Indexed OCR Text
Pages 381-400
على بلوغ النهاية فى قرْب العدوّ. وفى ذلك تنبيه على أنه الذى يختص فى إنذاره بالصدق والذى لاشبهة فيه ، وهو الذى يحرص جدا على خلاص قومه من الهلاك . وقال فى الفرقة الأولى: ((فأَطاعنى)) وقابَله فى الثانية بـ((كَذَّب)) ليُؤْذن بأَن الصناعة مسبوقة بالتصديق ، ويُشْعر بأن التكذيب مُسْتَتْبِعٌ للعِصْيان ، كأَنه جمَع فى كل من الفرقتين بين المعنيين. وإلى المعنيين أشار بقوله صلى الله عليه وسلم: ((من أطاعنى)) إلى آخره . وأتبع قوله: ((اجتاحهم)) قولَه ((أَهْلَكهم)) إعلاما بأنه أهلكهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد . الجيش - بجيم فمثناة تحتية فشين معجمة . بعَيْنى : روى بالإِفراد وبالتثنية . النَّجاء النجاء - بالمد فيهما ، وبمد الأولى وقصر الثانية ، وبالقصر فيهما تخفيفا ، نَصْباً على المصدر أى انجوا النجاء أَو على الإغراء أَىّ اطلبوا النجاء تسْرعوا الهربَ . أَذْلَجوا : بهمزة فسكون أَى ساروا أول الليل أو الليل كله على الاختلاف فى مدلول هذه اللفظة . مَهَلهم - بفتحتين - والمراد به الهَيْنة والسكون . وبفتح أوله وسكون ثانيه : الإِمهال وليس مرادا هنا . الطائفة هنا : الفرقة . صَبَّحهم : أتاهم صباحا هذا أصله ، ثم كثر استعماله حتى استعمل فيمن طرق بغتة فى أى وقت كان . اجتاحهم : بجيم فمثناة فوقية فألف فحاء مهملة أَى استأصلهم من جُحْت الشىء أُجُوحه إذا استأصلته والاسم الجائحة وهى الهلاك، وأطلقت لأنها مُهْلكة . الثالث : فى بعض فوائد الحديث : قال القاضى ناصر الدين البيضاوى فى شرح المصابيح رحمه الله تعالى : هذا الحديث - ٣٨١ - يحتمل أمرين : أحدهما : أن يكون حكايةً سمعها جابر من النبى صلى الله عليه وسلم فحكاها . وثانيهما : أن يكون إخبارا بما شاهده هو نفسه(١) وانکشف له . وقول بعض الملائكة: ((إن العين نائِمة والقلب يقظان)) مناظرة جرَتْ بيانا وتحقيقا لِمَا أَنَّ النفوسَ القدسيةَ الكاملة لا يَضْعف إدراكها بضعف الحواس واستراحة الأبدان . والفاء فى ((فمن أطاع محمدا)) فاء السببية، أى لمّا كان الرسول يدعوهم إلى الله تعالى بأمره وهو سَفِير من قِبَله فمن أطاع فقد أطاع الله ، ومن عصاه فقد عصى الله . وقال الطيبى: قوله: ((مثله كمثل رجل)) مَطْلِعَ للتشبيه ، وهو مبنى على أن هذا التشبيه ليس من التشبيهات المفرَّقة كقول امرئ القيس : كأَنَّ قلوب الطير رَطْبا ويابساً لدى وكرها العِنَّاب والحشَف البالِ(٢) شبَّه القلوب الرطبة بالعناب ، واليابسة بالحشّف على التفريق ، بل هو من التمثيل الذى يُنْتَزع فيه الوجه من أُمور معدودة متوهّمة منضمٌ بعضها مع بعض إِذ لو أُريد التفريق لقيل: مثله كمثل داعٍ بعثَه رجلٌ ومن ثَمّ قَدَّمت الملائكة فى التأويل الركِّ على الداعى وعلى المضيف ، وروعى فى التأويل أَدَب حسَن ، حيث لم يصرح المشبّه بالرجل لكن لمَّح فى قوله: ((من أطاع الله )) ما يدل على أن المشبّه من هو . ونظيره فى التمثيل قوله تعالى: ((إنما مثل الحياةِ الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأَرض)) قال فى الكشَّاف: ولِىَ الماءُ الكافَ وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا بمفْرد آخر يتمخَّل لتقديره ، ومما هو بيِّن فى هذا قول لَبِيد : وما الناسُ إِلا كالديارِ(٣) وأَهلِها بها يوم حَلّوها وغَدْوا بلَاقع(٤) لم يشبّه الناس بالديار وإِنما شبَّه وجودهم فيها وسرعة زوالهم وفَنائهم بحلول أهل الديار فيها ووَشْك نهوضهم عنها وتركها خلاءً خاوية . (١) ط : هو عن نفسه. (٢) ديوان امرئ القيس ص ١٦٦ (ط السندوبى). (٣) ت ، م: بالديار . (٤) ديوان لبيد س ٨٨ (ط صادر). - ٣٨٢ - وتحريره أَن الملائكة مثِّلوا سَبْقَ رحمة الله تعالى على العالمين بإرسال الرحمة المهداة للخَلْقِ كما قال تعالى: ((وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين(١)) ثم إعداده الجنة للخَلْق ودعوته صلى الله عليه وسلم إياهم إلى الجنة ونعيمها وبهجتها، ثم إرشاده للخَلْق بسلوك الطريق إليها واتباعهم إياه بالاعتصام بالكتاب والسنة المُدْلَيان إلى العالَمِ السُّغْلى، وكأن الناس واقعون فى مَهْواة طبيعتهم ومشتغلون بشهواتها ، وأَن الله تعالى يريد بلطفه رَفْعهم فأَذْلَى حبل القرآن والسُّنة إليهم ليخلِّصهم من تلك الوَرْطة ، فمن تمسك بها نجا وحصل فى الفردوس والجناب الأَفْدَس عند مليك مُقْتدر، ومن أَخْلَد إلى الأرض هلَك وأضاع نصيبه من رحمة الله تعالى: بحال (٢) مُضِيف كريم بنَى دارا وجعل فيها من ألوان الأطعمة المستلذَّةِ والأشربة المستعْذَبة مالا يُحْصَى ولا يوصف ثم بعث داعياً إلى الناس يدعوهم إلى الضيافة إكراما لهم ، فمن تبع الداعى نال من تلك الكرامة ، ومن لم يَتْبع حرم منها . ثم إنهم (٣) وضعوا مكانَ حُلول سَخط الله تعالى بهم ونزول العقاب السَّرْمد عليهم قولَهم: ((لم يدخل الدارَ ولم يأكل من المأدبة)) لأن فاتحة الكلام سِيقت لبيان سَبْق الرحمة على الغضب فلم يطابق أن لو خُم بما يصرِّح بالعذاب والغضَب، فجاءوا بما يدل على المراد على سبيل الكناية . وقولهم: ((محمدٌ فَرق بين الناس)) كالتذييل للكلام السّابق، لأَنّه مشتمل على . معناه ومؤكد له فى حضور الملائكة ورَجْع بعض الكلام على بعض ، وتمثيلهم ذلك ووضعهم المُظْهَر موضعَ المضمَر فى مواضع من الحديث ، وتكرير الألفاظ مرة بعد أُخرى، وفى تقديم المجمَل ممثَّلا به وتأويله ، دلالةٌ على الإرشاد التام وإزاحة للعلل وإيقاظ للسامعين من رَقْدة الغفلة وسِنَة الجهالة، وحَثُّ لهم على الاعتصام بالكتاب والسُّنة والإِعراض عما يخالفهما من البِدْعة والضلالة . (١) سورة الأنبياء ١٠٧. (٢) متعلق بقوله قبل: أن الملائكة مثلوا سبق رحمه الله إلخ. (٣) أي الملائكة . - ٣٨٣ - المسأَدُبة : قال ابن خطيب الدَّهْشة فى تقريبه بالفتح والضم: الطعامُ يُدْعَى إِليه الناس . : أَوِّلوها: أَى فسِّروا الحكاية أَو التمثيل بمحمد صلى الله عليه وسلم، من أَوَّل) تأويلاً إذا فسَّرَ بما يؤول إليه الشىء، والتأويل فى إصطلاح العلماء: تفسير اللفظ بما يحتمله احتمالا غير بَيِّن. ٠٠ فَرّق: روى بالتشديد أى على صيغة الفعل وبالسكون على المصدر وصِف به للمبالغة كالعَدْل ، أَى هو الفارق بين المؤمن والكافر والصالح والفاسق ، إذ به تميزت الأعمال وَالْعُمَّالَ . الرابع : فى بعض فوائد الحديث الرابع : قوله صلى الله عليه وسلم: ((مثَلَى)) أَى فى دعاء الناس إلى الإِسلام المنقذ لهم من النار ومثل ما تزيّن لهم أنفسهم من التمادى على الباطل ((كمثل رجل)) إلى آخره والمراد تفسير الجملة بالجملة ، لا تمثيل فَرْد بفرد . قال النووى : مقصود الحديث أنه صلى الله عليه وسلم شبّه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم فى نار الآخرة وحِرْصَهم على الوقوع فى ذلك ومَنْعَه إِياهم، والجامع بينهما اتباع الهوى وضعف التمييز وحرص كل من الطائفتين على هلاك نفسه (١) . وقال القاضى أبو بكر بن العربى : هذا مثلٌ كثير المعانى، والمقصود أن الخَلْق . لا يأتون ما يجرّهم إلى النار على قصد الهلكة، وإنما يأتونه على قصد المنفعة واتباع الشهوة ، كما أن الفراش يقتحم النار لا ليَهْلِك فيها بلى لما يُعْجبه من الضياء ، وقد قيل إنها لا تُبْصر بحال وهو بعيد. وإنما قيل إنها تكون فى ظُلْمة فإذا رأَت الضياء اعتقدت أَنه كُوّة يُسْتَظْهر منها النور فتقصده لأجل ذلك فتحترق وهى لا تشعر . وقيل إن ذلك (١) شرح النووي على صحيح مسلم ٥٠/١٥ (ط المصرية). - ٣٨٤ - لضعف بصرها فتظن أنها فى بيت مُظْلِم وأن السراج كَوَّة فترمى نفسها إليها وهى من شدة طيرانها تجاوزه فتقع فى الظُّلْمة فترجع فتحترق . وقيل : إنها تتضرر بشدة النور فتقصد إطفاءه فلشدة جهلها تورِّط نفسها فيما لا قدرة لها عليه . وقال الغزالى : التمثيل(١) واقعٌ على صورة الإِكباب على الشهوات من الإِنسان بإكباب الفراش على التهافت فى النار ، ولكن جهل الآدمى أَشدّ من جهل الفراش، لأَنها باغترارها بظاهر الضوء إذا احترقت انتهى عَذابُها فى الحال ، والآدمى يبقى فى النار مدةً طويلة أَو أبداً. وقال الطيبى : تحقيق التشبيه الواقع فى هذا الحديث يتوقف على معرفة معنى قوله تعالى: ((ومن يتعدَّ حُدودَ الله فأولئك هم الظالمون(٢)) وذلك أَن حدود الله هى محارِمه ونواهيه كما فى الحديث الصحيح: ((أَلا إِنَّ حِمَى اللّه مَحارمُه(٣)) ورأْسُ المحارمُ حبُّ الدنيا وزينتها واستبقاء لذتها وشهواتها ، فشبّه صلى الله عليه وسلم تلك الحدودَ ببياناته الشافية الكافية من الكتاب والسنة باستيقاد الرجُلِ النارَ ، وشبّه فُشوّ ذلك الكَشْف فى مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حولَ المستوقد، وشبَّه الناسَ وعدمَ مبالاتهم بذلك البيان والكشف وتعدِّيهم حدودَ الله تعالى وحِرْصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات ومَنْعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إياهم عنه بأخذ حُجَزهم : بالفراش اللائى يقتحمن(٤) فى النار ويغلبن المستوقِد على دَفْعه إياها عن الاقتحام ، وكما أن المستوقد كان غرضُه من فعله انتفاع الخلق به من الاهتداء والاستدفاء وغير ذلك ، والفراشُ بجَهْلها جعلتْه سببًا لهلاكها : كذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأُمة واحتماءها عما هو سبب هلاكهم ، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها موجبة لتردِّيهم . (١) ت، م: التشبيه. (٢) سورة البقرة ٢٢٩. (٣) صحيح البخارى كتاب الإيمان . (٤) ط : يتقحمن . - ٣٨٥ - ( ٢٥ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) : وفى قوله: ((آخِذ بحجزكم)) استعارة مثَّلت حالةً مَنْعه صلى الله عليه وسلم الأُمةَ عنا الهلاك بحالة رجل آخذ بحُجْزة صاحبه الذى يَهْوَى . أَن يَهْوِىَ فى قعر بئرٍ مُرْدِية . والفاء فى قوله: ((فأَنا آخذ بحجزكم)) فصيحة كما فى قوله تعالى: ((أَيحبُّ أحدُ كم أَن يأكل لحمَ أَخيه مَيْتًا فكرهتموه(١)))، فإِنه تعالى لما سأَل بقوله: ((أيحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا)) فأَجابوا لا. قال: فإذا كان كذلك ((فكَرِ هْتموه)) وكذلك أنه صلى الله عليه وسلم لمّا قال للناس: ((مَثلى ومَثلكم)) أى صفتى وصفتكم. ثم شرع فى بيان المشبَّه بقوله: ((مثلُ رَجُلٍ)) إلخ، وعُلم منه ما يقابله من التشبيهات على ما بيَّناها آنفا، أتى بما هو أَهمْ وأولى منها وهو قوله: ((فَأَنا آخذ بحُجزكم)» بالفاء . كأَّنه قيل: إذا صح هذا التمثيل وأنا مثل المستوقد وأنتم كالفراش تقتحمون فى النار فأَنا آخذ بحجز كم . ولهذه الدقيقة التفت من الغيبة فى قوله ((مثل الناس)) إلى الخطاب فى قوله: ((فأَنا آخذ بحجزكم)) كما أنك إذا أُخذت فى حديث من لك عنايةٌ بشأنه ، والحال أَنه مشتغل بشىء يورِّطه فى الهلاك ، ثم إنك من غاية رأفتك عليه وشدة حرصك على نجاته تجد فى نفسك أنه حضر عندك فتتحرى خلاصه . استوقد : بمعنى أَوقد ، ولكن الأُول أَبْلَغ كعَفَّ واستعف . والإضاءة : فَرْط الإنارة، واشتقاقه من الضوء وهو ما انتشر من الأجسام النيِّرة يقال : أَضاءت النارُ وأَضاءت غيرَها يتعدى ولا يتعدى ، فإن جعل متعديا يكون : ماحَوْله مفعولا به ، وإِن جُعل لازما يجوز أن يكون ما حوله فاعلا له على تأويل الأماكن ، ويجوز أن يكون فاعلَه ضميرُ النار ، وما حوله ظَرْف ، فيجعل حصول إِشراق النار فى جوانبها بمنزلة حصولها نفسها فيها مبالغة . وحَوْل الشىء ، جانبه الذى يمكنه أن يُحَوَّل إليه ، أَوسمى بذلك اعتبارا بالدوران والإِطافة ، ويقال للعام : حَوْل . لأنه يدور . (١) سورة الحجرات ١٢. - ٣٨٦ - وفى رواية مسلم: ((ما حَوْلها)) فيكون الضمير راجعا إلى النار وفى رواية البخارى : ((ما حوله)) كما فى التنزيل(١) والضمير راجع إلى المستوقِد . الجنادب: جمع جُنْدَب وفيها ثلاث لغات : جُنْدُب بضم الدال وفتحها والجيم مضمومة فيهما . والثالثة حكاها القاضى جِنْدَب بكسر الجيم وفتح الدال . والجنادب هذه الصِّرار التى تشبه الجراد . وقيل غير ذلك . الفراش : اسم لنوع من الطير مستقل له أجنحة أكبر من جثته وأنواعه مختلفة فى الكِبَر والصغر وكذا أجنحته . وهذه الدواب : قال الحافظ : عطف الدواب على الفَراش يُشْعر بأنها غير الجنادب والجراد. قال النووى وتبعه الطيبى: وقوله ((وهذه الدواب)) كقوله تعالى: ((ماذا أراد اللّه بهذا مَثَلا)) وقول عائشة فى حق عبد الله بن عمرو: ((عجبت لابن عمرو هذا)) والتأنيث فى هذه باعتبار الخبر لأَّنه جَمْع ، ويجوز أن يراد بالفراش الجنس فيؤنث كقوله تعالى : و((وأَوحَى رَبُّك إلى النحلِ أَن اتخذِى(٢)) وتخصيص ذِكْر الدواب - والفراشُ لا يسمَّى دابة عرفا - لبيان جهلها، كقوله تعالى: (( إِنَّ شَرّ الدوابِ عندَ الله الصُّمُّ الْبُكْم))(٣) كل ذلك تَعْريض بطالب الدنيا المتهالك فيها . يتقحَّمْن : التقحم أصله الفَخْم وهو الإقدام والوقوع فى الأُمور الشاقة من غير تثبت ، ويطلق على رَفى الشىء بغتة. واقتحم الدارَ : هجمَ عليها . فأَنا آخِذ : بوزن اسم الفاعل، ويروى بصيغة المضارعة. قال النووى: والأَول أشهر . بحُجَزكم : بحاء مهملة مضمومة فجيم مفتوحة فزاى : جمع حُجْزة وهى مَعْقد الإزار والسراويل . عن النار : وضع السبب موضع المسبّب ؛ لأن المراد أنه يمنعهم من الوقوع فى المعاصى التى تكون سببا لولوج النار . (١) فى قوله تعالى فى سورة البقرة ١٧: ((فلما أضاءت ما حوله ذهب اللّه بنورهم)). (٣) سورة الأنفال ٢٢. (٢) سورة النحل ٦٨. - ٣٨٧ - علم : كلمة بمعنى الدعاء إلى الشىء كما يقال : تعال . قال الخليل : أَصله: لُمَّ من الضمّ والجمع، ومنه لَمَّ اللهُ شعثه. وكأَن المنادى أَراد لُمَّ نفسك إلينا. وهاء للتنبيه، وحذفت الألف تخفيفا لكثرة الاستعمال وجُعلا اسما واحدا . وقيل فى أصلها غير ذلك . وأهل الحجاز ينادون بها بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع وفى لغة نَجْد تَلْحقها الضمائر وتطابِق. وتستعمل لازمةً نحو ((هلمَّ إِلينا)) أَى أَقبل ومتعدية نحو ((هلمَّ شُهَداءَ كم)) (١) أَى أُحضروهم . فتغلبونى : بتشديد النون لأَن أَصله فتغلبونى ، فأدغم أحد النونين فى الأخرى والفاء فيه سببية على التعكيس كاللام فى ((فالتقطه آلُ فرعون ليكون لهم عدوًّا وحَزَنَا))(٢) وتقديره: أَنا آخذ بحُجَزكم لأُخلصكم عن النار فىكُستم فجعلتم الغَلَبة مسبَّبة عن الأُخذ . تقحِّمون : بفتح المثناة الفوقية والقاف والحاء المهملة المشددة والأصل تتقحَّمون فحلف إحدى التاءين . الخامس: فى بعض فوائد الحديث: سَفْر - بفتح السين المهملة : جمع سافِر كَرَكْب وراكب ، يقال سَفر الرجل سَفَر من باب طلب خرج للارتحال فهو سافِر .. المفازة : الفلاة بلا ماء من المهالك أو من النجاة تفاؤلا . الحُلَّة : بضم الحاء لا تكون إلا من ثوبين . حِبّرة : كعِنَبة على الوصف أَو الإضافة . وردتُ بكم : يقال وردَ الماء والشىء : حضره ٠ رِياضًا : جمع روضة وهى الموضع المعْجِب بالزهور . ٠ ٠ مُعْشِبة : ذات عُشْب ، وهو الكلأُّ الرَّطْب. حِياضا : جمع حوض وهو ما يجمع فيه الماء . رِوَاءٌ: بوزن كتاب جمع رَيَّا يقال رَوِى من الماء بالكسر رَيًّا ويُكْسَرِ. أَو المكسوة اسم فهو رَيَّان والمرأة رَيًّا كغضبان وغَضْى وجمعهما رِوَاء. (١) سورة الأنعام ١٥٠. (٢) سورة القصص ٨, ١ - ٣٨٨ - ٠١٢ الباب الخامس عشر فى مثله ومثل الأنبياء من قبله روى الإمام أحمد والشيخان والبيهقى عن أبى هريرة ، والإِمام أحمد ومسلم عن أبى سعيد الخُذْرى، والإِمام أحمد والشيخان عن جابر بن عبد الله، والإِمام أحمد والترمذى وصحَّحه عن أُبّ بن كعب رضى الله تعالى عنهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إِن مثَلى ومثل الأنبياء من قَبْلى: كمثل رجلٍ بنى بيتًا فأَحسَنه وأَجْمَلَه وأَتمَّه إلا موضعَ لَبِنَةِ فى زاوية من زواياه ، فجعل الناسُ يدخلون ويطوفون ويتعجبون له ويقولون : لولا موضعُ اللبنة . وفى لفظ : يقولون له : هلاّ وضعتَ هذه اللبنة فيتمَّ بنيانك، فأَنا فى النبيين موضعُ تلك اللبنة، جئت فختمت الأنبياء))(١). قال الحافظ : إِن قيل المشبّه به واحد والمشبَّه جماعة ، فكيف صح التشبيه ؟ .وجوابه : أَنه جعل الأنبياء كلَّهم كرجل واحد ، لأَّنه لا يتم ما أَراد من التشبيه إِلا باعتبار الكل ، وكذلك الدار لا تتم إِلا باجتماع البُنْيان . ويحتمل أن يكون من التشبيه التمثيلىّ، وهو أَن يُؤخذ وصف من أوصاف المشبّه ويشبّه بمثله من أَحوال المشبّه به،. فكأنه شبَّه الأَنبياء وما بُعثوا به من إرشاد الناس ببيتٍ أَسِّست قواعدُه ورفع بنيانه وبقى منه موضع به يتم صلاخ ذلك البيت ، فنبيّنا صلى الله عليه وسلم بُعث لتَتميم مكارم الأخلاق ، كأنه هو تلك اللبنة التى بها إصلاح ما بقى من الدار . وزعم ابنُ العربى أَن اللبنة المشار إليها كانت فى أُسّ الدار المذكورة ، وأنها لولا وَضْعها لانقضّت تلك الدار . قال: وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور انتهى. وهذا إِن كان منقولا فحسَن ، وإلا فليس بلازم . نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة (١) صحيح البخارى كتاب المناقب، وصحيح مسلم كتاب الفضائل حديث رقم ٢١، ٢٢، ٢٣ وسنن الترمذى كتاب الأدب وكتاب المناقب، ومسند أحمد ١٣٧/٢، ٢٥٦، ٣١٢، ٠٣٩٨ ٤١٢. - ٣٨٩ - فى مكان يُظْهر عَدَمَ الكمال فى الدار بفقدها، وقد وقع فى رواية همام عند مسلم: ((إلا موضع لبنة فى زاوية من زواياها » فظهر أن المراد أنها مكمِّلة محسّنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان ناقصا ، وليس كذلك فإن شريعة كلِّ نِىّ بالنسبة إليه كاملة ، فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية ، مع ما تقدم من الشرائع الكاملة . - ٣٩٠ - الباب السادس عشر فى الوقت الذی گُتب فيه نبينا صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِير أَن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى كنت نبيًّا: قال: بين الرُّوح والطين من آدم(١) . وروى أيضا عن عبد الله بن شَقِيق عن أبى الجدّعاء قال : قلت يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: (( وآدم بين الرُّوح والجسد »(٢) - رجاله ثقات - وروى الترمذى وحسّنه عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد (٣))). وتقدمت أحاديث فى الباب الثالث أوائل الكتاب فراجعها(٤). (١) طبقات ابن سعد ١٤٨/١، (ط بيروت). (٢) المصدر السابق . (٣) سنن الترمذى كتاب المناقب باب رقم ١. (٤) انظر الجزء الأول من هذا الكتاب . - ٣٩١ - الباب السابع عشر فى إعلام الوحش برسالته صلى الله عليه وسلم روى الإمام أحمد عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: حدَّثنا شيخ أَدْرك الجاهلية يقال له عَنْبس(١) قال: كنت أسوق بقرةً لآل لنا فسمعت من جوفها: يا آل ذَرِيح، قولٌ فصيح ، رجلٌ يصيح : لا إله إلا الله . قال : فقدمنا مكة فوجدنا النبى صلى الله عليه وسلم قد خَرج بمكة (٢). ذَرِيح - بذال معجمة مفتوحة فراء مكسورة فمثناة تحتية فحاء مهملة . وروى الإمام أحمد عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: جاء ذئب إلى راعى غنم فأَخذ شاة فطلبه الراعى حتى انتزعها منه ، فصعد الذئب على ثَلُّ فأَفْعَى فقال : عَمِدْت إِلى رزقٍ رزقنيه الله انتزعتَه مِنِّى ؟ فقال الرجل : تالله إِنْ رأيت كاليوم ! ذئب يتكلم ! فقال الذئب : أَعْجَب من هذا رجلٌ فى النخلات بين الحرَّتَيْن يخبركم بما مضى وما هو كائن، وكان الرجل يهوديا فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واخبره الخبرَ وصدَّقه النبى صلى الله عليه وسلم . الحديث . ويأتى بتمامه فى المعجزات ويأتى فيها قول الضبّ له: أَنت رسول الله(٣). (١) ص : عباس. (٢) الوفا ص ١٥٩. (٣) مسند أحمد ٣٠٦/٢ وقد أورده الحافظ ابن كثير بطرق متعددة عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة وأنس وابن عمر. شمائل الرسول لابن كثير ٢٧٣ - ٢٨٠. كما ورد فى الشفا للقاضى عياض ص ٢٦٥. - ٣٩٢ - الباب الثامن عشر فى شهادة الرضيع والأُبْكَم برسالته صلى الله عليه وسلم روى البيهقى عن مُعْرض بن عبد الله بن معَيْقيب اليَمامىّ، عن أبيه عن جده رضى الله عنه قال : حججت حجة الوداع فدخلت دارًا بمكة فرأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه مثل دارة القمر ورأيت منه عجبًا ، جاءه رجل بغلام يوم ولد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا غلام من أنا ؟ قال : أَنت رسول الله . قال : صدقتَ بارك الله فيك. قال: ثم إِن الغلام لم يتكلم بعد حتى شبَّ فكنا نسمِّيه مبَاركَ اليمامة(١). وروى أيضا عن شِمْر بن عطيّة عن بعض أشياخه قال : جاءت امرأة بابن لها قد شبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ؛: يا رسول الله إن ابنى هذا لم يتكلم منذ ولد . فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَدْنيه منِّى فأَدْنته منه فقال: من أنا ؟ قال : أَنت رسول الله(٢). وسيأتى فى المعجزات زيادة على ذلك . (١) شمائل الرسول لابن كثير (ط الحلبى) ص ٣٠٣ عن البيهقى. (٢) شمائل الرسول لابن كثير ص ٣٠٤. - ٣٩٣ - جَمَاع أبَوَابٌ بَعْضِ الْأُمُور الكَائِنَةِ بَعْدِ بِعْثَنِهُ صَلّى اللهُ عَيَّه وَسَلّمْ الباب الأول فى تعليم جبريل النبيَّ صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة عن أسامة بن زيد بن حارثة رضى الله تعالى عنهما أن جبريل أَنى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فى أول ما أُوحى إليه فأَراه الوضوء والصلاة ، فلما فرغ من الوضوء حتى حفنة من الماء فنضَح بها فَرْجَه . رواه الإِمام أحمد والدارقطنى من طريق رِشْدِين بن سعد وهو ضعيف ، عن عقيل عن قُّة، عن عروة، عن أسامة . والحارثُ بن أبى أسامة ، والدارقطى من طريق بن لَهِيعة وهو ضعيف ، عن عقيل ، عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير ، عن أسامة بن زيد ، عن أبيه فذكره ، ورواه الطبرانى فى الأوسط عن عقيل عن الزهرى به . فينظر فيمن دون ◌ُقَیْل فإِن كانوا ثقاة فالحديث سنده جید . ورواه أبو نُعَيْم من طريق النضر بن سلمة وهو ضعيف ، عن عائشة . ورواه أبو نعيم والبيهقى من طريق يزيد بن رُومان(١) عن عروة بن الزبير، فذكر مجئ جبريل عليه السلام وحديث البعث ، وفى آخره : ففتح جبريلُ عينًا من ماء فتوضأً ومحمد صلى الله عليه وسلم ينظر إليه فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه وغسل رجليه إلى الكعبين ثم نضح فَرْجِه وسجد(٢) سجدتين مواجهة البيت ففعل محمدٌ كما رأَى جبريلَ يفعل. ورواه أبونُعَيْم من طريق يزيد [ بن رُومان ](٣) عن الزهري عن عروة عن عائشة (٤). وهذه الطرق يقوِّى بعضها بعضا ، ويدل على أَن للقصة أَضْلا . وقد ذكر القصةً ابنُ إِسحاق(٥) ورواها البلاذُرِىّ (٦) عن الزهرى وقتادة والكَلْبِ (١) بياض بالأصل وما أثبته من دلائل النبوة لأبي نعيم ص ١٧٤ (٢) ت، م : ثم سجد. (٣) بياض فى ت، م. وما أثبته من دلائل النبوة لأب نعيم ص ١٧٤ . (٤) دلائل النبوة لأبي نعيم ص ١٧٤ وفيها : عن يزيد بن رومان الزهرى عن عروة بن الزبير عن عائشة ولعل هناك سقطا بين قوله : يزيد بن رومان وقوله : الزهرى . (٥ ) سيرة ابن هشام ٢٤٤/١. (٦) أنساب الأشراف البلاذري ١ /٠١١١ - ٣٩٧ - ومحمد بن قيس قالوا : إن جبريل علَّم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة و ((اقرأ باسم ربك الذي خلق)) أتاه وهو بأَعلى مكة فهَمز له بعَقِيه فى ناحية الوادى فانفجرت له منه عَيْنٌ فَتوضاً جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ليريه كيف(١) الظّهُور للصلاة ، ثم توضأُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأَى جيريلَ يتوضأ ، ثم أقام به جبريلُ فصلی به . وفى حديث عائشة السابق أنه صلى به ركعتين نحو الكعبة واستقبل الحجر الأسود(٢). انتهى . وصلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بصلاته، ثم انصرف جبريل فجاء رسولُ الله صلى اله عليه وسلم خديجة فتوضاً لها يربها كيف الطّهُور للصلاة كما أَراه جبريل ، فتوضأَت كما توضأً لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلَّى لها كما صلى به جبريل، فصلَّت بصلاته . وروى الإمام أحمد والبيهقى وابن عبد البَرّ عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندى عن أبيه ، عن جده ، قال : كنت امراً تاجرا فقدمت الحجّ فى الجاهلية، فأَتيت العباسَ ابن عبد المطلب لأَبتاع منه بعضَ التجارة فوالله إنى لعنده بمنىّ إذ خرج رجل(٣) مُجتَمعٌ من خباء قريب منه ، فنظر إلى الشمس فلما رآها مالت توضاً فأسبغ الوضوء ثم قام يصلى ، ثم خرج غلام قد راهقَ الحُلم من ذلك الخباء فقام يصلى معه ، ثم لم ألبثْ إلا يسيرا حتى جاءت امرأة من ذلك الخِياء فقامت خلفهما ، ثم ركع الشاب وركع الغلامُ وركعت المرأة ، ثم رفع الشاب ورفع الغلام ورفعت المرأة، ثم خرَّ الشاب ساجدًا وخرَّ الغلامُ وخرَّت المرأة فقلت للعباس : يا عباس ما هذا ؟ قال : هذا محمد بن عبد المطلب ابن أخى . قلت : من هذه المرأة . قال : هذه امرأته خديجة بنت خويلد . فقلت : من هذا الفتى ؟ قال : هذا علىّ بن أبى طالب ابن عمه قلت : فما هذا الذى يصنع ؟ قال : يصلى ، يزعم (١) ت ، م : كيفية. (٢) دلائل النبوة لأبي نعيم ص ١٧٤. (٣) غير ص : إذا رجل خرج . - ٣٩٨ - أنه نبى ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى ، وهو يزعم أنه ستُفتح عليه کنوز کسری وقیصر . قال عفيف: فليتنى كنت آمنت به يومئذ فكنت أكون ثانيا مع على من أبى طالب(١). وهذا الحديث يردّ قولَ من قال : إن فَرْض الصلاة كانت بالغداة والعشيّ فقط . تَنْبِهَاتُ الأول : قال السُّهيلى رحمه الله تعالى: الوضوء على هذا الحديث - يعنى رواية الحارث بن أبى أسامة . عن زيد بن حارثة - مكِّى بالفَرْض مدنىّ بالتلاوة، لأَن آية الوضوء مدنية وإنما قالت عائشة : فأنزل الله آية التيمم ولم تقل آية الوضوء وهى هى لأَن الوضوء قد كان مفروضا قبل ، غير أنه لم يكن قرآنا يُغْلى حتى نزلت آية المائدة . قلت : قال الحاكم رحمه الله تعالى فى المستدرك : أَهلُ السُّنة بهم حاجة إلى دليل الردّ على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول المائدة . ثم ساق حديث ابن عباس : دخلتْ فاطمةُ على النبى صلى الله عليه وسلم وهى تبكى فقالت: هؤلاء الملاُّ من قريش قد تعاقدوا على قتلك فقال : ائتونى بوَضُوء فتوضاً ثم خرج إلى المسجد. وذكر الحديث(٢) . وقال أبو عمر رحمه الله تعالى: معلوم عند جميع أهل المغازى أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ منذ افترضت الصلاة إلا بوضوء، ولا يَدْفع هذا إلا جاهلٌ أَو معانِد ، قال : وفى قول عائشة رضى الله تعالى عنها: ((فأنزل الله آية التيمم)) إشارة إلى أن الذى طرأ إليهم. من العلم حينئذ حُكْم التيمم لا حكم الوضوء . قال : والحكمة فى نزول آية الوضوء مع ما تقدم العمل به ليكون فَرْضه متلوًّا بالتنزيل . وقال غيره : يحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديما فعملوا به ، ثم نزل بقيتُها وهو ذِكْر التيمم فى هذه القصة . وإطلاق آية التيمم على هذا من إطلاق الكلِّ على البعض . (١) سيرة ابن كثير ٤٢٩/١، عن ابن إسحاق من رواية يونس بن بكير، وتابعه ابراهيم بن سعد عن ابن إسحاق. والوفا لابن الجوزى ص ١٦٨ . (٢) المستدرك الحاكم ١٦٣/١ ونصه: ((وأهل السنة من أحوج الناس لمعارضة ما قيل إن الوضوء لم يكن)) إلخ .. - ٣٩٩ - قال الحافظ : لكن رواية عمرو بن الحارث عند البخارى فى التفسير تدلّ على أن الآية نزلت جميعُها فى هذه القصة ، فالظاهر ما قاله ابن عبد البر . وقال القاضى رحمه الله تعالى : اختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة ؟ فذهب ابن الجَهْم إِن أَن الوضوء فى أَول الإِسلام سُنَّة ثم نزل فَرْضه فى آية التيمم وقال الجمهور : بل كان قبل ذلك فرضا . انتهى . ٠ الثانى : قال الحافظ عماد الدين بن كثير رحمه الله تعالى : صلاة جبريل هذه غير الصلاة التى صلَّاها به عند البيت مرتين ، فبيَّن له أوقات الصلوات الخمس أولها وآخرها فإن ذلك كان بعد فرضِيّتها ليلة الإِسراء ، كما سيأتى بيان ذلك(١) . الثالث : زعم ابن حزم أن الوضوء لم يُشْرَع إلا بالمدينة وتُعقب بما تقدم . الرابع : قال السهيلى : ذكر الحَرْبىّ ويحيى بن سلَّام أَن الصلاة كانت قبل الإِسراء صلاةً قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها . ونقل ابن الجوزى عن مُقاتل بن سليمان قال : فَرض الله تعالى على المسلمين فى أَول الإِسلام ركعتين بالغَداة وركعتين بالعَشِىّ . قال الحافظ بعد أن نقل ما ذكره الحَرْبى: وردَّه جماعة من أهل العلم . وقال قبل ذلك : ذهب جماعةٌ إِلى أنه لم يكن قبل الإِسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحدید . ٠٠ الخامس : ذكر ابن إسحاق هنا حديثَ ابن عباس فى إِمامة جبريل بالنبى صلى الله عليه وسلم وتعليمه إياه أوقاتَ الصلوات الخمس فى اليومين . قال فى الرَّوْض : ولم يكن ينبغى له ذِكْره فى هذا الموضع ، لأَن أَهل العلم متفقون على أن هذه القصة كانت فى الغد من ليلة الإسراء كما سيأتى بيان ذلك فى موضعه (٢). (١) سيرة ابن كثير ٤٢٧/١. (٢) الروض الأنف ١٦٣/١. - ٤٠٠ -