Indexed OCR Text

Pages 101-120

((الأَنْبياء تَنَامُ أَعْيُنُهم ولا تَنَامُ قُلوبُهم(١))). واحتجَّ من قال بهذا القول بقوله تعالى:
( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلَّ فِتْنَةً للنَّاسِ) (٢) ولو كان يقظةً لقال: ((الرؤية)) بالتاء،
وقول أَنس فى حديثه فى رواية شريك: ((وهو نائم بالمسجد الحرام)). وذكر القصة الواردة
ليلة الإِسراء ، ثم قال فى آخرها: ((استيقظت - أَى انتبهت - من منامى وأَنا فى المسجد
الحرام)). وهذا المذهب يُعْزَى لمعاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه فإن ابن إسحق(٣) قال:
((حَدَّثَنِى يعقوب بن عُثْبَة بن المُغِيرة بن الأَخْتَس أَن معاوية بن أبى سفيان كان إذا سُئِل
عن مَسْرَى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كانت رُؤْيَا من الله تعالى صادقة)). ويعقوب
وإِن كان ثقة إِلا أَنه لم يُدْرِك معاوية (٤) فالحجة منقطعة .
ويُعْزَى أيضاً إلى عائشة رضى الله عنها، قال ابن إسحق: (( حَدَّثَنى بعض آل أبى بكر
أَن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول: (( ما فُقِد جسد رسول الله صلى الله
عليه وسلم ولكن أُسْرِى بروحه(٥))). كذا فيما وقفتُ عليه من نُسَخ السيرة ((فُقِد)) بالبناء / ٣٤٨ و
للمفعول . وفى الذى وقفتُ عليه من نسخ الشِّفَا للقاضى ((ما فَقَدْتُ)) بالبناء للفاعل وإِسناد
الفعل إلى تاء المُتَكلِّم .
وأَجيب عن الأَول بأَن ((الرؤيا)) قد تكون بمعنى ((الرؤية)) فى اليقظة كما نقله أَبو الخَطَّاب
ابن دحية عن ابن عباس. قال الشيخ السهيلى فى الروض (٦): ((وأَنشدوا للمراعى يصف
صائداً :
وبَشَّرِ قلباً كان جَمَّا بَلاَبلُه
وكَبَّرَ للرؤيا وَهَشَّ فُوَّادُه
(١) أخرجه البخارى فى كتاب المناقب (ج ٢ ص ٣٣: ٣٤) فى حديث عن أنس بن مالك جاء فى ختامه:
((وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم)) ويماثله ما جاء فى طبقات ابن سعد ((ج ١ ق ١ ص ١١٢) ومسند أحمد
(جـ ١ ص ٢٧٤) ومسند ابن أبى داود الطيالسى (رقم ٢٧٣١).
(٢) من الآية ٦٠ من سورة الإسراء.
(٣) سيرة ابن هشام ( جـ ٢ ص ٦)
(٤) يؤيد رأى المؤلف أن يعقوب بن عتبة كما جاء فى خلاصة الخزرجى ( ص ٣٧٥) توفى سنة ١٢٨ هـ بينما توفى
معاوية سنة ٦٠ هـ .
(٥) سيرة ابن هشام ( جـ ٢ ص ٥).
(٦) الروض الأنف (جـ ١ ص ٢٤٣).
- ١٠١ -

وقوله : (إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ) يدل على أنها رؤية عَيْن، وإسراء شخص ، إذ نيس فى
الخُلْم فتنة للناس من تَعَجبُّهم تَعَجُّب استحالة، حتى ارتدَّ كثيرٌ ممن آمن. وقال الكُفَّار:
(يَزْعُم محمد أنه أَنى بيت المقدس وَرَجَعَ إلى مكة فى لَيْلَتِهِ، والعِيرُ تَطَرِد إليها شهراً مُقْبِلة
وشهراً مُدْبِرة . ولو كانت رؤيا نوم لم يَسْتَبْعِد أَحَدٌ منهم هذا ، فمعلوم أَن النائم قد يرى
نفسه فى السماء وفى المَشْرِق وفى المَغْرِب فلا يُسْتَبْعَد منه ذلك ، ويؤيد كونها يَقَظَةً ما ورد
من شربه تلك الليلة الماء الذى كان لسُفَّار قريش، وضعوه فى بعض مراحلهم فى قَدَح وغَطّوه ،
فَأَصبحوا ولاماء فيه ، فعَجِبُوا لذلك. وإِرشاد أصحاب العِير الذين نَدَّ بعيرُهم حين أَنفره
حِسُّ الْبُرَاق حتى دَلَّهم عليه ، فأَخبر أَهلَ مكة بأَمارة ذلك ، حتى ذكر الغرارتَيْن السوداء
والبَرْقاء ، وَوَعْدُهُ لقريش بقدوم العِير التى أَرشد أصحابَها إِلى بعيرهم وشرب مائهم أن
يَقْدَموا يوم الأربعاء)). كما سيأتى بيان ذلك مبسوطاً فى القصة . وهذا كله لا يكون إِلا يقظة
وقد تقدم فى القول الأول عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال فى الآية : هذه
رؤيا عين(١) أُرِيَها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فراجِعْهُ.
وأجيب عن الثانى وهو قوله: ((بينا أنا بين النائم واليقظان، ثم استيقظت)) بأنه
لا حجة فى ذلك إذ يَحْتَمِل قَوْلُه (( بين النائم واليقظان)) إلى آخره أنه أول وصول المَلَّك
كان وهو نائم بشهادة حديث الحَسَن: (( بينا أنا نائم فى الحِجْر جاءنى جبريل فَهَزَّنِى
بَعْقِبه، فجلستُ فلم أَرَ شيئًا فَعُدتُ لمضجعى))، إِلى أَن قال: ((فَجرَّنى إلى باب المسجد فإِذا
أَنَا بِدَابَّة)) أَو أَنه محمول على ابتداء الحال ، ثم لما خرج إلى باب المسجد ، فأَركبه
الْبُرَاق فاستمرّ فى يقظته . وليس فى الحديث أَنه كان نائماً فى القصة كلها . وأما قوله :
(( ثم استيقظتُ وأَنا بالمسجد الحرام))، فقد قال الحافظ: ((إِن قيل بالنَّعَدُّد فلا إشكال
وإلا حُمِل على أَن معناه أَفَقْتُ أَى أَفاق مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة عجائب الملكوت
ورجع إلى العالم الدنيوى فلم يرجع إلى عالم البشرية إلا وهو بالمسجد الحرام )) .
(١) انظر أيضا شرح المواهب ج ٦ ص ٣.
- ١٠٢ -

قال ابن كثير: (( ويؤيد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أُوحِىَ إليه يستغرق
فيه فإذا انتهى رجع إلى حالته الأولى ، فَكُنِّىَ عنه بالاستيقاظ كما فى حديث عائشة ،
حين ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فكَذَّبوه، قال: (( فرجعت وأَنا مهموم
فلم أَسْتَفِقِ إِلا بقرن الثعالب)) أَى وهو مكان . وفى حديث أَبى أُسَيْد - بضم الهمزة وفتح
المهملة - حين جاء بابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُحَنِّكه ، فوضعه على فخذ رسول الله
صلى الله عليه وسلم. واشتغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث / مع الناس. فرفع ٣٤٨ ظ
أَبو أُسَيْد ابنَه ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يجد الصبى فسأل عنه فقالوا
((رُفِع ))، فسَمَّه المُنْذِرِ أَحد رواته استيقاظً. وهذا الحَمْلِ أَحْسَن من تغليط شريك .
تنبيه : قال بعضهم إِنه صلى الله عليه وسلم كان تلك الليلة نائم العَيْن حاضر القلب ،
غَمَّض عينيه لئلا يشغله شىء من المحسوسات عن الله. قال القاضى: ((وهذا غير صحيح
لأَن المقام مشاهدة عجائب الملكوت بشهادة قوله تعالى: ( لِنُرِيَه مِنْ آيَاتِنا)(١)، (لَقَدْ
رأَىَ مِنْ آيَاتٍ رَبِّه الكُبْرَى) (٢)، إِذْ المتبادر منه رؤية العَيْن، ولا يصح أيضاً أن تكون
فى وقت صلاته بالأنبياء .
وأما ما يُعْزى لعائشة رضى الله عنها، فلم يرد بَسَند يصلح للحجة بل فى سَنّده انقطاع وارد
مجهول كما تقدم . وقال أبو الخَطَّاب بن دِحْية فى التنوير (٣): إنه حديث موضوع عليها.
وقال فى مِعْراجه الصغير: ((قال إمام الشافعية القاضى أبو العباس بن سُرَيْج : هذا حديث
لا يصح وإِنما وُضِع رَدًّا للحديث الصحيح)) . انتهى.
وعلى تقدير أن يكون صحيحاً ورد بالبناء للمفعول فعائشة رضى الله عنها لم تُحَدِّث
عن مشاهدة لأنها لم تكن زوجة إِذ ذاك، أَو بالبناء للفاعل: (( ما فَقَدْتُ جسده الشريف))
فعائشة لم يدخل بها إِلا بالمدينة بالإِجماع ، ولا كانت وقت الإِسراء فى سِنّ من يَضْبطُ
الأُمور، لأنها فى سنة الهجرة كانت بنت ثمان سنين . فعلى القول بأن الإِسراء كان قبلها
(١) سورة الإسراء من الآية الأولى
(٢) سورة النجم آية ١٨
(٣) هو التنوير فى مولد السراج المنير نقلا عن ترجمة مؤلفه فى نفح الطيب (جـ ١ ص ٣٧٤: ٣٧٧)
- ١٠٣ -

بسنة تكون بنت سبع ، وعلى القول بأكثر من ذلك تكون أصغر من ذلك ، وعلى قول من
قال : إن الإِسراء كان بعد البعث بعام لم تكن وُلِدت .
تنبيه: قال فى زاد المعاد (١): ((ينبغى أَن يُعْلَم الفرق بين أن يقال: كان الإِسراء
مناما وبين أن يقال : كان بروحه دون جسده ، وبينهما فرق عظيم . وعائشة ومعاوية
لم يقولا : كان مناماً، وإِنما قالا: الإِسراء بروحه ولم يُفْقَد جَسَدُه . وفَرْق بين الأمرين،
فإن ما يراه النائم قد يكون أَمثالاً مضروبة للمعلوم فى الصُّوَر المحسوسة ، فيَرَى كأَنْه ◌ُرِج
به إلى السماء ، أَو ذُهِبْ به إلى مكة أو أقطار الأرض ، وروحه لم تصعد ولم تذهب ، وإِنما
ملك الرؤيا ضرب له المثال ، والذين قالوا : عُرِج برسول الله صلى الله عليه وسلم طائفتان :
طائفة قالت عُرِج بروحه وبَدَنِهِ ، وطائفة قالت عُرِج بروحه ولم يُفْقَد بَدَنُه . وهؤلاء
لم يريدوا أن المعراج كان مناماً وإِنما أرادوا أَن الروح ذاتها أُسرِىَ وعُرِج بها حقيقةً وباشرت
من جنس ما تباشر بعد المفارقة . وكان حالها فى ذلك كحالها بعد المفارقة فى صعودها إلى
السموات سماءً سماءً، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة ، فتقف بين يدى الله تعالى فيأمر
فيها بما يشاء ، ثم تنزل إلى الأرض » .
(( والذى كان برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند
المفارقة . ومعلوم أن هذا أَمْرٌ فوق ما يراه النائم . لكن لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى مقام خرق العوائد، حتى شُقَّ بَطْنُه وهو حَىّ لا يتأَلَم بذلك ، ◌ُرِج بذات روحه المقدسة
حقيقةً من غير إِماتة . ومَنْ سواه : لا يَنَالُ بذات رُوحه الصَّعُودَ إِلى السموات إِلا بعد الموت
والمفارقة(٢)، إلى آخر كلامه، وسيأتى بتمامه فى باب حياته صلى الله عليه وسلم فى قبره .
الفصل الثانى : فى تكرره / :
٣٤٩ و
ذهب جماعة منهم الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشهير بأبى شامة رحمه الله
تعالى إِلى أَن الإِسراء وقع مراراً، واخْتَجَّ بما رواه سعيد بن منصور ، والبَزَّار ، والبيهقى ،
وابن عساكر عن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بينا أنا
(١) زاد المعاد فى هدى خير العباد لابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ ه.
(٢) يقع هذا النص فى ج ٣ ص ٣٠٤: ٣٠٦ على هامش شرح الزرقانى على المواهب.
- ١٠٤ -
٦
٠ ١٠٠

نائم إذا جاء جبريل عليه السلام فوكَزَ بين كَتِفَىّ، فقُمْتُ إِلى شجرة فيها مثل وَكْرَىْ
الطَّيْر، فتعد جبريل فى أحدهما وقَعَدْتُ فى الآخر، فسَمَتْ وارْتَفَعَتْ حتى سَدَّتْ الخافقَيْنِ ،
وَأَنَا أُقَلِّب طَرْفِى، فلو شِئْتُ أَن أَمَسّ السماء لمسست وفُتِح لى بابٌ من أبواب السماء فرأيتُ
النور الأعظم ، وإذا دون الحجاب رَفْرَف الدُّرّ والياقوت ، وفى رواية فَدُلِّ بسبب وهبط
إلى النور فوقع جبريل مَغْشِيًّا عليه كأنه حِلْس، فعرفتُ فَضْلَ خشيته على خشيتى ، فأَوحى
الله تعالى إِلىَّ ما شاء أَن يُوحِى، وفى رواية: فَأَوْحَى إِلىَّ نبياً ملكًا أَو نبياً عبداً وإِلى الجَنَّة
ما أنت ، فأَوماً إِلىّ جبريل وهو مضطجع: أَن تَوَاضَعْ . قال : قلتُ : لا بل نبياً عَبْداً
شرح غريب ما سبق
((وكَزَ)) ضرب برفق. ((وَكْرَى الطائر)) تثنية وَكْر بفتح الواو وهو عُشّ الطائر
إِنْ كان فى جبل أو شجر، والمراد هنا بيتان شبيهان بعُشِّه فى الهيئة والوضع لا فى المقدار .
((نَمَتْ)) زادت. ((الخافقان)) طرفا السماء والأرض أَو المشرق والمغرب وخوافق السماء جهاتها
التى تهب منها الرياح الأربع. ((لمَسِنْتُ)) بكسر أول سينيه وفتحها وقد يُخَفَّف وتُنْقَل
حركتها إلى الميم وقد تُتْرَك الميم مفتوحة ((أُقَلِّبُ طَرْفى)) حال من الضمير قبله أَى مُقَلِّباً
بَصَرى فى آيات الله فى الآفاق. ((حِلْس)) بكسر الحاء والسين المُهْمَلَتَيْن: كِسَاءٌ يلى ظهر
الدابَّة تحت الرَّحْلِ يُثَبَّه به من لَزِمَ شيئاً من خَشْيَةٍ أَو نحو ذلك. ((السَّبَبُ)) فى الأَضْل
الذى يُتَوَصَّل به إلى الماء ثم استُغِير لكل ما يُتَوَصَّل به إلى شىء.
قال الحافظ: (( وحديث أَنَس السابق رجاله لا بأُس بهم إِلا أَن الدارقُطنى ذكر له عِلَّة
تقتضى إِرساله(١) . وعلى كل حال فهى قصة أُخرى ، الظاهر أنها وقعت بالمدينة ، قال
ولا بُعْد فى وقوع مثل ذلك فى المنام ، وإِنما المُسْتَغْرَب وقوع التعدد فى قصة المعراج التى
وقع فيها السؤال عن كل نبى وسؤال أهل كل سماء : هل بُعِث إِليه ؟ وفَرْض الصلوات
الخَمْس وغير ذلك ، فإِن تَعَدُّدَ مِثْل ذلك فى اليقظة لا يتجه ، فيتعَيَّن رَدّ بعض الروايات
(١) أى علة تجعل الحديث فى حكم المرسل والحديث المرسل فى علم مصطلح الحديث هو ما سقط من رواته الصحابى
سواء أكان الراوى المرسل تابعيا كبيرا أم صغيرا وهو ضعيف عند الشافعى فلا يحتج به صحيح عند أبى حنيفة ومالك . انظر
الباعث الحثيث إلى معرفة علوم الحديث لابن كثير ( طبعة القاهرة سنة ١٩٣٦ م ص ٣٧ : ٤٠ )
- ١٠٥ -

المختلفة إلى بعض والترجيح ، إلا أنه لا بُعْد فى وقوع جميع ذلك فى المنام ، ثم وقوعه
فى اليقظة على وَفْقِه ولهذا مزيد بيان فى الباب الثامن .
وذهب جماعة منهم المُهَلَّب شارح البخارى ، وحكاه عن طائفة ، وأبو نصر القشيرى ،
والبغوى ، والسهيلى ، ونقل تصحيحه عن شيخه القاضى أبى بكر العربى ، وجزم به النووى
فى فتاويه إلى أن الإِسراء وقع مَرَّتَيْن: مَرَّة فى النوم ومَرَّة فى اليقظة. قالوا: ((وكانت
مرة النوم توطئة له وتيسيراً عليه ، كما كان فى بدء نُبُوَّته الرؤيا الصادقة ، ليسهل عليه
أمر النبوة ، فإِنه أمر عظيم تضعف عنه القوى البشرية ، وكذلك الإِسراء سَهَّله عليه الرؤيا
لأَن هَوْله عظيم ، فجاء فى اليقظة على توطئة وتَقْدِمة رِفْقًا من الله تعالى بعبده وتسهيلاً
عليه )) .
قال الحافظ: ((ومن المستغرب قول ابن عبد السلام فى تفسيره : إِن الإِسراء كان فى
٣٤٩ ظـ النوم واليقظة ووقع بمكة والمدينة ، فإن كان يريد تخصيص المدينة بالنوم ويكون / كلامه
على طريق اللَّف والنَّشْر غير المُرَّتَّب فيُحْتَمَل ، ويكون الإِسراء الذى اتصل بالمِعْراج
وفُرِضت فيه الصلاة بمكة ، والآخر فى المنام بالمدينة ، وينبغى أن يُزَاد فيه أن الإِسراء فى
المنام تكرر بالمدينة النبوية . ففى الصحيح فى الجنائز حديث سَمُرَة الطويل ، وفى غيره
حديث عبد الرحمن بن سَمُرة الطويل ، وفى الصحيح حديث ابن عباس رضى الله عنهما
فى رؤيا الأنبياء ، وحديث ابن عُمَر فى ذلك .
قلت وسيأتى فى باب مناماته صلى الله عليه وسلم ما فيه مَقْنَع
- ١٠٦ -

الباب السادس
فى دفع شُبْهَة أَهل الزَّيْغ فى استحالة المِعْراج
اعلم أن الإِسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُخالِفِ فى وقوعه أَحَدٌ من المسلمين ،
وإِنما طَعَن فيهَ أَهلُ الرَّيْغِ بِشُبَهٍ باطلة. وقد تَصَدَّى الإِمام الرازى وغيره للرد عليهم ، وأَنا
مُورِدِ تلك الشُّبَه ثم أُتْبِعها بالرد . قال أهل الزيغ والضلالة قَبَّحَهُم الله تبارك وتعالى :
(( الحركة البالغة فى السرعة إلى هذا الحد غير معقولة، ولو صَعَد إلى السموات لوجب خَرْق
الأَفلاك، وذلك مُحَال ، وصعود الجِرْم الثقيل إلى السموات غير مقبول ، ولأن هذا المعنى
لو صَحّ لكان أَعظم من سائر معجزاته ، وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى
يستدلوا به على صدقه من ادِّعاء النبوّة، فأَما أَن يحصل ذلك فى وقت لا يراه [ فيه ](١)
أحد ولا يشاهده فإن ذلك يكون عَبَثًا لا يليق بالحكيم )).
وأُجيب عن الأول أن الحركة البالغة فى السرعة إلى هذا الحد ممكنة فى نفسها ، والله قادر
على ذلك ، ويدل على صحته أن الفَلَك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يَقْرُب
من نصف الدور ، وثبت فى الهندسة أن نسبة القطر إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسُبْعٍ (٢) .
فبتقدير أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو
لم يتحرك [ إِلا](٣) إِلى مقدار نصف القطر . فلما حصل فى ذلك القدر من الزمان نصف
الدور كان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أَوْلَى بالإمكان ، فهذا برهان قاطع على
الارتفاع من مكة إلى ما فوق العَرْش فى مقدار ثلث الليل [ وأَنه ](٣) أَمْرٌ ممكن فى نفسه ..
وإِذا كان كذلك كان حصوله فى كل الليل أَوْلَى بالإِمكان .
(١) إضافة يقتضيها السياق .
(٢) يقصد المؤلف النسبة التقريبية بين قطر الدائرة ومحيطها .
(٣) إضافة يقتضيها السياق.
- ١٠٧ -

وأيضا ثبت فى الهندسة أن ما بين طرفى قرص الشمس ضعف ما بين طرفى كرة الأَرض
مائة ونيفا وستين مرة ، ثم أَنَّا نشاهد طلوع القرص يحصل فى زمان لطيف سريع ، فَدَلَّ
على أن بلوغ الحركة فى السرعة إلى هذا الحد أَمْرٌ ممكن فى نفسه . فإن كان الكلام مع
من لا يعرف الهندسة فنقول له : أنت تشاهد الشمس والقمر والنجوم تقطع من الشروق
إلى الغروب مسافة لا يُقْدَر على قطعها فى أعوام كثيرة .
وأيضاً كانت الرياح تُسَيَّر لسليمان بن داود عليهما السلام إلى المواضع البعيدة فى الأوقات
اليسيرة، قال الله تعالى: ( غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شهرٌ)(١)، والحِسُّ يدل على ذلك وهو أَن
الرياح تنفذ عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان آخر فى غاية البُعْد فى اللحظة الواحدة .
٣٥٠ , وقد أَحضر الذى عنده عِلْمٌ من الكتاب كرسىَّ بلقيس من / أقصى اليمن إلى أرض الشام
فى أقل من لمح البصر. والأجسام متماثلة فى تمام ماهياتها ، فلما حصل مثل هذه الحركة فى
حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها فى سائر الأجسام ، فهى ممكنة والله تعالى قادر
على حصولها فى جسد النبى صلى الله عليه وسلم .
والجواب عن الثانى: وهو خَرْق الأَفلاك فليس بِمُحَال وقد منعه النُّفَاة للجنة والنار .
قال الشيخ سعد الدين(٢): ((ادّعاء استحالة المعراج باطل لأنه إنما ينبنى على أصول الفلاسفة
من امتناع الخَرْق والالتئام على السموات ، وإلا فالخَرْق والالتئام على السموات واقع عند
أهل الحق، والأجسام العلوية والسفلية متماثلة مُرَكَّبة من الجواهر الفردة المتماثلة ، يصح على
كل من الأجسام ما يصح على الآخر ضرورة التماثل المذكور ، فإِن أَمكن خرق الأجسام
السفلية أمكن خرق الأجسام العلوية والله قادر على الممكنات كلها ، فهو قادر على خَرْق
السموات وقد ورد به السمع فيجب تصديقه )).
والجواب عن الثالث : فكما أنه يُسْتَبْعَد صعود الجسم الكثيف يُسْتَبعَد نزول الجسم
اللطيف الروحانى من العَرْش إلى مركز العالم . فإن كان القول بمعراج النبى صلى الله عليه
(١) من الآية ١٢ من سورة سبأ.
(٢) يقصد المؤلف سعد الدين التفتازانى مسعود بن عمر المتوفى سنة ٧٩١ هـ اشتهر بمؤلفاته فى الأصول وعلم الكلام
والمنطق والتفسير وعلوم اللغة ومن كتبه المتداولة شرحه للعقائد النسفية لنجم الدين عمر النسفى « ترجم له ابن حجر فى
الدرر الكامنة والسيوطى فى بغية الوعاة ( ص ٣٩١) وابن العماد فى شذرات الذهب (ج ٦ ص ٣١٩: ٣٢٢).
- ١٠٨ -

وسلم فى الليلة الواحدة ممتنعاً كان القول بنزول جبريل عليه السلام من العَرْش إلى مكة
فى اللحظة الواحدة متنعاً كذلك ، ولو حكمنا هذا الامتناع كان ذلك طعناً فى نُبُوَّة جميع
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والقول بثبوت المعراج فَرْعٌ على تسليم جواز أَصل النبوة ،
فيلزم القائل بامتناع حصول هذه الحركة امتناع نزول جبريل عليه السلام . ولما كان
ذلك باطلاً ، کان ما ذكروه باطلا .
والجواب عن الرابع: أَن كونه ليلاً [ له ](١) فوائد منها: ليزداد الذين آمنو إيماناً
بالغَيْب ، ويفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم ، وقد قال الله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا
التى أَرَيْنَاكَ إِلَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ) (٢)، ومنها أَنه وقت الخَلْوَة والاختصاص عُرْفً ، فإِن بين
جليس الملك نهاراً وجليسه ليلاً فَرْقاً واضحاً ، والخصوصية الليل، ورحم الله القائل :
اللَّيْلُ لِى وَلِأَحِبَّائِى أُنَادِمُهم
قَدِ اصْطَفَيْتُهُمُ كِى يَسْمَعُوا وَيَعُوا
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالعلامات التى تفيد اليقين من وصف بيت المقدس
ووصف العِير التى مَرَّ بها فى طريقه ، وأنها تصل إليهم فى وقت كذا ، فكان كما ذَكَر
كما سيأتى مُفَصَّلاً. ومع ذلك قالوا: ( هَذَا سِخْرٌ مُبِين) (٣). فلا فَرْق بين أَن يُرِيَهم ذلك
نهاراً وأَن يُخْبِرهم بِخَبَرٍ يُفيد اليقين، وقد أَراهم انشقاق القمر فقالوا: هذا: ( سِحْرٌ
مُسْتَمِرُّ)(٤).
(١) إضافة يقتضيها السياق.
(٢) من الآية ٦٠ من سورة الإسراء
(٣) فى الآية السابعة من سورة الأحقاف: ((قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين)).
(٤) من الآية الثانية من سورة القمر .
- ١٠٩ -

الباب السابع
فى أسماء الصحابة الذين رَوَوْا القِصَّة عن النبى صلى الله عليه وسلم
أُبىّ بن كعب رضى الله عنه، رواه عنه ابن مَرْدَوَيه من طريق عُبَيْد بن عُمَيْر ، ومن
طريق مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما مختصرا ، وعبد الله بن الإِمام أحمد فى زوائد
المُسْنَد ، وابن مَرْدَوِيه وابن عساكر بلفظ حديث أَنَس عن أَبِى ذَرّ حرفاً بحرف . قال
الحافظ فى أطراف المُسْنَد: ((إِنه وقع تحريف وكان فى الأصل: ((عن أَبِى ذَرّ)) فسقط
٣٥٠ ظ من النسخة / لفظة ((ذرّ))، فظُنَّ أَن ((أَبِى)) [هى](١) ((أُبَىّ))، فأُدْرِج فى مُسْنَد أَبَىّ
ابن كعب غَلَطاً )) .
قلتُ : نَبَّه الدَّارِقُطْنِى فِى العِلَل على أَن الوهم فيه من أَبِى ضَمْرَة أَنَس بن عياض .
وأسامة بن زيد ، ذكره أبو حفص النسفى فى تفسيره ولم أقف على حديثه .
وأَنَس بن مالك فروايته عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير واسطة رواه عنه الإِمام
أحمد ومسلم من طريق ثابت البُنَانِى. والشيخان من طريق شريك بن عبد الله، وابن مَرْدَوَيَه
من طريق كثير بن خُنَّيْس - بضم الخاء المعجمة وفتح النون وسكون المُثَنَّاة التحتية
فسين مهملة - والنسائى ، وابن مردويه من طريق يزيد بن أبى مالك وابن أبى حاتم من
وجه آخر .
وابن جرير وابن مردويه والبيهقى من طريق عبد الرحمن بن هاشم ، ورُوِى من طريق
عبد العزيز بن صهيب ، والطبرانى من طريق ميمون بن سِيَاه ـ بكسر السين المهملة بعدها
مثناة تحتية - وابن جرير من طريق أبى سلمة بن سليم وابن مَرْدَوَيه [ من(٢) طريق
أبى هاشم عن على بن زيد وعن ثُمَامة - بضم المثلثة أوله ، وابن سعد وسعيد بن منصور ،
والبزار عن أبى عمران الجَوْنى - بفتح الجيم - وعند بعض هؤلاء ما ليس عند الآخر .
(١) إضافة يقتضيها السياق.
(٢) ابتداء من هذا المعقف حتى المعقف الآخر بعد أكثر من صحيفة ساقط من ت وم .
- ١١٠ -
:.

وبُرَيْدة - بضم أوله وفتح الراء وسكون المثناة التحتية - ابن الحُصَيْب - بحاء مضمومة
فصاد مفتوحة مهملتين - رضى الله عنه، ورواه الترمذى والحاكم وصحَّحه ، وبلال بن
حمامة ، وبلال بن سعد ذكرهما أبو حَفْص النسفى ، وجابر بن عبد الله رضى الله عنهما
رواه الشيخان ورواه الطبرانى وابن مردويه بلفظ آخر بسَنّد صحيح ، وحُذَيْفَة بن اليمان
رضى الله عنه رواه ابن أَبِى شَيْبَة وأحمد والترمذى وصَحَّحه / وسَمُرَة بن جُنْدُب رضى الله عنه ـ
رواه ابن مردويه .
٢٩٨ و
ط
وسهل بن سعد رضى الله عنه رواه ابن عساكر، وشدَّاد بن أَوْس رضى الله عنه رواه .
البَزَّار والطبرانى والبيهقى وصَحَّحَه. وصُهَيْب بن سِنان رضى الله عنه رواه الطبرانى وابن
مردويه وعبد الله بن عباس رضى الله عنهما رواه الإمام أحمد وأبو نُعَيْم وابن مردويه من
طريق قابوس - بالقاف والمُوحَّدة - عن أَبيه بسَنَد صحيح. والإِمام أحمد وأبو يَعْلَى من
طريق عِكْرِمة . والشيخان من طريق أَبى العالية ومن طريق ◌ِكْرِمة. والإِمام أحمد والنسائى
والبَزَّار بسند صحيح عن طريق سعيد بن جُبَيْر. والإِمام أحمد وابن أبى شيبة والبزار بسند
صحيح من طريق زُرَارة بن أَوْفَى، وهذه الطرق كلها مُخْتَصَرة .
وعبد الله بن عمر بن الخَطَّب رضى الله عنهما رواه أبو داود والبيهقى . وعبد الله بن
عَمْرو رضى الله عنهما رواه ابن سعد وابن عساكر . وعبد الله بن الزُّبَيْر رضى الله عنهما .
وعبد الله بن أبى أَوْفَى رضى الله عنهما ذكرهما أَبو حَفْص النَّسَفى، وعبد الله بن أسعد بن
زُرَارة رضى الله عنهما رواه البَزَّار والبغوى وابن قائع كلاهما فى معجم الصحابة . وعبد الله
ابن مسعود رضى الله عنه رواه مسلم من طريق مُرَّة ، وابن عَرَفة من طريق أبيه عن عُبَيْد الله .
والإِمام أحمد وابن ماجه من طريق مُؤْثِير - بضم الميم وسكون الواو وكسر المثلثة - ابن عَفَازَة
بفتح المهملة والفاء ثم زاى - الكوفى .
والبَزَّار وأبو يَعْلَى والطبرانى من طريق عَلْقَمة ، والبيهقى من طريق زِرّ - بكسر الزاى
وبالراء - ابن حُبَيْش - بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالشين المعجمة .
وعبد الرحمن بن عابس، ذكره ابن دِحْية فى التنوير . والعباس بن عبد المطلب، وعثمان
ابن عَفَّان رضى الله عنه ذكره أبو حَنْص النسفى، وعلى بن أبى طالب رضى الله عنه رواه
الإِمام أحمد وابن مردويه . وعمر بن الخطاب رضى الله عنه رواه الإمام أحمد وابن مردويه .
- ١١١ -

وأَنَس بن عياض ذكره ابن دحية . ومالك بن صعصعة رضى الله عنه رواه عنه الإمام
أَحمد والشيخان وابن جرير والبيهقى وغيرهم . وأبو بكر الصديق رضى الله عنه ذكره ابن
دحية . وأبو أيوب الأنصارى رضى الله عنه رواه الشيخان فى أثناء حديث أُبَىّ (بن كعب).
وأبو الحمراء رضى الله عنه رواه الطبرانى. وأبو الدرداء رضى الله عنه ذكره أبو حفص
النسفى، وأَبو ذَرّ الغِفارى رضى الله عنه رواه الشيخان. وأَبو سعيد الخُدْرِى - بضم الخاء
المعجمة والدال المهملة - رضى الله عنه رواه ابن جرير وابن أبى حاتم والبيهقى من طريق
أبى هارون العبدى وهو مُتَكَلَّم فيه .
وقد روى البيهقى عن أبى الأزهر قال: حدثنا زيد بن أبى حكيم قال: (( رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى النوم ، فقلت : يا رسول الله أَين رجل من أُمتك يقال له سفيان
الثورى / لا بأس به ؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لا بأس به. حُدِّثنا عن أبى هريرة
عن أبى سعيد الخُدْرِىّ عنك أنك ليلة أُسْرِى بك قُلْتَ: رأيتُ فى السماء، فَحَدَّثْتُه بالحديث ،
فقال : نعم. فقلت : يا رسول الله إن ناساً من أُمتك يُحَدِّثون عنك فى الإِسراء العجائب.
فقال : ذاك حديث القُصَّاص)).
٢٩٨ ظ
ط
وأبو سفيان بن حرب رضى الله عنه ذكره أبو حفص النسفى ، وأبو سلمة بن دحية
وأبو سلمى راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره أبو حفص النسفى. وأَبو ليلى الأَنصارى
رضى الله عنه رواه الطبرانى وابن مردويه ، وأبو هريرة رضى الله عنه رواه مُطَوَّلا ابن جرير
وابن أبى حاتم والبيهقى والحاكم وصححه من طريق أبى العالية ، وفى سنده أبوجعفر الرازى
وهو صدوق الحفظ ، ومختصراً الشيخان من طريق سعيد بن المُسَيِّب، والإمام أحمد ومسلم
من طريقٍ أبى سلمة. والإِمام أحمد وابن ماجه عن طريق أبي الصلت . وابن مردويه عن طريق
سليمان التَّيْيِى. وابن سعد وسعيد بن منصور والطبرانى من طريق مولاه . وأسماء بنت أبى بكر
رضى الله عنها رواه ابن مردويه . وأُم المؤمنين عائشة رضى الله عنها رواه الحاكم وصححه
والبيهقى وابن مردويه من طريق الزهرى عن عروة عنها . وابن مردويه من طريق هشام
[ ابن عروة ] عن أَبيه عنها .
وأم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنها ذكره أبو حفص النسفى .
وأم سلمة أم المؤمنين رضى الله عنها رواه أبو سعيد وابن عساكر . وأُم هانى رضى الله عنها
رواه الطبرانى وأبو يَعْلَى وابن عساكر عن طريق أبى صالح وابن إِسحق بلفظ آخر.
- ١١٢ -

الباب الثامن
فى سياق القصة
اعلم رحمنى الله وإياك أن فى حديث كل من الصحابة السابق ذكرهم فى الباب السابع
ما ليس فى الآخر ، فاستخرتُ اللّه تعالى وأَدخلتُ حديث بعضهم فى بعض ورَتَّبْتُ القصة
على نَسَقٍ واحد ، لتكون أَحلى فى الآذان الواعيات، ولَيَعُمّ النفع بها](١) فى جميع الحالات.
فإن قلت إِن أحاديث المعراج كل حديث منها مخالف للآخر ، فقد يكون المعراج تَعَدَّد
بعددها فلِمَ جَعَلْتَ الكُلَّ قِصّةً واحدة ؟
فأقول: قال فى ((زاد المعاد)) (٢): ((هذه طريقة ضُعَفاء الظاهرية من أَرباب النَّقْل
الذين إذا رأوا فى القصة لفظةً تخالف سياق بعض الرواة جعلوه مَرَّةً أُخرى فكلما اختلفت
عليهم الرواة عَدَّدُوا هم الوقائع والصواب الذى عليه أَئمة النقل أَن الإِسراء كان مَرّةً واحدة
بمكة بعد البعثة ، وياعَجَباً لهؤلاء الذين زعموا أنه وقع مِراراً كيف ساغ لهم أَن يَظُنُوا أَنه
فى كل مرة تُفْرَض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردّد بين رَبِّه وبين موسى حتى تصير خمسًا ،
ثم يقول: ((أَمَضَيْتُ فريضتى وخَفَّفْتُ عن عبادى)) ، ثم يعيدها فى المرة الثانية خمسين
ثم يحطها عشراً عشراً ؟
قال الحافظ عماد الدين بن كثير رحمه الله تعالى فى تاريخه ، بعد أن ذكر أنه لم
يقع فى سياق مالك بن صعصعة ذِكْرُ بيت المقدس: (( وكان بعض الرواة يحذف بعض
الخَبَر للعلم به ، أَو ينساه ، أَو يذكر ما هو الأَّهم عنده ، أَو ينشط تارةً فيسوقه كُلَّه ،
وتارةً يُحَدِّث مُخَاطِبَه بما هو الأَنفع له ))(٣) )، ((ومَنْ جعل كل رواية خالفت الأُخرِى مَرَّةً - ط
٢٩٩ و
(١) هذه هى نهاية ما سقط من م وقد ذكر فى م عنوان الباب السابع فى أسماء رواة القصة ولكنها لم تدرج به.
(٢) يقع النص التالى فى نسخة زاد المعاد المطبوعة على هامش شرح الزرقانى على المواهب جـ ٣ ص ٣٠٨.
(٣) يقع هذا النص فى البداية والنهاية لابن كثير جـ ٣ ص ١١٧ وفى المطبوعة يبسط بدلا من ينشط وعبارة: يحدث
مخاطبه وردت فى المطبوعة : يحذف عن مخاطبة . والنص الذى نقله المؤلف أصح .
- ١١٣ -
(٨ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣ )

على حِدَة ، فَأَثْبَتَ إِسراءات متعددة فقد أَبعد وأغرب وهرب إلى غير مَهْرَب ولم يحصل
على مطلب(١)))، ((وذلك أَن كل السياقات فيها تعريفه بالأنبياء، وفى كلها تُفْرَض عليه
الصلوات، فكيف يُدَّعَى تعدد ذلك؟ هذا فى غاية البُعْد))، ((ولم يُنْقَل ذلك عن أَحَدٍ من
السلف ولو تَعَدَّد هذا التعدد لأَخبر النبى صلى الله عليه وسلم به أُمَّتَه ولنقله الناس على.
التكرار )) . انتهى .
وقال الحافظ فى الفتح نحوه وزاد: (( ويلزم أيضاً وقوع التعدد فى سؤاله صلى الله عليه
وسلم عن كل نبى وسؤال أَهل كل باب : هل بُعِث إِليه ؟ وفَرْض الصلوات الخَمْس وغير
ذلك ، فإِن تعدد مثل ذلك فى القصة لا يَتَّجِه، فيتعيَّن رَدّ بعض الروايات المختلفة إِلى
بعض أَو الترجيح إِلا أَنه لا يُعَدّ وقوع مثل ذلك فى المنام توطئة ثم وقوعه يَقَظة)) . انتهى
مُلَخَّصًا .
إذا عُلِمٍ ما تقرر فأَقول: (( بينما النبى صلى الله عليه وسلم عند البيت فى الحِجْر، إِذ أَتاه
٣٥١ و جبريل وميكائيل ومعهما مَلَك آخر / ، فقال أَوَّلُهم: أَيُّهم ؟ فقال أَوسطهم هو خيرهم .
فكانت تلك الليلة ، فلم يرهم حتى ليلة أُخرى . فقال الأَول : هو هو. فقال الأوسط :
نعم، وقال الآخر: خذوا سَيِّدَ القوم الأَوسط بين الرجلين . فرجعوا عنه حتى إذا كانت
الليلة الثالثة ، رآهم ، فقال الأَول: هو هو، فقال الأوسط: نعم ، وقال الآخر : خذواً سيد
القوم الأَوسط بين الرجلين . فاحتملوه حتى جاءوا به زمزم ، فأَلْقَوْه على ظهره فَتَولَّاه منهم
جبريل )).
وفى رواية: ((فُرِج سقف بيتى، فنزل جبريل ، فشَقَّ من ثُغْرَة نَحْرِه إلى أسفل بطنه ،
ثم قال جبريل لميكائيل : ائتينى بطست من ماء زمزم كما أُطَهِّر قلبه وأَشرح صدره ،
فاستخرج قلبه ، فغَسَله ثلاث مرات ، ونزع ما كان فيه من أَذى ، واختلف إِليه ميكائيل
بثلاث طسوت من ماء زمزم ، ثم أَنى بطست من ذهب ممتلى حكمةً وإيماناً ، فأَفرغه فى صدره ،
وملاَّه حِلْمًا وعِلْمًا ويقيناً وإِسلاماً. ثم أَطبقه ثم خَتَم بين كتفيه بخاتم النبوة ، ثم
(١) هذه الفقرة لم ترد فى البداية والنهاية لابن كثير إنما وردت فى تفسيره جـ ٣ ص ٠٢٢
- ١١٤ -

أُتِى بالبُرَاق مُسْرَجاً مُلْجَمًا ، وهو دابة أبيض ، طويل فوق الحمار ودون البغل ، يضع
حافره عند منتهى طرفه ، مضطرب الأذنين ، إِذا أَتى على جَبَل ارتفعت رجلاه ، وإِذا هبط
ارتفعت يداه ، له جناحان فى فخذيه يحفز بهما رجليه)).
وعند الثعلبى بسَنَد ضعيف عن ابن عباس رضى الله عنهما: ((له خَدّ كخدّ الإِنسان
وعُرْف كُعُرْف الفَرَس وقوائم كالإِبل وأَظلاف وذنب كالبقر)). انتهى. ((فاستصعب عليه ))
وفى رواية ((فشَمَس(١)، وفى رواية كأنها صَرَّت(٢) أُذنيها فَرَزَّها (٣) جبريل وقال: مَهْ
أَبمحمدٍ تفعلين هذا؟)) وفى رواية: ((فوضع جبريل يده على مَعْرَفته ثم قال: ((أَلا تستحى
يا بُرَاق؟ فوالله ما ركبك خلق)) - وفى رواية - ((عَبْدُ للَّهِ قطّ أَكرم على الله منه . فاستحى
حتى ارْفَضَّ عَرَفًا، وقَرَّ حتى رَكِبَها)) - وفى رواية - ((رَكِبَه. وكانت الأنبياء تركبها قبله)).
وقال أَنَس بن مالك: (( كانت الأنبياء تركبها قبله)). وقال سعيد بن المُسَيَّب، وأَبو سَلَمة
ابن عبد الرحمن: ((وهى دابة إِبراهيم التى كان يزور عليها البيت الحرام )).
فانطلق به جبريل - وفى رواية - فانطلقت مع جبريل. وعند أبى سعيد النيسابورى فى
الشرف(٤): فكان الآخذ بركابه جبريل، وبزمام البُرَاق ميكائيل - وفى رواية : جبريل
عن يمينه ، وميكائيل عن يساره . فساروا حتى بلغوا أرضاً ذات نخل . فقال له جبريل :
انزل فَصَلِّ ههنا، ففعل، ثم ركب. فقال له جبريل: أَتدرى أَين صَلَّيْت ؟ قال: لا .
قال : صَلَّيْتَ بطَيْبَة وإليها المهاجر . فانطلق البُرَاق يَهْوِى به ، يضع حافره حيث أَدرك
طرفه . فقال جبريل : انزل فَصَلِّ ، ففعل. ثم ركب . فقال جبريل: أَتدرى أَين صَلَّيْتَ ؟
قال : لا. قال : صَلَّيْتَ بمَدْيَن عند شجرة موسى. ثم ركب . فانطلق البُرّاق يهوى. ثم
(١) شمست الدابة تشمس شموسا وشماسا جمحت ونفرت . وفى هامش ط شمس الفرس منع ظهره فهو شامس وشموس.
(٢) صر يصر صريرا، صر الفرس، أو الحمار أذنه وبأذنه نصبها للاستماع.
(٣) فى الأصول: فأدارها جبريل بأذنيها. وفى تفسير ابن كثير فرزها من رز يرز وزا رزها بالراء ثم بالزاى
أى أثبتها .
(٤) فى الأصل بالسين المهملة وصوابه المعجمة واسم الكتاب : شرف المصطفى، ومؤلفه هو أبو سعيد عبد الملك
ابن أبى عثمان محمد بن إبراهيم ، النيسابورى من علماء نيسابور ووعاظها وقد صنف أيضا كتاب الزهد وكتاب دلائل
النبوة وغير ذلك ترجم له ابن الجوزى فى المنتظم ( جـ ٧ ص ٢٧٩) فى وفيات سنة ٤٠٦ هـ . وكما ترجم له ابن العماد
في شذرات الذهب ( ج ٣ ص ١٨٤ و ١٨٥) غير أنه ذكره فى وفيات سنة ٤٠٧ هـ.
- ١١٥ -

قال : انزل فَصَلِّ. ففعل، ثم ركب. فقال: أَتدرى أَين صَلَّيْت ؟ قال : لا . قال :
صَلَّيْتَ بطور سينا حيث كَلَّم الله موسى .
ثم بلغ أرضاً بدت له قصوراً . فقال له جبريل : انزل فَصَلِّ . ففعل ، ثم ركب
وانطلق البُرَاق يهوى. فقال له جبريل : أَندرى أَين صَلَّيْتَ ؟ قال: لا . قال: صَلَّيْتَ
ببيت لحم ، حيث وُلِد عيسى . وبينا هو يسير على البُرَاق إِذ رأَى عِفْريتًا من الجِنّ ،
يطلبه بشعلةٍ من نار ، كلما التفت رآه . فقال له جبريل : أَلاَ أُعَلِّمك كلمات تقولهن ،
فإِذا قلتهن طَفِئَتْ شُعْلَتُه وخَرَّ لِفِيه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بلى ، فقال
جبريل: ((قُلْ أَعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التأمَّات التى لا يجاوزهُنّ بَرُّ ولا فاجر،
من شَرِّ ما ينزل من السماء ، ومن شَرِّ ما يَعْرُج فيها، ومن شَرِّ ما ذرَأَ فى الأَرض ، ومن
شَرِّ ما يخرج منها، ومن شَرِّ فِتَن الليل والنهار ، ومن طوارق الليل والنهار إِلا طارقاً يطرق
٣٥١ظ بخير يا رَحْمُن)). / فانكَبَّ لفيه وانطفأَت شعلتُه.
فساروا حتى أَتَوْا على قوم يزرعون فى يوم ويحصدون فى يوم ، كلما حصدوا عاد كما كان
فقال : يا جبريل ما هذا ؟ قال : هؤلاء المجاهدون فى سبيل الله تُضَاعَف لهم الحَسَنة بسبعمائة
ضِعْف، وما أَنفقوا من شىء فهو يُخْلِفُه . ووجد ريحًا طيبة ، فقال : يا جبريل ما هذه
الرائحة ؟ قال : هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها ، بينا هى تَمْثُط بنت فرعون
إِذ سقط المشْط ، فقالت: بسم الله، تَعِسَ فرعون. فقالت ابنة فرعون: أَوَلَكِ رَبُّ
غير أَبى ؟ قالت: نَعَم، رَبِّى ورَبُّكِ الله . وكان للمرأة ابنان وزوج فأرسل إليهم فراود
المرأة وزوجها أَن يرجعا عن دينهما ، فقال: إِنى قاتلكما ، فقالا : إِحساناً منك إِن قتلتنا
أَن تجعلنا فى بيت - وفى رواية قالت: إِن لى إليك حاجة . قال : وما هى ؟ قالت : تجمع
عظامى وعظام ولدىّ ، فتدفِنَّا جميعا. قال: ذلك لَكِ بما لَكِ علينا من الحق، فَأَمَرِ بنُقْرَةٍ
من نُحَاس فأُحْيِيَت، ثم أُمِر بها لتُلْقَى فيها هى وأولادُها، فأُلْقُوا واحداً واحداً ، حتى بلغوا
أصغر رضيع فيهم ، فقال: يا أُمَّه قَعِى ولا تقاعسى فإِنك على الحق. قال: وتكلم أربعة
[فى المهد](١) وهم صِغَار : هذا وشاهد يوسف وصاحب جُرَيْج وعيسى ابن مريم عليه السلام.
( ١) إضافة نقلا عن ابن كثير فى تفسيره ( ج ٣ ص ١٥)
- ١١٦ -
٠ ٠٠٠١٠٠.

ثم أتى على قَوْم تُرْضَخ رءوسُهم، كلما رُضِخَتْ عادت كما كانت . ولا يفتر عنهم
من ذلك شىء. فقال : يا جبريل مَنْ هؤلاء ؟ فقال : هؤلاء الذين تتشاغل رءوسهم عن
الصلاة المكتوبة. ثم أتى على قوم على أَقبالهم رِقاع وعلى أدبارهم رِقاع، يَسْرَحُون كما تَسْرَح
الإِبل والغَنَم، ويأكلون الضَّريع(١) والزَّقُوم(٢) ورَضْف جهمَّ وحجارتها. فقال: مَنْ
هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين لا يُؤَّدُّون صَدَقات أموالهم ، وما ظلمهم الله شيئاً .
وأَنى على قوم بين أيديهم لَحْمُ نضيج فى قدور، ولَحْمٌ آخر نَيَِّ خبيث ، فجلعوا
يأُكلون من النَّيِّئُ الخبيث ويَدَعُون النضيج . فقال: ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الرجل
من أُمَّتِك تكون عنده المرأة الحلال الطَّيِّب، فيأنى امرأةً خبيثة، فيبيت عندها حتى يُصْبِحِ،
والمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طَيِّبًا، فتأتى رجلاً خبيثاً فتبيت معه حتى تُصْبِح .
ثم أَنى على خَشَبَةٍ على الطريق لا يَمُرّ بها ثَوْبُ ولاشىءٍ إِلا خَرَقَتْه. فقال: ما هذا ياجبريل؟
فقال : هذا مثل أَقوام من أُمَّتِك يقعدون على الطريق فيقطعونه، وتلا : ( ولا تَقْعُدُوا بكلِّ
صِراطٍ تُوعِدُون(٣) ) ورأى رجلاً يَسْبَح فى نهرٍ من دَم، يُلْقَمُ الحجارة ، فقال : مَنْ هذا ؟
قال : آكِلُ الرِّبا. وأَنى على قوم قد جمع الرجل منهم حِزْمَةً عظيمة لا يستطيع حَمْلَها ،
وهو يزيد عليها ، فقال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الرجل من أُمَّتِّك تكون عنده
أَمانات الناس لا يَقْدِر على أَدائها ، ويريد أَن يَتَحَمَّل عليها .
ثم أَنى على قوم تُفْرَض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قُرِضت عاد ،
لا يَفْتُر عنهم من ذلك شىء، فقال: من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء خُطَباء الفتنة من
أُمتك يقولون ما لا يفعلون . ومَرَّ بقوم لهم أَظفار من نحاس يَخْمِشون وجوههم وصدورهم ،
فقال : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويَقَعُون فى أعراضهم .
(١) فى تفسير القرطبى للآية السادسة من سورة الغاشية: ((ليس لهم طعام إلا من ضريع)) (جـ ٢٠ ص ٢٩: ٣٠)
إن الضريع نبت ذو شوك لاصق بالأرض تسميه قريش الشبرق إذا كان رطبا فإذا يبس فهو الضريع لا تقربه دابة ولا بهيمة
ولا ترعاه وهو سم قاتل وهو أخبث الطعام وأشنعه . وعلى هذا عامة المفسرين . ثم أورد القرطبى أقوالا أخرى .
(٢) وردت فى التنزيل فى سورة الواقعة والصافات والدخان. وقال القرطبى فى تفسيرها (جـ ١٥ ص ٨٥) إنها
مشتقة من التزقم وهو البلع على جهد لكراهتها ونتنها .. وأنها تحيا بلهب النار كما تحيا الشجرة ببرد الماء ، فلابد لأهل
النار من أن ينحدر إليها من كان فوقها ، فيأكلون منها وكذلك يصعد إليها من كان أسفل .
(٣) سورة الأعراف آية ٨٦.
- ١١٧ -

وأتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم ، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث
خرج فلا يستطيع ، فقال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة
٣٥٢و ثم يندم عليها/ فلا يستطيع أن يردها . وأتى على واد فوجد ريحاً طيبة باردة كريح المسك ،
وسمع صوتاً ، فقال : يا جبريل ما هذا ؟ قال : هذا صوت الجنة تقول : يا رب إِيتنى
بما وعدتنى، فقد كثرت غُرَفى واستبرقى وحريرى وسندسى، وعبقرىّ(١) ولؤلؤى ومَرْجانى
وفضتى وذهبى ، وأكوابى وصِحَافى وأَباريقى ومراكبى وعسلى ومائى، ولبَنِى وَخَمْرِى.
قال : لكِ كُلُّ مسلمٍ ومسلمة ومؤمنٍ ومؤمنة، ومَن آمن بى وبِرُسُلى ، وعمل صالحاً ،
ولم يُشرِك بى ، ولم يتخذ من دونى أَندادًا، ومن خشينى فهو آمن ، ومن سأَلَنِى أَعْطِيْتُه،
ومن أَفرَضنِى جَزِيْتُه، ومن توَكل عَلَىَّ كفيْتُه، إِى أَنا الله لا إله إِلا أَنا، لا أُخلِف
الميعاد ، وقد أَفلح المؤمنون ، وتبارك الله أَحْسَن الخالقين. قالت: قد رَضِيت .
وأَتى على وادٍ فسمع صوتًا مُنكرًا ووجد ريحًا مُنتِنة ، فقال : ما هذا يا جبريل ؟ قال :
هذا صوت جهنم تقول : يارب إِيتنى بما وعدتنى، فقد كثرت سلاسل وأَغلالى وسَعيرى
وحَميمى وضريعى وغسَّاقى وعذابى ، وقد بَعُدَ قعْرِى واشتدّ حَرِّى ، فاتِى بما وعدتنى.
فقال : لكِ كُلُّ مُشرِكٍ ومُشرِكة ، وكافر وكافرة ، وخبيث وخبيثة ، وكلُّ جَبَّار لا يؤمن
بيوم الحساب : قالت : قد رَضِيت .
ورأَى الدَّجَّال فى صورته رؤية عين لا رؤيا منام ، فقيل : يا رسول الله كيف رأيته ؟
فقال: ((رأيته فيلمانيًا(٢) أَقمر هجان إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دُرِّىّ ، كأَن
شعْر رأسه أَغصان شجرة، أُشْبِّهُه بعبد العُزَّى بن قطن(٣))). ورأَى عمودًا أبيض كأَنه
لؤلؤة ، تحمله الملائكة ، فقال : ما تحملون ؟ قالوا : عمود الإِسلام ، أُمِرنا أَن نضعه
بالشام. وبينا يسير إِذ دعاه داعٍ عن يمينه : يا محمد ، أَنظِرْنى أَسأَلك. فلم يُجِبْه . فقال :
ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا داعى اليهود ، أَمَا إِنك لو أَجَبْته لتهَوَّدت أُمَّتُك . وبينا
(١) جاء فى النهاية لابن الأثير (جـ ٣ ص ٦٣) العبقرى هى الديباج وقيل البسط الموشية وقيل الطنافس الثخان.
وفى التنزيل: ((متكئين على رفرف خضر وعبقرى حسان)) ( سورة الرحمن آية ٧٦).
(٢) الفيلم كحيدر الرجل العظيم والجبان والعظيم الجمة ، عن القاموس المحيط.
(٣) هذا الحديث أخرجه مسلم مطولا عن النواس بن سمعان، برواية مختلفة، انظر النووى على مسلم جـ ١٨ ص
٦٣ : ٠٧٠
- ١١٨ -

هو يسير إِذ دعاه داعٍ عن شِماله: يا محمد أَنظِرْنى أَسأَّلك، فلم يُجْبه ، فقال : ما هذا
يا جبريل؟ قال: هذا داعى النصارى ، أَمَا إِنك لو أَجَبْته لتنصَّرت أُمَّتُك .
وبينا هو يسير ، إِذا بامرأة حاسرة عن ذراعها وعليها من كل زينة خلقها الله تعالى .
فقالت : يا محمد أَنظِرْنى أَسأَلك ، فلم يلتفت إليها ، فقال : ما هذه يا جبريل ؟ قال :
تلك الدنيا ، أَمَا إِنك لو أَجبتها لاختارت أُمتك الدنيا على الآخرة . وبينا هو يسير فإِذا
هو بشىء يدعوه متنحيًا عن الطريق ، يقول: هَلُمّ يا محمد ، فقال جبريل ، سِرْ يا محمد ،
فقال : من هذا ؟ قال : هذا عدو الله إبليس ، أَراد أَن تميل إليه . وسار فإِذا هو بعجوز
على جانب الطريق ، فقالت : يا محمد أَنظِرْنى أَسأَلك ، فلم يلتفت إليها ، فقال : من هذه
يا جبريل ؟ قال : إِنه لم يبق من الدنيا إِلا ما بقى من عُمْر هذه العجوز . وبينا هو يسير
إِذ لقيه خلق من خلق الله ، فقالوا : السلام عليك يا أَوّل ، السلام عليك يا آخر ، السلام
عليك يا حاشر ، فقال جبريل : اردُدْ السلام ، فرَدّ ، ثم لقيه الثانية فقال له مثل ذلك ،
ثم لقيه الثالثة فقال له مثل ذلك . فقال : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : إبراهيم وموسى
وعيسى .
ومَرَّ على موسى وهو يصلى فى قبره عند الكثيب الأحمر ، رجل طوال سبط آدم كأَنه
من رجال شنوءة، وهو يقول يرفع صوته : أَكرِمتَه وفَضَّلْتَه، فُدِفع إليه، فسَلَّم عليه
فَردّ عليه السلام ، وقال : من هذا معك يا جبريل ؟ فقال: هذا أَحمد ، فقال : مرحبًاً
بالنبي العربى الذى نصح لأُمته ودعا له بالبركة / وقال : سَلْ لأُمتك اليسر .
٣٥٢ ظ
فساروا فقال : يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا موسى بن عمران ، قال : ومن يُعَاتِب ؟
قال : يُعَاتِب رَبّه . قال : أَوَ يرفع صوته على ربه ؟ قال جبريل : إِن الله تعالى قد عرف
له حِدَّته . ومَرَّ على شجرة كان ثمرها السرح ، تحتها شيخٌ وعياله، فرأَى مَصَابِيحَ وَضَوْءًا .
فقال : من هذا يا جبريل ؟ قال: أَبوك إبراهيم. فسَلَّم عليه فَرَدَّ عليه السلام. وقال :
منْ هذا معك يا جبريل ؟ قال : هذا ابنك أَحمد. فقال: مرحبا بالنبى العربى الذى بَلَّغ
رسالة ربه ونَصَح لأُمَّه، يا بُنِىَّ إِنك لاقٍ رَبَّك الليلة، وإِن أُمتك آخر الأُمم وأَضعفها ،
فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جُلَّها فى أُمتك فافعل . ودعا له بالبركة .
- ١١٩ -

فسار حتى أتى الوادى الذى فى المدينة يعنى بيت المقدس ، فإِذا جهنم تنكشف عن مثل
الروابى . فقيل: يا رسول الله كيف وجدتها؟ قال: ((مثل الحُمَم)) ثم سار حتى انتهى
إلى المدينة ، فدخلها من بابها اليمانى ، وإِذا عن يمين المسجد وعن يساره نوران ساطعان .
فقال : يا جبريل ما هذان النوران ؟ قال : أَما الذى عن يمينك فإِنه محراب أَخيك داود ،
وأَما الذى عن يسارك فعلى قبر أُختك مريم . فدخل المسجد من باب فيه تميل الشمس
والقمر ، فأتى جبريل الصخرة التى ببيت المقدس ، فوضع أصبعه فيها فخرقها ، فشَدَّ بها
البُرَاق، وفى رواية مسلم، فربطه بالحَلْقَة التى تَرْبُط بها الأَنبياء . فلما استوى بها النبى
صلى الله عليه وسلم فى صخرة المسجد ، قال جبريل : يا محمد هل سأَلت ربك أَن يُرِيَك
الحور العين ؟ قال : نعم ، قال جبريل : فانْطَلِقْ إِلى أُولئك النسوة فسَلِّمْ عليهن، وهُنَّ
جلوس عن يسار الصخرة ، فانتهى إليهن ، فسَلَّم عليهن ، فرَدَدْنَ عِليه السلام . فقال :
من أَنْتُنَّ؟ فقُلْنَ: ((خَيْرات حسان(١)))، نساءُ قوم أَبرار ، نقوا فلم يَدْرَنوا، وأقاموا
فلم يظعنوا ، وخُلِّدوا فلم يموتوا .
ثم صَلَّى هو وجبريل كل واحد ركعتين فلم يلبث إلا يسيرًا حتى اجتمع ناس كثيرون ،
ز
فعرف النبيين من بين قائم وراكع وساجد ، ثم أَذَّن مُؤَذِّن وأُقيمت الصلاة ، فقاموا
ينتظرون من يَؤُمُّهم ، فأخذ جبريل بيده فقَدَّمه فصَلَّى بهم ركعتين ، وفى رواية : ثم
أقيمت الصلاة ، فتدافعوا حتى قَدَّموا مُحمدًا. وعند الواسطى عن كعب: فَأَذَّن جبريل
ونزلت الملائكة من السماء وحشر الله له المرسلين ، فصلى النبى صلى الله عليه وسلم بالملائكة
والمرسلين ، فلما انصرف ، قال جبريل : يا محمد ، أَندرى من صَلَّى خَلْفَك ؟ قال :
لا . قال : كُلُّ نِيٍّ بعثه الله تعالى .
وفى حديث أَبِى هُرَيْرة رضى الله عنه، عند الحاكم وصحَّحَه البيهقى: فلقى أَرواح
الأنبياءِ، فَأَثْنَوْا على ربهم. فقال إبراهيم: (( الحمد لله الذى اتخذنى خليلاً وأعطانى مُلْكًاً
عظيماً وجعلنى أُمَّةً قانتا يُؤْتَمّ بى، وأَنقذنى من النار، وجعلها علىّ بَرْدًا وسلامًا. ثم إن موسى
أثنى على ربه تبارك وتعالى فقال: ((الحمد لله الذى كَدَّمنى تكلياً وجعل هلاك فرعون ونجاة بنى
(١) مقتبسة من الآية السبعين فى سورة الرحمن: ((فيهن خيرات حسان)).
- ١٢٠ -