Indexed OCR Text
Pages 581-600
علمنا أن تحت ذلك حِكَما إِن تَلَمَّحْنا بعضُها لاحَتْ من خلال سُجُف البلاء حكمتان . إحداهما : اختيار المبْتَلَى لِيَسْكُن قلبُه إلى الرضا بالبلاء فيؤدِّى القلبُ ما كلِّف من ذلك والثانية : أَن تُبَثَّ الشبهةُ فى خلال الحُجَجِ ليُثَاب المجتهِد فى دَفْع الشبهة (١). الثانى : فى بيان غريب ما سبق . المنعَة : بفتح النون : النُّصْرة والحماية . عَمَد : بعين مهملة فميم مفتوحة فى الماضى وفى المستقبل بكسرها : وعن الليلى (٢) كسرها أيضاً فى الماضى. يَمْرط : يمزِّق . أَمَا وحقّ : بفتح الهمزة وتخفيف الميم : حرف تنبيه واستفتاح . خطرا : بخاء معجمة مفتوحة فطاء مهملة فراء : القَدْر والمنزلة . أَغروا : سلَّطوا. رضَخوهما : شَدخوهما . أَذْلَقَتْه : بذال معجمة وقاف أَى وجد أَلَمها ومسَّها . شجَّ فى رأسه : الضمير عائد على زید . الحائط : البستان إذا كان عليه حائِط ، وهو الجدار ، وجمعه حوائط . حَبَلة بحاء مهملة فموحدة مفتوحتين وربما سكنت الباء وهى الأصل أَو القضيب من شجر العنب . يتجهَّمنى : يَلْقانى بالغِلْظة والوجه الكريه . العُتْبَى : بضم العين : الرضا . عَدَّاس ونينوى تقدم الكلام عليهما فى شرح بدء الوحى . مَتَّى بفتح الميم وتشديد المثناة الفوقية مقصور . یا سيِّدیّ بتشديد الياء تثنية سيد . ويحك : كلمة يتعجب بها العرب ولا يريدون بها الذمَّ . ابن عبد ياليل بمثناة تحتية فألف فلام مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فلام واسمه كنانة ويقال مسعود . (١) الوفا لابن الجوزى ٢١٦/١. (٢) كذا فى ط ، ص. وفى ت : النيلى. - ٥٨١ - ·ابن عبد كُلاَل : بضم الكاف وتخفيف اللام . كذا فى الحديث ابن عبد ياليل والذى ذكره أَهل المغازى أَن الذى كلَّمَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عبد ياليل نفسه وعند أهل النسب أن عبد كلال أَخوه لا أبوه قاله الحافظ . قَرْن الثعالب : بفتح القاف وسكون الراء وهو قَرْن المنازل ميقات نجد تلقاء مكة على يوم وليلة منها ، وأَصله الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير . الأَخْشَبَيْن(١): تثنية أَخشب بفتح الهمزة فخاء فشين معجمتين فموحدة : الجبلان (١). (١٠) كذا على الحكاية فى الأخشبين وعلى تقدير مبتدأ أى : هما الجبلان . - ٥٨٢ - الباب الثاني والثلاثون فى إِسلام الجن قد تقدم فى أبواب البعثة استماعهم لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الحافظ ابن کثیر وابن حجر : وقول من قال إِن وفودهم کان بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف ليس صريحا فى أولية قدوم بعضهم ، والذى يظهر من سياق الحديث الذى فيه المبالغة فى رَمْى الشهب لحراسة السماء عن استراق السمع دالً على أَن ذلك كان بعد المبْعَث، وإنزال الوحى إلى الأرض ، فكشفوا عن ذلك إلى أن وقفوا على السبب فرجعوا إلى قومهم . ولما انتشرت الدعوة وأَسْلَم من أَسلم قدموا فسمعوا فأسلموا وكان ذلك بين الهجرتين ، ثم تعدَّد مجيئهم حتى فى المدينة(١) انتهى . وروى محمد بن عمر الأَسلمى ، وأبو نعيم ، عن أبى جعفر رضى الله عنه وعن آبائه قال : قدِمِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنّ فى ربيع الأول سنة إحدى عشرة من النبوة . قال ابن إسحاق وابن سعد وغيرهما : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة حين يئس من خَيْر ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلِّي فمر به النفرُ من الجن الذين ذكرهم الله تعالى . قال ابن إسحاق : وهم فيما ذكر لى سبعة نفرٍ من جن أَهل نَصِيبين ، فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولَّوا إلى قومهم مُخْذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا . فقصَّ الله تعالى خبرَهم على النبى صلى الله عليه وسلم فقال : ((و)) اذكر ((إِذ صَرَفْنا)) أَمَلْنا ((إِليك نفرًا من الجن)) جن نصيبين أو جن نِينَوى، (١) تفسير ابن كثير (سورة الأحقاف). وفتح البارى ١٧٢/٨ ( ط الحلبى). - ٥٨٣ - وكانوا سبعة أَو تسعة، وكان صلى الله عليه وسلم ببطن نَخْلة يصلى بأصحابه الفجر. رواه الشيخان . ((يَسْتمعون القرآن فلما حَضَرُوه قالوا)) أَى قال بعضهم لبعض: ((أَنصِتوا)) لاسماعه فَلَّمَا قُضِى)) فرَغ من قراءته ((ولَّوا) رجعوا ((إِلى قَوْمهم مُنْذِرِينْ)) مخَوِّفين قومهم العذاب إِن لم يؤمنوا وكانوا يهودًا . ((قالوا يا قومَنا إِنَّا سمِعْنا كتاباً)) هو القرآن ((أُنْزِل مِنْ بَعْد مُوسَى مُصَدِّقًا لما بَيْن يَدِيْه)) أَى تقدَّمه كالتوراة. ((يَهْدِى إِلى الحقِّ)) الإِسلام ((وإلى طريق مستقيم)) أَى طريقه ((يا قومَنا أَجيبوا داعِىَ الله)) محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان ((وآمِنُوا به يَغْفر)) الله (لكم من ذنوبكم)) أَى بعضِها لأَن منها المظالم ولا تُغْفَر إِلا برضا أَربابها. الآيات(١). وروى ابن أبى شَيْبة وأَحمد بن مَنِيع والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقى ، عن ابن مسعود قال : هبطوا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة ، فلما سمعوه قالوا أنصتوا. قالوا صّهْ وكانوا تسعة أَحدهم زَوْبعة فأنزل الله تعالى: ((وإذ صرَفْنَا إليك نفرًا من الجن)) الآيات . وروى ابن جرير والطبرانى عن ابن عباس قالوا كانوا تسعة نفر من أَهل نصيبين ، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رُسُلا إِلى قومهم . وروى الشيخان عن مَسْروق قال : قلت لابن مسعود : من آذَن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن ؟ قال : آذنَتْه بهم شجرةٌ وفى لفظ: سَمُرة(٢). وروى محمد بن عمر الأَسلمى وأبو نعيم عن كَعْب الأحبار قال : لما انصرف النفر التسعة (٣) من أَهل نصيبين من بطن نخلة وهم فلان وفلان(٤) والأَّحْقَب جاءوا قومَهم مُنْذرين فخرجوا بعدُ وافدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثمائة فانتهوا إِلى (١) سورة الأحقاف ٢٩ - ٣١. والخبر فى طبقات ابن سعد ٢١٢/١ (ط بيروت) وسيرة ابن هشام ٤٢١/١. (٢) صحيح البخارى كتاب المناقب باب عبد الله بن مسعود وصحيح مسلم كتاب الصلاة حديث رقم ١٥٣ . (٣) ت : السبعة. (٤) بعدها بياض فى الأصول . - ٥٨٤ - الحَجُون فجاء الأَحقب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن قومنا قد حضّروا الحجونَ يَلْقوتكِ . فوعدَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ساعةً من الليل بالحجون . وروى الإمام أحمد ومسلم والترمذى عن عَلْقَمة قال : قلت لابن مسعود : هل صَحِب النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليلةَ الجنِّ منكم أَحدٌ . قال: ما صحبه منا أَحدٌ ولكنا فقدْناه ذاتَ ليلة فقلنا استُطِير أَو اغتيل فيِتْنا بشرِّ ليلةٍ باتها قومٌ ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قِبَل حِرَاء فقلنا يا رسول الله إِنا فقدناك قطلبناك فلم نجدْك فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم . فقال : إنه أَتانى داعِى الجنِّ فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآنَ . فانطلقَ فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم(١) . وقال ابنُ مسعودٍ أَيضاً : سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: بتُّ الليلَ أَقرأ على الجن رفقا - وفى لفظٍ: واقفًا - بالحَجُون . رواه ابن جرير(٢). قلت : تبيَّن من الأحاديث السابقة أن الجن سمعوا قراءة النبى صلى الله عليه وسلم بنخلة فأسلموا ، فأرسلهم إلى قومهم مُنْذِرين، ثم أَتوه وهم ثلاثمائة (٣)، فقرأ عليهم القرآن وهذه المرّة لم يحضرها ابنُ مسعود ، بل حضر فى مرة بعدها . وروى ابنُ جرير والطبرانى وأبو نعيم والبيهقى وغيرهم من طرق ، عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة: من أحبَّ منكم أن يحضر الليلة أَمْرَ الجن فليفعلْ. فلم يحضر منهم أحد غيرى ، فانطلقنا فقال: إِن بنى إخوة وبنى عمّ يأتونى الليلة فأَقرأ عليهم القرآن. فسِرْنا حتى إذا كنا بأُعلى مكة خطَّ لى برجله خطًّا ثم أمرنى أن أجلس فيه وقال : لا تبرح منه حتى آتيك. ثم انطلق حتى إذا قام فافتتح القرآن فغشِيَه أَسْوِدَةٌ كثيرة . وفى رواية فذكر هيئة كأنهم الزطُّ ليس عليهم ثياب ، ولا أرى سَوْأَتهم طِوَالا قليلا ، فجئتهم فرأيت الرجالَ ينحدرون عليه من الجبال ، فازدحموا (١) صحيح مسلم كتاب الصلاة حديث رقم ١٥٠ وصحيح الترمذى كتاب التفسير (سورة الأحقاف). (٢) تفسير الطبرى ٢١/٢٦ (ط الأميرية) ونصه: ((بت الليلة أقرأ على الجن ربعا بالحجون)). (٣) ت : ثلاثمائة نفر. - ٥٨٥ _ عليه فقال سيد لهم يقال له وردان: أنا أرحلهم عنك. فقال: إنى لن يُجيرنى من الله أَحدُ . فحالُوا بينى وبينه حتى ما أسمع صوته فانطلقوا فطفقوا يتقطَّعون مثلَ السحاب ذاهبين حتى بقى رَهْطٌ ، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر ، فنزل ثم أَتانى فقال : أُرْسلتُ إلى الجن . فقلت : فما هذه الأَصواتُ التى سمعتُها قال : هذه أصواتهم حين ودَّعونى وسلَّموا علىّ. ما فعل الرهطُ ؟ فقلت: هم أولئك يا رسول الله. فسألوه الزادَ فأَخذ عَظْما ورَوْنًا فأعطاهم إياهما. فقال: لكم كلُّ عظم عَراق ولكم كل روثة خضرة . قالوا : يا رسول الله يَقْدِرهما الناسُ علينا . قلت: يا رسول الله وما يُغْنى ذلك عنهم ؟ فقال: إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يومَ أُكل، ولا رَوْثة إِلا وجدوا فيها حَبَّها يوم أُكلت ، فلا يَتَنَقَّيَنَّ أَحدُكم إِذا خرج من الخَلاء بعظم ولا بَعْرة ولا رَوْثة . فلما أَصبحتُ رأيت مَبْرك ستين بعيرا(١). قصة أُخرى روى ابن أبى حاتم عن عكرمة فى الآية قال : هم اثنا عشر ألفا جاءوا من جزيرة الموْصِلِ". وذكر أبو حمزة الثالىّ قال: إِن هذا الحىّ من الجن كان بمال لهم بنو الشَّيْصَبان ، وكانوا أكثر الجن عَددا وأَشْرَفهم وكانوا عامةً جُنْدٍ إِبليس . تَنْيَهَاتُ الأول : روى سفيانُ الثَّوْرى عن عاصم عن زِرّ عن ابن مسعود قال: كانوا تسعة أحدهم زوبعة أتوه فى أصل نخلة . وتقدم عنه أنهم كانوا خمسةَ عشر. وفى رواية أنهم كانوا على ستين راحلة وتقدم أن اسم سيدهم وردان . وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثنى عشر ألفا . ففى هذا الاختلاف دليل على تَكْرَار ◌ٍفَادّتهم على النبى صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة كما سيأتى بيان ذلك هناك . (١) تفسير الطبرى ٢١/٢٦ والخصائص الكبرى ٣٤٢/١. - ٥٨٦ - الثانى: فى من وقفت على اسمه من الجن الذين اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن اسم النفر السبعة أو التسعة على الاختلاف . فقال مجاهد كانوا سبعة ثلاثة من أَهل حَرَّان وأربعة من نصيبين وكانت أسما ؤهم حسى ومنسى وشاصر وما صر والأَرد وإينان والأَحْقَب . رواه ابن أبى حاتم . وقال إسماعيل ابن أبى زياد : هم تسعة: سليط وشاصر وخاضر وحسا ومسا(١) والأ رقم والأَ درس وحاصر(١). وروى البيهقى عن أبى مَعْمَر الأنصارى قال: بينا عمر بن عبد العزيز يمشى إلى مكة بفَلَاة من الأَرض إِذ رأَى حية ميتة فقال على بمِحْفار . فحفرَ له ولفَّه فى خِرْقة ودفنه ، وإِذا بهاتف يهتف لا يرونه : رحمةُ الله عليك ياسرق فأَشهد لَسمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : تَموت ياسرق فى فلاة من الأَرض فيدفنك خيرٌ أَّى . فقال عمر : من أَنت يرحمك الله ؟ قال : أَنا رجل من الجن، وهذا سرق ولم يبق ممن بايعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَحدُ من الجن غيرى وغيره ، وأَشهدُ لَسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تموت ياسرق بفلاة من الأَرض ويدفنك خير أُمتى(٢). وذكر ابن سلَّم من طريق أبى إسحاق السَّبِيعىّ - بسين مهملة مفتوحة فموحدة فمثناة تحتية - عن أشياخه عن ابن مسعود أنه كان فى نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمشون فرُفع لهم إعصار ثم جاء إِعصار أعظم منه ثم انقشع فإِذا حية قتيلة ، فعَمد رجلٌ منا إلى ردائه فشقَّه وكفَّن الحية ببعضه ودفنها ، فلما جَنَّ الليلُ إِذا امرأتان تسألان: أيكما دفنَ عمرو بن جابر فقلنا ما ندرى ما عمرو بن جابر قالتا : إن كنتم ابتغيتم الأجر فقد وجدتموه ، إِن فسقة الجن اقتتلوا مع المؤمنين فقتل عمرو بن جابر وهو الحية التى رأيتم ، وهو من النفر الذين استمعوا القرآن من محمد صلى الله عليه وسلم(٣) . وقال ابن أبى الدنيا : حدثنا محمد بن عَبَّاد بن موسى ، العُكلىّ ، حدثنا المطلب ابن (١) بياض بالأصول . (٢٠) الخصائص ٣٥٣/١. (٣) الخصائص ٣٥٠/١ بنحوه. - ٥٨٧ - زياد الثقفى ، حدثنا أبو إسحاق أَن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا فى مَسِير لهم وإِن حيتين اقتتلتا فقتلت إحداهما الأخرى فعجبوا من طيب ريحها وحسنها ، فقام بعضهم فلفَّها فى خرقة ثم دفنها ، فإِذا قوم يقولون السلام عليكم - لا يرونهم - إِنكم دفنتم عَمْرًا إِن مُسْلمتنا وكفارنا اقتتلوا فقتل الكافرُ المسلمَ الذى دفنتم ، وهو من الرهط الذين أسلموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : وروى عبد الله بن الإِمام أحمد فى زوائد المسند والطبرانى والحاكم عن صفوان بن المعَطّل نحوه، وفيه : أَنْه كان آخر السبعة(١) الذين أتوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم . وقال ابن أبى الدنيا : حدثنا الحسن بن جهور ، حدثنا ابن أبى إِياس ، وعن عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون عن عمه ، عن معاذ بن عبد الله ابن مَعْمَر قال: كنت جالسًا عند عثمان بن عفان رضى الله عنه فجاء رجلٌ فقال: أَلا أُخبرك يا أَمير المؤمنين عجَبًا ؟ بَيْنا أَنا بغلاة كذا وكذا إِذ إِعْصَاران قد أَقبلاً أَحدهما من هاهنا والآخر من هاهنا فالتقيا فتعارَكا ثم تفرَّقا وإِذا أحدهما أكبر من الآخر فجئت معتركهما : فإِذا من الحيات شىءٌ . ما رأَت عيناى مثله قط ، وإِذا ريحُ المِسْك من بعضِها ، وإِذا حية صفراء ميتة فقمت فقلبت الحيات كما أَنظر من أَبها هو فإِذا ذلك من حية صفراء دقيقة ، فظننت أن ذلك خيرٍ فيها فلففتها بعمامتى ودفنتها . فبينما أَنا أَمشى نادانى منادٍ ولا أَراه : يا عبد الله ماهذا الذى صنعت فأخبرته بالذى رأيت ووجدت ، فقال : إِنك قد هُدِيت ، ذانك حَيّان من الجن بنو شيبان(٢) وبنو أقَيْش، التقوا فاقتتلوا وكان بينهم ما قد رأَيتَ واستُشهد الذى رأَيت، وكان أَحدَ الذين استمعوا الوحىَ من النبى صلى الله عليه وسلم (٢). وروى ابن أبى الدنيا وأبو نعيم من طريق بشر ابن الوليد الكِنْدى حدثنا كثير بن عبد الله أبو هاشم الناجِى ، قال دخلنا على أَبى رجاء العُطَارِدى فسألناه : هل عندك علمٌ من الجن ممن بايع النبى صلى الله عليه وسلم ؟ فتبسَّم فقال : أُخبركم بالذى رأيت وبالذى سمعت ، كنا فى سفر حتى إذا نزلنا على الماء فضربنا أَخْبيتنا وذهبت أَقِيل ، فإِذا أَنا (١) . ط: التسعة. : (٢) ط : بنوشعيبان . - ٥٨٨ - بحية دخلت الخباء وهى تضطرب فعمدت إلى إِداوتى فنضحتُ عليها من الماء فسكنتْ ، فلما صلينا العصر ماتت ، فعمدت إلى عَيْبتى فأَخرجت منها خرقة بيضاء فلففتها فيها وحفرت لها ودفنتها ، وسِرْنا بقية يومنا وليلتنا، حتى إذا أصبحنا ونزلنا على الماء وضربنا أَخبيتنا وذهبت أَقِيل فإِذا أَنا بأصوات : السلام عليكم . مرتين لا واحد ولا عشرة ولامائة ولا ألف أكثر من ذلك ، فقلت : من أنتم ؟ قالوا : الجن بارك الله عليك قد صنعتَ مالا نستطيع أن نجازيك. قلت : ما صنعتُ إِليكم ؟ قالوا : إن الحية التى ماتت عندك كان آخر من بقى ممن بايع النبى صلى الله عليه وسلم من الجن(١). ورواه الباوردى - بالموحدة - فى معرفة الصحابة من طريق آخر وفيه أنه آخر من بقى من النفر الذين كانوا يستمعون القرآن. قال الحافظ فى الإصابة : هذه القصة مغايرة لما قَبْلها وقد أثبت لكل منها الآخِرِيَّة، فيمكن أن الأول مقيّد بالتسعة ، والثانى بمن استمع بناء على أن الاستماع كان من طائفتين مثلا . قال: وقد وقع فى قصة سرق أنه آخر من بايع، فتكون آخريّتُه مقيدة بالمبابعة(٢). وروى أبو نعيم فى الدلائل عن إبراهيم النَّخَعى قال : خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج حتى إذا كانوا ببعض الطريق إذا هم بحية تتثنَّى على الطريق، أبيض يَنْفِح منه ريحُ المسك، فقلت لأصحابى امضوا فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير أمر هذه الحية . فما لبثت أن ماتت ، فعمدْتُ إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ، ثم نحَّيتها عن الطريق فدفنتها ، ثم أدركت أصحابى. فوالله إِنا لَفُعود إِذ أَقبل أربع نسوة من قِيَل المغرب فقالت واحدة منهن : أَيكم دفن عَمْرًا ؟ قلنا : ومن عمرو ؟ قالت : أَيكم دفن الحية ؟ قلت: أَنا. قالت : أَمَا والله لقد دفنت صَوَّاما قوَّاما يأمر بما أنزل الله ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته فى السماء قبل أن يُبْعَث بأربعمائة سنة. فحمدنا الله تعالى ثم قضينا حجَّنا، ثم مررت بعمر ابن الخطاب بالمدينة فأنبأُته بأَمر الحية فقال : صدقتَ ، سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : لقد آمن بى قبل أن أُبْعث بأَربعمائة سنة (٣). (١) الخصائص ٣٤٧/١. (٢) الإصابة ٢٠/٢ بمعناه. (٣) الخصائص ٣٤٩/١. - ٥٨٩ -٠ وقال ابن أبى الدنيا : حدثنا محمد بن عباد حدثنى محمد بن زياد ، حدثنى أبو مُصْلح الأسدى ، حدثنى يحيى بن صالح ، عن أبى بكر بن عبد الله ابن أبى الجَهْم ، عن حذيفة العدوى قال : خرج حاطب بن أبى بَلْتعة من حائط له يريد النبيَّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالمسخاء التفت إليه عجاجتان ثم أَجْلَتا عن حيّة كيف الحوار ، يعنى الجلد ، فنزل ففحص له پِسیة قَوْسه ثم واراه ، فلما كان الليل إذا هاتف يهتف به : ارْبَعْ عليك سلامُ الواحدِ الصمدِ يا أيها الراكب المزْجِى مَطِيَّتَه دون العشيرة كالضِّرغامة الأَسدِ رأَيت عَمْرًا وقد أَلْقَى كَلاَكَله فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : ذاك عمرو بن الجوماية وافد نصيبين لقيه مِحْصَن بن جَوْشن النصرانى فقتله ، أَمَا إِنى قد رأيتها - يعنى نصيبين - فرفعها إِلىّ جبريل، فسألت الله تعالى أَن يُعْذِبِ نَهْرَها ويُطيب ثمرَها ويكثر مطرها . والآثار فى هذا المعنى كثيرة ذكر طرفا منها الشيخ رحمه الله تعالى فى كتابه «لقط المرجان فى أخبار الجان))(١) ٠ ٠٠ الثالث : أَنكر ابنُ عباس رضى الله عنهما اجتماعَ النبى صلى الله عليه وسلم بالجن . ففى الصحيحين عنه قال : ما قرأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم ، انطلق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى طائفة من أصحابه عامِدين إلى سوق عكاظ وقد حِيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأُرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا : مالكم ؟ قالوا : قد حيل بيننا وبين خبر السماء وأُرسلت علينا الشُّهب . قالوا : ما ذاك إِلا من شىء فد حَدَث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها . فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامد إلى سوق مُكَاظ وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا : ((يا قومنا إِنا سمعنا قرآناً عَجَبًا يَهْدى إلى الرُّشْد)) فأَنزل الله تعالى على نبيه: ((قل أُوحى إلى أنه استمع نفر من الجن)) وإنما أُوحى إليه قول الجن(٢). (١) وأکثر ها واه لا سند له. (٢) صحيح البخارى كتاب التفسير سورة الجن ، وصحيح مسلم كتاب الصلاة حديث رقم ١٤٩ . - ٥٩٠ - قال الحافظ أبو بكر البيهقى رحمه الله تعالى : وهذا الذى حكاه ابن عباس إنما هو فى أول ما سمعت الجنُّ قراءةَ النبى صلى الله عليه وسلم وعلمتْ بحاله ولم يرهم ، ثم أَتاه داعى الجن مرة أُخرى فذهب معهم وقرأ عليهم القرآن كما رواه مسلم عن ابن مسعود . ويؤيد قولَ البيهقى أَثر كعب السابق أول الباب . قال البيهقى : وابنُ مسعود قد حفظ القصتين فرواهما . وقال غيره : أَثر ابن مسعود أَثْبَت أَن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ على الجن ورآ هم ، فكان ذلك مقدَّماً على نَفْى ابن عباس . وقد جاء عن ابن عباس ما يوافق ابن مسعود . فروى ابن جرير بسند جيد قوى عن ابن عباس فى قوله تعالى: ((وإِذ صرفْنا إليك نفرا من الجن)) الآية. قال : كانوا تسعة نفر من أَهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رُسلاً إلى قومهم .. فهذا يدل على أن ابن عباس روى القصتين كابن مسعود . ٠ ٠٠ الرابع : قال الحافظ: لا يعكر على قولنا حديثُ ابن عباس كان فى أَول البعثة، كما تقرر قوله إنهم رأوه يصلى بأصحابه صلاة الفجر ، فيحتمل أن يكون ذلك بعد(١) فرض الصلوات ليلة الإسراء لأنه صلى الله عليه وسلم كان قبل الإِسراء يصلى قطعا وكذلك أصحابه ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شىء من الصلاة أم لا فيصح هذا على قول من قال إن الفرض كان أولاً صلاةً قبل طلوع الشمس وقبل غروبها والححة فيه قوله تعالى ((وسبح بنحَمْد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)) ونحوها من الآيات . فيكون إطلاق صلاة الفجر فى هذا الحديث باعتبار الزمان لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء فتكون قصة الجن متقدمة من أول البعثة (٢). وقد أخرج الترمذى والطبرى هذا الحديث بسياق سالم عن الإشكال الذى ذكرته من (١) ط : قبل فرض . ( لا يعكر على قولنا حديث ابن عباس) ((ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن)) (٢) فتح البارى ١٧١/٨. - ٥٩١ طريق أبى إسحاق السَّبِيعى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كانت الجن تصعد إلى السماء يستمعون الوحى. الحديث. وتقدم هو وأحاديث أُخر تدل على أن هذه القصة وقعت أول البعثة وهو الذى تظافرت به الأخبار وهو المعتمد . الخامس فى بيان غريب ما سبق . الإِعصار : قال فى الصحاح ريح تثير الغبار ويرتفع إلى السماء كأَنّه عمود .. العُكْلى: بضم العين المهملة وسكون الكاف. الإِداوة بالكسر : المِطْهرة . أقيل : أنام وقت القيلولة وهى نصف النهار . العَيْبة بفتح العين المهملة زنْبيل من جِلْد وما يجعل فيه الثياب . تتثنَّى : تتقلب . المطية : المطا ، وزان العصا : الظهر ومنه قيل البعير مطّيّة فعيلة بمعنى مفعولة لأنه يركب مَطاه ذكرا كان أو أنثى ويجمع على مطی ومطَايا " المُزْجى مطيته : السائقها . ارْبَعْ : فعل أمر ، أى ارفق . نصيبين : بلد معروف بأرض الجزيرة . - ٥٩٢ - ٨ الباب الثالث والثلاثون فى عرض النبى صلى الله عليه وسلم نفسه الكريمة على القبائل ليؤووه وينصروه ودعائه الناس إلى التوحيد قال جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعرض نفسه بالموقِفَ ، فيقول : أَلا رجلٌ يحملنى إلى قومة فإن قريشا منَعوبى أَن أَيلغ كلامَ ربى . رواه أبو داود والترمذى وقال حسن صحيح(١). قال محمد بن عمر الأُسلمى: مكث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين من أول نبوته مُسْتخفيا ثم أعلن فى الرابعة فدعا الناسَ إلى الإِسلام عشر سنين ، يوافى الموسمَ كلَّ عام يتبع الحاج فى منازلهم بعكاظ ومجنة وذى المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة ، فلا يجد أحدًا ينصره ولا يجيبه حتى إنه سأل عن القبائِل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا العرب وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكا فى الجنة. وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإِنه صابىء كاذب ، فيردون عليه أُقبح الرد ويؤذونه ويقولون : قومُك بك أَعْلَم . وقال ابن اسحاق : ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أى من الطائِف وقومه أشد ما کانوا علیه من خلافه وفراق دینه إلا قليلا مستضعفین ممن آمن به ، و کان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعْرض نفسه فى المواسم إذا كانت ، على قبائل العرب يدعوهم إلى الله عز وجل ويتخبرهم أَنه نبيّ مُرْسَل ويسألهم أن يصدِّقون ويمنعوه حتى يبيِّن عن الله عز وجل ما بعثَه به(٢). وروى ابن اسحاق والبيهقى والإِمام أحمد وابنه عبد الله والطبرانى برجال ثقات ، عن ربيعة بن عِبَاد - بكسر العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة - قال : إنى لَغلام شاب مع أَبِى بمنّى ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقف على القبائل من العرب فيقول : يا بنى فلان إنى رسول الله إليكم يأمر كم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تَخْلِعوا ما تعبدون من (١) سنن أبي داود كتاب السنة باب رقم ٢٠. وصحيح الترمذى كتاب ثواب القرآن باب ٢٤ - وسنن ابن ماجه المقدمة باب رقم ١٣. (٢) سيرة ابن هشام ٤٢٢/١. - ٥٩٣ - (٣٨ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) دونه من هذه الأَنْداد ، وأَن تؤمنوا بى وتصدِّقونى وتمنعونى حتى أَبيِّن عن الله عز وجل ما بعثنى به . والناسُ مُتقصِّفون عليه ما رأيت أحدا يقول شيئا وهو لا يسكت . قال : وخلفه رجل أَحْوَل وضِىء له غَدِيرتان عليه حُلَّة عدَنية فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل : يا بنى فلان إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلى أَن تَسْلخوا اللات والعُزِّى من أعناقكم وحلفاءهم من الجن وبنى مالك بن أُقَيْش إِلى ما جاء به من البدعة والضلالة ، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. فقلت لأبى : يا أَبت من هذا الرجل الذى يردِّ عليه ما يقول يتبعه حيث ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرُّ منه ؟ قال : هذا عمه عبد العُزَّى بن عبد المطلب أَبو لهب(١). وروى الطبرانى عن طارق بن عبد الله قال : إِنى بسوق ذى المجاز إِذ مرّ رجلٌ بى(٢) عليه. حُلَّة من بُرْد أَحمر وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفْلحوا". ورجل خَلْفه قد أَدْمَى عرقوبَيْه وساقيه يقول : يا أيها الناس إنه كذاب فلا تطيعوه . فقلت : من هذا ؟ قالوا: غلام بنى هاشم الذى يزعم أنه رسول الله وهذا عمه عبد العزى . وروى الطبرانى برجال ثقات عن مُدْرك بن [منيب(٣)] رضى الله عنه قال: حجَجْتُ مع أبى فلما نزلنا منّى إذا نحن بجماعة فقلت لأَبى: ما هذه الجماعة ؟ قال : هذا الصائى. وإذا رسول الله(٤) صلى الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إِله إِلا الله تفلحوا . وروى البخارى فى تاريخه والطبرانى فى الكبير واللفظ له عن مُدْرك بن مُنيب - بضم أوله وكسر النون وآخره موحدة - العامرىّ عن أبيه عن جده رضى الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الجاهلية وهو يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تُفْلحوا . فمنهم من تَفَل فى وجهه ومنهم من حثًا (٥) عليه التراب، ومنهم من سبَّه، حتى انتصف النهار فأقبلت جارية بعُسّ من ماء فغسل وجهه ويديه وقال : يابنية لا تخشَىْ على أَبيك غلَبةً ولا ذلة . فقلت : من هذه ؟ قالوا : زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهى جارية وَضِيئة (٦) (١) سيرة ابن هشام ٤٢٣/١. ومسند أحمد ٤٩٢/٣. (٢) ط: إذ مر رجل شاب. (٣) بياض بالأصل، وما أثبته مما ذكره المؤلف فى الرواية التالية. (٤) ط : وإذا برسول الله. (٥) ط : من حفن . الجزء الرابع من القسم الثانى جـ ٢: مدرك بن منيب الأزدى عن أبيه روى عنه ابنه منيب . (٦) الذى فى التاريخ الكبير للبخارى - ٥٩٤ - وروى الطبرانى برجال ثقات نحوه عن الحارث بن الحارث . وروى الإمام أحمد والبيهقى عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة قال : رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذى المجاز وهو يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا . وإذا رجل خلفه يَسْفى عليه الترابَ، وإذا هو أبو جهل ، وإذا هو يقول: يا أيها الناس لا يغرّنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى يتبعه حيث ذهبَ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يفرّ منه، وما يلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه . قال الحافظ عماد الدين بن كثير : المحفوظ : أَبو لهب. وقد يكون أَبو جهل وَهْمًا ، ويحتمل أن يكون ذا تارةً وذا تارة، وأنهما يتناوبان على أَذيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم(١) . قلت : وهذا هو الظاهر . ٠ ٠ ٠ وذكر ابن إسحاق عَرْضَه صلى الله عليه وسلم نفسَه الكريمة على كِنْدة وكلب وبنى عامر بن صَعْصَعة وبنى حنيفة . قال : ولم يكن أحدٌّ من العرب أَقبح ردًّا عليه منهم . زاد الواقدى : وعلى بنى عَبْس وغَسَّن وبنى مُحَارِب وبنى فَزَارة وبنى مُرَّة وبنى سُلَيْم وبنى نَصْر بن هوازن وبنى ثعلبة بن عُكَابة - بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة .- وبنى الحارث بن كعب وبنى عُذْرة وقيس بن الخَطِيم . وساقُ أخبارهم . وروى محمد بن عمر الأُسْلمى عن عامر بن سلمة الحنفى وكان قد أسلم فى آخر عُمْر النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : نسأل الله أَن لا يَحْرمنا الجنة، لقد رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جاءنا ثلاثة أعوام بعكاظ ومجنّة وبذى المجاز، يدعونا إلى الله - عز وجل - وأَن نمنع له ظهره حتى يبلِّغ رسالات ربه ، ويَشْرط لنا الجنَّة ، فما استجبنا له ولا ردَدْنا عليه ردًّا جميلا فخشنًا عليه وحَلُم عنا. قال عامر: فرجعت إلى هَجَر فى أول عام فقال لى هَوْدة بن على : هل كان فى موسمكم هذا خبر ؟ قلت : رجل من قريش يطوف (١) سيرة ابن كثير ٢ /١٥٦ - ١٥٧. - ٥٩٥ - على القبائل يدعوهم إلى الله تعالى وحده وأن يمنعوا ظَهْره حتى يبلغ رسالة ربه ولهم الجنة . فقال هَوْدَة : من أَى قريش هو ؟ قلت : هو من أَوْسَطهم نسبًا من بنى عبد المطلب . قال هوِدة: أَهو محمد بن عبد المطلب؟ قلت: هو هو . قال: أَمَا إِن أَمره سيظهر على ما هاهنا . فقلت : هنا قط من بين البلدان ؟ قال : وغير ما ها هنا . ثم وافيت السنة الثانية هَجر فقال : ما فعل الرجل ؟ فقلت : والله رأيته على حاله فى العام الماضى . قال : ثم وافيت فى السنة الثالثة وهى آخر ما رأيته وإذا بأمره قد أُمِرَ وإِذا ذِكْره كَثُر فى الناس . الحديث . وروى الحاكم والبيهقى وأبو نعيم وقاسم بن ثابت عن على رضى الله عنه قال : لما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أَن يَعْرض نفسَه على قبائل العرب خرج وأَنا معه ! فذكر الحديث إلى أن قال : ثم دفَعْنا إلى مجلس آخر عليهم السَّكينة والوقار ، فتقدم أبو بكر فسلّم فقال: من القومُ ؟ قالوا: مِنْ شَيْبان بن ثعلبة. فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : بأبى وأمى هؤلاء عُزَّر الناس وفيهم مَعْزون بن عمرو وهانى ابن قَبِيصة والمثنّى بن حارثة والنعمان بن شّرِيك، وكان مفروق قد غلبهم لساناً وجمالا وكانت له غَدِيرتان تسقطان على ثَرِيبته ، وكان أثْنَى القوم مجلساً من أبى بكر فقال أبو بكر : كيف العدد فيكم ؟ فقال مفروق : إنا لا نزيد على الألف ولن تغلب ألف من قِلة . فقال أبو بكر : وكيف المنَعة فيكم ؟ فقال مفروق: إنا لأَشد ما نكون غضبا حين نَلْقَى، وأَشد ما نكون لقاء حين نَغْضب، وإنا لنُؤْثر الجِيّاد على الأولاد، والسلاحَ على الِّفاح ، والنصر من عند الله يُديلنا مرةً ويديل علينا أُخرى ، لعلك أَخا قريش ؟ فقال أبو بكر : إن كان بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فها هو ذا . فقال مفروق إلامَ تدعونا يا أخا قريش؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأنى عبد الله ورسوله، وإِلى أَن تُؤْوونى وتَنْصُرونى فإن قريشًا قد تظاهرتْ على الله وكذَّبت رسولَه واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغنىُّ الحميد . فقال مفروق وإِلامَ تدعو أيضا يا أَخا قريش،؟ فوالله ما سمعتُ كلاما أَحسن من هذا . فتلا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((قل تعالَوْا أَتْلُ ما حرَّم ربّكم عليكم: أن لا تشركوا - ٥٩٦ - به شيئا وبالوالذين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إِمْلاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطّن ولا تقتلوا النفس التى حرَّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تَعْقلون)) (١) فقال مفروق: دعوتَ - والله - إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أَفَك(٢) قومٌ كذَّبوك وظاهروا عليك . ثم رد الأمر إلى هانئ بن قَبِيصة فقال : وهذا هانى شيخُنْا وصاحبُ دِيننا . فقال هانى : قد سمعتُ مقالتك يا أَخَا قريش وإِنِى أَرى تَرْكَنا ديننا وإتباعنا دينَك. لِمَجلِسِ جلستَ إِلينا لا أَول له ولا آخر لَذلٌّ فى الرأى وقلة نظر فى العاقبة، إِن الزلَّة مع العَجلة وإِنا نكره أن نعقد على من وراءنا عَقْدًا ولكن نرجع وترجع ونَنْظر وتنظر . ثم كأنه أَحب أَن يَشْرَكه المثنَّى بن حارثة فقال : وهذا المثنى شيخنا وصاحب حَرْبنا . فقال المثنَّى - وأَسلم بعد ذلك - قد سمعتُ مقالتك يا أَخا قريش والجواب فيه جوابُ هانئ بن قبيصة فى تّرْكنا ديننا ومتابعتنا دِينَك وإنا إنما نزلنا بين صِرْيين: أَحدهما اليمامة والآخر السمامة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما هذان الصريان . ؟ قال : أَنهار كسرى ومياه العرب ، فأما ما كان من أَنهارِ كسرى فذَنْبُ صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، وأَما ما كان مما يلى مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أَخذه علينا كسرى أَن لا نُحْدِث حَدثًا ولا نُؤْوىَ مُحْدِثا وإنى أَرى هذا الأمر الذى تدعونا إِليه يا أخا قريش مما تكرهه الملوك ، فإِنْ أَحببت أَن نؤويك وننصرك مما يلى مياهَ العرب فعَلْنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أسأتم فى الرد إِذ أَفْصَحْم بالصدق . وإِن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطَه من جميع جوانبه ، أَرأيتم إِن لم تلبثوا إلا قليلا (١) سورة الأنعام ١٥١ . (٢) كذا ضبطها المؤلف فى تنبيهاته الآتية بعد . - ٥٩٧ - حتى يورثكم . الله تعالى أرضهم وديارَهم وأموالهم ويُفْرِشكم نساءهم أَتستحبُّون الله تعالى وتقذُّسونه ؟ . فقال النعمان : اللهم فلك ذاك . فتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهداً ومبشرا ونَذِيرا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا)(١). ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢). وروى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموى فى مغازيه عن أبيه، وأبو نعيم عن عبد الرحمن العامرى عن أشياخ من قومه قالوا : أَتانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ونحن بسوق عكاظ فقال : مَنِ القومُ؟ قلنا : من بنى عامر بن صعصعة بنو كعب بن ربيعة ؟ فقال: إنى رسول الله إليكم وأتيتكم لتمنعونى حتى أَبلِّغ رسالة ربى ولا أُكْره أحدًا منكم على شىء. قالوا : لا نؤمن بك وسنمنعك حتى تبلغ رسالةً ربك .. فأتاهمٍ بيْحرة بن فراس (٣) القُشَيْرى فقال: من هذا الرجل الذى أَراه عندكم أُنْكره ؟ قالوا : هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب . قال : فما لكم وله ؟ قالوا : زعم أنه رسول الله فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه . قال: ما ردَدْتم عليه ؟ قالوا : بالرَّحْب والسعة نُخْرجك إلى بلادنا ونمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فقال بَيْحرة : ما أعلم أحدا من أَهل هذه السوق يرجع بشىء أَشرَّ من شىءٍ ترجعون به ! أَتعمدون إِلَى رَهِيق قوم طردوه وكذَّبوه فتُؤْوُوهُ وتنصروه تُنَابذوا العربَ عن قوس واحدة ، قومُهُ أَعْلَم به فبئس الرأى رأيكم . ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم فالحق بقومك فوالله لولا أنك عند قومى لضربتُ عنقك . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناقته ليركبها فغمز الخبيث بَيْحرة شاكِلَتها فقمصتْ برسول الله صلى الله عليه وسلم فأَلقَتْه . وعند بنى عامر يومئذ ضباعة بنت عامر (١) سورة الأحزاب ٤٥. .(٢) دلائل النبوة لأبي نعيم ٢٣٧. (٣) ط : ابن فارس . - ٥٩٨ - ابن حَوْط كانت من النسوة اللاتى أَسلمن بمكة جاءت زائرة إلى بنى عمها فقالت : يا لَعامر ولا عامر لى ، أَيُصْنع هذا برسول الله صلى الله عليه وسلم بين أَظْهركم ولا يمنعه أحدٌّ منكم.؟ فقام ثلاثة نفر من بنى عمها إِلى بَيْحرة واثنين أَعاناه فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الأرض ، ثم جلس على صدره ثم علَوْا وجوههم لطما . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك على هؤلاء والعن هؤلاء. فأُسلم الثلاثة الذين نصَروه وقُتلوا شهداء ، وهم غطيف وغطفان ابنا سهل وعروة أَو عزرة بن عبد الله ، وهلَك الآخرون (١) . فلما صدَر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم أدركته السِّنُّ حتى لا يقدر أَن يوافى معهم موسمهم ، فكانوا إذا رجعوا إليه حدَّثوه بما يكون فى ذلك فى الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان فى موسمهم فقالوا : جاءنا فتى من قريش ثم أَحد بنى عبد المطلب يزعم أنه نبى يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا فوضع الشيخ يده على رأسه، ثم قال: يا بنى عامر هل لها من تَلاف هل لذنا بها من مَطْلَب! والذى نفسى بيده ما تقوَّها إسماعيلٌّ قط كاذبا وإنه(٢) لَحقّ ، فأَين رأيكم كان عنكم (٣). وروى أبو نعيم عن خالد بن سعيد عن أبيه عن جده أَن بكر بن وائل قدِم مكة فى الحج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر : إيتهم واعرض عليهم .. فأتاهم فعرض عليهم. فقالوا: حتى يجىء شيخنا حارثة. فلما جاء قال: إِن بيننا وبين الفُرْس حربًا فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم عُدْنا فنظرنا فيما تقول فلما التقوا بذى قارهم والفُرْس قال لهم شيخهم : ما اسم الرجل الذى دعاكم إلى ما دعاكم إليه ؟ قالوا : محمد . قال : فهو شعاركم . فنُصروا على الفُرْس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بِ نُصِروا. وروى محمد بن عمر الأُسلمى عن جَهْم بن أبى جهم أن رسول الله صلى الله عليه سلم وقف على بنى عامر يدعوهم إلى الله تعالى ، فقام رجل منهم فقال له : عجبا لك والله قد (١) دلائل النبوة لأبى نعيم س ٢٤٣، وسيرة ابن كثير ١٦٠/١. ثم قال ابن كثير: وهذا أثر غريب كتبنا. لغرابته . . (٢) ط : وإنها . (٣) سيرة ابن هشام ٤٢٥/١. - ٥٩٩ - أَعْيَاك قومُكَ ثم أَعياك أحياء العرب كلها حتى تأتينا وتتردّد علينا مرةً بعد مرة ؟ والله لأَجعلنك حديثا لأَهل الموسم . ونهض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان جالسا فكسر الله ساقَ الخبيث ، فجعل يصيح من رِجْله وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى أبو نعيم عن عبد الله بن وابصة العَبْسى عن أبيه عن جده قال : جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى فدعانا فاستجبنا له ، وكان معنا مَيْسرة بن مسروق العَبْسى فقال لنا : أَحلف بالله لو صدَّقْنا هذا الرجلَ وحملناه حتى نحلَّ به وسطَ رِحَالنا لكان الرأى ، فأَحلف بالله لَيظهرّن أَمره حتى يَبْلِغَ كلَّ مَبْلَغْ فَأََّ القومُ وانصرفوا. فقال لهم ميسرة! مِيلوا بنا إلى فَدك فإن بها يهودَ نسألهم عن هذا الرجل ، فمالوا إلى يهود فأُخرجوا سِفْرهم فوضعوه ثم دَرسوا ذِكْر رسول الله صلى الله عليه وسلم النبى الأُمى العربى يَرْكب الحمارَ ويَجْتزئ بالكِسْرة ، وليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالجعد ولا بالسَّبْط فى عينيه حُمْرة مُشْرب اللون . قالوا : فإِن كان هو الذى دعاكم فأَجيبوه وادخلوا فى دينه فإنا نحسده ولا نتبعه ولنا منه فى مواطن بلاء عظيم ، ولا يبقى أحدٌ من العرب إلا اتبعه أَو قتله . فقال ميسرة : يا قوم إن هذا الأمر بَيِّن فأَسْلَم ميسرة (١). وروى أبو نعيم عن ابن رُومان وعبد الله بن أبى بكر وغيرهما قالوا : جاء النبي صلى الله عليه وسلم كِنْدة فى منازلهم فعرض نفسه عليهم فَأَبَوْا . فقال أصغر القوم : يا قوم اسبقوا إلى هذا الرجل قبل تُشْبقوا إليه ، فوالله إن أهل الكتاب ليحدثونا أن نبيًّا يخرج من الحرم قد أَظلَّ زمانه فأَبوا . وروى البيهقى عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا : قدِمِ سُوَيْدُ ابن الصامت أَخو بنى عمرو بن عوف مكة حاجًّا أَو معتمرا، وكان سويد إِنما يسميه قومُه الكاملَ لجَلده وشعره وشرفه ونسبه ، وهو الذى يقول : مقالَته بالغَيْبِ ساءك ما يَفِْرى ألارُبّ من تدعو صدیقا ولو ترى وبالغيب مأثور على ثغرة النحر مقالتُه كالشَّهْدِ ما كان شاهدا (١) سيرة ابن كثير ١٧٠/١ عن الواقدى.