Indexed OCR Text
Pages 561-580
المؤمنون بنصر الله )) إياهم على فارس ، وقد فرحوا بذلك وعلموا به يومَ وقوعه يومَ بَدْر ونزول جبريل بذلك مع فَرحهم بنصرهم على المشركين فيه ((يَنْصر من يشاء)) نُصْرتَهِ ((وهو العزيزُ)) الغالب ((الرحيم)) بالمؤمنين ((وَعْدَ الله)) مصدر بدل من اللفظ بفعله والأصل وعَدهم الله النصرَ ((لا يُخْلف الله وَعْدَه)) به ((ولكنّ أَكثر الناسِ)) كفار مكة ((لا يعلمون)) وعده تعالى بذلك . فلما نزلت هذه الآيات قال المشركون لأَبى بكر : ألا ترى إِلى ما يقول صاحبك ؟ يزعم أَن الروم تغلب فارس . قال : صدَق صاحبى . وفى رواية : فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال: أَفرحتم بظهور إِخوانكم على إِخوانئا ؟ فلا تفرحوا ولا يُقَرّ الله عَيْنكم فوالله ليَظهرنّ الرومُ على فارس أَخبرنا بذلك نبينا فقام إليه أَبُّ بن خَلِف فقال: كذَبْتَ. فقال أبو بكر : أَنت أَكْذَب يا عدو الله . قال : أُنَاحبك عَشْرِ قَلائص منىٍّ وعَشْرِ قلائص منك ، فإِن ظهرت الرومُ على فارس غرمتُ وإِن ظهرت فارسُ غرمتَ إِلى ثلاث سنين . ثم جاء أبو بكر إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايِدْه فى الخَطّر (١) ومادّه فى الأجل. فخرج أبو بكر فلقى أُبَيًّا فقال : لعلك ندمتَ ؟ قال : لا . قال تعالَ أَزيدك فى الخَطَّر وأَمادّك فى الأجل فأجعلها مائة قَلُوص بمائة قلوص إلى تسع سنين. قال فعلت . وذلك قبل تحريم الرِّهَان ، فلما خشى أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه ولزِمه وقال : إنى أَخاف أن تخرج من مكة فأَقْم كفيلاً فكفَله ابنه عبدُ الله. فلما أَراد أُبُّ بن خَلف أن يخرج إلى أحد أَتاه عبد الله ابن أبى بكر وقال له ؛ لا والله لا أَدَعك تخرج حتى تعطينى كفيلا فأعطاه كفيلا . فخرج إلى أُحُد ثم رجع إلى مكّة وبه جراحةٌ جَرحه النبيُّ صلى الله عليه وسلم حين بارزه يوم أُحد فمات منها بمكة ، وظهرت الرومُ على فارس فغلب أَبو بكر أُبيًّا وأخذ الخطر (١) الخطر : السبق يتراهن عليه . - ٥٦١ - (٣٦ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) من ورثته ، فجاء يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا سَحْت تصدّق به . أُنَاحِبُك: بالحاء المهملة والباءِ الموحدة: أَى أُراهنك. القَلاَئص : بقاف فلام مفتوحتين فهمزة مكسورة فضاد مهملة : مفرده قَلُوص وهى الناقة الشابة . - ٥٦٢ - الباب الثامن والعشرون فى وفاة أَبى طالب ومَشْى قريش إليه ليكفَّ عنهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال الحافظ عماد الدين بن كثير المشهور أنه مات قبل موت خديجة وكان موتهما فى عام واحد قبل مهاجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثلاث سنين(١). وقال صاعد فى كتاب ((الفُصوص)) : بعد ثمانية وعشرين يوماً من خروجهم من الشِّعْب . وقال ابن حزم : توفى أَبو طالب فى شوال فى النصف منه . وروى ابن أبى شيبة والإِمام أحمد والترمذى وصححه عن ابن عباس ، وابنُ جرير وابن أبى حاتم عن السُّدِّى ، والبخارى والبيهقى عن سعيد بن المسيب عن أبيه ، ومسلم والبيهقى عن أبى هريرة : أَن أَبا طالب لما اشتكى وبلغ قريشٌ ثِقَلَه قال بعضها لبعض : إِن حمزة وعمر قد أَسلما وقد فشا أَمرُ محمد فى قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أَبِى طالب فليأُخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا فإِنا والله ما نأُمن أَن يبتزُّونا أَمْرَنا . فمشوا إِلى أبى طالب فكلَّموه ، وهم أَشرافُ قومه ، عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل ابن هشام ، وأُمية بن خلَف ، وأبو سفيان بن حرب ، فى رجال من أشرافهم فقالوا : يا أَبا طالب إِنك من حيث قد علمتَ وقد حضَرك ما ترى وتخوَّفْنا عليك وقد علمتَ الذى بيننا وبين ابن أخيك، فادْعه وخُذْ له منا وخذ لنا منه ليكفَّ عنا ونكفَّ عنه، ولِيَدعَنا ودِينَنا وندعَه ودينَه . فبعث إليه أبو طالب ، فجاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبى طالب قَدْر مَجْلس رَجُل ، فخشى أبو جهل إن جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى . (١) سيرة ابن كثير ١٢٢/٢. - ٥٦٣ - طالب أن يكون أَرقَّ عليه ، فوثب أبو جهل فجلس فى ذلك المجلس ، فلم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا قُرْب عمِّه، فجلس عند الباب . فقال: يابن أَخى هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إِليك ليعطوك وليأُخذوا منك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم كلمة واحدة يُعْطونيها يَمْلكون بها العربَ وتدين لهم بها العَجمُ . وفى رواية : تدين لهم بها العربُ وتؤدِّى إليهم بها العجمُ الجزيةَ . ففزعوا لكلمته ولقوله . فقال القوم : كلمة واحدة؟ قال: نعم. فقال أبو جهل: نعم وأبيك عشر كلمات . قال: تقولون لا إِله إِلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه . فصفَّقوا بأيديهم ثم قالوا : يا محمد تريد أن تجعل الآلهة إِلها واحدا ؟ إِن أَمرك لعَجب . ثم قال بعضهم لبعض : ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دينكم حتى يحكم الله بينكم وبينه . ثم تفرقوا . فأَنزل الله فيهم أول سورة (( صّ)) . فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : والله يابن أخى ما رأيتك سألتهم شَحْطًا. فلما قالها طمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فجعل يقول : أَىْ عم فأنت فقلها أَستحِلُّ لك بها الشفاعةَ يوم القيامة فلما رأى حرصَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على ذلك قال : لولا مخافة السُّبة عليك وعلى بنى أبيك من بَعْدى وأَن تظن قريشُ أَنى إنما قلتها جزَعًا من الموت لقلتها لا أقولها إِلا لِأَسرَّك بها . وذكر ابن الكَلْبِ أَن أَبا طالب لما حضرتْه الوفاةُ جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب فى المآثر نصيبا إِلا أَحرزتموه ولا شرفا إِلا أدر كتموه فلكم بذلك على الناس الفضيلة ولهم به إليكم الوسيلة والناس لكم حرب وعلى حربكم إِلْب ، وإِنى أوصيكم بتعظيم هذه البَنِيَّة فإِن فيها مرضاة للرب وقِوَاما للمعاش وثباتا للوطأَّة، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها فإن فى صلة الرحم مَنْسَأَةٌ فى الأَجل وزيادة فى العدد ، واتركوا البغىَ والعقوقَ ففيها ملكت القرونُ قبلكم ، أَجيبوا الداعى وأعطوا السائل فإِن فيها شرف الحياة والممات ، عليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة فى الخاص ومَكْرمة فى العامّ ، وإِنى أوصيكم بمحمد - ٥٦٤ - خيرا فإنه الأمين فى قريش والصدِّيق فى العرب ، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به ، وايم الله كأَّى أَنظر إلى صعاليك العرب وأهل البَرّ فى الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدَّقوا كلمته وعظَّموا أَمره فخاض بهم غمراتٍ الموت فصارت رؤساء قريش وصناديدها أَذناباً ودُورها خراباً وضعافها أَربابًا وأَعظمهم عليه أَخوجهم إليه وأبعدهم منه أَخْظاهم عنده ، قد مَحضَتْه العربُ ودَادها وأَصفت له فؤادها وأعطته قيَادها ، دونكم يا معشر قريش ابنَ أَبيكم كونوا له ولاة، ولحربه حُمَاة، والله لا يَسْلك أَحدٌ منكم سبيلَه إلا رَشد ولا يأخذ أَحدٌ بهديه إلا سعد ولو كان لنفسى مدة ولأَجلى تأخير لكفيت عنه الهزَاهزَ ولدافعت عنه الدواهى . ثم إن أَبا طالب مات بعد ذلك. وروى الشيخان عن المسيّب بن حَزْن رضى الله عنه قال: لما حضرت أَبا طالب الوفاةُ جاءه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أَشهد - وفى لفظ: أُحَاجٌ - لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أَبا طالب أَتَرْغب عن مِلَّة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْرضها عليه ويعودان لتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب . وأَبِىَ أَن يقول : لا إِله إِلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَمَا والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك. فأَنزل الله بعد ذلك: (( ما كان للنبيِّ والذين آمنوا أَن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أُولى قُرْبِىَ من بعد ما تبيَّن لهم أنهم أَصحابُ الجحيم))(١) ونزل فى أبى طالب: ((إِنك لاتَهْدى من أَحْبَبْت ولكنّ اللّه يَهْدِى من يشاء وهو أَعْلَم بالمهتدين(٢) )). ورويا أَيضا عن العباس رضى الله عنه قال : قلت: يا رسول الله إِن أَبا طالب كان يَخُوطك وينصرك ويغضب لك فهل ينفعه ذلك ؟ قال : نعم وجدته فى غمرات من النار فأَخرجتُهَ إلى ضَحْضاح منها(٣) . .(١) سورة التوبة ١١٣. (٢) سورة القصص ٥٦ . والحديث فى صحيح البخارى كتاب المناقب، وكتاب التفسير (سورة التوبة) وصحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم ٣٩. (٣) صحيح البخارى كتاب المناقب. وصحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم ٣٥٨ . - ٥٦٥ - وفى لفظ: (( ولولا أَنا لكان فى الدَّرْك الأسفل من النار ». وروى البخارى عن أبى سعيد رضى الله عنه أنه سمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول ، وذُكر عنده عمُّه، فقال: (( لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيُجعل فى ضَخْضاح من النار يبلغ كعْبَيه يغلى منه دماغُه . وفى لفظ: أمّ دماغه )) . وروى الشيخان وابن إسحاق عن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال : سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إِن أَهْوَنَ أَهلِ النارِ عذاباً يوم القيامة لَرجلٌ يوضع فى إِخمص قدميه جَمْرة - وفى لفظ على إخمص قدميه جمرتان . وفى لفظ عند مسلم : له نَعْلان وشِرًاكان من نار يَغْلى منهما دماغه . وفى لفظ : يغلى دماغه من حرارة نَعْله . وفى لفظ عند ابن إسحاق : حتى يسيل على قدميه . وفى لفظ عند البخارى : لا يرى أَن أَحدًا أَشدّ عذابا منه وإنه لَّأَهْونهم(١). وروى مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو مُنْتعل بنعلين يَغْلى منهما دماغُه)). وهذه الأحاديث الصحيحة تبين بُطْلان ما نقل عن العباس أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بن أَخى لقد قال أَخى الكلمة التى أَمرته أن يقولها . قال البيهقى وأبو الفتح والذهبى : وقد أَسلم العباسُ بعد وسأَل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن حال أبى طالب ، أَى كما تقدم قريبا . ولو كانت هذه الشهادة عنده لأَدَّاها بعد إِسلامه وعلم حال أبى طالب ولم يسأل عنه ، والمعتبَر حالة الأَداء دون التحمّل . وقال الحافظ : لو كان أبو طالب قال كلمة التوحيد ما نَهى الله تعالى نبيَّه عن الاستغفار له . (١) صحيح البخارى كتاب الرقاق، وصحيح مسلم حديث رقم ٣٦٢ - ٣٦٤. - ٥٦٦ - وروى عبد الرازق والفِرْيانى والحاكم وصححه عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى: ((وهم يَنْهون عنه ويَنْأَوْن عنه وإِن يُهْلكون إِلاَّ أَنْفُسَهم)(١). نزلت فى أبى طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، ويَنْأَّى عما جاء به . وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائى وابن خزيمة فى صحيحه عن علىّ رضى الله عنه قال : لما مات أبو طالب أَتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله مات عمُّك الضالّ . وفى لفظ أن أبا طالب مات فقال النبى - صلى الله عليه وسلم : اذهب فوارِه. قال : فلما واريَتَه جئت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. قال اغتسل(٢). وبما ذكر أيضا تبين بطلان ما نقله المسعودى المؤرخ أنه أسلم ، لأن مثل ذلك لا يعارض الأحاديثَ الصحيحة . تَنْيَهَاتٌ الأول : قال السهيلىُّ : الحكمة فى كون أبى طالب منتعلا بنعلين من نار أن أبا طالب كان مع النبى صلى الله عليه وسلم بجملته إلا أنه كان مثبِّنا لقدمَيْه على مِلَّة عبد المطلب حتى قال عند الموت : هو على ملة عبد المطلب فسلِّط العذابُ على قدميه خاصةً لتثبيته إياهما على ملة آبائه . الثانى: قال الحافظ : الآية التى فيها النهىُ عن الاستغفار نزلت بعد موت أبى طالب مدة وهى عامة فى حقه وحق غيره ، ويوضح ذلك ما عند البخارى فى كتاب التفسير بلفظ : فأنزل الله بعد ذلك . إلى آخره . الثالث: إِنما عَرض عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الإِسلام أَن يقول لا إله إلا الله . ولم يقل فيها : محمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَن الكلمتين صارتا كالكلمة الواحدة . ويحتمل أن يكون أبو طالب كان يتحقق أنه رسول الله ، ولكن كان لا يقرّ بتوحيد الله تعالى ولهذا قال فى أَبياته النونية : (١) سورة الأنعام ٢٦ . وسنن النسائى كتاب الجنائز . (٢) مسند أحمد ٩٧/١، ١٠٣، ١٣٠، ٠١٣١ - ٥٦٧ - ولقد صدقت وكنتَ ثمّ أَمِينَا ودعَوْتنى وعامتُ أَنك صادقٌ فاقتصر على أمره له بقول : لا إله إلا الله، فإذا أقر بالتوحيد لم يتوقف عن الشهادة بالرسالة له . الرابع : من عجيب الاتفاق أَن الذين أَدركهم الإِسلامُ من أعمام النبى صلى الله عليه وسلم أربعة وهم: أَبو طالب واسمه عبد مناف، وأبو لهب واسمه عبد العُزَّى بخلاف من أَسلم وهما حمزة والعباس رضى الله عنهما . الخامس : زعم بعض غُلاَة الرافضة أَن أَبا طالب أَسلم، واستدل بأخبارٍ واهية ردّها الحافظ فى الإصابة فى القسم الرابع من الكنى . السادس: قوله: ((لعله تنفعه شفاعتى)). ظهر من حديث العباس وقوعُ هذا الترجِّى واستشكل قوله: ((تنفعه شفاعتى)) بقوله تعالى: ((فما تَنْفعهم شفاعةُ الشافعين(١) وأُجيب بأَنه خُصَّ ولذلك عدُّوه فى خصائص النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : معنى المنفعة فى الآية يخالف معنى المنفعة فى الحديث ، والمراد بها فى الآية الإِخراج من النار ، وفى الحديث المنفعة بالتخفيف وبهذا الجواب جَزم القرطبىُّ . وقال البيهقى فى البعث : صحت الرواية فى شأن أبى طالب فلا معنى للإِنكار من حيث صحة الرواية . ووجْهُه عندى أن الشفاعة فى الكفار إِنما امتنعت لوجود الخبر الصادق فى أَنه لا يَشْفع فيهم أَحد، وهو عامٌّ فى حق كل كافر ، فيجوز أَن يُخَص منه من ثبتَ الخبرُ بتخصيصه . قال : وحمله بعض أهل النظر على أَن جزاء الكافر من العذاب يقع على كفره وعلى معاصيه ، فيجوز أن يضع الله تعالى عن بعض الكفار بعضَ جزاء معاصيهم تطييبًا لقلب الشافع لا ثوابا للكفر ، لأَن إِحسانه صار بموته على الكفر هباءً . وقال القرطبى فى المُفْهِم : اختلف فى هذه الشفاعة هل هى بلسان قولىّ أَو بلسان حالىّ ، (١) سورة المدثر ٤٨. - ٥٦٨ - والأُول يُشْكل بالأية × وجوابه جواز التخصيص ، والثانى أن يكون معناه أن أبا طالب لما بالَغ فى إكرام النبى صلى الله عليه وسلم والذبِّ عنه جُوزِى على ذلك بالتخفيف فأطلق على ذلك شفاعة لكونها سببه . ويجاب عنه أيضا: أن المخفَّف عنه لم يجد أمر التخفيف ، فكأنه لم ينتفع بذلك . ويؤيد ذلك ما تقدم من أنه يَعْتقد أَنه ليس فى النار أَشدَّ عذابا منه، وذلك أَن القليل من عذاب جهنم لا تطيقه الجبال ، فالمعذَّب لاشتغاله بما هو فيه يَصْدُق عليه أنه لم يحصل له انتفاع بالتخفيف . السابع : فى بيان غريب ما سبق : يدين : أى يطيع ويخضع . يبتزُّونا أَمرَنا : بفتح التحتية فباء موحدة ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة فزاى مشددة مضمومة ، يقال ابتزَّه يبتزُّه أَى استلبه وبزَّه يبزُّه أَىْ سلَبه. ومنه: من عَزَّ بَزَّ أَى من غَلَب أَخذ السَّلَبِ . شخْطًا : بشين معجمة فحاء ساكنة فطاء مهملتين: أَى بعدًا. يقال شحط يشحط شحطًا وشحوطا ويقال شحط المزارُ وأَشحطتُه أَبعدتُه ، ومعنى الكلام : ما سألتهم شيئا بعيدا عليهم التماسُه وتناوله ، بل هو أمرٌ قريب . السُّبة بسين مهملة مضمومة فباء موحدة مشددة مفتوحة فتاء تأنيث : العار الذى يُسبُّ به . ورجل سبّة أَى تسبه الناس . خرَعًا : بخاء معجمة فراء فعين مهملتين : وهو الخَورِ والضعف، وتروى بالجيم والزاى وهو الخوف . أَمَا والله: قال النووى: فى كثير من الأُصول أو أكثرها بالأَلف وغيرها: أَم والله بلا ألف، وكلاهما صحيح قال ابن الشجرى فى أَماليه: ((ما)) المزيدة للتوكيد ركّبوها مع همزة الاستفهام واستعملوا مجموعهما على وجهين : أحدهما : أن يراد به معنى حقا فى قولهم: أَمَا والله لأَفعلن .. والآخر: أن تكون افتتاحًا للكلام بمنزلة ألا كقولك أَمَا إِن زيدًا منطلق وأكثر ما تحذف الألف إذا وقع بعدها القسم ليدلُّوا على شدة اتصال الثانى بالأَّول، لأَن - ٥٦٩ - الكلمة إذا بقيت على حرف لم تقم بنفسها ، فعُلم بحذف ألف ــ ((ما)) افتقارُها إلى الاتصال بالهمز . الضَّحْضَاح : بضادين معجمتين الأولى مفتوحة وحاءين مهملتين الأولى ساكنة ، وهو فى الأصل مارقَّ من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين فاستعاره للنار : المِرْجَل بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم : قِدْر من نحاس . وقيل يطلق على كل قِدْر يطبخ فيها . -٥٧٠ - الباب التاسع والعشرون فى وفاة السيدة خديجة رضى الله عنها روى البخارى عن عروة قال : توفيت خديجة قبل مَخْرج النبى صلى الله عليه وسلم وروى البلاذرىّ عنه قال : توفيت قبلَ الهجرة بسنتين أو قريب من ذلك(١). وقال بعضهم : ماتت قبل الهجرة بخمس سنين . قال البلاذرى : وهو غلط وروى ابن الجوزى عن حكيم بن حِزَام وثعلبة بن صُعَيْر - بصاد فعين مهملتين مصغراً. - أنه كان بين وفاة أبى طالب ووفاة خديجة شهر وخمسة أيام(٢) وروى الحاكم أَن موتها بعد موت أبى طالب بثلاثة أيام . وقال محمد بن عمر الأَسلمى : توفيت لعشرٍ خلَوْن من رمضان وهى بنت خمس وستين سنة . ثم روى عن حكيم بن حزام أنها توفيت سنة عشر من البعثة بعد خروج بنى هاشم من الشِّعْب ودفنت بالحجون ، ونزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قبرها، ولم تكن الصلاة على الجنازة شُرِعت . وروى يعقوب بن سفيان عن عائشة رضى الله عنها قالت : ماتت خديجةُ قبلَ أَن تُفْرض الصلاةُ . وكانت خديجة رضى الله عنها وزيرةَ صِدْق للنبي صلى الله عليه وسلم على الإِسلام وكان يَسْكن إليها، وكانت تدْعَى فى الجاهلية الطاهرة ، وستأتى ترجمتها وبعض مناقبها فى أبواب أزواجه صلى الله عليه وسلم . (١) أنساب الأشراف ٤٠٦/١. (٢) الوفا لابن الجوزى ٢١٠/١. وطبقات ابن سعد ٢١١/١ (ط بيروت). - ٥٧١ - الباب الثلاثون فى بعض ما لاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش بعد موت أبى طالب قال ابن إسحاق : فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأَذى ما لم تطمع فيه فى حياة أبى طالب . وروى ابن إسحاق عن عبد الله بن جعفر قال : لما مات أَبو طالب اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم سفيهٌ من سفهاء قريش فنشَر على رأسه تراباً فدخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيتَه والترابُ على رأسه فقامت إحدى بناته فجعلت تغسل عنه وهى تبكى . ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تبكى فإِن الله مانعٌ أَباك . ويقول بين ذلك . ما نالت قريش منِّى شيئا أَكرهه حتى مات أَبو طالب(١). وروى الطبرانى وأبو نعيم عن أبى هريرة رضوان الله عنه قال: لما مات أَبو طالب تجهَّمُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمّ ما أَسْرَع ما وجدتُ فَقْدَك. وروى البيهقى عن عزوة أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما زالت قريش كاعمين حتى مات أَبو طالب(٢). ورواه الطبرانى والبيهقى من طريق آخر عن عائشة مرفوعا . وروى ابن سعد عن حكيم بن حزام وثعلبة بن صُعَيْر قالا : لما توفى أَبو طالب وخديجة اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتان ، فلزم بيتَه وأَقلَّ الخروجَ ، ونالت قريش منه ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه ، فبلغ ذلك أبا لهب فجاء فقال : يا محمد امضٍ لمبا أردت وما كنت صانعًا إِذ كان أبو طالب خيَّ فاصنعه لا واللات والعزَّى لا يوصَل إليك حتى أَموت . (١) سيرة ابن هشام ٤١٦/١ . (٢) سيرة ابن كثير ١٤٦/١ عن البيهقى. - ٥٧٢ - وسبَّ ابنُ الغَيْطلة النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه أَبو لهب فنَال منه فولَّ وهو يصيح يا معشر قريش صباً أَبو عتبة : فأقبلت قريشُ حتى وقفوا على أبى لهب فقال : ما فارقتُ دِينَ عبد المطلب ولكن أَمنع ابنَ أَخِى أَن يُضَام حتى يمضى لما يريد . قالوا : قد أَحسنت وأَجْمَلْت ووصلْتَ الرحم . فمكث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ذلك أيامًا يذهب ويأْنى لا يعترض له أحد من قريش وهابوا أبا لهب، إِلى أَن جاء عُقْبة بن أبي معيط وأبو جهل بن هشام إِلى أَبى لهب فقالا له : أَخبرَك ابنُ أَخيك أَين مُدْخَل أَبيك ؟ فقال له أبو لهب: يا محمد أَين مُدْخَل عبد المطلب ؟ قال : مع قومه فخرج أبو لهب إِليهما فقال : قد سألته فقال : مع قومه فقالا : يزعم أنه فى النار . فقال : يا محمد أيدخل عبد المطلب النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ومن مات على مثلٍ ما مات عليه عبدُ المطلب دخل النارَ . فقال أَبو لهب : لا برِحْتُ لك عدوًّا وأنت تزعم أن عبد المطلب فى النار . فاشتد عليه هو وسائر قريش(١). قال ابن إسحاق وكان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيته : أبو لهب والحكّم بن أبى العاصى بن أمية، وعقْبة بن أَبى مُعَيط وعدىّ بن الحمراء ، وابن الأَصِدَاء الهُذَلى، وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أَحدٌ إِلا الحكم بن أبي العاصى، وكان أحدهم ، فيما ذُكر لى ، يطرح عليه رَحِم الشاة وهو يصلِّى، وكان أحدهم يطرحها فى بُرمته إِذا نصبت له ، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرًا يستتر به منهم إذا صلى(٢). وروى البخارى وابن المنذر وأبو يعلى والطبرانى عن عروة قال: سأَلت عمرو بن العاصى فقلت : أَخبرنى بأَشد شىء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : بينما النبى صلى الله عليه وسلم فى حِجْر الكعبة إِذ أقبل عليه عقبةُ بن أبى مُعَيْط فوضع ثوبَه على عنقه ، فخنقه خنقًا شديدا ، فأقبل أبو بكر رضى الله عنه حتى أَخذ بمنكبه ودفعه (١) طبقات ابن سعد ٢١١/١. (٢) سيرة ابن هشام ٤١٥/١، ٤١٦. .٥٧٣ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((أَتَقْتلون رَجُلاً أَن يقولَ رَبِّى اللهُ وقد جاءكم بالبيِّنات من ربكم(١))) الآية . زاد الأخيران ؛ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى صلاته مر بهم وهم جلوس فى ظل الكعبة فقال: يا معشر قريش أَمَا والذى نفسى بيده ما أُرسلت إليكم إلا بالذَّبح وأشار بيده إلى حَلْقه فقال أبو جهل: يا محمد ما كنت جَهُولا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَنت منهم . وروى البزار وأبو يعلى (٢) برجال الصحيح عن أنس رضى الله عنه: لقد ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة حتى غُشِى عليه فقام أبو بكر ينادى: ويلكم أَتتقتلون رجلا أَن يقول ربى الله. فقالوا : من هذا ؟ فقالوا : أَبو بكر المجنون . وروى الشيخان والبزار والطبرانى عن عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه قال ((مارأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد ، فإِنه كان يصلى ورَهْطٌ مِن قريش جلوس وسلاً جزور نُحرت بالأمس قريبا فقالوا - وفى رواية فقال أبو جهل - من يأُخذ سَلاَ هذا الجزور فيضعه على كتفى محمد إذا سجد فانبعث أَشقاهم عقبة بن أبي معيط فجاء به فقذفه على ظهره صلى الله عليه وسلم ، فضحكوا وجعل بعضهم يميل إلى بعض والنبيّ صلى الله عليه وسلم ما يرفع رأسه ، وجاءت فاطمة رضى الله عنها فطرحته عن ظهره ودعت على من صنع ذلك . فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته رفع رأسه فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم دعا عليهم وكان إذا دعا دعا ثلاثا وإذا سأل سأَل ثلاثا ثم قال : اللهم عليك بالملإٍ من قريش ، اللهم عليك بأَبى جهل وعُتْبة بن ربيعة وشيبة ابن ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعُقْبة بن أبي معيط)). وذكر السابع فلم أحفظه . فوالذى بعثه بالحق لقد رأيت الذين سمَّى صَرعى ببدر ثم سُحبوا إلى القَلِيب قليب بدر غير أمية بن خلف فإِنه كان رجلا بادنا فتقطع قبل أن يبلغ به إليه )) . زاد البزار والطبرانى فى الأوسط : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد (١) صحيح البخارى كتاب فضائل الصحابة، وكتاب التفسير (سورة غافر) ومسند أحمد ٢٠٤/٢. (٢) ت : وأبو نعيم. - ٥٧٤ - فلقيه أبو البخترى ومع أَبِى البخترى سوط يتخصَّر به فلما رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنكر وجهه فقال : مالك ؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: خلِّ عنى قال: عَلِمِ الله لا أُخلِّى عنك أَو تخبرنى ما شأنك فلقد أَصابك شىء . فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غير مُخَلِّ عنه أَخبره قال : إِن أبا جهل أمر فطرح علىّ فَرْث . قال أَبو البخترى : هلم إلى المسجد . فأتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو البَخْترى فدخلا المسجد ثم أَقبل أَبو البَخْترى على أبى جهل فقال يا أَبا الحكم أنت الذى أَمرتَ بمحمد فطُرح عليه الفرث؟ فقال : نعم. فرفع السَّوْط. فضرب به رأسه فثار الرجال بعضها إلى بعض وصاح أبو جهل : ويحكم إنما أراد محمد أن يلقى بيننا العداوة وينجو هو وأصحابه . وروى ابن مردويه عن أنس رضى الله عنه قال : لقد ضربوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حتى غُشى عليه ، فقام أبو بكر رضى الله عنه فجعل بنادى : ويلكم أَتقتلون رجلا أَن یقول ربی الله . وروى البزار وأبو نعيم فى الفضائل عن على رضى الله عنه أنه قال: أيها الناس أخبرونى بأَشجع الناس . قالوا : لا نعلم ، فمن ؟ قال: أَبو بكر ، لقد رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأخذتْه قريش ، هذا يجَأه وهذا يُتَلْتله وهم يقولون: أنت الذى جعلت الآلهة إلها واحدا. قال: واله مادنا منه منَّا أَحدٌ إِلا أَبو بكر يضرب هذا ويجالِدُ(١) هذا ويتلتل هذا ويقول: ويلكم أَتقتلون رجلا أَن يقول ربى الله! ثم رفع علىَّ بردةً كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ، ثم قال : أنشدكم الله أَمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر ؟ فسكت القوم ، فقال : أَلا تجيبوننى ؟ فوالله السَاعة من أبى بكر خير من مثلى(٢) مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أَعلن إيمانه . وروى الدارقطنى فى الأفراد عن عمرو بن عثمان بن عفان عن أبيه قال: أكثر مانالت قريش من النبى صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبى طالب يجأه : بالمثناة التحتية والجيم والهمزة : أى يضربه .. يتلتله : مثناة تحتية ففوقية فلامين بينهما مثناة ثم هاء: أَى يَخيسه ويذلله، وخاسه: راضه والله تعالى أعلم . ٠ (١) ت : ريجها. (٢) ط»: من مثل. - ٥٧٥ - الباب الحادى والثلاثون فى سفر النبى صلى الله عليه وسلم إلى الطائف قال موسى بن عقبة وابن إِسحاق وغيرهما : ولما هلك أبو طالب ونالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تكن تنال منه فى حياته خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى الطائف وحده ماشيا . وفى حديث جبير بن مطعم عند ابن سعد : أَن زيد بن حارثة كان معه(١)، فى ليال من شوال سنة عشر يلتمس النصرَ من ثقيف والمنَعة بهم من قومه، ورجا أَن يَقْبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى . فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم إِخوة ثلاثة عبد ياليل ومسعود وحبيب : بنو عمرو بن عمير بن عوف ، وعند أحدهم امرأة. من قريش من بنى جُمَح ، وهى صفية بنت مَعْمَر بن حبيب بن قدامة بن جمع ، وهى أُم صفوان بن أمية . فجلس إليهم رسوا الله صلى الله عليه وسلم وكلمهم بما جاء به من نصرته على الإِسلام والقيام على من خالَفه من قومه . فقال له أحدهم : هو يَمْرط ثياب الكعبة إِن كان الله أرسلك ! . وقال الآخر: أَما وجد الله أَخدًا يُرْسله غيرك . وقال الثالث: والله لا أُكلِّمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأَنت أَعظم خطرا من أَن أَردّ عليك الكلام ، ولئن كنت تَكْذب على الله ما ينبغى لى أن أُكلمك . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خَيْر ثَقِيف . (١) طبقات ابن سعد ٢١١/١ (ط بيروت). - ٥٧٦ - وقد قال لهم : إِذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا علىَّ. وكره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه . فأقام بالطائف عشرة أيام وقيل شهرا لا يَدع أحدًا من أشرافهم إلا جاء إليه وكلَّمه ، فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم منه فقالوا : يا محمد اخرج من بلدنا . وأَغرَوْا به سفهاءهم وعبيدهم يسبُّونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس . قال ابن عقبة: وقفوا (١) له صفَّين على طريقه، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفين جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إِلا رضخوهما بالحجارة حتى أَدمَوْا رجليه . زاد سليمان التيمى: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أَذْلَقْه الحجارة يقعد إلى الأرض فيأُخذون بعضديه ويقيمونه فإذا مشى رجَموه وهم يضحكون . قال ابن سعد : وزيدُ بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شُجَّ فى رأسهِ شجَاجًا (٢). قال ابن عقبة : فخلص منهم ورِجْلاه تسيلان دما فعمد إلى حائط من حوائطهم فاستظل فى ظل حُبْلة منه وهو مكروب مُوجَع وإِذا فى الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة فلما رآهما كره مكانهما لِمَا يعلم من عداوتهما لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلما اطمأن فى ظل الحُبْلة قال ما سيأنى . وروى الطبرانى برجال ثقات عن عبد الله بن جعفر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم أَتى ظلَّ شجرة فصلى ركعتين ثم قال: ((اللهم إنى أشكو إليك ضّعْف قوَّتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى إلى من تكلنى إلى بعيد يتجهَّمنى أَو إلى عدوٌّ ملكته أمرى إن لم يكن بك علىَّ غضب فلا أُرَالى ولكن عافيتك هى أوسع لى ، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصَلُح عليه أمرُ الدنيا والآخرة من أَن تُنزل فى غضبَك أَو تحلَّ على سَخّطك لك المُنْبِى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك». فلما رآه ابنا ربيعة وما نقى تحركت له رَحِمهما فدعوا غلامًا لهما يقال له عَدَّاس - فقالا (١) ط : وقعدوا. (٢) طبقات ابن سعد ٢١٢/١ (ط بيروت) - ٥٧٧ - (٢٧ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) له : خذ له هذا القطْف من هذا العنب فضعه فى هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه . ففعل عدَّاس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له : كل . فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال بسم الله . ثم أكل . فنظر عدَّاس فى وجهه ثم قال : والله إن هذا الكلام ما يقوله أَهلُ هذه البلاد . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومِن أَىِّ البلاد أَنت يا عدَّاس وما دِينك ؟ قال : نصرانى وأَنا من أَهل نِينَوى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرية الرجل الصالح يونس ابن مَتَّى . قال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى ؟ والله لقد خرجت منها - يعنى من أَهل نينوى - وما فيها عشرة يعرفون ما يونسُ بن مِّتى فمن أين عرفت أَنْت يونس ابن متى وأَنت ◌ُمَيّ وفى أُمّة أُمِّيّة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك أُخی كان نبيا وأنا نبى . فأكبَّ عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه فقال ابنا ربيعة أَحدهما لصاحبه : أَمّا غلامك فقدْ أَفسده عليك . فلما جاءهما عداس قالا له : ويلك ! مالك تقبِّل رأسَ هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ قال : يا سيدى ما فى الأرض خير من هذا الرجل ، لقد أَعلمنى بأمر لا يعلمه إلا نبى . قال : ويحك يا عداس لا يَصْرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه . وقال عداس لسيديه لما أراد الخروج إلى بدر وأَمراه بالخروج معهما فقال لهما : قِتَال ذلك الرجل الذى رأيتُ فى حائطكما تريدان ؟ فوالله ما تقوم له الجبال . فقالا : ويحك يا عداس قد سَحرك بلسانه . فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وهو مَحْزُون لم يستجب له رجل واحد ولا امرأة . وقال خالد العدوانى : إنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سوق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصا حين أتاهم يبتغى عندهم النصر فسمعته يقول: ((والسماء والطارق )) حتى ختمها قال فوعَيْتها فى الجاهلية وأَنا مُشْرك ثم قرأتها فى الإِسلام . قال فدعتنى ثقيف فقالوا ماذا سمعت من هذا الرجل فقرأتها عليهم. فقال من معهم من قريش : شحن أعلم بصاحبنا لو كنا نعلم ما يقوله حقا لاتبعناه . - ٥٧٨ - رواه الإمام أحمد (١) والبخارى فى تاريخه . ." وقالت عائشة رضى الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم : هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ عليك من يوم أُحد ؟ فقال : لقد لقيتُ من قومكِ وكان أَشدَّ ما لقيت منهم يومُ العقبة ، إذ عرضتُ نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبنى إلى ما أردتُ أَحدُ، فانطلقت على وجهى وأَنا مَهْموم فلم أَستفِقْ إلا وأنا بقَرْن الثعالب ، فرفعت رأسى فإِذا أَنا بسحابة قد أَظلَّنى فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداتى وقال : إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال فتأُمره بما شئت فيهم . فنادانى ملك الجبال فسَّم علىَّ ثم قال : يا محمد إِن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الحِبال قد بعثنى الله عز وجل لتأُمرنى بما شئت ، إن شئت أن أُطْبق عليهم الأَخْشَيْن . فقال النبى صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يُخْرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل ولا يُشْرك به شيئا . رواه الإِمام أحمد والشيخان(٢). وقال عكرمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((جاءنى جبريل فقال يا محمد إِن ربك يُقْرئك السلام وهذا ملك الجبال قد أَرسله وأَمره أَلاَّ يفعل شيئا إلا بأمرك. فقال له ملك الجبال : إِن شئتَ رمهت عليهم الجبال ، وإن شئت خسفتُ بهم الأَرضَ فقال : يا ملك الجبال: فإنى آنَى بهم لعلهم أَن يخرج منهم ذريةٌ يقولون لا إِله إلا الله . فقال ملك الجبال : أَنت كما سمَّك ربك رُوف رحيم . رواه ابن أبى حاتم مرسلا . وذكر الأموى وابن هشام أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن أهل الطائف ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من تصديقه ونُصْرته أَقام بنخلة أيامًا وأَراد الرجوعَ إلى مكة فقال له زيد بن حارثة : كيف تدخل عليهم وهم قد أَخرجوك ؟ فقال : يا زيد إِن الله جاعلٌ لما ترى فرَجا ومَخْرَجا وإِن الله مُظْهر دِينه وناصرُ نبيه. ثم انتهى إلى حِرَاء وبعث (١) مسند أحمد ٣٣٥/٤. (٢) صحيح البخارى كتاب بدء الخلق . وصحيح مسلم كتاب الجهاد حديث رقم ١١١ . - ٥٧٩ - عبدَ الله بن أُرَيْقط إلى الأُخْنس بن شَرِيق - وأسلم بعد ذلك فيما يقال - ليجيره فقال : أَنا حليفٌ والحليف لا يُجير على الصَّرِيح. فبعث إلى سُهَيْل بن عمرو - وأسلم يعد ذلك - فقال : إِن بنى عامر بن لؤى لا تجير على بنى كعب ، فبعث إلى المطْعِم ابن عدى - ومات كافرًا - فأَجابه إلى ذلك وقال: نعم قل له فليأت. فرجع إليه فأُخبره فدخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة ، فلما أصبح خرج المطعم بن عدىّ وقد لبسَ سلاحه ٥ر وبنوه ستّة أَو سبعة. فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طُفْ. واحتَبْوْا بحمائل سيوفهم بالمطاف فأَقبل أبو سفيان إلى المطْعِم بن عدىّ فقال: أَمُجِيرٌ أَم تابع ؟ قال : بل مُجِير. قال: إِذن لا تُخْفَر قد أَجَرْنا من أَجَرْتَ. فجلس معه حتى قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم طوافه، فلما انصرف إلى بيته انصرفوا معه، فذهب أبو سفيان إِلى مجلسه . فمكث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَياما ثم أَذِن له الله عز وجل فى الهجرة ، فلما هاجر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم توفى المطْعِم ابن عدىّ بعده، ولأجل هذه السابقة التى سبقتْ للمطعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو كان المطْعِم ابن عدى حيًّا ثم كلمنى فى هؤلاء النَّثْنَى - يعنى أَسارى بدر لأَطْلقتهم له(١) . تنْلَيْهَاَنْ الأول : قال ابن الجوزى : ربما عرض لملحد قليل الإيمان فقال: ما وَجْه احتياج رسولٍ الله صلى الله عليه وسلم إِلى أَن يَدْخل فى خَفّارة كافر وأَن يقول فى المواسم : من يُؤْوينى حتى أبلِّغ رسالةً ربى . فيقال له : قد ثبت أن الإِله القادر لا يفعل شيئا إلا لحكمة ، فإذا خَفِيت حكمةُ فِعْله علينا وجب علينا التسليم . وما جرى ليرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صَدَر عن الحكيم الذي أقام قوانين الكلِّيات وأدارَ الأَّفلاكَ وأَجْرَى المياهَ والرياح ، كلٌّ ذلك بتدبير الحكيم القادر ، فإذا رأَينا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يشدُّ الحجرَ من الجوع ويُفْهَر ويُؤْذَى (١) سيرة ابن كثير ١٥٣/١ - ١٥٤ عن الأموى فى مغازيه . وليس فى سيرة ابن هشام إلا صدر هذا الخبر، ثم قصة استماع الجن لقراءة النبى صلى الله عليه وسلم بنخلة . - ٥٨٠ -