Indexed OCR Text
Pages 61-80
قلت : ولا تنافى بين هذه الأقوال ، فإنه صلى الله عليه وسلم متصف بها . فإن قيل : على قولنا ذو مِرَّة ، قد تقدم بيان كونه شديدَ القُوَى ، فكيف تقول قواه شديدة وله قوة ؟ فالجواب من وَجْهَيْن : أَحدهما: أَن ذلك لا يحسن إِذا كان وصفاً بعد وصف، وأَما إِذا جاء بدلاً فيجوز ، كأَنّه قال : عَلَّمه ذو قوة ، ونزل شديد القوى فليس وصفاً له وتقديره ذو قوة عظيمة أَو كاملة. الثانى: أَن إِفراد ((مِرَّة)) بالذكر ربما يكون لبيان أَن قواه المشهورة شديدة وله قوة أُخرى خصَّه الله تعالی بها . على أَنَّا نقول المراد ذو شدة وهى غير القوة، وتقديره عَلَّمه مَنْ قَوَاه الشديدة ، وفى ذاته أيضاً شِدّة، فإن الإِنسان ربما يكون كثير القوة صغير الجُثَّة . وفيه لطيفة وهى أنه تعالى أراد بقوله: ((شديد القوى))، أى قوة العلم، وبقوله: ((ذو مِرَّة)»، أى شدة فى الجسم، قَدَّمَ العِلْمِيَّة على الحِسْمِيَّة، كما قال تعالى: ((وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى العِلْمِ وَالْجِسْمِ(١) ))، وتقدم الكلام على ((ذو)) فى اسمه صلى الله عليه وسلم: ((ذو الوسيلة))، فراجعْه . الحادى عشر: فى الكلام على قوله تعالى: ((فاستوى ، وهو بالأُفُق الأعلى )). اللباب: ((قال مكى: استوى يقع للواحد وأكثر مايقع من اثنين ولذلك جعل الفَرَّاء الضمير لاثنين )) . الماوردى والقرطبى: ((فاستوى)) يعنى جِبْريل أى ارتفع وعلا إلى مكانه فى السماء ، بعد أَن عَلَّم محمداً صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن المُسَيَّب وابن جُبَيْر. وقال الإِمام : ((إِنه المشهور))، وقيل ((فاستوى)) أى ظهر فى صورته التى خلقه الله تعالى عليها، لأَنه كان يأتى النبى صلى الله عليه وسلم فى صورة الآدميين كما كان يأتى [ إِلى ] الأنبياء، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يُرِيَه نفسه التى خلقه الله عليها، فأَرَاء نَفْسَه مَرَّتَيْن : مَرَّة فى الأَرض ومَرَّة فى السماء، فأَما فى الأَرض فى الأُفُقِ الأَعلى، وكان النبى صلى الله ؟ عليه وسلم بحِرَاء، فطلع له جبريل من المشرق، فَسَدَّ الأَرض إلى المَغْرب، فَخَرَّ النبى صلى الله عليه وسلم مَغْشِيًّا عليه، فنزل إليه فى صورة الآدميين وضَمَّه إلى / نفسه وجعل يمسح ٣٣٧و (١) سورة البقرة آية ٢٤٧. - ٦١ - الغُبَار عن وجهه ، فلما أفاق النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( يا جبريل ما ظننتُ أَن الله تعالى خلق أَحدًا على مثل هذه الصورة ؛ . فقال: يا محمد إنما نشرتُ(١) جَنَاحَيْن من أَجنحتى وأن لى ستمائة جَنَاح سعة كل جَنَاح ما بين المشرق والمغرب. فقال: ((إن هذا لعظيم)). فقال له : وما أنا فى جَنْب ما خلقه الله إلا يسيراً ، ولقد خلق الله تعالى إِسرافيل له ستمائة جَنَاح ، كل جناح قَدْر أَجنحتى ، وإنه ليتضاءل أحياناً - يتضاءل بالضاد المعجمة والهمز - من مخافة الله تعالى حتى يكون بقدر الوَصَع - بفتح الواو والصاد وبالعَيْن المهملتين(٢) ، يعنى العصفور الصغير ، دليله قوله تعالى: ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين(٣)). وأما فى السماء فعند سِدْرة المنتهى ، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إِلا نبينا صلى الله عليه وسلم . ابن كثير: ((وهذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء ، بل قبلها ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى الأرض فى أوائل البعث بعد فترة الوحى )) . اللباب: ((فى الضمير وجهان: أحدهما: وهو الأَظهر أنه مبتدأ، (وبالأُفق)) خَبَرُه، والضمير لجبريل أَو للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم فى هذه الجملة وجهان: الأول : أَنها حال من فاعل ((فاستوى )) قاله مكى . قال القرطبى: والمعنى فاستوى جبريل عالياً على صورته ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك رآه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا))، انتهى . ((الثانى: أنها مستأنفة، أخبر الله تعالى بذلك، ثانيهما: أَن ((وهو)) معطوف على الضمير المستتر فى استوى .. وضمير استوى إما أن يكون لله تعالى وهو قول الحَسَن أَو لجبريل أو لمحمد ، وهذا ضعيف، لأنه يقال استوى هو وفلان ولا يقال استوى وفلان إلا فى ضرورة الشِّعْر، والصحيح استوى جبريل وجبريل بالأُفق الأعلى [ على صورته الأصلية (٤) ] لأَنه كان يتمثّل للنبى صلى الله عليه وسلم [ إِذا نزل بالوَحْى(٤) ] فى صورة رجل ، فأُحب النبى (١) فى الأصول: نثرت، ولا يقال نثر الجناح وإنما يقال نشره وهذه عبارة القرطبى التى نقلها المؤلف. (٢) جاء فى النهاية لابن الأثير (جـ ٤ ص ٢١٣): إن العرش على منكب إسرافيل وإنه ليتواضع للّه تعالى حتى يصير مثل الوصع ، يروى بفتح الصاد وسكونها وهو طائر أصغر من العصفور والجمع وصعان . (٣) سورة التكوير آية ٢٣ . (٤) زيادة من تفسير القرطبى. ٦٢ ٠ صلى الله عليه وسلم أن يراه على صورته الحقيقية فاستوى جبريل فى أُفُق المشرق فملأً الأُفْقِ )) . وروى الإمام أحمد، وعَبْد بن حُمَيْد ، وابن المنذر ، والبيهقى ، وأَبو نُعَيمْ عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فى صورته، له ستمائة جَنَاح، كل جَنَاح منها قد سَدَّ الأُفُق وتسقط من أَجنحته التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم . وروى الإِمام أحمد عن ابن عباس فى الآية قال : سأَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم جبريل أَن يراه فى صورته ، فقال: ادعُ رَبَّك، فدعا رَبَّه عزَّ وجلّ ، فطلع عليه سَوَادٌ من قِبل المشرق ، فجعل يرتفع وينتشر ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم صُعِقٍ ، فأَّتاه فَقَرُبَ منه ومَسَحَ الغُبار عن وجهه . المصباح: ((الأُفُق بضمتين الناحية من الأَرض ومن السماء والجمع آفاق، زاد فى الصحاح : والأُفْق بضمة فسكون مثل عُسْرِ وعُسُر )). الماوردى: ((فى الأُفق الأَعلى ثلاثة أقوال : أحدها : مطلع الشمس قاله مجاهد ، الثانى : هو بالأُفق الذى يأتى منه النهار قاله قتادة يعنى طلوع الفجر ، الثالث : هو أُفُق السماء وهو جانب من جوانبها ، قاله ابن زيد ، ومنه قول الشاعر : أَخذنا بآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُمُ لنا قَمَراها والنجومُ الطَّالِعُ الثانى عشر : فى الكلام على قوله تعالى: ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّ ) . الإِمام الرازى: ((فيه وجوه : الأول: وهو أشهرها أَن جبريل دنا من النبى صلى الله عليه وسلم / ، أَى بعد ما مَدَّ جناحه وهو بالأُفُقِ الأَعلى عاد إلى الصورة التى كان يعتاد " النزول عليها ، وقَرُب من النبى صلى الله عليه وسلم )) . ٣٣٧ ظ القرطبى: ((أَى دنا جبريل بعد استوائه بالأُفق الأَعلى ((فَتَدَّى)) على النبى صلى الله عليه وسلم ، المعنى أنه لما رأَى النبى صلى الله عليه وسلم من عظمة جبريل ما رأَى وهاله ذلك ، رَدَّه الله تعالى إلى صورة آدمى حين قرب من النبى صلى الله عليه وسلم بالوحى . هذا قول الجمهور ، انتهى ، وعليه ففى تَدَلَّ ثلاثة أقوال: الأول أَن الدنوّ والتدلى بمعنى واحد كمأَن، قال : دنا فَقَرُب . - ٦٣ - اللباب: ((ذهب الفَرَّاء إِلى أَن الفاء فى ((فَتَلَّى)) بمعنى الواو، والتقدير: ثم تدلى عليه الصلاة والسلام ودنا . ولكنه جائز إذا كان معنى الفِعْلَيْن واحداً قَدَّمْتَ أَيهما شئت ، تقول دنا فَقَرُب، وقَرُب فدنا، وشَتَمَنِى فأساء وأساء فشتمنى لأَن الشّم والإِساءة شىء واحد ، وكذلك قوله تعالى: ( اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ(١) ) ، أَى انشقّ القمر واقتربت الساعة. القول الثانى : فى الكلام تقديم وتأخير ، تقديره: ثم تَدَلَّى من الأُفق فدنا من النبى صلى الله عليه وسلم. القول الثالث : أَن دنا بمعنى قصد القُرْب من النبي صلى الله عليه وسلم وتحرك عن المكان الذى فيه فتَللَّ فنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم . الوجه الثانى : أَن المراد دنا من ربه تبارك وتعالى ، والمراد بالدنوّ هنا المنزلة كما فى قوله صلى الله عليه وسلم حاكياً عن ربه عز وجل : من تَقَرَّب منى شِبْرًا تَقَرَّبْتُ منه ذراعاً ومن أَتانى يمشى أتيتُه هرولة(٢) وهذا إِشارة إلى المعنى ، ولهذا مزيد بيان فى شرح القصة . الوجه الثالث : دنا جبريل من ربه ، قاله مجاهد . الوجه الرابع : أَنه النبى صلى الله عليه وسلم ، دنا من ربه ، ويُحْمَل هو والذى قبله كما قال الإمام الرازى على القُرْب من المنزلة . والذى عليه الجَمّ الغفير هو دنوّ جبريل من النبى صلى الله عليه وسلم)) . الثالث عشر: فى الكلام على قوله تعالى: ((فكان قابَ قَوْسَيْنِ أَو أَدْنَى)). اللباب: ((هاهنا مضافان محذوفان نضطر لتقديرهما ، أَى فكان مقدار مسافة قربه منه مقدار مسافة قاب)) . الإمام الرازى: ((أَى فكان بين جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين أو أقل ، فهذا على استعمال العرب وعادتهم ، فإن الأَّميرَيْن منهم أَو الكبيرَيْن إذا اصطلحا وتعاقدا خرجا بقوسيهما ، جعل كل واحد منهما قوسه بطّرَف قوس صاحبه ، ومن دونهما من الرعية يكون كَفُّه بكّفَ صاحبه فيَمُدان باعَيْهِما، لذلك فسُمِى مبايعة . وعلى هذا ففيه مقدار قَوْسَيْن أَو كان جبريل سفيراً بين حضرة الله تعالى عنه ومحمد صلى الله عليه وسلم فكان كالَّبَع لمحمد صلى الله عليه وسلم، فصار كالمُبَايِع الذى يَمُدّ الباع لا القوس)) .! . (١) الآية الأولى من سورة القمر. (٢) طرف حديث أخرجه مسلم فى صحيحه (بشرح النووي =١٧ ص٢) عن أبى هريرة. - ٦٤ - اللباب : القاب: القَدر تقول : هذا قاب هذا، أَى قَدْرُه ومثله : القِيب والقاد والقِيد والقِيس . الجوهرى : ((وقال بعضهم فى الآية أَراد قابَىْ قَوْس فقلبه . وفى الحديث الصحيح : لقابُ قَوْس أَحدكم [أَو موضع قِدِّه(١) ] من الجنة خَيْرٌ من الدنيا وما فيها)). والقوس معروفة ، وهى ما يُرْمَى بها وهى مؤنثة (٢) وشَذُّوا فى تصغيرها ، فقالوا قويس من غير تأنيث، وإنما ضُرب المَثَل بالقوس لأنها / لا تختلف بالقاب وإن لم يَجْر لها ذكْر لعدم ٣٣٨ و اللَّبْس )) . الواحدى : ((المراد بالقوس التى يُرْمَى بها عند الجمهور ، قال: وقيل المراد الذراع لأَّنها یُقَاس بها)). القرطبى: ((وقال سعيد بن جبير ، وعطاء ، وأَبو إِسحق الهَمْدانى ، وأبو وائل شقيق ابن سلمة ((فكَانَ قَابَ قَوْسَيْن)) أَى قَدْر ذراعين، والقوس الذراع يُقاس بها كل شىء ، وهى لغة بعض الحجازيين، وقيل هى لغة أزد شنوءة أيضاً)). قلتُ : ورواه ابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود أيضاً . قال الحافظ : وينبغى أن يكون هذا القول هو الراجح ، فقد روى الطبرانى وابن مَرْدَويه والضياء بسند صحيح عن ابن عباس قال : القاب والقيد والقوسان الذراعان . اللباب: ((أَو) هنا كهى فى قوله تعالى: (أَوْ يَزِيدُون) لأَن المعنى بأحد هذين المقدارين فى رأى الرائى أَى لتقارب ما بينهما [لا(٣)] يشك الرائى فى ذلك. [وقال] ابن القيِّم: ((أو)) هنا ليست للشك بل لتحقيق قدر المسافة، وأنها لا تزيد على قوسين البتة، كما قال تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مائة أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون(٤) ) ، تحقيقاً لهذا القدر وأنهم لا ينقصون ٠ ٠٬٠ (١) تكملة نص الحديث من النهاية لابن الأثير (جـ ٣ ص ٢٨٢). (٢) جاء فى صحاح الجوهرى: القوس يذكر ويؤنث فن أنث قال فى تصغيرها قويسة ومن ذكره قال قويس . ونقل الزبيدى فى تاج العروس عبارة الصحاح ولكنه زاد قائلا : وفى المحكم ( لابن سيده) القوس التى يرمى عنها أنثى وتصغيرها قویس بغیر هاء شدت عن القیاس وها نظائر حكاها سيبويه . (٣) إضافة يقتضيها السياق. (٤) سورة الصافات آية ١٤٧. - ٦٥ - (٥ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣ ) عن مائة ألف أو يزيدون رجلاً واحداً ، ونظيره قَوْلُه تعالى (ثم قَسَت قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أَو أَشدّ قسوة (١)) أى لا تنقص قسوتها(٢) عن قسوة الحجارة، بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها. وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جَعَل ((أَو)) فى هذا الموضع بمعنى بل ، ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرائى ، وقول من جعلها بمعنى الواو فتَأَمَّلْه ، وجزم بذلك ابن كثير . اللباب : ((أَدنى أَفعل تفضيل، والمُفَضَّل عليه محذوف أو أدنى من قاب قوسين ، فمعنى الآية : ثم دنا جبريل بعد استوائه فى الأُفق الأَ على من الأرض ، فتَدَلَّى ، فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان قاب قوسين أو أدنى بل أَدنى . تنبيه : هذا الذى قلناه من المُقْتَرِب الدَّانى الذى صار بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم قاب قوسين أو أدنى ، إِنما هو جبريل ، نقله القاضى عن الجمهور . وقال الحافظ عماد الدين بن كثير : إنه هو الصحيح فى التفسير ، كما دَلَّ عليه كلام أكابر الصحابة . قال ابن القيِّم : لأَن جبريل هو الموصوف بما ذُكر من أول السورة إلى قوله : (ولقد رآه نَزْلَةً أُخْرَى، عنْدَ سَدْرَةِ المُنْتَهَى (٣). هكذا فَسَّرِه النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح لعائشة ، قالت عائشة رضى الله عنها : سَأَلْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقال: ((ذاك جبريل لم أره فى صورته التى خُلق عليها إِلا مَرَّتَيْن))، رواه مسلم، ولفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه : الأَول: أَنه قال: (عَلَّمَهُ شَديدُ القُوَى) وهذا جبريل الذى وصفه بالقوة فى سورة التكوير (٤) . الثانى: أنه قال: ((ذو مرَّةٍ)) أَى حسن خُلُق، وهو الكريم فى سورة التكوير (٥). الثالث: أَنه قال: ((فاستوى وهو بالأُفُق الأَعلى)) وهى ناحية السماء العليا وهذا استواء جبريل . (٢) فى الأصول: قوتها والسياق يقتضى قسوتها. (١) سورة البقرة آية ٧٤. (٣) سورة النجم آية ١٣ و ١٤. (٤) الإشارة هنا إلى الآية العشرين من سورة التكوير: ((ذى قوة عند ذى العرش مكين)). (٥) سورة التكوير آية ١٩ - ٦٦ - الرابع: أَنه قال : ((ثم دنا فتدَلَّ، فكان قاب قوسين أو أدنى))، فهذا دنو جبريل ، وقد نزل إلى الأرض حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بها . وأما الدنو والتَدَلّى فى حديث المعْراج فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان فوق سبع سموات . الخامس: أَنه قال: ((ولقد رآه نَزْلَةً أُخرى، عند سدْرَة المنتهى)). والذى عند السُّدْرة قطعاً هو جبريل ، وبهذا فَسَّره النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال: ((ذاك جبريل)). السادس: أَن الضمير فى قوله /: ((ولقد رآه))، وقوله: ((دنا فَتدلّ))، وقوله: ((فاستوى))، ٣٣٨ظ وقوله: ((وهو بالأُفق الأَّ على)) واحدٍ، فلا يجوز أَن يُخَالَف بين المُفَسِّرين من غير دليل . السابع: أنه سبحانه وتعالى أخبر أن هذا الذى ((دنا فَتَدَلَّ)) كان بالأُفق الأَعلى، وهو أفق السماء، فدنا من الأرض فتدلى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والدنو والتدلى الذى فى حديث شريك غير هذا، وكذا جزم ابن كثير بأن الدنو والتدلى فى حديث شريك غير الذى فى الآية . وروى مسلم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما، فى هذه الآية قال: «رأَى بفؤاده مرتين(١) ))، فجعل هذا إحداها ، ولهذا مزيد بيان فى الباب الثالث . الرابع عشر: فى الكلام على قوله تعالى: (فَأَوْحَى إِلى عَبْده مَا أَوْحَى)(٢). ابن عادل مُتَابعا الإِمام الرازى: ((فى فاعل أَوحى وجهان: الأول: أن الله تعالى أَوحِى، وعلى هذا ففى ((عَبْده)) وجهان: أَحدهما: أَنه جبريل، أَى أَوحى الله تعالى إِلى جبريل، وعلى هذا ففى فاعل أَوحى الأَخير وجهان : أحدهما : أَنه الله تبارك وتعالى أيضاً . والمعنى حينئذ : فأوحى الله تعالى إلى جبريل الذى أوحاه الله تعالى أيهما [أَكثر] تفخيماً وتعظيماً للموجِى ، ثانيهما : فاعل أوحى الثانى جبريل ، أَى أَوحى الله تبارك وتعالى إِلى جبريل ما أوحى جبريل ، وعلى هذا فالمراد من الذى أَوحى إليه جبريل يحتمل وجهين : أولهما أَن يكون مُبَيِّناً ، وهو الذى أوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، ثانيهماً أن يكون عامًّاً . أَوحى الله تعالى إلى جبريل ما أَوحى إلى كل رسول . وفيه بيان أَن جبريل أَمين لم (١) صحيح مسلم بشرح النووي ( =٣ ص ٧). (٢) سورة النجم اية ١٠ - ٦٧ - يَخُنْ فى شىءٍ مما أُوحِىَ إِليه، وهذا كقوله تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمين(١)) وقوله (مُطَاعٍ ثَمَّ أَمين(٢)) . الوجه الثانى: فى ((عَبْده))، على قولنا هو الله تعالى، أَنه محمد صلى الله عليه وسلم، أَى أوحى الله تعالى إلى محمد ما أَوحى إليه به أَبْهَمَهُ للتفخيم والتعظيم . الوجه الثانى فى فاعل أوحى الأَول : هو أنه جبريل أَوحى إلى عبده أَى إِلى عبد الله يعنى محمداً صلى الله عليه وسلم ، ما أَوحى إليه رَبُّه عز وجل ، قاله ابن عباس فى رواية عطاء ، والكلى ، والحسن ، والربيع ، وابن زيد . وعلى هذا ففى فاعل أوحى الثانى وجهان : أحدهما : أنه جبريل أَى أَوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحى جبريل للتفخيم ، وثانيهما : أن يكون هو الله تعالى أى أوحى جبريل إلى محمد ما أوحى الله تعالى إليه . وفى ((ما أَوحِى)) وجوه: الأول: فضل الصلاة ، الثانى: أنّ أَحداً من الأنبياء لايدخل الجَنَّة قبلك ولا قبل أُمَّتك. الثالث: أَن ((ما)) للعموم، والمراد كل ما جاء به جبريل)). الخامس عشر: فى الكلام على قوله تعالى: ((ما كَذَبَ الفؤادِ ما رأَى)). ابن القيِّم: ((أَخبر الله تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه، وأَن القلب صَدَّق العين، وليس كمن رأَى شيئاً على خلاف ما هو به ، فكَذَبَ فؤادُه بَصَرَهُ ، بل ما رآه ببصره صَدَّقه الفؤاد وعلِمَ أَنه كذلك. يُقَال كَذَبَتْه عَيْنُه وَكَذَبَهُ قَلْبُه وَكَذَبَهُ جَسَدُه إِذا أَخلف ما ظَنَّه وحَدَسَهُ . قال الشاعر : كَذَبَتْكَ(٣) عَيْنُك أَمْ رَأَيْتَ بواسطٍ غَلَسَ الظلامِ من الرَّباب خَيَالا أَى أَرَتْكَ ما لا حقيقة له . فنَفَى اللهُ تعالى هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأَخْبَر أَن فؤاده لم يَكْذب ما رآه)) . (١) سورة الشعراء آية ١٩٣. (٢) سورة التكوير آية ٢١ . (٣) فى الأصول: كذبت. ورواية الأغانى (جـ ٧ ص ٨١ دار الكتب بالقاهرة سنة ١٩٣٥ م) كذبتك نفسك. وقائل البيت الأخطل من قصيدة يهجو فيها جريراً ويفتخر على قيس ( ديوان الأخطل طبعة صالحانى ، بيروت سنة ١٨٩٠ م ص ٣١). وفى تاج العروس الغلس محركة ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح ومنه الحديث كان يصلى الصبح بغلس . وقال الأزهرى الغلس أول الصبح حتى ينتشر فى الآفاق وكذلك الغبس وهما سواد مختلط ببياض وحمرة مثل الصبح سواء . ٨ - ٦٨ - الماوردى : ((فى الفؤاد قولان: أحدهما: أنه أراد صاحب الفؤاد ، فعَبَّر عنه بالفؤاد ، لأَنه قُطْب الجسد وبه قوَامُ الحياة. الثانى: أنه أراد نفس الفؤاد لأَّنه محل الاعتقاد )). اللباب: ((قرأ هشام وأَبو جعفر بتشديد/ الذال من ((كَذَبَ))، والباقون بتخفيفها. ٣٣٩ و فأَما الأُولى فإن معناها أن ما رآه محمد صلى الله عليه وسلم بَيْنه صَدَّقه قلبُه، ولم ينكر الدارى ((أَل )) لتعريف ما عُلم حالُه لسَبْق ذكْر محمد صلى الله عليه وسلم فى قوله: ((إِلى عَبْده)))) وفى قوله (وهُوَ بالأُفُقِ الأَعلى) وقوله (ما ضَلَّ صَاحِبُكُمْ)، أَى لم يَقُل إِنه خيال لاحقيقة. و((ما)) الثانية مفعول له موصولة، والعائد محذوف، ففاعل ((رأَى)) ضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم )). وأَما قراءة التخفيف فقيل فيها كذلك . وكَذَبَ يتعدى بنفسه . وقيل هو على إسقاط الخافض أَى فيما رآه ، قاله مكى وغيره . قال حَسَّان بن ثابت رضى الله تعالى عنه : لِنَجَوْتِ مَنْجَا الحارثِ بن هشامٍ لو كُنْتِ صادقةَ الذى حَدَّثْتِ(١) أَى فى الذى حَدَّثْتنى، وجَوَّز ((ما)» فى وَجْهَيْن: أحدهما: أن تكون بمعنى ((الذى))، فيكون المعنى : ما كَذَبَ الفؤاد الذى رأَى بعينه ، والثانى : أن تكون مصدرية . ابن القَيِّم : فيكون المعنى : ما كَذَّبَ فؤادُه رُؤْيَتَه ، وعلى التقديرَيْن فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما ، وتصديق كل واحد منهما لصاحبه ، وهذا ظاهر فى قراءة التشديد . وقد استشكلها طائفة منهم المُبَرِّد ، وقال فى هذه القراءة بُعْد ، لأَنه إِذا رأَى بقلبه فقد عَلمَه أيضاً بقلبه، وإذا وقع العلم فلا كذب معه ، فإِذا كان الشىء فى القلب معلوماً فكيف يكون معه تكذيب ؟ والجواب عن هذا من وَجْهَيْن : أَحدهما : أَن الرجل قد يتخيل الشىء على خلاف ما هو به فيُكَذِّبه قلبُه ، إِذ يُرِيه صورةَ المعلوم على خلاف ما هى عليه كما تَكْذِبُه عينُه ، فيقال كَذَبه قلبُه وكَذَبه ظَنُّه وكَذَبَتْهُ عَيْنُه ، فنفى ذلك سبحانه وتعالى عن رسول الله صلى الله (١) صدر البيت فى ديوان حسان بشرح البرقوقى ( القاهرة سنة ١٩٢٩ م ص ٣٦٣): إن كنت كاذبة الذى حدثتنى، وكذلك فى الأغانى ( جـ ٤ ص ١٦٩ دار الكتب بالقاهرة سنة ١٩٣١ م) . - ٦٩ - ٠٫٫٠٠ عليه وسلم ، وأخبر أن ما رآه الفؤاد كما رآه، كمن يرى الشىء على حقيقة ما هو به ، فإِنه يصح أن يقال لم تَكْذِبْهُ عَيْنُه. الثانى: أن يكون الضمير فى ((رأَى)) عائد إلى الرائى لا إِلى الفؤاد ، ويكون المعنى : ما كذب الفؤاد ما رآه البصر ، وهذا بحمد الله لا إشكال فيه ، والمعنى : ما كذب الفؤاد بل صَدَّقه ، وعلى القراءتين فالمعنى: ما أَوهمه الفؤاد أنه رأَى ولم يَرَ وَلَانَّهَمْ بَصَرَه)) . انتهى .. اللباب تبعاً للإِمام الرازى: ((ويجوز أن يكون فاعل ((رأَى)) ضميراً يعود على الفؤاد [أى] لم يشك قلبه فيما رأى بعينه)). قال الزمخشرى: (([ما كَذَب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام ، أى ما قال فؤاده ، لما رآه : لم أعرفه ولو قال ذلك لكان كاذباً، لأنه عرفه، يعنى أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك فى أن ما رآه حق (١)]. فما كَذَب الفؤاد ، هذا على قراءة التخفيف ، يقال كَذَبه إِذا قال له الكذب ، وأما على قراءة التشديد فمعناه : ما قال إِن الذى [رآه كان(٢) ] خفياً لا حقيقة له. وأما الرائى فقيل هو الفؤاد كأنه تعالى قال : ما كذب الفؤاد ما رآه الفؤاد ، أى لم يقل إنه جنّ أَو شيطان، بل تَيَقِّن أن ما رآه بفؤاده صدق صحيح . وقيل الرائى هو البَصَر أَى ما كذب الفؤاد ما رآه البَصَر، ولم يتدارك [أن](٢) ما رآه البصر خيال. ويُحْتَمَل أَن تكون ((أَل)) للجنس أى جنس الفؤاد ، ويكون المعنى: ما كذب الفؤاد ما رأى محمد صلى الله عليه وسلم ، أَى شهدت القلوب بصحة ما رآه محمد صلى الله عليه وسلم . واختلفوا فى المرئى ماهو ؟ فقال ابن مسعود(٣) رضى الله تعالى عنه: رأَى [رسول الله (١) ورد النقل فى الأصول عن الزمخشرى هكذا: قال معناه إن قلبه لم يكذب وما قال إن ما يراه بصرك ليس بصحيح (ولو) قال فؤاده ذلك لكان كاذباً فيما قاله. وبالرجوع إلى الكشاف (ج ٢ ص ٣٦١ بولاق سنة ١٢٨١ هـ) اتضح أن عبارة الزمخشرى مخالفة لما نقله المؤلف عنه فيما عدا جملة واحدة سقطت منها كلمة ((لو)) . لذلك آثرنا إثبات نص عبارة الزمخشرى . (٢) إضافة يقتضيها السياق . (٣) ورد حديث ابن مسعود فى النهاية لابن الأثير هكذا: ((رأى رفرفاً أخضر سد الأفق)) وجاء فى شرحه أى رأى بساطاً وقيل فراشاً . ومنهم من يجعل الرفرف جمعاً واحده رفرفة وجمع الرفرف رفارف ، وقد قرئ به متكتين على رفاف خضر. وقد خرج الترمذى هذا الحديث عن عبد الله قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل عليه السلام فى حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض قال هذا حديث حسن صحيح. وهناك روايات أخرى لهذا الحديث عن ابن عباس مع اختلاف يسير فى اللفظ خرجها البيهقى . - ٧٠ - صلى الله عليه وسلم ](١) جبريلَ عليه حُلَّتا رفرف أخضر قد ملا ما بين السماء والأرض . رواه الفَرْيَابِى/ والترمذى وصححه . وقيل رأى الآيات العجيبة. وقال ابن عباس رضى الله ٣٩٣ ظ تعالى عنهما : رأَى رَبَّه بفؤاده مَرَّتَيْن، رواه مسلم وغيره . وسيأتى الكلام على رؤية الله تعالى فى الباب الثالث . السادس عشر: فى الكلام على قوله تعالى: ((أَفَتُمَارُونَه على ما يرى)) . ابن القيِّم: ((أَنكر عليهم سبحانه وتعالى مكابرتَهم وجَحْدَهم له على ما رآه مما يُنْكَر على الجاهل مكابرته لعالم، ومماراته له على ما عَلِمَه )) . اللباب: ((قرأَ الأَخوان(٢): ((أَفَتَمْرُونَه)) بفتح التاء وسكون الميم، والباقون ((تمارونه)»، وعبد الله بن مسعود والشعبى: ((أَفَتُمْرُونِهِ)) بضم التاء وسكون الميم. فأَّما الأُولى ففيها وجهان: أحدهما: أنه من مَرَيْتُهُ حَقَّه إذا غَلَبْتُه عليه وجَحَدْتُه إياه، وعُدِّىَ بعَلَى لتَضَمُّنْه معنى الغَلَبة ، وأنشدوا : لقد مَرَيْتَ أَخاً ما كان يَمْرِيكا لمنْ هَجَرْتَ(٣) أَخا صَدْقٍ ومَكْرُمَةٍ لأَّنه إِذا جحده حَقَّه فقد غَلَبَه عليه. قال المُبَرِّد: يُقَال مَرَاهُ عن حَقِّه وعلى حَقِّه إِذا منعه منه ودفعه [عنه] (٤). قال: ومثل ((على)) بمعنى ((عن)) قَوْلُ بنى كعب بن ربيعة رضى الله عليك أَى [رضى](٤) عنك)) . ابن القيم: ((على بابها ليست بمعنى ((عن)) كما قاله الْمَبَرِّد، بل الفِعْل مُتَضَمِّن معنى المكابرة ، وهذا فى قراءة الألف أظهر . (١٠) إضافة يقتضيها السياق. (٢) هكذا فى الأصول. وفى تفسير القرطبي (جـ ١٧ ص ٩٣): قرأ حمزة والكسائى، وهذان ليسا بأخوين فالأول: هو حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيات المتوفى سنة ١٥٦ « أحد القراء السبعة. والثانى: هو على بن حمزة بن عبد اللّه الكسائى الكوفى المتوفى سنة ١٨٩ م من أئمة النحو واللغة وهو أيضاً أحد القراء السبعة ولعل الأخوة بينهما ترجع إلى اشتغالهما بالقراءات . وقد أخذ الكسائى من قراءة حمزة. انظر ترجمة حمزة فى غاية النهاية لابن الجزرى ( طبعة القاهرة سنة ١٩٣٢ جـ ١ ص ٢٦١ : ٢٦٣ رقم ١١٩٠) وترجمة الكسائى (نفس المصدر ج ١ ص ٥٣٥: ٥٤٠، رقم ٢٢١٢). (٣) وروى هجوت، نقلا عن محقق تفسير القرطبى. وجاء فى شرح هذا البيت فى شرح شواهد الكشاف نحب الدين ( ص ٢١٠ بولاق سنة ١٢٨١ هـ) يقول: لئن هجرتنى وأنا أخو صدق ومكرمة لقد هجرت حق أخ وفى ما كان يجحد حقك . (٤) إضافة يقتضيها السياق . - ٧١ - الثانى : أنه من مراه كذا على كذا أى غلبه فهو من المراء وهو الجِدال(١) )). وأما الثانية فهى من ماراه يماريه ، جادله واشتقاقه من مَرَى الناقة ، لأَن كل واحد من المتجادلين يَمْرِى ما عند صاحبه. وكان من حقه أَن يَتَعَدَّى [بنى] كقولك: جادله فى كذا. وإِنما ضُمِّن الغَلَبة فعُدِّى تعديتها. وأَما قراءة عبد الله فمن ((ماراه)) رباعياً، والمعنى : ((أَفتجادلونه))، أَى كيف تجادلونه على ما يرى مع أنه رأى ما رأَى عَيْن اليقين؟ ولاشك بعد الرؤية . القرطبى: ((والمعنيان متداخلان لأن مجادلتهم جحود ، وقيل : إِن الجحود كان دائماً منهم وهذا جدال جدید» . ابن القَيِّم: ((القوم جمعوا بين الجدال والدَّفْع فى الإِنكار ، فكان جدالهم جدال جحود ودفع لا جدال استرشاد وتبيين للحق . وإثبات الألف يدل على المجادلة ، والإتيان بعلى يدل على المكابرة، فكانت قراءة الأَلف مُتَضَمِّنَةً للْمَعْنَيَيْن جميعاً ، وذلك أنهم جادلوا حين أُسْرِىَ به ، فقالوا صفْ لنا بيت المَقْدِس، وأَخْبِرْنَا عن عِيرنا فى الطريق ، وغير ذلك [ مما جادلوه به . والمعنى: أَفتجادلونه جدالاً ترمون به دَفْعَه عَمَّا رآه وعَلمَه وتَقَّنَه ؟ فإن قيل : هَلَّا قيل: أَفتمارونه على ما رأى؟ بصيغة الماضى، لأنهم إنما جادلوه حين أُسْرِىَ به كما تقدم ، وما الحكمة فى إبرازه بصيغة المضارع ؟ فالجواب أن التقدير : أَفتمارونه على ما يرى ؟ فكيف وهو قد رآه فى السماء ، فماذا تقولون فيه)) ؟ السابع عشر : فى الكلام على قوله تعالى: (ولقد رآه نَزْلةً أُخْرَى) . ابن القيِّم: ((أخبر تعالى عن رؤيته لجبريل مرة أُخرى. فالمرة الأولى كانت دون السماء بالأُفُق الأَّعلى والثانية كانت فوق السماء عند سدْرَة المنتهى)). (١) فرق الفيومى فى المصباح المنير بين المراء والجدال بقوله: يقال ماريته إذا طعنت فى قوله تزييفاً للقول وتصغيراً القائل، ولا يكون المراء إلا اعتراضاً بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضاً . وفى التعريفات الجرجانى ( طبعة القاهرة سنة ١٢٨٣ هـ ص ١٤٠) المراء طعن فى كلام الغير لإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير . وفى فرائد اللغة فى الفروق ( بيروت سنة ١٨٨٩ م ص ٥٤ ): الجدال والمراء قيل هما بمعنى غير أن المراء مذموم لأنه مخاصمة فى الحق بعد ظهوره و ليس كذلك الجدال . - ٧٢ - ابن كثير : ((هذه هى المرة الثانية التى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها جبريل على صورته التى خلقه الله عليها ، وكانت ليلة الإِسراء .. وتقدم عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء ويستشهد بهذه الآية، وتابعه / جماعة من السلف ٣٤٠ و والخلف ، وقد خالفه جماعات من الصحابة والتابعين)). قلتُ وسيأتى تحقيق ذلك فى بابه . اللباب: ((الواو فى ((ولقد)) يُحْتَمَل أَن تكون عاطفة، ويُحْتَمل أن تكون للحال، أى كيف تجادلونه فيما رآه ، وهو قد رآه على وجهٍ لا شك فيه؟ والنَّزْلَة فَعْلَة من النزول كجلسة من الجلوس ، وفى نَصْبِها ثلاثة أوجه: أَحدها: أَنها منصوبة على الظَّرْف الذى هو مَرَّة، لأَن الفَعْلَة إِسم للمَرَّة من الفعْلِ ، فكانت فى حكمها . قال الشهاب الحلبى : وهذا ليس مذهب البصريين ، وإنما هو مذهب القُرَّاء ، نقله عنه مكى . الثانى : أَنها منصوبة نصب المصدر الواقع موقع الحال ، أَى رآه نازلاً نَزْلَةً أُخرى ، وإليه ذهب الحوفى وابن عطية الثالث: أَنها منصوبة على المصدر المؤكد، فقَدَّره أَبو البقاء مرةً أُخرى أو رؤيةً أُخرى. قال الشهاب الحلبى : وفى تأويل نَزْلة برؤية، نَظَر ، وأُخرى تدل على سبق رؤيةٍ قبلها ، وعند سِدْرَة ظرف مكان لرَأَى)) . الثامن عشر : فى الكلام على السِّدْرَة وإضافتها إلى المنتهى قال الإِمام الرازى: ((يَحْتَمل وجوهاً: أحدها : إِضافة الشىء إلى مكانه كقولك : أَشجار بلدة كذا ، فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه مَلَك أَو روح من الأرواح . قال كعب الأَحبار: هى فى أَصل العَرْش على رُوس حَمَلة العَرْش ، وإِليها ينقضى علْمُ الخلائق وما خَلْفها بحيث لا يعلمه إلا الله تعالى. ثانيها: إضافة المَحَلّ إِلى الحَالّ فيه، كقولك: كتاب الفقه ، وعلى هذا فالتقدير : سذْرة عندها منتهى العلوم. ثالثها: إِضافة المِلْك إِلى مالكه كقولك : دَارُ زَيْد أَو شجرة زيد، وحينئذ المنتهى إليه محذوف تقديره : سدْرَة المنتهى إِليه . قال الله تعالى: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنْتَهى(١)). فالمنتهى إليه هو الله تعالى، (١) سورة النجم آية ٤٢ . - ٧٣ - وإضافة السَّدْرَة إليه حينئذ كإضافة البَيِّنة للتشريف والتعظيم ، كما يقال فى التسبيح : يا غاية رُغْبَاه ويا منتهى أَمَلاه)). القرطبى: ((اختُلف لمَ سُمِّيت سدرة المنتهى على أقوال تسعة : الأول: لأنه ينتهى إليها ما يهبط من فوقها فيُقْبَض(١) منها وإليها ينتهى ما يَعْرُج من الأرض ، رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود . الثانى: علْمُ الأنبياء ينتهى إليها ويَغْزُب عما وراءها ، قاله ابن عباس . الثالث : أن الأعمال تنتهى إليها وتُقْبَض منها، قاله الضَّحَّك. الرابع: لانتهاء الملائكة والأنبياء إليها ووقوفهم عندها . الخامس: لأَن أرواح الشهداء تنتهى إليها ، قاله الربيع بن أنس . السادس : لأنه تأْوى إليها أرواح المؤمنين ، قاله قتادة . السابع : لأنه ينتهى إليها كل من كان على سُنَّة محمد صلى الله عليه وسلم ومنهاجه ، قاله على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، والربيع بن أَنَس أَيضاً . الثامن: [هى شجرة على رءُوس حَمَلَة العَرْش (٢) ] إِليها ينتهى علم الخلائق. التاسع: لأن من رُفع إليها فقد انتهى فى الكرامة » . الماوردى: ((فإن قيل: لمَ اخْتِيرَتْ السِّدْرَة دون غيرها؟ قيل لأَن السدْرة تختص بثلاثة أوصاف : ظلُّ مديد، وطَعْمٌ لذيذ، ورائحةٌ ذَكيَّة ، فشابهت الإيمان الذى يجمع قولاً ونيَّةً وعملاً ، فظلُّها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النِّيَّة لكمونه أَى استتاره، ورائحتها بمنزلة القول لظهوره)). الصحاح: ((السُّدْر شجر النبق الواحدة سدرة والجمع سِدْرَات أَى بكسر فسكون وسدِرَات بكسرتَيْن، وسِدَرَات بكسر ففتح، وسِدَر بكسر ففتح))، وسيأتى فى شرح القصّة الكلام على أصلها . تنبيه : جاء فى النَّهْى / عن قطع السِّدْر أحاديث. فروى أبو داود والطبرانى والبيهقى والضياء فى صحيحه عن عبد الله بن حُبْشىّ بضم المهملة ثم مُوَحَّدة ساكنة ، ثم معجمة ٣٤٠ ظ (٣) فى تفسير القرطبي (= ١٧ ص ٩٥): الأول: ما تقدم عن ابن مسعود أنه ينتهى إليها كل ما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها . (٢) إضافة من تفسير القرطبى . - ٧٤ - بعدها ياء ثقيلة ، ابن جُنَادة ، بضم الجيم وبالنون والدال المهملة ، السَّلُولى، بفتح السين المهملة ولامَيْن، رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قطع سدْرَةً صَوَّب الله رأسه فى النار(١)، زاد الطبرانى يعنى من سِدْر الحَرَم. وقال أبو داود رحمه الله تعالى : يعنى من قَطَع السِّدْرَ فى فلاة يستظلّ بها ابن السبيل والبهائم عَبَئاً وظلماً بغير حق يكون له فيها . وروى البيهقى عن أبى ثور أنه سأل الشافعى عن قطع السُّدْر فقال : لا بأس به . وقد رُوِيَ أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اغسلها بماءٍ وسِدْر))، فيكون محمولاً على ما حمله عليه أبو داود . وقال البيهقى : وروينا عن عُرْوة أنه كان يقطعه وهو أحد رواة النهى ، فيشبه أن يكون النهى خاصاً كما قال أبو داود . وقال الخَطَّبى : سُئل المُزَنى عن هذا فقال : وجهه أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم سئل عَمِّن هجم على قطع سِدْرٍ لقومٍ أَو يتيم أَو لمن حَرَّم اللهُ تعالى أَن يُقْطَع عليه ، فتحامل عليه فقطعه فاستحق ما قاله ، فتكون المسألة سبقت لسامع فسمع الجواب ولم يسمع المسألة وجُعل نظيره حديث أسامه بن زيد أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما الربا فى النسيئة))، فسمع الجواب ولم يسمع المسألة وقد قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثْلاً بِمثْل يداً بيد)). واحتج المزنى بما احتج به الشافعى من إجازة النبي صلى الله عليه وسلم أَن يُغْسَل الميت بالسدر، ولو كان حراماً لم يَجُز الانتفاع به. قال: والورق من السِّدْر كالغُصْنِ . قال: وقد سَوَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما حَرَّم قَطْعَه من شجر الحرم بين ورقه وغيره ، فلما لم يَمْنَع من ورق السِّدْر ، دَلَّ على جواز قطع السِّدْر . قال الشيخ رحمه الله تعالى فى فتاويه: ((والأَوْلى عندى فى تأويل الحديث أنه محمول على مِذْر الحرم ، كما وقع فى رواية الطبرانى. قال ابن الأثير فى النهاية: ((قيل أراد به سِذْرَ مكة لأنها حَرَم وقيل سِدر المدينة ، نهى عن قطعه ليكون أُنْساً وظلاًّ لمن يهاجر إليها ، وقيل أراد السُّدْر الذى يكون فى الفلاة يستظلّ به أبناء السبيل والحيوان أَو فى مِلْك إِنسان ، فيتحامل عليه ظالم فيقطعه بغير حق ، ومع هذا فالحديث مضطرِب الرواية فإن أكثر ما يُرْوَى عن عروة بن الزبير ، وكان هو يقطع السدر ويتخذ منه أبواباً . قال هشام : وهذه أبواب من سدٍ قَطَعَهُ أَبى ، وأهل العلم مُجْمعون على إباحة قطعه(٢)). (١) الجامع الصغير ( = ٢ ص ١٧٩). (٢) يقع هذا النص فى جـ٢ ص ١٥٤ من كتاب النهاية لابن الأثير طبعة القاهرة سنة ١٣١١ هـ. - ٧٥ - وروى أبو داود عن حَسَّن بن إبراهيم قال: ((سأَلتُ هشام بن عروة عن قطع السِّدر، وهو مُسْند ظهْره إلى قصر عروة ، قال : ترى هذه الأبواب والمصاريع إنما هى من سدْر قطعه أبى من أرضه . التاسع عشر: فى الكلام على قوله تعالى: ((عندها جَنَّة المأوى)): [قال] القرطبى: هذا تعريف بموضع جنة المأوى وأنها عند سدرة المنتهى ، وهى عن يمين العرش ، وقيل أوى إليها آدم عليه الصلاة والسلام إلى أَن أُخْرِج منها. وقيل: إن أرواح المؤمنين كلهم فى جنة المأوى ، وهى تحت العرش فيتنعمون [بنعيمها ويتنسمون بطيب ريحها(١)]. وقيل : لأن جبريل وميكائيل عليهما السلام يأُويان إليها [والله أعلم] (١) : اللباب: ((جملة إبتدائية فى موضع الحال، والأَّحسن أن يكون الحال الظرف ، وجنة ٣٤١ و المأوى فاعل به. والعامة أَن جَنَّة إِسم مرفوع / وقرأَ أَمير المؤمنين على، وأبو الدرداء، وأَبو هريرة ، وابن الزبير ، وأنس من الصحابة رضى الله تعالى عنهم وزِرّ بن حُبَيْش، ومحمد ابن كعب من التابعين: جَنَّهُ فعْلاً ماضياً ، والهاء ضمير المفعول يعود للنبى صلى الله عليه وسلم ، والمأُوى فاعل بمعنى سَتَرَةُ إيواءُ الله إياه. ويقال ضَمَّه البيت والليل، وقيل جَنَّهُ بظلامه ودخل فيه » . قال الإمام الرازى: ((ويحتمل أن يكون الضمير فى ((عندها)) على هذه القراءة عائداً إِلى النَّزْلَةِ، أَى عِند النَّزْلَةِ جَنَّ محمداً المأْوى، أَى سَتَرَهُ ، والصحيح أنه عائد إلى ، السِّدْرَة)». اللباب: ((وهذا قول الجمهور ، وقد أنكرت عائشة رضى الله تعالى عنها هذه القراءة، وتَبِعَها جماعة وقالوا: ((أَجَنَّ الله من قرأها)). فإذا ثبتت قراءة عن مثل هؤلاءٍ فلا سبيل إلى ردها. ولكن المستعمل إنما هو ((أَجَنَّه)) رباعياً، فإن استُعْمل ثلاثياً تَعَدَّى ((بعلى))، كقوله تعالى : (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْل)(٢). وقال أبو البقاء: هو شاذٌ والمستَعْمَل: أَجَنَّهُ)). العشرون : فى الكلام على قوله تعالى : (إِذ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشَى (٣)): (١) إضافة من تفسير القرطبى ( جـ ١٧ ص ٩٦). (٢) من الآية ٧٦ من سورة الأنعام . (٣) سورة النجم آية ١٦. - ٧٦ - ابن القَيُّم: (( لما ذكر سبحانه رؤية محمد صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى ، استطرد منها وذكر أَن جَنَّة المأوى عندها وأنه يغشاها من أَمْرِهِ وخَلْقه ما يغشى ، وهذا من أَحسن الاستطراد ، وهو أُسلوب لطيف جداً فى القرآن)). اللباب: ((إِذ)) منصوب يراه)). الإِمام: ((العامل فى ((إِذ)) ما قبلها أو ما بعدها ، فيه وجهان . فإِن قلنا ما قبلها ففيه احتمالان: أَظهرهما رآه أَى رأَى وقت ما يَغْشَى السِّدْرَة الذى يَغْشَى. والاحتمال الثانى العامل فيه الفعل الذى فى النزلة أى رآه نزلة أخرى ، تلك النزلة وقت ما يغشى السدرة ما يَغْشَى، أَى نزوله لم يكن إلا بعد ما ظهرت العجائب عند السِّدْرة وغَشَها ما غَشيها ، فحينئذ نزل محمد نَزْلَةً، إِشارة إلى أنه لم يرجع من غير فائدة . وإن قلنا العامل فيه ما بعدها فالعامل : ما زاغ البصر ، أَى ما زاغ بَصَرُه وقت غشيان السدرة ما غشيها . واختلفوا فيما يغشى السدرة فقيل فَرَاشْ أَو جرادٌ من ذهب وهو قول ابن عباس وابن مسعود والضَّحَّك . قال القرطبى : ورواه ابن مسعود وابن عباس مرفوعاً إلى النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((رأَيتُ السِّدْرَة يغشاها فَرَاشُ من ذهب ورأيتُ على كل ورقة ملكاً يُسَبِّح الله تعالى)) . قلتُ وقال الإِمام : ((إِن هذا ضعيف، لأَن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعى ، فإِن صَحِّ فيه خَبَر وإلا فلا وجه له ، قصور شديد(١) ، فإن الحديث فى صحيح مسلم(٢) وغيره . ومثْلُه لا يقال [فيه] بالرأى . وقيل: ملائكة يَغْشَوْنها كأنهم طيور يرتقون إليها مُتَشْوِّقين مُتَبَرِّكين بها زائرين كما يزور الناس الكعبة ، وقيل يغشاها أَنوار الله تعالى لأن النبى صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى السِّدْرَة تجلى لها ربه تبارك وتعالى كما تجلى للجبل ، فظهرت الأنوار، ولكن السِّدْرَة كانت أقوى من الجبل وأَثبت ، فجعل الجَبَلُ دَكًّا ، ولم تتحرك الشجرة وخَرَّ موسى صعقاً ، ولم يتزلزل محمد صلى الله عليه وسلم)) . قلتُ : ولا منافاة بين هذه الأقوال ، فقد ورد أن كلاًّ منها يغشاها كما سيأتى ذلك (١) لم نهتد لوجه الصواب فى عبارة: ((قصور شديد)) التى وردت فى الأصول. (٢) أخرج مسلم عدة أحاديث فى هذا الصدد مسندة إلى أبى هريرة وابن عباس وأبى ذر، انظر صحيح مسلم بشرح النووى ( ج ٣ ص ٤ وما بعدها) . - ٧٧ - ٠٠٠ فى القصة. وقيل أهمه تعظيماً له كأنه قال: إِذ يَغْشَى السدرَة ما الله أعلم به من دلائل ملكوته وعجائب قدرته . الإِمام: ((يغشى يستر ، ومنه الغواشى أو من معنى الإتيان ، يقال فلان يَغْشَانا كل وقت أَى يأتينا ، الوجهان محتملان)). الحادى والعشرون: فى الكلام / على قوله تعالى: ((ما زاغ البَصَر)» ٣٤١ظ الصحاح: ((الزَّيْغ المَيْل، وقد زاغ يَزِيغ وزاغ البَصَر أَى مال)). ابن القَيِّم : ((قال ابن عباس: ((ما زاغ البَصَر يميناً ولا شِمالا، ولا جاوز ما أُمَرَ به)). وعلى هذا المُفَسِّرون ، فَنَفَى تعالى عن نَبِيِّه صلى الله عليه وسلم ما يَعْرِض للرائى الذى لا أدب له بين أيدى الملوك والعظماء من التفاته يميناً وشمالاً لما بين يديه، وأخبر عنه بكمال الأدب فى ذلك المقام ، وفى تلك الحضرة، إذ لم يلتفت جانباً ، ولم يَمُدّ بَصَرَه إِلى غير ما أُرِىَ من الآيات وما هناك من العجائب ، بل قام مقام العَبْد الذى أَوجب أَدَبُه إِطراقَه وإقبالَه على ما أُرِيد [له] دون التفاته إلى غيره، ودون تطلعه إلى ما لم يَرَه ، مع ما فى ذلك من ثبات الجُّش وسكون القلب وطمأنينته . وهذا غاية الكمال . فَزَيْغ البَصَر التفاتُه جانباً، وطغيانُه مَدُّهُ أَمامه إلى حيث ينتهى. فَنُزُّهَ فى هذه السورة عَمَلُه عن الضَّلال وقَصْدُه عن الغَىّ ونُطْقُه عن الهوى وفؤادُه عن تكذيب بَصَرِه ، وبصره عن الزيغ والطغيان . وهكذا يكون المدح : تلْكَ المَكَّارِمُ لا تَعْبَانِ من لَبَنٍ شِيبًا بماءٍ فعادا بَعْدُ أَبْوَالا(١) (١) هذا البيت من قصيدة نسبها ابن إسحق لأبى الصلت والدأمية بن أبى الصلت ونسبها ابن هشام الأخير (سيرة ابن هشام الطبعة التجارية بالقاهرة سنة ١٩٣٧ م ج ١ ص ٦٨: ٧٠) ونسبها أبو الفرج للنابغة الجعدى ( الأغانى = ٥ ص ١٤: ١٦ دار الكتب سنة ١٩٣٢ م) ولكنه عاد إلى نسبتها إلى أمية بن أبي الصلت فى = ١٧ ص ٣١٢: ٣١٣ القاهرة سنة ١٩٧٠ م ونسب القصيدة لأبى الصلت كل من ابن عبد ربه فى العقد الفريد (ج ٢ ص ٢٣: ٢٤ طبعة لجنة التأليف بالقاهرة سنة ١٩٤٠ م) والطبرى فى تاريخه ( ج ٢ ص ١٢٠ طبعة الحسينية بالقاهرة سنة ١٣٢٦ هـ) وأبن قتيبة فى الشعر والشعراء ( ص ٢٨١ : ٢٨٢ طبعة دى غوى بليدن سنة ١٩٠٤) وياقوت فى معجم البلدان مادة عمدان ( = ٣ ص ٣٠٢ طبعة القاهرة سنة ١٩٠٦ م) والقعبان مثنی قعب والقعب قدح يحلب فيه ، وشیبا مزجا - ٧٨ - اللباب تبعاً للإِمام الرازى: ((اللام فى البَصَرَ تَحْتَمِل وَجْهَيْن: أحدهما: المعروف وهو بَصَر محمد صلى الله عليه وسلم ، أى ما زاغ بَصَر محمد ، وعلى هذا فعدم الزَّيْغ لوجوه : إن قلنا الغاشى للسِّدْرَة هو الجراد أَو الفَرَاش، فمعناه لم يلتفت محمد إليه ولم يَشْتَخِل به ، ولم يقطع نظره عن مقصوده . وعلى هذا فَغَشَيَان الجراد والفَرَاش يكون ابتلاء وامتحاناً للنبى صلى الله عليه وسلم . وإن قلنا أَنوارَ اللّه تعالى ففيه وجهان: أحدهما: لم يلتفت يُمْنَةٌ ويُسْرَة ، بل اشتغل بمطالعتها ، وثانيهما: ما زاغ البصر بضعفه(١) ، ففى الأُول بيان أَدب محمد صلى الله عليه وسلم ، وفى الثانى بيان قوته . الوجه الثانى فى اللام : أَنها لتعريف الجنس ، أَى ما زاغ بَصَرُه أصلاً فى ذلك الموضع لعِظَم الهيبة . فإن قيل : لو كان كذلك لقال : ما زاغ بَصَرٌ ، فإنه أَدَلّ على العموم لأَن النَّكِرَةِ فى مَعْرِض النَّفْى تَعُمّ . فالجواب هو كقوله تعالى : ( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ(٢) ) ولم يَقُل لم يدركه بَصَر . الثانى والعشرون: فى الكلام على قوله تعالى: ((وما طغى )) : اللباب تبعاً للإمام الرازى: (( فيه وجهان : أحدهما : أَنه عطف جملة مستقلة على جملة. أخرى . الثانى: أَنه عطف جملة تقديره مُقَدَّرَةً على جملة . فمثال المستقلة : خرج زيد ودخل عمرو ، ومثال المُقَدَّرة : خرج زيد ودخل ، الوجهان جائزان هنا . أَما الأول فكأَّنه تعالى قال عند ظهور النور: ما زاغ بَصَرُ مُحَمَّدٍ وما طفى محمد بسبب الالتفات ، ولو التفت لكان طاغياً . وأما الثانى فظاهر . فإن قيل بأَن الغاشى للسِّدْرَة جراء، فالمعنى لم يلتفت إليه وما طغى ، أى ما التفت إلى غير الله تعالى، ولم يلتفت إلى الجراد ولا إلى غير الجراد ، بل إلى الله سبحانه وتعالى. أما على قول من قال غَشِيها نور، فقوله تعالى: ((ما زاغ)) أى ما مال عن الأنوار وما طغى ، أَى ما طلب شيئاً وراءه . وفيه لطيفة وهى أَن الله تعالى قال : ما زاغ وما طغى ولم يَقُل ما مال وما جاوز ، لأَن الميل فى ذلك الموضع والتجاوز مذمومان ، فاستعمل الزَّيْغ والطغيان فيه. وفيه وجه آخر، وهو أن يكون ذلك بياناً لوصول النبى صلى الله عليه وسلم إلى شدة اليقين الذى لا يقين فوقه ، ووجه ذلك أن بصره صلى الله عليه وسلم (١) أى بسبب ضعفه . (٢) سورة الأنعام آية ١٠٣. - ٧٩ - ٣٤٢ و ما زاغ أى ما مال عن الطريق ، فلم يَرَ الشىء على خلاف ما هو عليه بخلاف من ينظر إلى عين الشمس مثلاً ، ثم ينظر إلى شىء أبيض فإنه يراه أَصفر وأخضر، يزيغ بَصَرُه عن جادة الإبصار. وقوله: ((وما طفى)) أَى ما تَخَيَّل المعدوم موجوداً، وقيل: ((وما طغى)) أى ما تَخَيَّل المعدوم موجوداً وقيل: ((وما طغى)) أَى ما جاوز ما أُمِر به)). الثالث والعشرون: فى الكلام على قوله تعالى: ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى(١)). اللباب ((فى الكبرى وجهان ؛ أَظهرهما أَنه مفعول رأَى من آيات ربه حال مَقْدَمِه ، والتقدير: لقد رأى الآيات الكبرى من آيات ربه. والثانى أَن ((من آيات ربه)) هو مفعول الرؤية ، والكبرى صفة لآيات ربه . وهذا الجمع يجوز وصفه بوصف المؤنثة الواحدة ، وحسنه هنا كونها فاصلة )) . الإِمام الرازى: (( فى الكبرى وجهان : أحدهما : أنها صفة لمحذوف تقديره لقد رأى من آيات ربه . ثانيهما : صفة لآيات ربه ، فيكون مفعول رأَى محذوفاً تقديره : رأى من آيات ربه الكبرى آية أو شيئاً القرطبى: ((ويجوز أن تكون ((من)) زائدة، أَى رأَى آيات ربه الكبرى. وقال بعضهم(٣): آيات ربه الكبرى هى أنه رأى جبريل عليه السلام فى صورته )). قال الإِمام: (( والظاهر أن هذه الآيات غير تلك لأن جبريل وإن كان عظيماً لكن ورد فى الأخبار أن لله ملائكة أعظم منه . والكبرى تأنيث الأكبر ، فكأَنّه تعالى قال : رأَىٍ من آيات ربه آيات هى أكبر الآيات. وروى الإمام أحمد والترمذى وصَحَّحه، عن عبد الله ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: ((رأَى جبريلَ فى حُلَّة من رَفْرَف قد ملأَّ ما بين السماء والأرض )). (١) سورة النجم آية ١٨. (٢) قائل هذا عبد الرحمن بن زيد ومقاتل بن حيان نقلا عن تفسير القرطبى ( جـ ١٧ ص ٩٩). - ٨٠ -