ له عَشْرًا ، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها لم يكتب شيئا فإن عملها كُتِبت
سيئة واحدة)). فنزل حتى انتهى إلى موسى، فأُخبره فقال: ((ارجع إلى ربك فاسأله
التخفيف فإن أمتك لا تُطيق ذلك)). قال له: (( قد راجعتُ ربى حتى استحييتُ منه ولكن
أَرضى وأُسَلِّم )). فناداه منادٍ أَن ((قد أَمْضَيْتُ فريضتى وخَفَّفْتُ عن عبادى))(١).
وال له موسى: ((اهبط بسم الله)). ولم يَمُرّ على الملأ من الملائكة إلا قالوا له: «عليك
بالحِجَامة (٢))). وفى لفظ: ((مُرْ أُمَّتَك بالحجامة)). ثم انحدر، فقال جبريل: ((مالى
لم آت لأُهل السماء إلا رَحَّبوا بى وضحكوا إلىّ، غير واحد سَلَّمْتُ عليه فرَدَّ السلام ورَحَّب بى
ودعا لى ، ولم يضحك إلىّ. قال: قال: ((مالك خازن النار، لم يضحك منذ خُلِق؛
(١) الحديث بطوله فى صحيح البخارى كتاب المناقب باب المعراج = ٥ ص ١٤٥: ١٤٨ رقم ٣٧٠) عن أنس
ابن مالك عن مالك بن صعصعة .
(٢) أخرج البخارى فى صحيحه عن أنس رضى الله عنه: إن أمثل ماتداويتم به الحجامة، كتاب الطب باب الحجامة من
الداء حديث رقم ١٨ . صحيح البخارى = ٧ ص ٢٢٧ .
- ١٣١ -

ولو ضحك لأحد لضحك إِليك)) . فلما نزل إلى السماء الدنيا نظر أسفل منه ، فإذا هو
بِرَهَجٍ ودُخَان ، فقال ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذه الشياطين يحومون على أعين بنى
آدم ، لا يتفكرون فى ملكوت السموات والارض ، ولولا ذلك لَرَأَوْا العجائب .
ثم ركب منصرفاً ، فمرَّ بِعير لقريش بمكان كذا وكذا ، منها جَمَلٌ عليه غرارتان .
غرارة سوداء وغرارة بيضاء ، فلما حاذى العير نَفَرت واستدارت وصرخ ذلك البعير
وانكسر، ومَرَّ بعِيرٍ قد ضَلُّوا بَعيراً لهم قد جمعه فلان ، فسَلَّم عليهم ، فقال بعضهم :
هذا صوت محمد .
ثم أتى أصحابه قبيل الصبح بمكة ، فلما أصبح قطع وعرف أَن الناس تُكَذِّبه ، فقعد
حزيناً ، فمَرَّ عليه عدو الله أبو جهل ، فجاء حتى جلس إليه ، فقال له كالمستهزئ : هل
كان من شئ ؟ قال : نعم. قال: ما هو ؟ قال : أُسْرِىَ بى الليلة . قال: إِلى أَين ؟ قال:
إلى بيت المقدس . قال : ثم أصبحتَ بين ظهرانينا ؟ قال : نعم . فلم يَرَ أَنه يُكَذِّبه
مَخافةَ أَن يَجْحَدَه الحديث إن دعا قومه إليه . قال : أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم
ما حدثتنى ؟ قال : نعم ، قال يا معشر بنى كعب بن لؤى .
فانفضت إليه المجالس ، وجاءوا حتى جلسوا إليهما . فقال: حَدِّث قومك بما حَدَّثْتَنِى .
فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنى أُسْرِىَ الليلة بى)). قالوا : إلى أين؟ قال : إلى بيت
٣٥٦ظ المقدس / ، قالوا: ثم أَصبحتَ بين ظهرانينا؟ قال : نعم، فمن بين مُصَفِّق ومن بين
واضع يده على رأسه مُتَعَجِّبًا، وضَجُّوا وأَعظموا ذلك. فقال المُطْعِمِ بن عدِىّ: كُلُّ أَمْرِك
قبل اليوم كان أَمَمًا(١) غير قولك اليوم ، أَنا أَشهد أَنك كاذب ، نحن نضرب أكباد
الإبل إلى بيت المقدس مُصْعِدًا شهراً ومنحدراً شهراً(٢)، أَتَدَّعى أَنت أَنك أَتيتَه فى ليلة ؟
والَّلاتِ والعُزَّى لا أُصدقك .
(١) الأمم محركة. القرب واليسير والبين من الأمر، عن القاموس المحيط.
(٢) وفى رواية: فقال أبو جهل: ألا تعجبون مما قال محمد ؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا ،
وأحدنا يضرب مطيته مصعدة شهرا ومقفلة شهرا فهذه مسيرة شهرين فى ليلة واحدة . عن أبى سعيد الخدرى فى تفسير ابن كثير
جـ ٣ ص ١٣ .
- ١٣٢ -

فقال أبو بكر لمُطْعِمٍ : بِئْسَ ما قلت لابن أَخيك ، جَبَهْتَه وكَذَبْتَه ، اما أَنا فأَشهد
أنه صادق . فقالوا : يا محمد صِفْ لنا بيت المقدس ، كيف بناؤه وكيف هيئته ؟ وكيف
قُرْبُه من الجبل ؟ وفى القوم من سافر إليه . فذهب ينعت لهم بناءه كذا وهيئتَه كذا ،
وقُرْبَه من الجبل كذا ، فما زال ينعته لهم حتى التبس عليه النَّعْت فكُرِب كَرْباً ما كُرِب مثله،
فجىُ بالمسجد وهو ينظر إليه حتى وُضِع دون دار عقيل أَو عُقال ، فقالوا : كم للمسجد
من باب ؟ ولم يكن عَدَّها ، فجعل ينظر إليه ويَعُدُّها باباً باباً، ويُعْلِمُهُم ، وأبو بكر
يتمول: صَدَقْتَ صَدَقْتَ ، أَشهد أَنك رسول الله. فقال القوم : أَمّا النعت فوالله لقد
أَصاب .
ثم قالوا لأَبى بكر : أَفْتُصَدِّقه أَنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يُصْبح ؟
قال: نعم إنى لأُصدِّقه فيما هو أبعد من ذلك، أُصَدِّقُه بخبر السماء فى غُدْوَةٍ أَو رَوْحة .
فبذلك سُمِّى أَبو بكر الصديق . ثم قالوا: يا محمد أَخْبِرْنا عن عِيرِنا. فقال: (( أَتَيْتُ
على عِير بنى فلان بالرَّوْحاء قد ضَلُّوا ناقةً لهم، فانطلقوا فى طلبها ، فانتهيتُ إِلى رحالهم ،
فليس بها منهم أحد ، وإِذا قَدَحُ ماءٍ فشربت منه ، ثم انتهيت إلى عِير بنى فلان فى التنعيم
يقدمها جمل أَوْرَق عليه مِسْح أسود وغرارتان سوداوان وها هى ذه تطلع عليكم من النَّنِيَّة)».
قالوا : فمتى تجىء ؟ قال : يوم الأربعاء . فلما كان ذلك اليوم ، انصرفت قريش ينظرون
وقد وَلَّى النهار ، ولم تجىء . فدعا النبى صلى الله عليه وسلم ، فزيد له فى النهار ساعة ،
وحُيِست عليه الشمس ، حتى دخلت العِير، فاستقبلوا الليل . فقالوا : هل ضَلَّ لكم بعير ؟
قالوا: نعم. فسألوا العِير الأُخَر فقالوا : هل انكسر لكم ناقة حمراء ؟ قالوا : نعم. قالوا :
فهل كان عندكم قصعة من ماء ؟ فقال رجل : أَنا والله وضعتُها فما شربها أَحد ، متأَوِّلاً
أُعْرِيقت فى الأَرض. فرمَوْه بالسحر، وقالوا: صَدَق الوليد، فأَنزل الله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا
الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ ).
فائدة : أَخرج ابن مَرْدَوِيه عن أنس رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، منذ أُسْرِىَ به ريحُه ريحُ عروس وأطيب من ريح عروس . شعر :
.
- ١٣٣ -

٣٥٧و
ساد الأَنامَ محمدٌ خَيْرُ الوَرى بفضائل جَلَّتْ عن الإِحصاءِ
وجوامعِ الكَلِمِ التى ما نالها أَحَدٌ من الفُصَحاءِ والْبُلَغَاء
وإلى الخلائق ◌ُلِّهم إرسالُه
وله الشفاعةُ والوسيلةُ فى غد
ويجىءُ يومئذ كما قد قالَهُ
ولقد دنا من رَّبِّه لما دنا
سَمِعِ الخِطَابَ بحَضْرةٍ قُدْسِّيةٍ
وبرؤية الجَبَّارِ فازَ ويالَها
ما نال موسى والخليلُ ومُجْتَبِىَ
يَا كَنْزَ مُفْتَقٍِ ومَلْجَأْ عَائِدٍ
أَنْتَ الوَسيلةُ للإِله فَسَلْ لنا
ودخولِنا الجَنَّاتِ أَوَّلَ وَهْلَة
بِكَ نَسْتَغِيُكُ ونَسْتَجِيرُ ونَلْتَجِى
ونَرُمُ فَضْلاً من جنَابكَ سَيِّدی
فإليك سَاقَ [اللهُ سُحْبَ صِلاَتِهِ
وعلى صحابَتِكَ الرِّضَى مُتَعَدِّداً
فشَفَى القلوبَ الجَمَّةَ الأُدواء
ومَقَامُه السَّامِى عَلَى الشُّفَعَاءِ
أَنا راكبٌ والرُّسْلُ تحت لِوَائى
فى ليلةِ المِعْراج والإِسراء
ما حَلَّها بَشَرٌّ من العظماءِ /
من نِعْمَة عَظُمَتْ على النَّعْمَاءِ
ما زِلْتَهُ يَا سَيِّدَ الشُّفَعَاءِ
يا أَفْضَلَ الأَجوادِ والكُرَمَاء
عَفْواً عن الزَّلَتِ والأَهْواءِ
وشفاعةً للمُفْسِدِ الخَطَّاءِ
من ذى البلاء وفتنةِ الأَهواء
وشَفَاعةٌ يَا سَيِّدَ الشُّفَعَاءِ
وجزاكَ رَبُّ النَّنْاسِ خيرَ جزاء
والآلِ والأَتباع والعُلَمَاءِ .
ولله دَرُّ البوصيرى حيث قال مخاطباً للذات الشريفة :
كما سَرَى البَدْرُ فى داجٍ من الظُّلَمِ
سَرَيْتَ من حَرَم ◌ٍ ليلاً إِلى حَرَم.
وَبَتَّ تَرْقَى إِلى أَنْ نِلْتَ مَنْزِلةً
مِن قَابَ قَوْسَيْنِ لِ تُدْرَك ولم تُرَمٍ
والرُّسْلُ تَقْدِيمَ مَخْلُوم على خَدَم
وقَدَّمَتْكَ جميعُ الأنبياءِ بها
وَأَنْتْ تَخْتَرِقُ السَّبْعَ الطِّبَاقَ بهم
فى مَوْكِبٍ كُنْتَ فيه صَاحِبَ الْعَلَم
من الدُّنُوِّ ولا مَرْقَىّ لِمُستَنِمِ
حَتَّى إذا لم تَدَعْ شَأواً لمُسْتَبْقٍ
- ١٣٤ -

خَفَضْتَ كُلِّ مَقَامٍ بالإِضافَةِ إِذ
كَيْمَا تَفُوزَ بوَصْلٍ أَىِّ مُشْتَتِرٍ
فِحُزْتَ كُلَّ فَخَارِ غَيْرٍ مُشْتَرِكٍ
وجَلَّ مِقْدَارُ ما وُلِّيتَ من رُتّب
بُشْرْىَ لنا مَعْشَرَ الإِسلامِ إِنَّ لنا
لمّا دعا الله داعينا لطاعتِه
[ُنُودِيتَ] بالرَّفْعِ مِثْلَ المُفْرَدِ العَلَم
عن العيونِ وسِرٍّ أَىِّ مُكْتَتَمِ
وحُزْتَ كُلَّ مَقَامٍ غَيْرٍ مُزْدَحَمِ
وعَزَّ مِقْدَارُ ما أُولِيتَ من نِعَمِ
من العنايةِ رُكْنَا غَيْرَ مُنْهَدِمٍ
يا أَكَرْمَ الرُّسْلِ كُنَّا أَكْرَمَ الأُمَمِ
- ١٣٥ -

الباب التاسع
فى تنبيهات على بعض فوائد تتعلق بقصة المِغْراج
الأول : قال ابن المنير : كانت كرامته صلى الله عليه وسلم فى المناجاة على سبيل المفاجأة
كما أَشار إليه بقوله: ((بينا أَنا)). وفى حق موسى عليه الصلاة والسلام عن ميعاد واستعداد
فَحُمِلَ عنه صلى الله عليه وسلم أَلَمُ الانتظار . ويؤخذ من ذلك أَن مَقَام النبى صلى الله عليه
وسلم بالنسبة إلى مقام موسى مقام المُرَاد بالنسبة إلى مقام المريد .
الثانى: قال ابن دحية فى قوله: ((فُرِجِ سَقْفُ بيتى))، يقال: لِمَ لم يدخل من الباب
مع قوله تعالى ( وَأَتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا (١) )، فالحكمة فى ذلك المبالغة فى المناجاة ، والتنبيه
على أن الكرامة والاستدعاء كانا على غير ميعاد ، ولعل كونَه فرج عن سقف بيته توطئة
وتمهيد لكونه فُرِج عن صدره ، فأَراه المَلَك، بإِفراجه عن السقف فالتأَّم السقف على الفَوْر،
كَيْفِيَّةَ ما يُصْنَع به، وقَرَّب له الأمر فى نفسه / بالمآل المُشَاهَد فى بيته لُطْفًا فى حقه
وتبييناً لبَصَره، ولعله فُرِج عن سقف بيته حتى لا يَعْرِجِ المَلَك ، وقد جاء فى هذا الأمر
المهم العظيم على شئٍ سواه، فانصَبَّ له من السماء انصبابةً واحدة [وهى ] خَرْق الحجاب.
٣٥٧ظ
ولو أنه جاء على العادة من الباب لاحتاج أَن يَلِج صَحْنَ الدار ، ثم يَعْرُج إلى البيت
الدى هو فيه وقال الحافظ : قيل الحكمة فى نزوله عليه من السقف المبالغة فى مفاجأته بذلك
والتنبيه على أن المراد منه أَن يَعْرُج به إلى جهة العُلُوّ .
الثالث : الرجلان اللذان كان النبى صلى الله عليه وسلم نائماً بينهما تلك الليلة : حمزة
وجعفر رضى الله عنهما، نَبَّه عليه الحافظ . قال ابن أبى جمرة : وفى هذا تواضعه صلى الله
عليه وسلم وحُسْنُ خُلُقِه ، إذ أنه فى الفضل حيث هو ، ومع ذلك كان يضطجع مع الناس
(١) سورة البقرة آية ١٨٩.
- ١٣٦

ويقعد معهم ، ولم يجعل لنفسه المُكَرَّمة مَزِيَّةً عليهم ، وفيه دليل على جواز نوم جماعة فى
موضع واحد ، ولكن يشترط فى ذلك أن يكون لكل واحد منهم ما يَسْتُر به جَسَده عن صاحبه .
الرابع : تقدم فى أبواب صفاته الكلام على شَقّ الصَّدْر وخاتم النبوة والطست والذهب
وزمزم .
الخامس : فى الكلام على جبريل وفيه فوائد .
الفائدة الأُولى: فى لغات اسمه وهى إحدى وعشرون: الأولى : جِبْرِيل بكسر الجيم
والراء وياء ساكنة وهى قراءة نافع وأبى عمرو وابن عامر ، وحَفْص عن عاصم وهى لغة
الحجازيين . الثانية : جَبْريل كذلك إلا أنه بفتح الجيم وهى قراءة ابن كثير . الثالثة :
جَبْرَءل كذلك إلا أنه بزيادة همزة مكسورة بعد الراء وحذف الياء وهى قراءة أبى بكر
عن عاصم . الرابعة: جَبْرَئيل كذلك إلا أنه بزيادة ياء بعد الهمزة وهى قراءة حمزة
والكسائى ولغة تميم وقيس وكثير من أهل نجد كما قاله الفَرَّاء . الخامسة : جَبْرَايِل كذلك
إلا أنه بزيادة ألف بعد الراء وهى رواية حمزة ونعيم بن سعيد وغيرهما عن الأعمش ورواية
أبان بن تَغْلِب - بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام - وأبان بن يزيد العطار من
رواية الثلاثة: بَكَّار ويونس وعُبَيْد ، عنه كلاهما عن عاصم وأبو رجاء وأَبو غَزْوان عن
طلحة ذكره الأهوازى . السادسة : جِبْرائيل كذلك إلا أنه بكسر الجيم على وزن إِسرائيل ،
وهى إحدى الروايات عن عكرمة ورواها عنه الزبير ، وقرأ بها ابن صدقة عن يحيى ذكره
ابن عيسى . السابعة : جَبْراءِل بفتح الجيم والراء وهمزة بدون ياء ، وفى رواية رزين وابن
قيس وابن خُثَيْم وأبى عمران وإسماعيل عن الحسن وغيرهم وإسحق بن سويد بخلاف عنه
والحسن الرازى(١) عن أصحابه وأحمد بن يزيد وهى إحدى الروايات عن عكرمة أيضاً.
الثامنة : جبرايل كذلك إلا أنه بياء ساكنة بدل الهمزة على الجمع بين التقاء الساكنين
(١) هو الحسن بن شعيب أبو على الرازى روى القراءة عرضا عن الفضل بن شاذان وروى القراءة عنه عرضا عبد الرحيم
ابن محمد الحسناباذى . انظر غاية النهاة فى طبقات القراء لابن الجزرى ( ج ١ ص ٢١٥ : ٢١٦ رقم ٩٨٣ طبعة القاهرة
سنة ١٩٣٢ م)
- ١٣٧ -

٣٥٨و
وهى قراءة طلحة بن مَصْرف اليامى(١). التاسعة: جَبْرَييل بفتح الجيم والراء وياءين أولهما
مكسورة والثانية ساكنة وهى إحدى الروايتين عن ابن مُخَيصِن(٢) ويحيى بن يَعْمُر وأَبان
ابن يزيد العطار عن عاصم . العاشرة : جبرئيل كذلك إلا أنه بهمزة عِوَض الياء الأُولى
وتشديد اللام وهى إحدى الروايات عن ابن مُحَيْصِن ويحيى بن يعمر وأبان بن يزيد العطار
عن عاصم . الحادية عشرة: جَبْرِلّ كذلك إلا أنه بحذف الياء بعد الهمزة وقرئ بها شاذاً.
الثانية عشر: جَبْرَيْل بفتح الجيم / والراء وياء ساكنة لا غير ، وهى قراءة محمد بن طلحة
ابن مَصْرَف (٣) وابن مُحَيْصِن فى إحدى الروايات عنه. الثالثة عشر: جبرإِل كذلك إِلا أَنْه
بهمزة بدل الياء مُشَدَّدَة مكسورة ولام لا غير، وقد نقلها أَبو عمر الدانى فى المُجْتَبِى فى الشواذ
عن ابن يَعْمُر أيضاً. الرابعة عشرة: جَبْرَال بفتح الجيم والراء وأَلف ولام لا غير . الخامسة عشرة:
جِبْرال كذلك إِلا أَنه بكسر الجيم . السادسة عشرة : جَبْرِين بفتح الجيم وكسر الراء وياء
ساكنه ونون بدل اللام . السابعة عشرة : جِبْرين كذلك إِلا أَنه بكسر الجيم . قال الفَرَّاء
هى لغة بنى أَسد . الثامنة عشرة: جَبْرَئِين بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة بعدها ياء
ساكنة ونون ، نقلها ابن الأنبارى فى كتاب الرد على من خالف مصحف عثمان . التاسعة عشرة:
جِبْرين كذلك إلا أنه بكسر الجيم نقلها ابن الجوزى وبرهان الدين الجَعْبَرِى . العشرون :
جَبْرَئيل بفتح الجيم والراء وهمزة ساكنة بعدها ياء . الحادية والعشرون : جبراييل على
وزن ميكاييل ، نقل جميعَ ذلك الإِمام العلاَّمة محب الدين بن شيخ الحساب والفرائض
الإِمام العالم العَلَّمة شهاب الدين بن الهائم فى الغُرَر ، ومن خَطِّه نقلت .
الفائدة الثانية: قال فى الروض [الأُنُف]: ((ومعنى جبريل: عبد الرحمن أُو
عبد العزيز ، هكذا جاء عن ابن عباس رضى الله عنهما موقوفاً ومرفوعاً (٤) أَيضاً والوقف
(١) هو طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب اليامى الكوفى تابعى كبير له اختيار فى القراءة ينسب إليه كانوا
يسمونه سيد القراء توفى سنة ١١٢ هـ - غاية النهاية جـ ١ ص٣٤٣ رقم ١٤٨٨.
(٢) فى الأصول ابن محيض وقد أصلحناها أيضاً فيما بعد وهو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمى المكى مقرئ
أهل مكة وكان نحويا قرأ القرآن على ابن مجاهد، توفى سنة ١٢٣ هـ بمكة - غاية النهاية جـ ٢ ص ١٦٧ رقم ٣١١٨.
(٣) لم يكن لطلحة بن مصرف الذى سبق أن ذكره المؤلف ولد اسمه محمد من علماء القراءات إذ لا توجد له ترجمة
فى غاية النهاية إلا إذا كان يقصد محمد بن طلحة الإشبيلى وهو الوحيد من اسمه محمد بن طلحة فى غاية النهاية (جـ ٢ ص ١٥٧) ..
( ٤) الحديث الموقوف فى مصطلح الحديث: مطلقه يختص بالصحابى ولا يستعمل فيمن دونه إلامقيدا وقد يكون =
- ١٣٨ -

أُصَحّ. وأكثر الناس أن آخر الاسم منه أَعجمى وهو (( إِيل))(١)، وكان شيخنا يعنى ابن
العربى يذهب مذهب طائفة من أهل العلم فى أن هذه الأسماء إضافتها مقلوبة وكذلك الإضافة
فى كلام العجَم يقولون فى ((غُلام زيد)). زيد غلام فعلى هذا يكون ((إِيل)) عبارة عن
العبد ويكون أول الاسم عبارة عن اسم من أسماء الله تعالى(٢).
قلتُ : روى ابن جرير عن ابن عباس رضى الله عنهما ، وابن المنذر عن عِكْرِمة،
وأبو الشيخ عن على بن الحسين قالوا : اسم جبريل عبد الله وميكائيل عُبَيْد الله ، و كل شىء
راجع إلى ((إِيل)) فهو مُعَبَّد الله عزَّ وجلّ، زاد على [ بن الحسين ]: وإسرافيل عبد الرحمن ،
زاد عِكرمة: ((والإيل)) : الله .
قال الماوردى: ((ولا يُعْلَم لابن عباس مخالف فى ذلك))، وقال السهَيْلى: ((إِنه قول
الأكثر)). وقال الشيخ شهاب الدين الحلبى رحمه الله تعالى فى شرح الشاطبية(٣): ((اختلف
الناس فى هذا الاسم هل هو مشتق أم لا؟ والذى عليه الجمهور لا اشتقاق لها)). وقال آخرون :
بل هو مشتق من جبروت الله تعالى .
وكذلك اختلفوا فيه هل هو اسم بسيط لا تركيب فيه أَو هو مُرَكَّب ؟ فإِن جَبْر)»
معناه ((عَبْد))، ((وإيل)) هو اسم البارى تعالى وقد قيل ذلك فى إسرافيل ، ثم اختلفوا فى
تركيبه ، هل هو مُرَكَّب تركيب إضافة أَو تركيب مَرْج ؟ فذهب بعضهم إلى الأول ،
ورُدِّ بأنه كان ينبغى أَن يُعْرب إعراب المتضايفَيْن، فيجرى الأَولَ منهما مجرى الإعراب ،
= إسناده متصلا وغير متصل ؛ أى هو المروى عن الصحابة قولا أو فعلا أو تقريرا متصلا أو منقطعا ولا يقال فيما جاء عن
التابعى موقوف إلا مقيدا . وهذا النوع من المرويات يسمى أثرا . أما ما كان عن النبى صلى اللّه عليه وسلم فيسمى خبراً ؛
والمرفوع هو ما أضيف إلى النبى صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا عنه سواء كان متصلا أو منقطعا أو مرسلا . أنظر الباعث
الحثيث إلى معرفة علوم الحديث لابن كثير ص ٣٤ و ٣٥.
(١) إيل فى اللغة العبرية معناها الإله، وجبريل رجل الإله .
(٢) يقع هذا النص فى الروض الأنف جـ ١ ص ١٥٥ من طبعة القاهرة سنة ١٩١٤ م
(٣) الشاطبية هى القصيدة اللامية المسماة بحزر الأمانى ووجه التهانى من نظم الإمام العلامة القاسم بن غيرة بن خلف
الأندلسى الشاطبى الذى توفى بالقاهرة سنة ٥٩٠ ٥. هذا ولم نجد بين شارحى الشاطبية ممن ذكرهم ابن الجزرى فى كتابه النشر
ج ١ ص ٦٣ و ٦٤ شارحا اسمه شهاب الدين الحلبى. والحلبى الوحيد فى غاية النهاية فى طبقات القراء الكتاب الآخر لابن
الجزرى هو أبو طاهر محمد بن ياسين البزار يعرف بالحلبى إمام محقق أخذ الروايات عرضا عن أبى الفرج الشنبوذى
وغيره ، توفى سنة ٤٢٦ هـ فلعله هو، انظر غاية النهاية ج ٢ ص ٢٧٦ رقم ٣٥٢٣.
- ١٣٩ -

٣٥٨ظ
ويجرى الثانى ويُنّوَّن، إذ لا مانع له من الصَّرْف، كما انصرف ((إِلّ)) فى قول من جعله
اسما لله تعالى من قوله عَزَّ وجَلّ: ( لا يَرْقُبُونَ فىِ مُؤمِن إِلاَّ وَلَا ذِمَّةٌ)(١) وهذا كما تقول :
جاءنى عبدُ الله، ورأيتُ عبدَ الله ومَرَرْتُ بعبدِ الله. وذهب آخرون كأبى العباس المهدوى
إلى أنه مُرَكَّب تركيب مزج كبعلبك وحضرموت ، وهذا قريب إلا أن بعضهم رَدَّ عليه
بأنه كان ينبغى أَن يُبْنىَ الأُول على الفتح ليس إلا، وأنت كما رأيتَهم / يكسرون الراء
فى بعض اللغات. ورَدَّ عليه بعضُهم أيضاً بأنه لو كان مُرَكَّبًا تركيب مَزْج لجاز أَن يُعْرَب
إعراب المتضايفين أَو يُبْنَى على الفتح كأَحد عشر ، فإِنه مركب تركيب مزج يجوز فيه
هذه الأَوجه ، فكونه لم يُسْمَع فيه البناءُ ولا جريانه جريان المتضايقين دليلٌ على عدم
تركيبه تركيب مَزْج . وهذا الردّ مردود لأَنه جاء على أحد الجائزين ، واتفق أنه لم يستعمل
إلا كذلك . انتهى (٢).
قال السهيلى: ((واتفق فى اسم جبريل عليه السلام أنه موافق من جهة العربية. لمعناه
وإِن كان أَعجمياً ، فإن الجَبْر هو إِصلاح ما وَهَى، وجبريل مُوَكَّلٌ بالوَحْى ، وفى الوحى
إصلاح ما فَسَد وجَيْرُما وَهَى من الدين ، ولم يكن هذا الاسم معروفاً بمكة ولا بأرض العرب ،
فلما أخبر النبيِّ صلى الله عليه وسلم خديجة به انطلقت تسأل مَنْ عنده عِلْمُ الكتاب كعَدَّاس
ونسطور الراهب وورقة . فقالوا لها: قُدُّوس قُدُوس أَنَّى لهذا الاسم أَن يُذْكَر فى هذه البلاد ))
كما تَقَدّم بیانُ ذلك .
الفائدة الثالثة: فى بعض فضائله : ذكره تعالى فى كتابه فى خمسة وثلاثين مَوْضِعاً
بالصريح وغيره ، وذكره باسمه فى ثلاثة مواضع: فى البقرة فى مَوْضِعَيْنِ ( قُلْ مَنْ كَانَ
عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ(٣))، ( مَنْ كَانَ عَدُواً لِهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيل(٤)) ، والثالث فى التحريم
( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ(٥)))، وذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم
(١) سورة التوبة آية: ١٠ فسرها ابن كثير (جـ ٢ ص ٣٣٨) عن ابن عباس الإل: القرابة والذمة والعهد.
(٢) انظر فى هذا الموضوع الزبيدى فى تاج العروس.
(٣) سورة البقرة آية ٩٧.
(٤) سورة البقرة آية ٩٨.
(٥) سورة التحريم آية ٤
- ١٤٠ -
٠٠