Indexed OCR Text

Pages 421-440

الباب الرابع
فى قصة إسلام أبى ذر وأخيه أنيس رضى الله تعالى عنهما
روى أبو داود الطيّالسى والإِمام أحمد ومسلم عن عبد الله بن الصامت ، والبخارى عن
ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ، كلاهما عن أبى ذر ، قال ابن الصامت عنه : قد صلَّيت
يا بن أَخى قبل أن ألقى النبيَّ صلى الله عليه وسلم ثلاثَ سنين. قلت: لمن؟ قال الله . قلت
فأَين توجّه ؟ قال : حيث يوجِّهنى ربى عز وجل أصلى عشاء حتى إذا كان من آخر الليل
ألقيت نفسى كأَنى خِفَاء حتى تَعْلونى الشمس . قال فقال لى أنيس أَخى: إن لى حاجة
بمكة فاكفنى ، فانطلق . ثم جاء .
وقال ابن عباس عنه : كنت رجلا من غِفَار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه
نبى فقلت لأَّخِى : انطلق إلى هذا الرجل فكلِّمه وائتنى بخبره . فانطلق أنيسُ حتى أَتى
مكةَ فراث علىّ ثم جاء فقلت : ما عندك ؟ فقال : والله لقد رأيت رجلا يأمر بخير وينهى
عن الشر. وفى رواية لقد رأيت(١) رجلا بمكة على دينك يزعم أَن الله أرسله ورأيته يأمر
بمكارم الأخلاق . قلت : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون : شاعر كاهن ساحر . وكان
أُنَيْس أَحد الشعراء . قال أنيس : لقد سمعت قولَ الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعت
قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أَحدٍ بعدى أَنه شعر ، والله إنه لصَادق وإنهم
الكاذبون - قال : فقلت : لم تَشْفنى من الخَبر فاكفِى حتى أذهب فأَنظر، قال : نعم وكن
على حَذر من أهل مكة فإنهم قد شنِفوا له وتجهَّموه. قال: فحملت شَنَّةً لى فيها ماء . وفى
رواية : فأخذت جرابا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فأَتيت المسجدَ ألتمس رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم ولا أعرفه وأكره أن أسأل عنه . وفى رواية ابن الصامت: فتضعَّفْتُ رجلاً
منهم فقلت : أَين هذا الرجل الذى تَدْعونه الصابى؟ فأُشار إلى : فقال : الصابى الصائ
(١) ط : لقيت رجلا.
- ٤٢١ -
1.

فمال علىّ أَهلُ الوادى بكل مَدَرة وعَظْم حتى حَزَرْتُ مغشيًّا علىَّ .. قال : فارتفعت حين
ارتفعت كأَنى نُصبٌ أَحمر ، فأَتيت زمزمَ فغسلت عنى الدماء وشربت من مائها ، ولقد
لبثت ثلاثين بين ليلةٍ ويوم وما كان لى طعامٌ إِلا ماء زمزم ، فسمنْت حتى تكسَّت مُكَن
بطنى وما وجَدْت على كبدى سَخْفة جوع ، فدخلت بين الكعبة وأَستارها فبينا أَهلُ مكة
فى ليلة قَمْراء إِضْحيان إِذ ضُرب على أَصْمِختهم فما يطوف بالبيت أَحدٌ وامرأتان منهم
تدعوان إنمافا ونائلة فأَنتا علىَّ فى طوافهما فقلت : أَنكحوا إحداهما الأُخرى . فما تناهتا
عن قولهما ، فأَّتنا علىّ فقلت: هَنٌّ مثل الخشبة(١) غير أَنى لا أكَنِّى. فانطلقتا تُوَلْولان
وتقولان : لو كان ها هنا أَحدٌ من أَنفارنا .
فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطتَان قالا : ما لكما ؟
قالتا : الصابىّ بين الكعبة وأستارها . قالا : ما قال ؟ قالتا : إِنه قال لنا كلمة تملأُّ الفم .
وجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجَر وطاف بالبيت هو وصاحبه ، ثم
صلَّى، فلما قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاته أتيت فقلت : السلام عليك يا رسول
الله ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فرأيت الاستبشارَ فى وجه رسول الله صلى
الله عليه وسلم. قال أبو ذر: فكنت أَولَ من حيَّاه بتحية الإِسلام فقال: وعليك السلام
ورحمة الله . ثم قال : من الرجلُ ؟ قلت : من غِفَار، فأَهوى بيده فوضع أَصابعه على
جبهته فقلت فى نفسى : كره أَن انتمَيْت إلى غِفَار . فذهبت آخذ بيده فقدَعنى .
صاحبى وكان أعلم به منى ، ثم رفع رأسه فقال : متى كنت هاهنا ؟ قلت : كنت من
ثلاثين بين ليلة ويوم . قال : فمن كان يُطْعمك ؟ قلت : ما كان لى طعام إِلا ماء زمزم
فسمنْتُ حتى تكسَّرت ◌ُكَن بَطْنِى وما أَجد على بطنى سَخْفة جوع . قال : مباركة ، إنها
طَعام ◌ُعْم وشفاء سُقْم .
وفى رواية ابن عباس عن أبى ذر قال : أَقبلت حتى أتيت مكة فجعلت لا أعرفه وأَكره
أَن أَسأَل عنه، وأَشربُ من ماء زمزم وأَكون فى المسجد ، واضطجعت . قال : فمرَّ بى علىَّ
فقال : كأَنَّ الرجل غريب ؟ قلت : نعم . قال : فانطلقْ إِلى المنزل . قال فانطلقت معه
(١) ط : مثل خشبة .
- ٤٢٢ -

لا يسألنى عن شىء ولا أخبره فلما أَصبحت احتملت قِرْبتى وزادى إلى المسجد أسأل عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس أحدٌ يخبرنى عنه بشىء، فظللت ذلك اليوم حتى أمسيت
فعدت إلى مضجعى فمرَّ بى علىّ فقال : أَما نال (١) للرجل أن يعرف منزله بعد ؟ قلت :
لا . قال : انطلقْ معى. فذهبت معه لا يسألنى عن شىء ولا أخبره عن شىء ، فلما كان
اليوم الثالث فعل ذلك ، فأقامه فذهب معه ثم قال له : أَلا تحدثنى ما الذى أَقْدَمك هذا
البلدَ ؟ فقلت له : إن كتمتَ علىَّ أخبرتُك . وفى رواية : إِن أَعطيتنى عهدا وميثاقاً
لتَرشدنِّى فعلتُ . ففعل فأخبرته فقال: أَمَا إِنك قد رشَدْت إِنه حَقّ وإنه رسول الله ، فإذا
أَصبحتَ فاتبعنى فإن رأيتُ شيئا أخافه عليك قمتُ كأَنى أريق ماء . وفى رواية : قمتُ
إلى الحائط كأنى أُصْلح نَعْلى وامضى أَنت ، فإن مضيت فاتبعنى حتى تدخل مَدْخلى . فمضى
ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبى صلى الله عليه وسلم فقلت له : اعرض علىّ
الاسلام ، فعرض فأسلمتُ مكانى فقال: يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك
فأخبرهم بأَمرى ، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل فقلت : والذي بعثك بالحق - وفى رواية :
والذى نفسى بيده - لأُصرخن بها بين ظَهْرانيهم .
فخرجتُ حتى آتى (٢) المسجدَ وقريشُ فيه فناديت بأعلى صوتى: أَشهد أن لا إله إلا
الله وأشهدأن محمدا رسول الله. فقال: قوموا إِلى هذا الصابى. فثار القومُ فضُربت لأَموت.
وفى رواية حتى أَضجعونى فأدركنى العباس فأَكبَّ علىّ ثم قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه
من غِفَار وأن طريق تجارتكم عليهم ؟ ! فأَقلَعوا عنِّى .
فلما أصبحت الغدَ رجعت فقلت مثلَ ماقلت بالأمس، فقالوا : قوموا إلى هذا الصابى
فصُنع بى ما صنع بالأمس ، وأدركنى العباسُ فأَكبَّ علىَّ وقال مثلَ مقالته بالأمس .
وفى حديث ابن الصامت فقال أبو بكر : يا رسول الله ايذن لى فى طعامه الليلة .
فانطلق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وانطلقت معهما ، ففتح أبو بكر باباً فجعل يقبض
لنا من زبيب الطائِف وكان ذلك أول طعام أكلتُ بها . ثم أَتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه
(١) ص : أما آن .
(٢) ت، م : حتى أتيت .
- ٤٢٣ -

وسلم فقال: إنى وجِّهت لى أَرضُّ ذات نخل ولا أَراها إِلا يَثْرب فهل أنت مبلِّغ عنى قومَك
عسى الله أن ينفعهم بك ويأجُرك فيهم ؟.
قال : فأَّتيت أُنَيْسًا فقال ما صنعتَ ؟ قلت : قد أسلمتُ وصدَّقَت. فقال : ما لى
رغبة عن دينك فإنى قد أَسلمت وصدقت . فأتينا أمَّنا فقالت : ما بى رغبةٌ عن دينكما فإِنى
قد أَسلمت وصدقت ، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارًا فأَسلم نصفُهم وقال نصفهم :
إذا قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ أَسلمنا . فقدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
المدينة وأسلم نصفّهم الباقى وجاءت أَسْلَم فقالوا : يا رسول الله إخواننا نُسْلم على الذى
أَسْلَموا عليه. فأسلموا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((غِفَار غفر الله لها وأَسْلَم
سالَمها الله(١) )).
تَبْيَهَاتُ
الأول : قال الحافظ : قول أبى ذرّ لأَخيه : ما شفَيْتنى مغايرٌ فى الظاهر لما فى حديث ابن
الصامت . ويمكن الجمع بأنه أراد منه أن يأتيه بتفاصيل من كلامه وأخباره فلم يأته
إِلا بمُجْمَل .
وفى حديث ابن عباس أَن لَقْياه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان بدلالة علىّ ، وفى
حديث ابن الصامت أن أبا ذر لقى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأَبا بكر فى الطواف بالليل ،
کما هو مذ کور فى القصة ، وأُ کثره یغاير ما فی حدیث ابن عباس هذا عن أبى ذر ، ويمكن
التوافق بينهما بأنه لقيه أولاً مع على ثم لقيه فى الطواف، أَو بالعكس، وحَفِظ كلٌّ منهما
ما لم يحفظ الآخر .
الثانى : قال فى المُفْهِم : فى التوفيق بين الروايتين تكلّف شديد لاسيما أن فى حديث عبد الله
ابن الصامت أن أبا ذر أقام ثلاثين لا زاد له . وفى حديث ابن عباس أنه كان معه زاد
وقِرْبة ماء إلى غير ذلك .
(١) قصة إسلام أبى ذر فى صحيح البخارى كتاب المناقب باب مناقب الأنصار. وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة
حديث رقم ١٣٢، ومسند أحمد ١٧٥/٥ .
- ٤٢٤ -

قال الحافظ : ويحتمل الجمع بأن المراد بالزاد فى حديث ابن عباس ما تزوَّده لمّا
خرج من أرض قومه . ففرَغَ لما أَقام بمكة . والقِرْبة التى كانت معه كان فيها الماء حال
السفر ، فلما أقام بمكة لم يحتَجْ إلى مَلْئها ولم يطرحها. ويؤيده أنه وقع فى رواية أبى قتيبة
عند البخارى : فجعلتُ لا أعرفه - يعنى النبى صلى الله عليه وسلم - وأكره أَن أَسأل عنه ،
وأَشربُ من ماء زمزم وأكون فى المسجد .
الثالث : فى بيان غريب ما سبق
الخِفَاء - بخاء معجمة وفاء- وزن كِتاب. الكِسَاء، أَو رداء تلبسه المرأة أو العروس
فوق ثيابها .
فأين كنت تَوجَّه : بفتح التاء والجيم ، وفى رواية تُوجُّه بضم التاء وكسر الجيم -
وكلاهما صحيح .
راث يَريث بالمثلثة : أبطأ .
أَقْراء الشعر، بالقاف والراء وبالمد : طُرقه وأنواعه . شَنِفُواله ، بشين معجمة مفتوحة
فنون مكسورة ففاء ، أَى أَبغضوه يقال شنِف له شنفًا إِذا أَبغضه .
تجهموه - بالجيم : أَى تلقوه بالغلظة والوجه الكريه .
الشِّنَّة . بفتح الشين المعجمة والنون المشددة : القربة البالية .
تضعَّفتُ رجلاً: أَى نظرت إلى أضعفهم فسألته ، لأَن الضعيف مأمون الغائلة غالبا .
الصَّائِىّ: من صَبَّأَ يَصْبَأُ، إِذا انتقل من شىء إلى شىءٍ وكانوا يسمون من أَسلم صابئا .
مال عليه أهل الوادى : تحاملوا .
المدَرة : القِطْعة من الطين .
النّصُب - بضم الصاد المهملة وبسكونها : حَجَر نُصِب فعُد من دون الله وجمعه أنصاب،
١٦
كانوا يذبحون عليه فيحمرِّ بالدم .
تكسَّرت : تثنَّت لكثرة السُّمَن وانطوت .
- ٤٢٥ -

. ◌ُمكّنٍ بطنى: بضم العين المهملة وفتح الكاف وأعكانه جمع كنة وهى الطىّ الذى
فى البطن من السِّمَن .
السَّخْفة - بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة : ما يَعْترى الإِنسان من الخفَّة
عند الجوع . وبضم السين : الخفَّة فى العقل .
قَمْراء : مقمرة ليس فيها غَيْم .
إِضْحيان - بكسر الهمزة والحاء المهملة وإِسكان الضاد المعجمة بينهما : أَى مضيئة .
٠
أَضْمخة (١) - بالسين وبالصاد أيضا فخاء معجمة جمع صِمَاخ وهى ثقب الأذن المتصل
بالدماغ والمراد بالضرب هنا : النومُ المانع من نفوذ الكلام إلى الأذن .
إِساف - بكسر الهمزة ونائلة بالنون والمثناة التحتية المكسورة : صنمان كانا لهم فى
الجاهلية .
فما تناهينًا عن قولهما : أَى ما انتهتا عن قولهما بل دامتا عليه .
الهَنُ، والهنة - بفتح الهاء وتخفيف النون : كناية عن كل شىءٍ وأكثر ما يستعمل
كناية عن الفَرْج والذَّكَر أَى قال لهما: ذكَر كالخشبة فى الفَرْجِ. وأُراد بذلك سَبَّ إِساف
ونائلة وغَيْظ الكفار بذلك .
الوَلْولة : الدعاءُ بالويل .
الأَنفار : جمع نفر أَو نفير وهو الذى يَنْفر عند الاستغاثة أَى لو كان هنا أُحد من
أنفارنا لانتصرلنا .
كلمة تملأ الفم : أَى لا يمكن ذِكرها وحكايتها كأَنها تسدّ فم حاكيها وتملأه ،
لاستعظامها .
أَما نال للرجل : يقال نال له إذا آن له كما فى رواية بمد الهمزة ، ويروى : أَما أُنّى
بالقصر وبفتح النون . وفى رواية مسلم : أَمَا آن أن يعلم منزله . ويزوى بدون همزة
(١) الأصل بالسماخ ، وهو تحريف.
- ٤٢٦ -

الاستفهام فى اللفظ أى ما جاء الوقت الذى يعرف به منزل الرجل بأن يكون له مسكن
معيّن .
قد رَشِدت : من رشد يرشد من باب عَلِم، يعلم رَشَدًا بفتحتين. ورَشد يَرشُد من باب
نصر ينصر رُشْدا- بضم الراء وسكون الشين. والرشد: خلاف الغَىّ.
بين ظَهْرانَيْهم - بفتح النون وبين أظهرهم أَى وسطهم .
فثار القوم - بناء مثلثة فراء أى نهضوا .
فضُربت : بالبناء للمفعول .
لأَموت : أَى لأَن أَموت ، يعنى ضربوه ضربَ الموت .
فأُکبّ علىّ : أى رمی نفسه على.
فَأَقْلَعوا عنى : أَى كفُوا عنى .
قَدَعنى - بقاف فدال فعين مهملتين أَى كفنى، يقال قدَعه وأقْدَعه إِذا كفَّه.
مُعْم - بضم الطّاء وإسكان العين أَى تشبع شاربَها كما يشبعه الطعام .
وجّهت لى أَرضُ : أَى رأيت جهتها :
لا أراها - بضم الهمزة وفتحها.
إلا يثرب : هذا كان قبل النبى عن تسمية المدينة بذلك .
احتملنا : أَى احتملنا(١) أنفسنا ومتاعنا على إبلنا وسِرْنا.
ما بى رَغْبة عن دينك : أَى لا أكرهه بل أُدخل فيه .
(١) ط : أى حملنا.
- ٤٢٧ -

الباب الخامس
فى سبب دخول النبى صلى الله عليه وسلم دارَ الأَرْقم بن أبى الأرقم
واستخفاء المسلمين حال عبادتهم ربهم تبارك وتعالى
دخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم دارَ الأَّرقم بن أبى الأرقم يعبد الله تعالى فيها سرًّا من قومه
ودخل معه جماعةٌ حتى تكامل المسلمون أربعين رجلا وكان آخرهم عمر بن الخطاب رضى
الله تعالى عنه ، فلما تكاملوا أربعين رجلا خرجوا فلما أسلم عمر قال : يا رسول الله علام
نُخْفى ديننا ونحن على الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل ؟ فقال : يا عمر إِنا قليلٌ
فقال عمر : فوالذي بعثك بالحق لا يبقى مجلسٌ جلست فيه بالكفر إِلا أَظهرتُ فيه الإيمان
وسيأتى بسط ذلك فى إِسلام عمر رضى الله عنه
روى الحافظ أبو الحسن سليمان بن خيثمة الأَطرابلسى عن عائشة رضى الله تعالى عنها
قالت : لمّا اجتمع أَصحابُ النبى صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا أَلحُ
أبو بكر رضى الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الظهور ، فقال : يا أبا بكر
إِنا قليل . فلم يزل أَبو بكر يلحّ حتى ظهر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وتفرّق المسلمون
فى نواحى المسجد كلُّ رجلٌ فى عشيرته ، وقام أبو بكر فى الناس خطيبا ورسول الله صلى الله
عليه وسلم جالس فكان أولَ خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وثار المشركون
على أبى بكر وعلى المسلمين فضربوا فى نواحى المسجد ضرباً شديدا ، ووطئ أبو بكر وضُرب
ضرباً شديدا ، ودنا منه الفاسقُ عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرّقهما(١)
لوجهه من(٢) على بطن أَبى بكر حتى ما يعرف وجهه من أَنفه، وجاءت بنو تّيْم
يتعادَوْن فَأَجْلَت المشركين عن أبى بكر وحملت بنو تَيْم أبا بكر فى ثوب حتى أدخلوه
منزله ولا يشكُّون فى موته ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجدَ وقالوا : والله لئن مات أبو بكر
لنقتلن عتبة بن ربيعة . فرجعوا إلى أبى بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلِّمون أبا بكر
(١) ويمرهما.
(٢) بياض بالأصل.
- ٤٢٨ -

حتى أَجاب فتكلم فى آخر النهار فقال : ما فعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ؟ فمسُّوا منه
بألسنتهم وعَذلوه وقالوا لأُمه أُم الخير انظرى أَنتطعميه شيئًا أَو تسقيه إياه. فلما خَلتْ
به أَلحَّت عليه وجعل يقول: ما فعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: والله مالى عِلْم
بصاحبك فقال : اذهبى إلى أُم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه . فخرجت حتى جاءت
أُمَّ جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله. فقالت : ما أَعرف أبا بكر
ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أَن أَذهب معك إلى ابنك. قالت: نعم . فمضت
معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دَنِفًا فدنت أُمُّ جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إِنّ
قومًا نالوا هذا منكَ لأَهلُ فسق وكُفْر وإنى لأرجو أن ينتقم الله منهم. قال: فما فعل رسول
الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : هذه أمك تسمع. قال : فلا شىء عليك منها . قالت : سالمٌ
صالحٌ. قال: فأين هو ؟ قالت: فى دار الأرقم. قال: فإن لله علىّ أن لا أَذوق طعاما ولا أَشرب
شرابا أَو آتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. فَأَمْهَلْنَا حتى إذا هدأَت الرِّجْل وسكَن الناسُ
خرجنا به يتكئ علىّ حتى أدخلناه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبّ عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقبِّله وأكبَّ عليه المسلمون ورقَّ له رسول الله - صلى الله عليه وسلم
رقةٌ شديدة، فقال أبو بكر : بأَبى وأُمِى يا رسول الله ليس بى بأس إلا ما نال الناسُ من وجهى
وهذه أبى بَرَّة بولدها وأنت مبارك، فعسى الله أن يستنقذها بك من النار . فدعا لها رسولُ
الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسامت .
وأقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الدار شهرًا وهم تسعة وثلاثو
كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضُرب أبو بكر .
ودعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب أو لأبى جهل بن هشام ، فأصبح
عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء فأَسلم عمر يوم الخميس فكِّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
وأهلُ البيت تكبيرة سُمعت بأَعلى مكة ، فقام عمر فقال : يا رسول الله علام نُخْفى ديننا
فذ کر نحو ما سبق .
وذِكْر إسلام عمر هنا غريب والصحيح أنه أسلم بعدَ الهجرة الأولى إلى الحبشة .
- ٤٢٩ -

قال ابن إسحاق : ودخل الناسُ أَرْسَالاً الرجالُ والنساء فى دين الله، حتى فشا الإِسلامُ
مكة وتحدِّث به . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّوا ذهبوا فى الشِّعاب
واستخفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينا سعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى شِعْب من شعاب مكة إِذ ظهر عليهم نفرٌ من المشركين وهم يصلُّون
فناكروهم وعابُوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعدُ بن أبى وقاص يومئذ رجالاً
من المشركين بلَحْى بعير فشجَّه وكان أَولَ دم أُهرِيق فى الإِسلام(١).
تنْتَيْهَاتُ
الأول: دارُ الأُرقم هى الدار المعروفة الآن بدار الخَيْزران عند الصفا .
الثانى : فى بيان غريب ما سبق
أَلحَّ : أَلحف فى المسألة.
نعلين مَخْصوفين : مُطْبَقتَيْن .
فمسُّوا منه بألسنتهم : أَى عَنَّفوه ونالوا منه .
اللَّنَف : ملازمة المرض.
أَمْهَلنا : صبرنا .
هدأَت الرِّجْل : سكنت .
أُرسالا : بفتح الهمزة : جمع رَسَل بفتح الراء والسين ، أَى أَفواجا وفِرَقا .
فشاء بغير همز : أَى ظهر وذاع .
تحدِّث : بالبناء للمفعول .
الشِّعاب : جمع شعب .
بلَحْى بعير : هو تثنية لَحْى وهو العظم الذى عليه الخدّ وهو من الإِنسان : العظم الذى
تنبت عليه الأسنان .
فشجّه : جرحه .
(١) سيرة ابن هشام ٢٦٣/١.
- ٤٣٠ -

الباب السادس
فى أمر الله سبحانه وتعالى رسولَه محمدًا
صلى الله عليه وسلم بإظهار الإِسلام
قال الله سبحانه وتعالى: ((فاصدَعْ)) فاظهر (( بما تُؤْمَر)) بالقرآن وما فيه من الأحكام .
وأَصل الصدع : الشق والبينونة أَو أَصله الشق فى الشئِ الصُّلْب كالزجاج ثم استعير لغيرها ،
أَى اكشف الحقَّ وأَبِنْه عن غيره ((وأَعْرِض ◌َن المشركين)) (١) اكفُفْ عنهم ولا تبالِ بهم
والكف عنهم. نُسخ بآية السيف .
وقال تعالى: ((وأَنْذرْ)) خوِّف «عشيرتَك الأَقْربين(٢))) وهم بنو هاشم وبنو المطّلب
وقد أُنذرهم جهارا .
روى ابن سعد - عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه قال : أُمر رسولُ الله صلى الله
عليه وسلم أَن يَصْدع بما جاء به من عند الله وأَن يُبَادى الناسَ بأَمره وأَن يدعو إلى الله تعالى،
فدعا فى أول ما نزلت عليه النبوة ثلاثَ سنين مُسْتخفيًا إلى أن أُمر بظهور الدعاء(٣).
وروى البلاذُرىّ عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: دعا رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم سرًّا أربع سنين(٤) .
وروى أيضا عن جعفر بن عبد الله بن أبى الحكم قال : لما نزلت على النبى صلى الله
عليه وسلم: ((وأنذر عشيرتك الأقربين)) اشتد ذلك على النبى صلى الله عليه وسلم وضاق
به ذَرْعا، فمكث شهرا أَو نحوه جالسًا فى بيته حتى ظن عماته أنه شاكٍ فدخَلْن عليه عائِدات
فقال : ما اشتكيتُ شيئًا لكن الله أمرنى أن أُنذر عشيرتى الأَقربين فأَردت جمعَ بنى عبد المطلب
(١) سورة الحجر ٩٤.
(٢) سورة الشعراء ٢١٤.
(٣) طبقات ابن سعد ١٩٩/١ ( ط بيروت).
(٤ ) أنساب الأشراف ١١٦/١.
- ٤٣١-

لأُدعوهم إلى الله تعالى قلن: فادعهم ولا تجعل عبدَ العُزَّى فيهم - يعنى أبا لهب، فإنه
غير مُجيبك. إلى ما تدعوه إليه. وخرجن من عنده فلما أصبح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
بعث إلى بنى عبد المطلب فحضروا ومعهم عدة من بنى عبد مناف وجميعهم خمسة وأربعون
رجلا وسارع إليه أبو لهب وهو يظن أنه يريد أَن يَنْزع عما يكرهون إِلى ما يحبّون ، فلما
اجتمعوا قال أبو لهب : هؤلاء ◌ُمومتك وبنو عمك فتكلّم بما تريد ودع الصلاة ، واعلم أنه
ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة وإن أحبَّ من أَخذك فحبسَك أَسرتُك وبنو أَبيك إن
أقمتَ على أَمرك فهو أَيْسَرِ عليهم من أَن يَشْب بك بطونُ قريش وتُمدّها العرب، فما
رأيتُ يابن أَخى أَحدا قط جاء بنى أَبيه وقومَه بشرِّ مما جئتَهم به .
فأُسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتكلم فى ذلك المجلس ومكث أياما وكَثُر
عليه كلامُ أَبى لهب ، فنزل عليه جبريل عليه السلام فأمره بإمضاء ما أمره الله به وشجّعه
عليه ، فجمعهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثانيةً فقال : الحمد لله أَحمده وأستعينه
وأُومن به وأَتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد
لا يَكْذب أَهلَه والله لو كذَبْتُ الناسَ جميعًا ما كذَبْتكم ولو غَرَرْتُ الناسَ ما غررتكم ، والله
الذى لا إله إلا هو إِنى لرسول الله إليكم خاصةً وإلى الناس كافة ، والله لَتموتن كما تنامون
ولُتبعثن كما تستيقظون ولَتحاسَبُنَّ بما تعملون، ولَتُجْزَونّ بالإحسان إحسانا وبالسوء سوء
وإنها للجنة أبدا أو النار أبدا، وإنكم لأول من أُنْذر، ومَثلى ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق
يربأ أَهلَه فخشى أن يسبقوه فجعل يهتف ياصباحاه . فقال أبو طالب: ما أَحبَّ إِلينا معاونتك
ومُرَافدتك وأَقْبَلنا لنصحك وأشد تصديقنا لحديثك ، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإِنما
أنا أحدهم ، غير أَنى والله أَسْرَعهم إلى ما تحب فامضٍ لما أُمرت به فوالله لا أزال أَحوطك
وأَمنعك، غير أنى لا أجد نفسى تطوّع إلى فراق دين عبد المطلب حتى أَموت على ما مات
عليه .
وتكلم القومُ كلاما ليِّنا غير أبى لهب فإنه قال : يا بنى عبد المطلب هذه والله السَّوءة
خُذوا على يديه قبل أن يأخذ على يديه غيرُكم فإِن أَسْلمتموه حينئذ ذلَلْم وإِن منعتموه
قُتلتم . فقال أبو طالب : والله لَنَمنَعَنَّه ما بقينا .
- ٤٣٢ -

وقالت صفية بنت عبد المطلب لأبى لهب : أَى أخى أَيحسن بك خُذْلان ابن أخيك
وإسلامه ؟ فوالله ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضِئضئُ عبدِ المطلب نَّبِىُّ فهو هو. فقال:
هذا والله الباطل والأَّمانى وكلام النساء فى الحِجَال ، إذا قامت بطون قريش كلها وقامت معها
العرب فما قوّتنا بهم ؟ فوالله ما نحن عندهم إلا إِكْلَة رأس(١).
وروى الشيخان والبلاذرىّ عن ابن عباس ، والشيخان عن أبى هريرة ، ومسلم عن قَبِيصة
ابن المخارق رضى الله عنهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أُنزل عليه ((وأنذر
عشيرتك الأقربين)) قام على الصَّفَا فَلا أَعْلاها حَجرا ثم نادى: يا صباحاه. فقالوا: من
هذا ؟ وجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج يُرسل (٢) رسولا لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب
وقريش فاجتمعوا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنْ أَخبرتكم أَن خَيْلا تخرج
من سَفْح هذا الجبل تريد أن تُغير عليكم أكتم مصدِّقَّ ؟ قالوا : ما جرَّبنا عليك كلبا .
فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار ، فإنى لا أُغنى عنكم من الله شيئاً ،
يا بنى عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإنى لا أُغنى عنكم من الله شيئا ، يا بنى عبد
شمس أنقذوا أنفسكم من النار فإنى لا أُغْنِى عنكم من الله شيئًا، يا بنى كعب بن لؤى
أنقذوا أنفسكم من النار فإنى لا أُغنى عنكم من الله شيئًا، يا عباس عم رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنقذ نفسك من النار فإنى لا أُغنى عنك من الله شيئًا ، ياصفية عمة محمد ،
ويا فاطمة بنت محمد أنقذا أَنفسكما من النار فإنى لا أَملك لكما من الله شيئًا ، غير أن
لكما رحما سأبلّها بِبَلالها، إنى لكم نذيرٌ بَيْن يدَىْ عذابٍ شديد .
فقال أبو لهب : تبَّ لك سائرَ اليوم أَبهذا جمعتنا ؟
فنزلت: ((تبت يدا أَبى لهب))(٣) إلى آخرها.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بنى عبد المطلب إنى والله ما أعلم شابًا من
العرب جاء قومَه بأفضل مما جئتكم به إنى قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة.
(١) أنساب الأشراف ١١٨/١ - ١١٩ .
(٢) ت، م : أرسل.
(٣) صحيح البخارى كتاب التفسير (سورة المسد). وصحيح مسلم كتاب الفتن حديث رقم ٩١. ومسند أحمد ٩٧٠٤٣/٣
وأنساب الأشراف البلاذري ١١٩/١، ١٢٠، ٠١٢١
- ٤٣٣ -
(٢٨ - سبل الهدى والرشاد ج ٢)

وروى ابن سعد والبيهقى وأبو نعيم عن على وأبو نعيم عن البراء بن عازب رضى الله عنهم
قال: لما نزلت: ((وأَنذر عشيرتك الأَقْرَبين)) على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
بيا على اصنع لنا رجْل شاة على صّاع من طعام. وفى رواية: مُدّ. وأعدَّ لنا عُسّ لبنٍ ثم اجمع
بنى عبد المطلب .
قال علىّ : ففعلت، فاجتمعوا له وهو يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ،
منهم أَعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فقدّمت إليهم تلك الجَفْنة ، فأخذ
رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حُذْية فشقَّها بأسنانه ثم رمى بها فى نواحيها وقال : كلوا
باسم الله . فأكل القوم حتى نَهلوا عنه ما ترى إلا آثار أصابعهم ، والله إن كان الرجل
الواحد ليأُكل مثل ما قدَّمتُ لجميعهم. ثم قال: اسق القومَ، فجئتهم بذلك العُسّ فشربوا
حتى رَؤُوا جميعا ، والله إنْ كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثلَه . وفى رواية من يأكل المسِنّة
ويشرب العُسّ .
فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدَره أَبو لهب إلى الكلام فقال: لَهدَّ
ما سحَركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلِّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلما كان الغد قال يا علىّ عُدْ لنا بمثل الذى صنعت بالأمس من الطعام والشراب ففعلت
ثم جمعتهم إليه فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالأمس فأكلوا وشربوا
حتى نهلوا ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بنى عبد المطلب، والله ما أعلم شابًّا من
العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إنى قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة . ثم قال :
من يؤازرنى على ما أنا عليه ؟ قال على : فقلت : أَنا يا رسول الله وإنى أَحْدَثهم سِنَّا
وسكت القوم . ثم قالوا : يا أبا طالب أَلا ترى ابنَك . قال : دعوه فلن يَألوا ابن عمه
خَيرا(١).
(١) طبقات ابن سعد ١٨٧/١. مختصرا. والوفا لابن الجوزى ١٨٤/١.
- ٤٣٤ -

تنبيه
فى بيان غريب ما سبق .
يُبادى : قال فى النور : الظاهر أنه بالموحدة أَى يجاهر .
ضاق به ذَرْعا : يقال ضاق بالأمر ذَرْعًا أَى عجز عن احتماله، وذَرْع الإِنسان: طاقته
التى يَبْلغها .
أُسْرة الرجل: وِزَان غُرْفَةٍ : رَهْطه .
يَرْبأ أهله، بمثناة تحتية فراء فباء موحدة فهمزة ، يقال ربأت القوم أربوهم رَبْأً:
كنت طليعةً لهم فوق شرف خوفًا أَن يكبسهم العدوّ على غِرَّة .
الحُذَيَّة : تصغير حُذْوة بضم الحاء المهملة وكسرها وسكون الذال المعجمة : القطعة
من اللحم . وقيل : إذا كسرت الحاء كانت بمعنى أن يقطع اللحم طولا .
المُسنة : الشاة التى سقطت ثناياها .
العُسّ : بضم العين وبالسين المهملة المشددة : القدح الكبير .
نهَلوا : بنون : أَى شربوا حتى رَوُوا .
لَهَدَّ: بفتح اللام والهاء والدال المهملة المشددة : كلمة يُتعجب بها ، فيقال: لَهَدَّ الرجل
أَى ما أَجلدَه، ويقال إنه لَهدّ الرجل، أى لنعم الرجل وذلك إذا أُثنى عليه لجَلَدِهِ وشدة بأسه.
واللام فيه للتأكيد والمعنى هنا : لنعم ما سَحركم به .
- ٤٣٥ -

الباب السابع
فى مشى قريش إلى أبى طالب
"ليكف عنهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
قال الزُّهْرِى وابن إسحاق: فلما بادَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قومَه بالإِسلام
وصدعَ به كما أَمره الله لم يَبْعَد منه قومُه ولم يردُّوا عليه ، حتى ذكر آلهتهم وَعَابَها .
قال العُتقى : وكان ذلك سنة أربع .
فلما فعل ذلك أَعْظَموه وذاكَروه وأجمعوا لخلافه وعداوته إلا من عَصم الله تعالى منهم
بالإِسلام وهم قليل مُسْتَخْفُون .
وحُدِب على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومَنعه وقام دونَه ، ومضى
رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرًا لأمره لا يردُّه عنه شىء.
فلما رأت قريشٌ أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُعْتبهم من شىء أَنكروه عليه
من فِراقهم وعَيْب آلهتهم ، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حَدِب عليه وقام دونه ولم يُسْلمه لهم ،
مشى رجالٌ من أشرافهم إلى أَبى طالب فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا
وعابَ دِيننا وسفَّه أحلامنا وضلَّل آباءنا فإما أن تكفَّه وإِما أَن تخلِّىَ بيننا وبينه فإنك
على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه . فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقا وردّهم ردًّا جميلا.
فانصرفوا عنه .
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يُظْهر دِين الله ويدعو إليه ثم
شَرِى الأَمرُ بينه وبينهم حتى تباعدَ الرجالُ وتضاغُنُوا وَأَكثرت قريش من ذِكر رسول الله
الله صلى الله عليه وسلم بينها فتذامَروا فيه وحضَّ بعضُهم بعضًا عليه .
ثم إنهم مشوا إلى أبى طالب مرة أُخرى فقالوا له: يا أَبا طالب إِن لك سِنًا وإِن لك
شرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهَيْناك من ابن أخيك فلم تَنْهه عنَّا وإنا والله لا نصبر على
- ٤٣٦ -

هذا من شَتْم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعَيْب آلهتنا حتى تكفَّه عنا أَو ننازله وإياك فى ذلك
حتى يهلك أحد الفريقين . أَو كما قالوا له . ثم انصرفوا عنه.
فَعَظُم على أَبى طالب فراقُ قومه وعداوتهم ولم يطبْ نفسًا بإسلام رسول الله صلى الله عليه
وسلم إليهم ولا خِذْلانه ، فأرسل خلفه فقال: يا بن أَخى إن قومك قد جاءونى فقالوا لى
كذا وكذا . للذى كانوا قالوا له . فأَبْقِ على نفسك وعلىَّ ولا تحمِّلنى من الأمر ما لا أطيق .
فظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بدا لعمِّه فيه بدَاء وأنه خاذِله ومُسْلمه، وأنه
قد ضعف عن نصرته والقيام معه . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمّ والله
لو وضعوا الشمسَ فى يمينى والقمر فى شمالى على أَن أَترك هذا الأمر حتى يظهره الله أَو أَهْلِك
فيه ما تركته ثم استعبر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . فلما ولَّى ناداه أبو طالب : اذهب
يا ابن أَخى فقل ما أحببت فوالله لا أسْلمك لشىء أبدا. ثم قال أبو طالب :
والله لن يَصِلُوا إِليك بجَمْعهم. حتى أوسَّد فى التراب دَفِينًا
وابْشر وقرّ بذاك منك عُيونا
فامضِى(١) لأَّمرك ماعليك غضاضةٌ
فلقد ضدقتَ وكنت ثَمَّ أَمينَا
ودعوتَنى وزعمتَ أُنك ناصحی
لوجَدْتنى سمحاً بذاك مُبينا
لولا الملامةُ أَوَ حِذَاری سُبَّة
قال فى الرَّوْض: خصَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الشمسَ باليمين لأنها الآية المبصرة
وخصَّ القمر بالشمال لأَّنه الآية المحوّة ، وخص صلى الله عليه وسلم النّيِّرين حين ضرب
المثل بهما لأَن نورهما محسوس ، فالنور الذى جاء به من عند الله ، وهو الذى أرادوه
على تركه، هو أَشرف لا محالة من النور المذكور. قال الله تعالى: ((يريدون أن يطفئوا
نورَ الله بأفواههم ويأبى الله إلاَّ أن يتم نوره))(٢) فاقتضت بلاغة النبوّة لمّا أرادوه على ترك
النور الأَعلى أَن يقابله بالنور الأدنى وأن يخص أَعلَى النيرين وهى الآية المبصرة بأَشرف
اليدين وهى اليمين ، بلاغةُ لا مثلها وحكمة لا يجهل الطبيب فَضْلها . انتهى (٣).
(١) كذا بإثبات الياء للوزن. (٢) التوبة: ٣٢
(٣) الروض الأنف ١٧٠/١.
- ٤٣٧ -

قال ابن إسحاق : ثم إن قريشاً حين غرفوا أَن أَبا طالب قد أَبيَّ خِذْلانُ رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم وإسلامَه ، وإِجماعَه لفراقهم فى ذلك وعداوتهم مشواً إليه بعُمَارة بن
الوليد بن المغيرة فقالوا له : يا أَبا طالب هذا عُمَارة بن الوليد أَنْهَد فتىً فى قريش وأَجْمَله ،
فخذه فلك عَقْله ونَصْره واتخذه ولدًا فهو لك ، وأَسلم إلينا ابنَ أُخيك هذا الذى قد خالف
ديننا ودين آبائِك وفرَّق جماعة قومك وسفَّه أَحلامهم فنقتله فإنما هو رجلٌ برجل .
قال : والله لبئس ما تَسُومونى! أَتُعْطونى ابنكم أَغْذُوه لكم وأعطيكم ابنى تقتلونه !
هذا والله ما لا يكون أبدًا ، أَرأَيتم ناقةً تحِنّ إلى غير فَصِيلها ؟
فقال المُطْعِم بن عَدِىّ بن نوفل : والله يا أَبا طالب لقد أَنصفَك قومُك وجَهَدوا
على التخلّص مما تَكْره ، فما أَراك تريد أن تقبل منهم شيئًا . فقال أبو طالب للمطعم :
والله ما أَنصفونى ولكنك قد أَجمعتَ خذلانى ومظاهرة القوم علىّ فاصنع ما بدا لك أو كما قال .
فحَقِب الأُمرُ وحَميت(١) الحربُ وتنابذَ القوم وبادَى بعضُهم بعضا .
فقال أبو طالب يعرِّض بالمطعم بن عدىّ ويعمّ من خَذله من بنى عبد مناف ومن عاداه
من قبائل قريش ويذكر ما سألوه وما تباعدَ من أمرهم :
أَلا ليت حَقِّى من حِيَاطتكمْ بَكْرُ
أَلَا قُلْ لعمرٍ والوليسدِ ومُطعِمٍ
يرشّ على الساقين من بوله قَطْرُ
من الخُورِ خَبْخَابِ كثيرٌ رُغَاؤُه
إذا ما علا الفَيْفاء قيل له وَيْرُ
تخلَّف خَلْف الورْد ليس بلا حقٍ
إذا سُئلا قالا إلى غيرنا الأمر
أَرى أَخَوْينا من أَبينا وأُمِّنا
بلى لهما أَمرٌ ولكن تجرْجَما
كما جَرْجمت من رأس ذى علق صَخْرُ
هما نَبذانا مثل ما نُبذ الجَمْر
أَخصّ خصوصًا عبدَ شَمس ونوفلاً
فقد أَصبحا منهم أَكفُّهما صِفْرُ
هما أَغْمِزَا للقوم فى أَخَوْيهما
هما أَشْرَكا فى المجد من لا أَبَاله من الناس إِلا أَن يرسّ له ذكر
(١) ت، م : وقويت .
- ٤٣٨ -
٠٠٠

وكانوا لنا مَوْلىٌ إِذا بُغى النصرُ
وتَسيْم ومخزوم وزُهْرة منهم
.. ولا منهم ما كان من نَسْلنا شفرُ
فوالله لا تنفك منا عداوة
٠
قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا تذامَروا بينهم على من فى القبائِل منهم من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا ، فوثبت كلُّ قبيلة على من فيهم من المسلمين
يعذِّبونهم ويَقْتنونهم عن دينهم ، ومنع الله تعالى رسولَه صلى الله عليه وسلم بعمه أبى طالب . .
وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون فى بنى هاشم وبنى المطلب
فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فاجتمعوا إِليه
وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه ، إلا ما كان من أَبى لهب عدوّ الله الملعون.
فلما رأَى أَبو طالب من قومه ما سرَّه فى جدِّهم معه وحَدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر
فضلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليَحْدِبوا معه على
أمره فقال :
فعبدُ مناف سِرُّها وصمِيمُها
إذا اجتمعت يومًا قريشٌ لِفْخَسٍ
فى هاشم أَشرافها وقَدِيمُها
وإِن حصِّلت أَشرافُ عبدٍ منافها
هو المصطفىَ من سِرِّها وكريمها
وإِن فخرتْ يومًا فإن محمدا
علينا فلم تظفر وطاشَتْ حلومُها
تداعت قريش غَثُّها وسَمِينها
إذا ما ثنَوْا صُعْرِ الخدودِ نقيمها
وكنا قديماً لا نقر ظلامة
ونضرب عن أَحجارها من يَرُومُها
ونَحْمِى حماها كلَّ يوم كريهة
بأَكتافنا تَنْدى وتنمى أُرومُها
بنا انتعش العُود الذواء وإنما
[ تفسير الغريب ]
حَدِب عليه ، بفتح الهاء وكسر الدال المهملتين فموحدة : أى عطف عليه ومنعه ،
وأَصل الحدب انحناء فى الظهر ، ثم استعير فيمن عطف على غيره ورقَّ له .
لا يُعْتبهم : بضم أوله وكسر المثناة فوق : أَى لا يرضيهم .
- ٤٣٩ -

سفَّه أحلامنا : بتشديد الفاء وبالهاء ، وهو فعل ماض ، أُحلامنا مفعوله أى قال إِنا
قليلو العقل .
رَفِيقًا : براء ففاء فمثناة تحتية فقاف .
ثم شَرِى الأمر بينه وبينهم : بفتح الشين المعجمة فراء مكسورة فمثناة تحتية مفتوحة
أى كثر وتزايد ، يقال شرى البَرْق يَشْرى إذا كثر لمعانه ويقال أُشرى الرجل أيضا إذا
غضب .
تضَاغَنُوا : تعادَوْا، والضّغْن : العداوة والحقد .
فتذامروا : بالذال المعجمة : أَى حضّ بعضُهم بعضا على حَرْبُه وعداوته .
استنهيناك : أى طلبنا منك أن تنهاه .
أو نِنازِلَه وإياك أَى : نحربه وإياك .
يَهْلِك : بكسر اللام .
فَأَبْق : بقطع الهمزة فموحدة ساكنة : فعل أمر ، بَدا : بغير همز أى ظهر.
بَداء : بفتح الموحدة ممدودا : أَى نشأً له فيه رأى .
استعبر : أَى دمعت عيناه .
أوسَّد : أُوضّع .
غضاضة : نقصان .
الملامَة : العَذْل .
السُّة بالضم : العار.
خذلانه : أَى تركه ونصرته .
إجماعه : عزمه .
بعُمارة : بضم العين وتخفيف الميم : كان من أجمل الناس وله قصة مع النجاشى .
أَنْهَد فتى : بنون فهاء فدال مهملة : أَى أَشدّه وأقواه .
- ٤٤٠ -