Indexed OCR Text

Pages 361-380

الباب الثانى عشر
فى فترة الوحى وتشريف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة بعد النبوة .
روى ابن سعد عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما، والإمام أحمد والبخارى والبيهقى
عن الزُّهْرى رحمه الله تعالى، والشيخان عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما ، قال
الأَوّلان : إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه الوحىُ بحراء مكث أيامًا لا يَرى
جبريل ، فحزن لذلك حزنا شديدا - ولفظ الزهرى : فتر الوحى فترةً فيما بلغنا - غدا منه
مرارًا حتى يتردَّى من رءُوس شَوَاهق الجبال .
ولفظ ابن عباس : حتى كاد يَغْدو إلى ثَبِير مرة وإلى حِرَاء مرة أُخرى، يريد أَن يُلْقى
نفسَه منه .
فبینا رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك عامدًا لبعض تلك الجبال. قال الزهرى : فكلما
وافى بذروة جبل لكى يُلْقِى نفسه منه تبدَّى له جبريل فقال له : يا محمد أَنت رسول الله
حقًّا فيَسْكن لذلك جأُّشه وتقرّ عينه فيرجع ، فإِذا طالت عليه فترةُ الوحى غدا لمِثْل ذلك،
فإذا أَوْفَى بذروة جبل تبدَّى له جبريل . فقال له مثلَ ذلك.
قال جابر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جوارى
هبطتُ فاستبطنتُ الوادى ، فبينا أَنا أَمشى إذ سمعت صوتا فنظرت عن يمينى فلم أَرَ شيئا ،
ونظرت عن شمالى فلم أر شيئًا ، ونظرت أمامى فلم أر شيئا ونظرت خلفى فلم أَر شيئًا ، ثم
نوديت فرفعت بصرى إلى السماء فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسىّ - وفى لفظ:
على عريش بين السماء والأرض - فرُعبت منه . وفى لفظ فجثَيْت . وفى لفظ فجثَثْت -
فرَقًا حتى هويت إلى الأرض ، فرجَعْت حتى أَتيت خديجةَ فقلت : زمِّلونى زملونى ، وفى لفظ
دّرونى دثرونى وصُبُّوا على ماء باردًا، فأنزل الله تعالى: ((يا أيها المدثِّر)) أى المتلفِّف بثيابه
عند نزول الوحى عليه ((قُمْ فَأَنذرْ)) خوّف الناسَ بالنارِ إن لم يؤمنوا (( وربَّك فكَبِّر)) عظُم
- ٣٦١ -

عن إشراك المشركين ((وثيابك فطهر)) عن النجاسة، أَو قصِّر خلافٍ جَرَّ العرب ثيابهم للخُيَلاءِ
فربما أصابتها النجاسة. ((والرُّجْزَ)) فسره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالأَّوثان. ((فاهْجُزْ،
أَى دُمْ علی ھَجْره .
قال ابن عباس والزُّهْرىّ: فَتَتَابع الوَحْىُ وحَمِى .
قال ابن إسحاق ومُتَابعوه ؛ وجاءه جبريل بسُورة الضحى يُقْسِم له ربه ، وهو الذى
أكرمه بما أكرمه ما ودَّعه وما قَلَاه فقال تعالى: ((والضُّحَى)) أول النهار أَو كله ((والليلِ إِذا
سَجَى)) غطّى بظلامه أَو سكَن (( ما ودَّعك)) تركك يا محمد (( ربُّك وما قَلَى)) ما بغَضك،
((لَلْآَخِرةُ خَيْرٌ لك)) لما فيها من الكرامات ((من الأُولى)) الدنيا (( ولسَوْف يُعْطيك ربُّك))
فى الآخرة من الخيرات عطاء جزيلا ((فَتَرْضَى)) به .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذن لا أَرْضى وواحد من أُمَتى فى النار)).
وإلى هنا تمَّ جواب القسم بمُثبتَيْن بعد مَنْفِيَّيْن .
((أَلم يَجِدْك)) استفهام تقريرى أَى وجدك ((يتيما)) بفَقْد أَبيك قبل ولادتك ((فَآوَى))
بأن ضمك إلى عمك أبى طالب ((ووجّدك ضالاً)) عما أَنت عليه من الشريعة ((فهدَى)) أَى
هذاك إليها ((ووجدك عائِلاً)) أَى فقيرا ((فأَغْنَى)) بما قَّعك به من الغنيمة وغيرها . وفى
الحديث: ((ليس الغِنَّى عن كَثْرَة العَرَض ولكن الغِنَى غِى النفس(١) ))
((فأما اليتيم فلاتَقْهَر)» بأَخذ ماله أو غير ذلك ((وأَما السائِلَ فلا تَنْهر)) تزجره لفقره
((وأَمَّا بِنعمةِ ربِّك)) عليك بالنبوة وغيرها ((فحدِّثْ)) أَخبر. وحذف ضميره صلى الله عليه
وسلم فى بعض الأَفعال(٢) لذِكْره أولًا (٣)، رعايةً للفواصل(٤)
(١) صحيح البخارى كتاب الرقائق، وصحيح مسلم كتاب الزكاة حديث رقم ١٢٠.
(٢) أى فى قوله: ((وما قلى)) ((فآوى))((فهدى)) ((فأغنى)) فحذف ضمير المفعول به.
(٣) فى قوله: ((ما ودعك)).
(٤) حديث فترة الوحى فى صحيح البخارى كتاب بدء الوحى، وكتاب بدء الخلق، وكتاب التفسير (سورة اقرأ)
وصحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم ٢٥٦. وطبقات ابن سعد ١٩٦/١ (ط بيروت) وسيرة ابن هشام ٢٤١/١ (ط الحلبى
الثانية ) .
- ٣٦٢ -

تَبْيَهَاتُ
الأول : قال الحافظ : فَتْرة الوحی عبارة عن تاًخرّه مدةً من الزمان ، وليس المراد بفترتهبين
نزول ((اقرأ)) و((يا أيها المدثر)) عدم مجىء جبريل إليه بل تأخر نزول الوحى فقط.
قلت : وفيه نظر ، لما سبق أول الباب عن ابن عباس والزهرى ..
الثانى : الحكمة فى فترة الوحى - والله أعلم - : ليذهب عنه ما كان يجده صلى الله عليه
:
وسلم من الرَّوْع وليحصل له التشوق إلى العَوْد .
. الثالث: اختلف فى مقدار مدة الفترة: فقال السُّهيلى: جاء فى بعض الأَّحاديث المسندة أنها
كانت سنتين ونصف سنة، قال فى ((الزَّهْر)): ويَخْدش فيه ما ذكره ابنُ عباس فى تفسيره
أنها كانت أربعين يوما وفى تفسير ابن الجَوْزى ومَعَانى الزجَّاج والفَرَّاءِ : خمسة عشر يوما .
وفى تفسير مقاتل : ثلاثة أيام . ولعل هذا هو الأَشْبَه بحاله عند ربه لا ما ذكر السهيلى
واحتج لصحته .
وقال الخافظ فيما رأيته بخطه فى الفتح : وهذا الذى اعتمده السهيلى لا يَثْبت وقد عارضه
ما جاء عن ابن عباس : أَن مدة الفترة المذكورة كانت أياما . قال : وسيأتى مزيد لذلك فى
كتاب التعبير ، إن شاء الله تعالى .
قلت : راجعت كتابَ التعبير من نسخة بغير خطه فأَلفيته قال: قوله: ((وفتر الوحىُ ))"
تقدم القول فى مدة هذه الفترة فى أول الكتاب . انتهى فليراجع خطه ، لعله يكون ألحقَ
ذلك فى نسخته بعدُ(١) .
الرابع : وقع فى بعض النسخ القديمة من الفتح وتبعه الشيخ وشيخنا القّسْطَلَّانى فى
شرحيهما : أن الإِمام أحمد روى فى تاريخه عن الشَّعْبى: أَن فترة الوحى كانت ثلاث سنين ،
وأن ابن اسحاق جزم بذلك.
(١) الذى فى فتح البارى كتاب التعبير روايات متعددة. انظر فتح البارى ٢٥/١٦.
- ٣٦٣ -

قلت : وهذا وَهْم بلا شك ، وعَزْو ذلك لجزم ابن اسحاق أَشدّ، وكأَنَّ الحافظ قلَّد
فى ذلك ولم يراجع التاريخ المذكور ، فإن الموجود فيه وفى الطبقات لابن سعد ودلائل البيهقى
عن داود بن أبى هند ، عن الشَّعْبِى قال : أُنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة ، فقُره
بنبوته إسرافيل ثلاث سنين ، فكان يعلِّمه الكلمةَ والشىء ، ولم ينزَّل عليه القرآن على
لسان ، فلما مضت ثلاثُ سنين قُرن بنبوته جبريلُ فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين
سنة(١).
الخامس : قال الحافظ ابن كثير فى البداية : قال بعضهم : كانت الفترة قريبا من سنتين،
أو سنتين ونصف والظاهر والله أعلم أنها المدة التى اقترن معه ميكائيل كما قال الشَّعْى وغيره ،
ولا ينفى هذا تقدُّمَ إيحاء جبريل إليه أولاً: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق)) ثم حصلت الفترة
التى اقترن معه ميكائيل، ثم اقترن به جبريل بعد نزول: ((يا أيها المدثر)» ثم حمى الوحى
بعد هذا وتتابع (٢) .
قلت : الثابت عن الشّعبى إنما هو إسرافيل كما تقدم لا ميكائيل ، وإن كان ابنُ النِّين
جزم به.، ولتُتَأَملِ عبارةُ الشَّعْى إن كانت تُفْهِم ما قال أنه الظاهر .
السادس: روى البخارى فى بدء الوحى وتفسير سورة اقرأُ من طريق ابن شِهَاب: أخبرنى أبوسلمة
ابن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصارى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛
وهو يحدِّث عن فترة الوحى: قال فى حديثه : بَيْنا أَنا أَمشى إذ سمعت صوتاً من السماء
فرفعت بصرى فإذا الملك الذى جاءنى بحراء ... وذكر الحديث .
وفى تفسير سورة المزمِّل(٣) من طريق علىّ بن المبارك، ومن طريق حرب بن شدَّاد ،
كلاهما عن يحيى بن أبى كثير ، قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن : أَىّ القرآن أُنزل
أُولَ؟ فقال: ((يا أيها المدثر)) فقلت: أنبئت أنه: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق)) فقال جابر:
(١) طبقات ابن سعد ١٩١/١ (ط. بيروت).
(٢) سيرة ابن كثير ٤١٤/١.
(٣) كذا والرواية فى تفسير سورة المدثر ، لا المزمل.
- ٣٦٤ -

لا أخبرك إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((جاورتُ فى حِراء فلما قضيتُ جِوَارى هبطت فنوديت)) فذكر الحديث السابق .
قال الحافظ : رواية الزُّهْرى تدل على أن المراد بالأوّنية فى قوله : أَول ما نزل سورة
المدثر . أَوليةٌ مخصوصة بما بعدَ فترة الوحى ، أو مخصوصة بالإنذار ، لا أَن المراد بها
أَوّلية مُطْلَقه، وإنما أتى بحرف العطف ليعلم أنه معطوف على ما سبق ، كأنه قال عروة
بكذا . أَى بحديث عائشة فى بدء الوحى ونزول سورة اقرأُ(١).
ثم قال الحافظ : ولو لم يكن فى ذلك إلا ثبوت الواو العاطفة فإِنها دالة على تقدم شىء
عطفَتْه، ودلَّ قوله: ((عن فترة الوحى)) وقوله: ((الملك الذى جاءنى بحراء)» على تأخر
نزول ((يا أيها المدثر)) عن ((اقرأ)).
ولمّا خَلَتْ روايةُ يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن جابر ، عن هاتين الجملتين
أَشْكَل الأَمر فجزم مَنْ جزَم بأَن (( يا أيها المدثر)) أول ما نزل. ورواية الزهرى هذه الصحيحة
ترفع ذلك الإشكال .
وقال فى التفسير : والمشكل من رواية يحيى قوله : «جاورتُ بحراء فلما قضيت جوارى
نزلت فاسْتَبْطَنْتُ الوادى فنوديت)) إلى أَن قال: ((فرفعت رأسى فإذا هو على العرش فى
الهواء، يعنى جبريل، فأتيت خديجةَ فقلت: دثِّرونى)) ويزيل الإِشكالَ أَحدُ أمرين: إما
أن يكون سقط على يحيى أو شيخه من القصة مجىء جبريل بحراء بـ ((اقرأ باسم ربك))،
وسائرُ ما ذكرتْه عائشة . وإما أن يكون جاورَ صلى الله عليه وسلم بحراء شهرًا آخر ، ففى
مُرْسَل عُبَيْد بن عمير عند البيهقى أنه صلى الله عليه وسلم كان يجاور فى كل سنة شهرا وهو
رمضان ، وكان ذلك فى مدة فترة الوحى ، فعاد إليه جبريل بعد انقضاء جواره .
وقال الحافظ أيضاً: فكأَن من قال من أول ما نزل اقرأْ أَراد أوليةُ مُطْلَقة ومن قال
((يا أيها المدثر)) أَراد بقيد التصريح بالإِرسال(٢).
(١) فتح البارى ٢٠٤/١٠.
(٢) فتح البارى ٣٠٤/١٠.
- ٣٦٥ -

وقال الكِرْمانى: استخرج جابر أَن أول ما نزل يا أيها المدثر باجتهاده وليس هو من
روايته ، والصحيح ما وقع فى حديث عائشة .
٠ ٠٠
السابع : قال عطاء الخراسانى : إِن سورة المزمل نزلت قبل سورة المدثر .
قال الحافظ : عطاء ضعيف وروايته مُعْضَلة. وظاهر الأحاديث الصحيحة تأخر المزِّل
لأَن فيها ذكر قيام الليل وغير ذلك مما تراخى عند ابتداء الوحى ، بخلاف المدثر فإِن فيها
(قم فأنذر)).
وقال فى موضع آخر : يعرف من اتحاد الحديثين فى نزول يا أيها المدثر عقيب قوله :
(دثِّرونى)) و((زمِّلونى)) أَن المراد بزملونى دثرونى، ولا يؤخذ من ذلك نزول يا أيها المزمل
حينئذ ، لأن نزول يا أيها المزمل تأخر عن نزول يا أيها المدثر بالاتفاق، لأَن أَولَ يا أَيِها
المدثر الأَمرُ بالإِنذار ، وذلك أول ما بُعث، وأَول المزمِّل الأَمرُ بقيام الليل وترتيل القرآن ،
فيقتضى تقدمَ نزول كثير من القرآن قبل ذلك .
الثامن : هذا القَدْر الذى نزل من المدثر فيه مُحَصَّل ما يتعلق بالرسالة .
ففى الآية الأُولى المؤانسة بالحالة التى هو عليها من التدثّر ، إِعلاما بِعظم قَدْره وتقدم
فى اسمه ((المدثِّر)) و((المزمل)) زيادة لذلك. فراجعه (١).
وفى الثانية : الأَمر بالإنذار قائِما ، وحذف المفعول تفخيما .
والمراد بالقيام إِما حقيقة ، أى قم من مضجعك ، أو مجازا ، أى قم مقام تَصْميم.
وأما الإنذار فالحكمة فى الاقتصار عليه هنا - فإنه أيضا بُعث مبشِّراً - لأن ذلك كان
أُول الإِسلام ، فمتعلَّقَ الإِنذار محفَّق فلما أطاع من أَطاع نزلت: ((إنا أرسلناك شاهدًا ومبشِّرا
ونذيرا)» (٢).
وفى الثالثة: تكبير الربِّ تمجيدًا وتعظيما ، ويحتمل الحمل على تكبير الصلاة ، كما
حُمل الأمر بالتطهير على طهارة البدن والثياب ، وهى الآية الرابعة .
(١) وذلك فى الجزء الأول من هذا الكتاب.
(٢) سورة الأحزاب ٤٥.
- ٣٦٦ -

:" أَما الخامسة فهجْران ما ينافى التوحيدَ وما يؤول إلى العذاب وحصلت المناسبة بين
السورتين المبتدأ بهما النزول فيما اشتملتا عليه من المعانى الكثيرة باللفظ الوجيز فى عدة
" - ما نزل من كل منهما ابتداء .
٠ ٠ ٠
التاسع : ما ذكره ابن اسحاق من سبب نزول سورة الضحى رواه الطبرانى من طريق العَوْفى،
وهو ضعيف ، عن ابن عباس . ومن طريق إسماعيل مولى آل الزبير ذكره سليمان النَّيْمى
فى السيرة التى جمعها .
قال الحافظ : وكل هذه الروايات لا تَثْبت بحال ، ويخالفها ما رواه الشيخان فى سبب
نزولها عن جُنْدب بن سفيان البجَلى رضى الله عنه، أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكى
فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إنى لأرجو أن يكون شيطانُك قد
تَركك لم يَقْربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل الله تعالى: ((والضحى)) إلى آخر السورة(١).
قال الحافظ رحمه الله تعالى : والحق أن الفترة التى فى سبب نزول سورة الضحى غير
الفترة المذكورة فى ابتداء الوحى فإنها دامت أياما وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثا ، فاختلطنا
على بعض الرواة . وتحقيق(٢) الأمر ما بينته .
وذكر الحافظ ابن كثير نحوه(٣).
قال الحافظ : ووقع فى السيرة لابن إسحاق فى سبب نزولها شىء آخر فإنه ذكر أن
المشركين لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذى القرنين وغيره ووعدهم بالجواب
ولم يستّثْن ، فأبطأَ عليه جبريل اثنتى عشرة ليلة، فضاق صدرُه وتكلّم المشركون فنزل
جبريل بسورة الضحى وبجواب ما سألوا .
قال الحافظ: ونزول سورة الضحى هنا بعيد لكن يجوز أن يكون الزمان فى
(١) صحيح البخارى كتاب التفسير (سورة الضحى).
وصحيح مسلم كتاب الجهاد حديث رقم ١١٥.
(٢) ط : وتحرير الأمر .
(٣) سيرة ابن كثير ٤١٣/١، ٤١٤.
- ٣٦٧ -

القصتين متقارباً ، فضمّ بعض الرواة إحدى القصتين إلى الأُخرى ، وكلَّ منهما لم يكن
فى ابتداء المبعث ، وإنما كان بعده بمدة .
وعند الطبرانى بإسناد فيه من لا يُعْرَف أَن سبب إِبطاء جبريل كون جَرْو كلبٍ تحت
سريره صلى الله عليه وسلم لم يشعر به ، فأَبطأَ عنه جبريل كذلك .
وقضية إيطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة ، لكن كونها سبب
نزول هذه السورة شاذْ مردود بما فى الصحيح، وكلُّ ما خالفه فغير ثابت .
العاشر : قال الإِسماعيلىّ : كان من مقدِّمات تأسيس النبوة فترة الوحى ليتدرّج.
فيه ويتمرَّن عليه ، فشق عليه فُتُورُه إذ لم يكن خُوطب عن الله تعالى بعدُ : أَنك رسول الله
ومبعوث إلى العباد ، فأَشفقِ أَن يكون ذلك أمراً بُدئ به ثم لم يُرَدْ اسْتِثْمامه ، فحزن
لذلك ، حتى إذا اندرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثِقَل ما يَرِدِ عليه فتحَ الله له
من أمره بما فتح .
قال : ومثال ذلك ما وقع له من أول ما خوطب ولم يتحقق الحال على جَلِيَّتها مثل
رجل سمع آخر يقول: الحمد لله . فلم يتحقق أنه يقرأ حتى إذا وصلها بما بعدها من
الآيات تحقق أنه يقرأ، وكذا لو سمع قائِلا يقول: خَلت الديارُ ولم يتحقق أَنه
يُنْشِد شعراً حتى يقول: مَحلُّها ومُقَامها . انتهى ملخصاً .
ثم قال: وأَما إرادة إلقاء نفسه من رءُوس الجبال بعد ما نِّىَ فلضَعْف قوته
عن حمل ما حمِّله من أعباء النبوة ، وخوفاً مما حصل له من القيام بها من مُبَاينة الخَلْق
جميعا ، كما يطلب الرجل الراحة من غَم يناله فى العاجل بما يكون فيه زواله عنه لو
أَفْضَى إلى هلاك نفسه عاجلا، حتى إذا تفكّر فيما فى صَبْره على ذلك من العُقْبَى المحمودة
صَير واستقرَّت نفسُه.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: أما الإِرادة المذكورة أولا : ففى صحيح الخبر أنه كانت
حزناً على مافاته من الأمر الذى بشَّره به ورقة(١). وأَما الإرادة الثانية بعد أن تبدَّى له
جبريل وقال له : أَنت رسول الله حقا فيحتمل ما قاله .
(١) ت، م : بشر به قومه .
- ٣٦٨ -

والذى يظهر لى أنه بمعنى الذى قَبْله . وأما المعنى الذى ذكره الإسماعيلى فوقع قبل ذلك
فى ابتداء مجىء جبريل ، ويمكن أن يؤخذ مما رواه الطبرانى من طريق النعمان بن راشد
عن ابن شهاب فذكر نحو حديث البخارى. وفيه : فقال: يا محمد أَنت رسول الله حقًا .
قال: فلقد ممَمْت أَن أُطرح نفسى من حالق الجَبل(١) أَى من علوّه. انتهى.
الحادى عشر فى بيان غريب ما تقدم :
عَدا : بعين مهملة : من العَدْو وهو الذهاب بسرعة ، وبإعجامها من الذهاب ◌ُدِّوة .
يتردَّى : يسقط .
شواهق : جمع شاهق وهو الجبل العالى .
يَغْدو - بإعجام الغين وإهمالها .
تَبِير - بناء مثلثة مفتوحة فباء موحدة مكسورة فمثناة تحتية فراء .
عامدا : قاصدا .
بذروة جبل : بتثليث الذال : أعلاه .
تبدَّى له جبريل : أَى ظهر .
جَأْشه - بجيم مفتوحة فهمزة ساكنة وقد تسهّل فشين معجمة ، أَى نفسه . قاله
الخليل فعلى هذا فقوله :
تقرّ نفسه : بفتح المثناة الفوقية والقاف توكيد لفظي .
استَبْطنتُ الوادى : دخلت بطنّه .
فُرُعِبت : فزعت .
جُبِئْت - بجيم مضمومة فهمزة مكسورة فمثلثة ساكنة فمثناة فوقية : أَى فزعت ،
وفى رواية جُئِئْت بمثلثتين من جُنِى الرجل كُعُنِى أَيضا : فزع . قال في التقريب :
وما سواهما تصحيف .
فرَقاً : خوفا .
هويت إلى الأرض : سقطت .
(١) ط : جبل.
.. ٠ - ٣٦٩ -
( ٢٤ - سبل الهدى والرشاد ج ٢)

الباب الثالث عشر
فى معنى الوحى والنبى والرسول والنبوة والرسالة
الوحى: مصدر وَحِى إِليه يحِى من باب وَعَد، وأَوْحَى إِليه بالأَلف مثله ، وجمعه
وُجِىَّ. والأَصلِ فُعُول مثل قُلوس .
وبعض العرب يقول وحَيْت إِليه ووحَيْت له وأَوحَيْت إِليه وله .
وهو هنا لغةً : الإِعلام فى خفاء ، وقيل الإِعلام بسرعة .
وشرعًا : الإِعلام بالشرع . وقد يطلق الوحى ويراد به اسم المفعول منه أى الموحَى ،
من إطلاق المصدر على المفعول. قال تعالى: ((إِنْ هو إِلا وَحْىٌ يُوحَى(١) )).
وهو كلام الله المنزل على النبى صلى الله عليه وسلم . وبسطتُ الكلامَ على الوحى
ومعانيه فى القول الجامع الوجيز فراجعه.
والرسول : إِنسان ذكرٌ أُوحى إليه بالعمل والتبليغ ، فَعُول من الرسالة ، وهى قول الله
تعالى لمن اصطفاه : أرسلتُك أَو بعثتك فبلِّغ عنى . وقيل هى سفارة بين الله وبين ذوى
الألباب من خليقته .
وهى أفضل من النبوة ، لأَنها تُثْمر هداية الأُمة ، والنبوة قاصرة على النبى كالعلم
والعبادة .
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : النبوة أفضل لأنها الوحى بمعرفته تعالى وصفاته
فهى متعلقة بالله من طرفيها (٢)، والرسالة الأمر بالتبليغ فهى متعلقة بالله من أحد الطرفين .
وأُجيب بأنها تستلزم النبوة فهى مشتملة عليها ، لأنها كالرسول أَخصّ من النبوة التى هى
أَعمّ كالنبى ، وهو بمعنى المرسَل فَعُول بمعنى مُفْعَل ، وذلك نادر.
(١) سورة النجم ٤.
(٢) ت، م : فهى متعلقة بطر فيها.
- ٣٧٠ -

وإرساله : أمر الله تعالى له بالبلاغ إلى من أُرسل إليهم ، وإشتقاقه من التتابع ومنه :
جاء الناسُ أَرسالاً، إذا تَبع بعضُهم بعضاً، فكأنه أُلْزم بتكرير التبليغ أَو أُلزمت الأُمة
اتباعَه .
والنبى: إما أن يكون بمعنى مُنَبَّأ - بفتح الباء - لأَن الله تعالى أَطْلَعه على غَيْبه وأَعْلمه
أنه نبيّه، فهوِ فَعِيل بمعنى مفعول، أَو بمعنى مُشْبِىء أَى مخْبر للناس ما أوحى إليه
فهو فعيل بمعنى فاعل ، وهو بلا همز على الأكثر ، قيل مخفف المهموز بقلب همزته
ياء ، وقيل إنه فى الأَّصل من النَّبْوة - بفتح النون وسكون الباء - وهى الرِّفْعة لأَن رتبته
مرفوعة على سائر الخلق ، وبالهَمْز من النبأً وهو الخبر لأَّنه مُخْبر عن الله تعالى وقد
لا يُهْمَز على هذا أَيضا للتسهيل .
وهو : إِنسان ذكَر أُوحى إليه بشَرْع ولم يُؤْمر بتبليغه ، فإن أُمر بذلك فهو رسول أيضا.
وقيل : وإِن أمر بتبليغه ولم يكن له كتاب أَو نَسْخ لبعض شَرْع من قبله فهو نى ،
وإِن كان له ذلك فهو رسول . فالرسول أَخصّ من النبى على القولين . وقيل هما مترادفان
لقوله تعالى: ((وما أرسلْنا مِن قَبْلك من رسول ولانِىِّ)(١) فأَثبت(٢) لهما الإِرسال معا .
وأُجيب بأنهما لو كانا مترادفَيْن لم يحسن تَكْرارهما فى بليغ الكلام . وفى الآية إضمار
تقديره : وما أرسلنا من رسول ولا نبَأْنا من نبيّ كما فى قوله:
ورأيتُ روحك فى الوغَى متقلِّدًا سَيَفا ورُمْحا
أی وحاملا رمحا .
وقال الآمدىّ رحمه الله تعالى - بعد حكايته مذهب الفلاسفة فى النبوّة ، وقولَ من
قال إِن النبى من عَلِمٍ كُونَه نبيًّا وقول من قال : إن النبوة سفَارة بين الحق والخَلْق
وتزييفَ كل منها - والحقُّ ما ذهب إليه أَهلُ الحق من الأشاعرة وغيرهم من أَن النبوة
ليست راجعة إلى ذاتىّ من ذاتيات النبيّ ولا إِلى عرَض من أعراضه المكتسَبَة له ، بل هى
مَوْهبة من الله تعالى ونعمة منه عليه يجعله متأَهِّلا للرسالة، وحاصلها يرجع إلى قوله الله
تعالى لمن اصطفاه من عباده : أرسلتك أَو بعثتك فبلِّغ عنى . انتهى .
(١) سورة الحج ٥٢ ....
(٢) ت ، م : فثبت .
- ٣٧١ -

فعلم بذلك : أن النبوة والرسالة من الصفات الاعتبارية كالولاية للولىّ والإمامة
للسلطان ونحو ذلك، لأَن القول لا يوجب لمتعلُّقه صفة كما صرح به القاضى عَضد الدين.
تَنْيَهَاتُ
الأول: لا يلزم من كون الرسالة قول اللهِ : أَرسلتك. أن تكون قديمةً ضرورةٌ قِدَم الكلام
الربانى ، لأَن الرسالة ليست الكلام القديم فقط ، بل الكلام القديم بصفة كونه
متعلِّقًا بالمخاطَب، والتعلق والمتعلَّق - بفتح اللام - حادث غير قديم .
الثانى: روى الحاكم أن رجلا قال: يانِّىء الله - أى بالهمز- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لستُ نبىء الله ولكنى نِىّ الله . قال الذَّهبى: إنه حديث مُنْكَر وفى سنده حمدان بن أَغْيَن
وليس بثقة ، وعلى تقدير صحته فأجيب عنه بأن أبا زيد حكى : نبأت من أرضٍ إلى
أرض أخرى ، أَى خرجت منها إليها، فإذا قال: يانىء الله احتمل أن يريد ياطَريد الله
الذى أخرجه من بلدة إلى غيرها فنهاه عن ندائه بلفظ النبىء مهموزا . ونظيره نّهى المؤمنين
عن قولهم له ((راعِنا)) لأن اليهود وجدوا بذلك طريقا إلى سَبِّه.
- ٣٧٢ -

الباب الرابع عشر
فى مثله ومثل ما بعثه الله تعالى به من الهدى
قال أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مثلى
ومثل ما بعثنى الله من الهدى والعِلْم كمثل الغَيْث الكثير أَصاب أرضًا فكانت منها طائِفة
طيّبة قَبِلت الماء فأَنبتت الكلأَّ والعُشْبَ الكثير ، وكانت منها أَجادِبُ أَمسكت المساء
فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسَقوا ورَعَوْا - وفى لفظ وزرعوا - وأصاب منها طائفةً
أُخرى إنما هى قِيعان لا تُمْسك ماء ولا تُنْبت كلاًّ، فذلك مثل من فَقُه فى دين الله ونفعه الله
بما بعثنى به فعَلِمٍ وعَلَّم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به .
رواه الشيخان(١) .
ورويا أيضا والبيهقيُّ عنه والإمام أحمد والرامهرمزى فى الأمثال عن عبد الله بن بُرَيْدة عن
أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم فنادى ثلاث مرات: أيها الناس
إِن مَثَلى ومثلَ ما بعثنى الله به كمثل قوم خافوا عدوًّا أَن يأتيهم فبعثوا رجلا يتراءى لهم،
فبينما هو كذلك إذ أَبصر العدوّ فأَقْبل ليُنْذر قومَه فخشى أن يدركه العدو قبلَ أَن يُنْذِر
قومه فأَهْوَى بثوبه : أيها الناس أيٍ - ثلاث مرات - يا قوم إنى رأيت الجيشَ بعينى
وأَنا النذير العُرْيان فالنَّجاء النجاء ، فأَطاعه طائِفةٌ من قومه فأَدْلَجوا فانطلقوا على مَهلهم
فنَجوْا وكذَّب طائفةٌ منهم فأَصبحوا مكانهم فصبّحهم الجيشُ فأهلكهم واجتاحهم ،
فذلك مثلُ من أَطاعنى واتبع ما جئت به من الحق ، ومثل من عصانى وكذَّب ماجئت به
من الحق(٢) .
٠
(١) صحيح البخارى كتاب العلم، وصحيح مسلم كتاب الفضائل حديث رقم ١٥، ومسند أحمد ٣٩٩/٤.
(٢) صحيح البخارى كتاب الرقاق، وكتاب الاعتصام . وصحيح مسلم كتاب الفضائل حديث رقم ١٦.
- ٣٧٣ -

وروى الإمام أحمد والترمذى عن ابن مسعود والبخارى والترمذى عن جابر بن عبد الله
رضى الله عنهما قال ابن مسعود : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع رأسه فى حجرى
فنام وكان إذا رقد نَفَخَ ، فَبَيْنا أَنا قاعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم مُتَوسِّد فخذى
إذا أَتَى رجالٌ - وفى لفظ إِنَّ هَنِينًا(١) - أَتوا عليهم ثيابٌ بِيض الله أعلم بما بهم من الجَمال،
فانتهوا إليه فجلس بعضٌ منهم عند رأس النبى صلى الله عليه وسلم ، وطائفة منهم عند
رجليه ..
وفى رواية أُخرى عن جابر : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : رأيت
فى المنام كأن جبريل عند رأسى وميكائيل عدد رِجْلى يقول أحدهما لصاحبه : اضرب
له مثلا .
فقال بعضهم لبعض : لقد أُوتى هذا العبدُ خيراً ، ما رأينا عبداً قط أُوتىَ مثلَ
ما أُونى، إِنَّ عينيه نائمتان وقَلْبُه يَقْظان . ثم قال بعضهم لبعض: هلم فلنضرب له
مثلا ، فقال بعضهم : اضربوا مثلا ونؤوِّل نحن أو نضرب نحن وتؤوّلون أنتم. فقال بعضهم:
اسمع سمعت أُذنك واعقل عقل قلبُك ، إن مثلك- وفى لفظ: مثله - كمثل مَلِك، وفى لفظ:
رجل . وفى لفظ : سيِّد ابْتنَى بنيانا حَصِينا ثم جعل فيه مَأَدُبة وبعث داعياً - وفى لفظ :
رسولا - يدعو الناس إلى طعامه وشرابه فمنهم من أَجاب الرسولَ ومنهم من تركه ،
فمن أجابه أكلَ من طعامه وشَرب من شرابه، ومن لم يجبْه عذَّبه عذاباً شديداً. أَوُلُوهَا له
يَفْقَهْها. فقال الآخرون: فأَما السيِّد : فهو ربُّ العالمين. وأَما البنيان: فهو الإِسلام.
والطعام : الجنة . والداعی : محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن أطاع محمداً صلى الله عليه وسلم فقد
أطاع الله وكان فى الجنة ، ومن عصى محمداً صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله وكان فى
النار ، محمدٌ فَرَّق بَيْن الناس .
قال ابن مسعود : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ قال : ما رأيت يابن
أُمِّ عَبْد ؟ هل سمعتَ ما قال هؤلاء ؟ قال عبد الله : رأيتُ كذا وكذا . قال : هل تدرى
(٢) قال فى النهاية ٢٧٩/٥: وفى حديث ابن مسعود وذكر ليلة الجن فقال: ((ثم إن هنينا أتوا عليهم ثياب بيض
طوال )» هكذا جاء فى مسند أحمد بن حنبل فى غير موضع من حديثه مضبوطا مقيدا ، ولم أجده مشروحا من كتب الغريب .
- ٣٧٤ -

من هم ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : المثل الذى ضربوه : الرحمنُ ، بنى الجنة
ودعا إِليها عبادَه ، فمن أجابه دخل الجنة ومن لم يجبه عاقبه وعذَّبها، ما خفى علىَّ شىءٍ
مما قالوا ، وهم نفر من الملائكة (١).
٠ ٠٠
. وروى الشيخان عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
مثلى ومثلُ الناس : كمثل رجل استوقد ناراً فلما أَضاءت ما حَوْله جعل الجنادبُ
والفراشُ وهذه الدواب التى تقع فى النار يقَعْن فيها وجعل يَحْجزهن - ويَغْلِيْنِه فيقَعْنَ(٢)
فيها ، فأَنا آخذ بحُجَزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها
ولفظ مسلم: ((فذلك مثلى ومثلكم ، أَنا آخذ بحجزكم هلمّ عن النار فتغلبوننى
تقتحمون فيها(٣))).
٠ ٠
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم رأى فيما يرى النائم مَلكين قَعد أَحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه ، فقال
الذى عند رجليه للذى عند رأسه : اضرب مثل هذا ومثل أُمته . فقال : مثل هذا
ومثل أُمته كمثل قوم سَفْر انتهوا إِلى مَفَازة فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة
ولا ما يرجعون به ، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل فى حُلَّة حِبَرة فقال: أَرأَيتم إن وردتُ
بكم رياضاً مُعْشِبة وحِيَاضاً روَاءً أَتتبعونى ؟ فقالوا : نعم فأُوردهم رياضا مُعْشبة وحياضا
رواءًا فأَكلوا وشربوا وسمتوا فقال لهم: ألم أَلْفَكم على تلك الحالة فجعلتم لى أَن وردتُ
بكم رياضا مُعْشِبة وحياضًا رواءٍ أَنْ تتبعونى ؟ قالوا : نعم . فأوردهم رياضا معشبة
وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا . فقال لهم: ألم ألقكم على تلك الحالة فجعلتم لى
إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء ، أن تتبعونى ؟ قالوا: بلى . قال : فإن بَيْن
يديكم رياضًا أَعْشَب من هذه وحياضا أَروى من هذه فاتبعونى . فقالت طائفة: صَدَق
والله لنتبعنَّه . وقالت طائفة : قد رضينا بهذا نُقيم عليه(٤).
(١) صحيح البخارى كتاب الاعتصام (٣٠٨/٣ ط الأميرية) وسنن الترمذى كتاب الأدب باب رقم ٨٦، وسنن
(٢) ط : فيقتحمن.
الدارمى المقدمة ، باب ٢.
(٣) صحيح البخارى كتاب الرقاق، وصحيح مسلم كتاب الفضائل حديث رقم ١٧ .
(٤) مسند أحمد ٢٦٧/١ (ط الميمنية).
- ٣٧٥ -

تَبْيَهَاتُ
فی بعض فوائد الحديث
الأول : المثَل : بفتح المثلثة والمراد به هنا : الصفة العجيبة الشأن ، أى صِفتى
وصفة ما بعثنى الله به من الأمر العجيب الشأن كصفة رجل أَتى قوماً إلى آخره .
والهدى والعلم: أَى الطريقة والعمل. روى: ((من ازداد علماً ولم يَزْدَدْ هدّى لم
يَزْدد من الله إِلا بُعْدا)) .
والغيث : المطر ، وإنما اختير الغيث على سائر أَسماء المطر ليُؤْذن باضطرار الخَلْق
إليه حينئذ. قال تعالى: ((وهو الذى ينزِّل الغيثَ من بعد ما قَتَطوا)) (١) وقد كان الناس
فى الزمن الأول قبل المبعث وهم على فترة من الرسل قد امتُحنوا بموت القَلْب وذهاب
العلم حتى أصابهم الله برحمة من عنده فأَفاض عليهم سِجَالَ الوحى السماوىّ ، فأشبهت
حالُهم حالَ من توالت عليه السُّنُون وأَخلفَتْهم المخَايلِ(٢) حتى تداركهم اللهُ بلطفه
وأرخت عليهم السماء عَزَاليها (٣)، ثم كان حظًّ كل فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة
والنظائر .
قال القرطبى والنووى تبعا للقاضى : ضرب النبيُّ صلى الله عليه وسلم لِمَا جاء به
من الدِّين مثلاً بالغيث العامّ الذى يأتى الناسَ فى حال حاجتهم إليه ، وكذا كان حالُ
الناس قبلَ مبعثه ، فكما أن الغيث يُحى البلدَ الميّت فكذا عُلوم الدين تحيى القلبَ
الميت ، ثم شبّه السامعين له بالأرض المختلفة التى نزل الغيث بها ، فمنهم العالم المعلّم
فهو بمنزلة الأرض الطيبة التى شربت فانتفعت فى نفسها وأَنبتت فنفعت غيرَها .
ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوافله ولم يتفقَّه فيا
جَمع لكنه أَدَّاه لغيره فهو بمنزلة الأرض التى يستقرّ فيها الماء فينتفع الناسُ به ،
وهو المشار إليه بقوله ((نضرّ الله امرأ سمع مقالتى فوعاها فأَدَّاها كما سمعها(٤) ).
(١) سورة الشورى ٢٨.
(٢) المخايل : جمع مخيلة، وهى السحابة يظن فيها المطر.
(٣) الغزالى: جمع عزلاء، وهى مصب الماء من الراوية، وتلك استعارة أصلية.
(٤) سنن التر مذى كتاب العلم، وسنن ابن ماجه. المقدمة باب رقم ١٨، وكتاب المناسك باب رقم ٧٦، ومسند
أحمد ٤٣٧/١.
- ٣٧٦ -

ومنهم من سمع العلمَ فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض
السَّبْخة أو الملساء التى لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها .
قال الحافظ : وإنما أَفرد الطائفتين الأوليتين الممدوحتين(١) لاشتراكهما فى الانتفاع
بهما ، وأَفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النَّفع بها .
ثم ظهر لى أن فى كل مَثل طائفتين، فالأُول قد أوضحناه والثانى : الأول منه
من دخل فى الدين ولم يسمع العلم ، أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلمه ، وأُشير إليها بقوله
صلى الله عليه وسلم: (( من لم يَرْفع بذلك رأسا)) أى أعرض عنه فلم ينتفع به ولا نفع .
والثانية منه : من لم يدخل فى الدين أصلاً بل بَلَغه فكفَر به، ومثالها الأَرض الصمّاء
المَلْساء المستوية التى يمرُّ عليها الماء فلا تنتفع به ، وأشير إليها بقوله صلى الله عليه وسلم :
((ولم يَقْبل هُدَى الله الذى أُرْسلت به)).
وقال الطِّيبِىّ: قال المُطَهَّريّ(٢): اعلم أنه ذكر فى الأرض ثلاثة أقسام ، وفى تقسيم
الناس باعتبار قبول العلم قسمين : أحدهما من فَقه فى دين الله إلى آخره . والثانى : من
لم يرفع بذلك رأساً ، يعنى تكَّر ولم يقبل الدِّين ، يقال : لم يرفع فلان رأسه بهذا
أى لم يلتفت إليه من غاية تكبّره ، وإِنما ذكره كذلك لأن القسم الأول والثانى من أقسام
الأرض كقسم واحد من حيث إنه ينتفع به والثانى لا ينتفع به ، وكذلك الناس قسمان :
أحدهما من يقبل العلم وأحكامَ الدين . والثانى : من لا يقبلهما، وهذا يوجب جَعْلَ الناس
فى الحديث على قسمين : أحدهما ينتفع به والثانى لا ينتفع به . وأَما فى الحقيقة
فالناس على ثلاثة أقسام : فمنهم من يقبل العلم بقَدْر ما يعمل به ولم يبلغ درجة
الفَتْوى والتدريس وإفادة الناس فهو القسم الأول ، ومنهم من يقبل من العلم بقَّدْر
ما يعمل به وبلغ أيضا درجة الفتوى والتدريس وإفادة الناس ، فهو القسم الثانى ، ومنهم
من لا يقبل العلم ، وهو القسم الثالث .
قال الطِّيبِىّ : اتفق الشارحون على هذا الوجه الثانى ، وظاهر الحديث يَنْصر الوجه
الأول، لأَن الشَّطْر الأول من التمثيل مركّب من أمرين، وذلك أَن (( أَصاب منها طائِفة)).
معطوف على ((أَصاب أرضا)) (٣) والضمير فى منها يرجع إلى مُطْلَق الأَرضِ المدلول عليه
(١) ط : المحمودتين.
(٢) انظر هذه النسبة فى اللباب ١٥٢/٣.
(٣) ط : أيضا.
- ٣٧٧ -

بقوله أَرضا، ثم قسمت الأرض الأولى بحرف التعقيب فى ((فكانت)) وعطف كانت
على كانت قسمين ، فيلزم اشتمال الأَرض الأُولى على الطائفة الطيبة وعلى الأَجادِب ،
والثانية على عَكْسها. فالواو فى ((وكانت)) ضَمَّت وترا إلى وتر، وفى ((وأَصابت)) شَفْعًا
إلى شَفْع، نظيره قوله تعالى: (( وما يَسْتوى الأعمى والبصير ولا الظلماتُ ولا النُّور (١))
وقوله تعالى ((إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات(٢))) قال فى الكشاف : الفرق
بين عطف الإناث على الذكور وعطف الزوجين على الزوجين أن الإناث والذكور
جنسان مختلفان إذا اشتركا فى حكم لم يكن بد من توسط العاطف بينهما ، وأَما العاطف
الثانى فمن باب عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع وكأن معناه : إن الجامعين
والجامعات لهذه الطاعات أَعدَّ الله لهم(٣).
وأيضا أَن أَصل التمثيل مركَّب من أَمرين: الهدى والعلم لتغايرهما فى الاعتدال،
ويعضده مراعاة معنى التقابل بين الكلامين من إثبات الكلاً وإمساك الماء فى إحداهما
ونَفْيهما فى الآخر على سبيل الحَصْر يقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما هى قِيعان)) ثم
تعقيبهما بالتفصيل فى قوله: ((فذلك مثلُ من فَقه فى دين الله ونَفعه)) إلى آخر الحديث
لأنه ذكر المثَل فيه مرتین .
ويؤيده ما ذكر النووى أَن رعَوْا بالزاء من الرعى . هكذا هو فى جميع نسخ مسلم.
ووقع فى البخارى: ((وزرعوا )» وكلاهما صحيح . وإِنما قلنا هذه الرواية تؤيد ما ذكرنا
لأَن فى الكلام حينئذ لَفًّا ونَشْرًا، فإن ((رَعَوْا)) مناسب لأنبتت الكلاَّ و((فشربوا وسقَوْا))
للأَجادِب وأمسكت الماء. فيكون الضمير فى نفع الله بها لـ ((أرض(٤)) ومعنى كليهما
صحيح ، لأَن زرعوا متعلَّق بالأول لا بالأَجادب فإنها لا تكفى الشرب والسَّفْى فضلاً
عن الزرع .
فعلى هذا يكون قد ذكر فى الحديث الطرفان : الغالى فى الاهتداء والغالى فى الضلال ،
(١) سورة فاطر ١٩.
(٢) سورة الأحزاب ٣٥.
(٣) الكشاف ٥٣٨/٢ (ط الحلبى).
(٤) غير ط : لأرضا.
- ٣٧٨ -

فعبَّر عمن قَبِل هُدَى الله والعلمَ بقوله: ((فَقُّه فى الدين)) إلى آخره. وكنَى عمن أُبَّى
قبولَهما بقوله (( لم يرفع بذلك رأسا)، وبقوله ولم يقبل هُدَى الله، لأَن الثانى عطف
تفسيرىّ للأّول، وتركَ الوسَط وهو قسمان : أحدهما : الذى ينتفع بالعلم فى نفسه فحسب ،
والثانى : الذى لم ينتفع هو بنفسه ولكن نفَع الغيرَ .
وفى الحديث إشعار بأن الاستعدادات ليست بمكتسبة ، بل هى مواهب ربّانية
يَخْتَصّ بها من يشاء، وكمالُها أَن يُفيض الله تعالى عليها من المشكاة النبوية ، فإذا وجد
من يشتغل بغير الكتاب والسُّنة وما والاهما عُلم أَنه تعالى لم يُرد به خيرا ، فلا يُعبأ
باستعداده الظاهر ، وأَن الفقيه هو الذى عَلِمٍ وعَمِلَ وعلّم وفاقد أَحدها فاقد هذا الاسم ،
وأَن العالم العامل ينبغى أن يفيد الناسَ بعلمه كما يفيدهم بعمله ، ولو أَفاد بالعمل
فحسب لم يُخْظ منه بطائل كأَرضٍ مُنْشبة لا ماءَ فيها فلا يمرى مرعاها ولو اقتصر
على القول لأَشبه السَّقْىَ مجرَّدا عن الرعى ، فيشبه أَخذه المستسقى ، ولو منعهما معاً كان
كأُرضٍ ذات ماء وعُشْب حماها بعضُ الظَّلَمة عن مستحقِّيها كما قال القائل:
ومن منح الجهَّالَ عِلْماً أَضاعَه ومن منع المستوجِبين فقد ظَلَمْ
الطائفة ، هنا : القطعة من الأرض .
قَبِلت : بفتح القاف وكسر الموحدة من القبول .
الكلأَّ : بالهمز بلا مد .
وقوله : العُشْب : من ذِكْر الخاصّ بعد العام ، لأَن الكلاّ يُطْلَق على النَّبْت الرَّطْب
واليابس معا والعُشب للرطب فقط .
أجادِب - بالجيم والدال المهملة جمع جَدَب بفتح الدال على غير قياس: وهى الأَرض
الصُّلْبة التى لا ينصبّ منها الماء .
فنفع الله بها : أَى الأَجادب وفى رواية: ((به)) أى الماء .
- ٣٧٩ -

رَعْوا: من الرعى وفى رواية: زرعوا، من الزرع. قال النووي: كلاهما صحيح ،
ورجح القاضى الأول بلا مرجِّح؛ لأن رواية زرعوا يدل على مباشرة الزرع ليطابق فى التمثيل
مباشرة طلب العلم ، وإن كانت رواية رعَوْا مطابقة لقوله أَنبعت ، لكن المراد أنها
قابلة للإنبات .
قيعان : بكسر القاف: جمع قاع وهو الأرض المستوية الملساء التى لا تنبت شيئا .
فَقُه: بضم القاف آى صار فقيها .
الثانى : فى بعض فوائد الحدیث الثانى.
قال الأشرف :
ذكر العينين إرشاد إلى أنه صلى الله عليه وسلم متحقق عنده جميع ما أخبر عنه من
الأُمور تحقق من رأَى شيئا بعينه لا يعتريه وَهْم ولا يخالطه شك .
وقال القاضى والنووى والطِّيبى: قوله: ((أَنا النَّذير العُرْيان)) مثَل سائر يُضرب
لشدة الأمر ودنوّ المحذور وبراءة المحذِّر عن النُّهْمة. وأصله : أَن الرجل إذا رأَى العدو
وقد هجم على قومه وأراد أن يفاجئهم ، وكان يخشى لحوقهم عند لحوقه تجرَّد عن
ثوبه وجعله على رأس خشبة وصاح ليأخذوا حِذْرهم ويستعدوا قبلَ لحوقهم ، وإِنما يفعل
ذلك لأَّنه أَبْيَن للناظر وأَغْرَب وأَشْتَع منظرا ، فهو أَبلغ فى استحثاثهم فى التأَّب للعدو.
وقيل: الأَّصل فيه : أن رجلا لقِى جيشًا فسلبوه وأَسَروه فانفلت إلى قومه فقال :
إنى رأيت الجيش وسَلَبونى فرأوه عُرْيانا فتحققوا صِدْقه لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه
فى النصيحة ولا جرت عادته بالتعرى ، فقطعوا بصدقه لهذه القرائِن . فضرَب صلى الله
عليه وسلم لنفسه ولما جاء به بذلك لِمَا أَبْدَاه من المعجزات والخوارق الدالة على القَطْع
بصدقه . تقريبا لأَّفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه .
وقال الطيبى : وهذا التشبيه من التشبيهات المفرَّقة ، شبّه ذاته صلى الله عليه وسلم
بالرجل ، وما بعثه الله تعالى به من إنذار القوم بعذاب الله القريب بإِنذار الرجل قومَه
بالجيش المصبِّح ، وشبّه من أطاعه من أُمته ومن عصاه بمن كذَّب الرجل فى إنذاره وصدَّقه .
وفى قول الرجل: أَنا النذير العريان الخ أنواع من التأكيد: أحدها: ((بعينى)) لأَن
الرؤية لا تكون إلا بها. وثانيها: قوله: ((إِنى)) و((أَنا)) وثالثها: ((العُرْيان)) فإِنه دالْ
- ٣٨٠ -