Indexed OCR Text

Pages 201-220

رواه أبو نعيم (١).
وعن على رضى الله تعالى عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : هل عبدتَ وثنًا
قط ؟ قال : لا . قالُوا : فهل شربت خمرا قط؟ قال: ((لا وما زلت أَعرف أن الذى مم
عليه كُفْر وما كنت أَدرِى ما الكتابُ ولا الإيمان)» .
رواه أبو نُعَيْم(٢).
وعن أم أيمن رضى الله تعالى عنها قالت : كان بُوَانة صنَما تَحْضره قريش يومًا فى السّنة
فكان أبو طالب يحضره مع قومه وكان يكلم رسولَ الّه صلى الله عليه وسلم أن يحضر ذلك
معه فيأْبَى حتى رأيت أبا طالب غضب عليه ورأيت عَمَّاتِه غضبن عليه وقلن يا محمد ماتريد
أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جَمْعًا . فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب ١٠ شاء الله ثم
رجع مرعوبا فزعا فقالت عماته : ما دهاك ؟ قال : إنى أُخشى أن يكون بى لَمَم فقلن :
ما كان الله يَبْتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك ، فما الذى رأيت ؟ قال :
إنى كلما دعوت من صنم منها تمثّل لى رجل أبيض طويل يصيح بى: وراءك يا محمد لا تمسَّه
قالت : فما عاد إلى عيد لهم .
رواه ابن سعد وأبو نُعَيْم وابن عساكرِ (٢)
وعن جُبَيْر بن مُطْعم قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله علية وسلم فى الجاهلية وهو
يقف على بَعِير له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم توفيقا من الله تعالى له(٤).
وعن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت : كانت قريش ومن دان دينها وهم الحُمْس
يقفون عشية عرفة بالمزْدَلفة ويقولون : نحن قطن البيت . وكانت بقية الناس والعرب
يقفون بعرفات فأنزل الله عز وجل: ((ثم أَفِيضوا مِنْ حيثُ أَفَاضَ الناسُ))(٥) فتقدموا
فوقفوا مع الناس .
(١) دلائل النبوة لأبي نعيم ١٤٦.
(٢) الخصائص الكبرى ٢٢١/١ (ط القاهرة).
(٣) دلائل النبوة لأبى نعيم ١٤٤ والخصائص الكبرى ٢٢١/١.
(٤) الخصائص الكبرى ٢٢٣/١ وقال: أخرجه ابن إسحق والبيهقى وأبو نعيم.
(٥ ) سورة البقرة ١٩٩.
- ٢٠١ -

رواه الشيخان(١) ..
وروى يعقوب بن سفيان عن الزُّهْری أن قريشا سمَّت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
الأَّمين قيل أَن يَنْزل عليه الوحى فطفقوا أَلَّايَنْحروا جَزُورا إلا التمسوه فيه فيَدْعو لهم فيها.
وروى الشيخان من حديث عائشة فى حديث بَدْه الوحى لما أَتاه جبريل بالوحى قال
لخديجة : لقد خَشِيت على نفسى وأخبرها الخبر. فقالت له: كَلَّا أَبْشر فوالله لا يُخْزيك
الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتَصْدِق الحديث وتحمل الكَلَّ وَتَكْسب المعدوم وتَقْرى الضيف
وتعين على نوائب الحق(٢).
تَنْبِهَاتٌ
الأول : ما ذكره ابن اسحاق من قصة تعرِّه صلى الله عليه وسلم وأنه فى صغره وأنه
أمر بالستر قال السُّهيلى وتبعه ابن كثير وأبو الفتح والحافظ: إن صحَّ حُمل على أن هذا
الأمر كان مرتين مرة فى حال صِغَره ومرة فى أول اكتهاله عند بنيان الكعبة(٣). واستبعد
ذلك مُغَلْطَاى فى كتابيه ((الزَّهْر)) و((دلائل النبوة)) بأنه صلى الله عليه وسلم إذا نُهى عن
شىء مرة لا يعود إليه ثانيا بوجه من الوجوه ، وأيضا فى حديث العباس - أى الآتى فى باب
بناء البيت - أنه لأول ما نودى .
وأما ما رواه ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق النضر بن عبد الرحمن عن ابن
عباس رضى الله تعالى عنهما قال كان أبو طالب يعالج زمزمَ وكان النبى صلى الله عليه وسلم
ينقل الحجارة وهو غلام يأُخذ إزاره ويتَّى به الحجارة فَنُشى عليه ، فلما أَفاق سأله
أبو طالب فقال : أَتانى آتٍ عليه ثيابُ بِيض فقال لى: استتر فكان أول شىءٍ رآه رسول
الله صلى الله عليه وسلم من النبوة أَن قیل له استتر وهو غلام . قال : فما رُئیت عورته من
يومئذ(٤). فقد قال الحافظ فى الفتح: إن النضر ضعيف وقد خَبط فى إِسناده وفى مَتْنه
(١): صحيح البخارى كتاب التفسير سورة البقرة.
وصحيح مسلم كتاب الحج حديث رقم ١٥١ .
(٢) صحيح البخارى كتاب بدء الوحى باب ٣. وصحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم ٢٥٢ - ٢٥٤.
(٣) سيرة ابن كثير ٢٥١/١.
(٤) دلائل النبوة لأبي نعيم ١٤٥.
- ٢٠٢ -

فإنه جعل القصة فى معالجة زمزم ولم يذكر العباس وقد قدمنا أن عكرمة والحكّم بن أبَان
روَيا القصة عن ابن عباس عن أبيه فى قصة بناء البيت .
٠
الثانى : روى أبو يَعْلى وابن عَدى والبيهقى وابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى
عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد مع المشركين مَشَاهدهم فسمع ملكّیْن
خلفه وأحدهما يقول لصاحبه : اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام الأَّصنام قُبَيْل ؟ فلم يعد بعد ذلك يشهد مع
المشركين مشاهدهم(١) .
وقول الملكين : وإِنما عَهْده باستلام الأصنام قال الطبرانى والبيهقى: يعنى أنه شهد مع
من استلمها . والمراد بالمشاهد التى شهدها مشاهد الحلف ونحوها لا مشاهد استلام الأصنام .
وقال الحافظ فى المطالب العالية : هذا الحديث أَنكره الناس على عثمان بن أبى شَيْبة
فبالَغوا(٢)، والمنكَر منه قوله عن الملك: ((عهده باستلام الأصنام)) فإن ظاهره أنه باشر
الاستلامَ وليس ذلك مرادا ، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم . انتهى .
الثالث : فى بيان غريب ما سبق .
مُلَاحيًا : مخاصِمًا لِأَحد ولا سابًّا له.
أَكْثَم : بناء مثلثة. رَكين: أَى له أركان عالية، أراد بذلك شدة قومه وركن الشىء
جانبه .
قامطة : أَى جامعة . لايطة بمثناة تحتية مكسورة وطاء مهملة : أى لاصقة لازمة .
يَنْعِقِ بهم : بكسر العين المهملة أى يصيح .
المَرْتَع . بفتح الميم : مكان الخصب والسعة .
(١) سيرة ابن كثير ٢٥٣/١.
(٢) قال ابن كثير: أنكره غير واحد من الأئمة على عثمان بن أبى شيبة حتى قال الإمام أحمد فيه: لم يكن أخوه
يتلفظ بشيء من هذا .
- ٢٠٣ -

مَرِيع : أى كثير الماء والزيادة . وِرْدٌ سريع : مجىءُ قريب .
-
اخْرَوْرط . بخاءِ معجمة فراءٍ فواو ساكنة فراءٍ فطاءٍ مهملة : أى مال إليه وتبعه .
احْرَوْرَف . عنه : بحاءٍ فراءٍ مفتوحة مهملتين فواو ساكنة فراءٍ ففاءٍ أَى عَدل عنه .
أَرْدَاه: أَهلكه. رأيتُنى، بضم التاءِ: أَى رأيت نفسى. السَّمَر : الحديث بالليل.
غِنَاء بكسر الغين المعجمة وبالمد : معروف .
العَزْف قال فى الصحاح : المعازف الملاهى والعازف اللاعب بها والمغنِّى ، وقد عزَفَ
عَزْفا .
الغَرابيل: جمع غُرْبال والمراد به هنا الدف سمى بذلك لأنه يشبه الغربال فى استدارته.
سفح الجبل بالسين، وبالصاد أَجود، مَضْجعه(١). بُوَانة بضم الباءِ الموحدة وتفتح
ثم واو مخففة وبعد الألف نون مفتوحة ثم تاء تأنيث .
النُّصب : الأصنام التى كانوا يذبحون عليها الذبائح تقرُّبًا لها .
الحُمْس. يقال حَمِس بالكسر فهو أَحْمَس أَى شديد صُلْب فى الدِّين والقتال، ومنه
حُمْس قريش ومن ولدت وكنانة وجَدِيلة قيس .
قُطُن البيت : أَى سُكَّانه جمع قاطِن(٢).
(١) كذا بالأصول. وفى القاموس: السفح عرض الجبل المضطجع أو أصله أو أسفله.
(٢) كذا والذى فى القاموس: والقطن: أهل الدار الواحد والجمع ويجمع على قطن. وأما جمع قاطن فهو
قطان وقاطنة وقطين .
- ٢٠٤ -

الباب العاشر
فى شهوده صلى الله عليه وسلم حرب الفِجَار
وكان فى شوال . كما قاله الواقدىّ . وقيل فى شعبان كما فى الرَّوْض.
لما بلغ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة أو خمس عشرة فيما قال ابن هشام ،
وقال ابن اسحاق : عشرين سنة كان قبل المبعث بعشرين سنة هاجت حَرْب الفِجَار بين
قريش ومن معها من كِنَانة وبين قيس عَيْلان . وكان الذى هاجها أَن عروة الرحّال
ابن عتبة أَجار لطيمةً للنعمان بن المنذر فقال البرّاض بن قيس أَحد بنى ضَمْرة: أَتُجيرها
على كِنَانة ؟ قال : نعم وعلى الخَلْق . فخرج فيها عروة الرحَّال وخرج البرَّاض يطلب
غفلته حتى إذا كان بتَيْمَن ذى طِلَال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البرَّاض فقتله فى الشهر
الحرام ، فلذلك سمى الفِجَار . فأَتى آتٍ قريشا فقال : إن البراض قد قتل عروة وهم فى
الشهر الحرام بعُكَاظ . فارتحلوا وهَوازن لا تشعر ، ثم بلَغهم الخبر فاتبعوهم فأدركوهم
قبل أن يدخلوا الحرَم فاقتتلوا حتى جاء الليل ودخلوا الحرم فأمسكت عنهم هوزان ثم
التقوا بعد هذا اليوم أياما ، وكان لكنانة وقيس فيه ستة أيام مذكورة : شَمْظة ويوم
العَبْلاءِ وهما عند حُكَاظ، ويوم الشَّرَب وهو أعظمها يومًا وفيه فيَّد أبو سفيان وأمية وحرب
أبناءُ أُمية أنفسهم كى لا يفرّوا فسُمُّوا العَنَابِس. ويوم الحُرَيْرة عند نخلة انهزمت قريش
إلا بنى نصر منهم فإنهم ثبتوا وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم أخرجه
أعمامه معهم(١)
وَرَوى ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قد حضرتُه يعنى حرب الفجار
مع عمومتى ورمَيْت فيه بأسهم وما أُحبّ أَنى لم أكن فعلته وكنت أُنَبِّل على أعمامى(٢).
(١) سيرة ابن هشام ١٨٤/١.
(٢) طبقات ابن سعد ١٢٨/١ (ط بيروت):
- ٢٠٥ -

وكان آخر أيام الفِجَار أن هوزان وكنانة تواعدوا للعام القابل بعكاظ فجاءُوا للموعد ،
وكان حرب بن أمية رئيس قريش وكنانة ، وكان عُتْبة بن ربيعة يتيمًا فى حِجْره فضربه
حرب وأشفق من خروجه معه فخرج عتبة بغير إذنه فلم يشعر إلا وهو على بعيره بين
الصفّين ينادى : يا معشر مُضَر عَلَام تَفَانَوْن ؟ فقالت له هوزان : ما تدعو إليه ؟ قال:
الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم وتعفوا عن دمائنا . قالوا : وكيف ذاك ؟ قال : ندفع
إليكم رُهُناً منا. قالوا: ومن لنا بهذا، قال أَنا : قالوا ، ومن أَنت : قال: أَنَا عُنْبة بن ربيعة
ابن عبد شمس . فرضوا ورضيت كنانة ودفعوا إلى هوزان أربعين رجلا فيهم حكيم بن حزام
فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرهن فى أيديهم عقَوْا عن الدماء وأطلقوهم وانقضت
حرب الفجار .
وكان يقال : لم يسُدْ من قريش مُمْلق يعنى فقيرا غير عُثْبة وأبى طالب فإنهما سادا بغير.
مال .
تنبيه : ذكر السهيلى أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقاتل فى حرب الفجار . وقد تقدم
عن ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل فيه .
[ تفسير الغريب ]
الفِجَار بكسر الفاء بمعنى المفاجرة ، كالقِتال بمعنى المقاتلة ، وذلك أنه كان قتالهم فى
الشهر الحرام ففّجروا فيه جميعاً فسمى الفِجَار . وكانت للعرب فِجَارات أَربع ذكرها
المسعودى .
عَيْلان : بفتح العين المهملة .
الرَّحَّال : براء مفتوحة فحاء مهملة مشددة .
البَرَّاض : بفتح الباء الموحدة والراء المشددة وآخره ضاد معجمة ساقطة .
تَيْمّن : بفتح المثناة الفوقية بعدها مثناة تحتية فميم فنون .
يوم شَمْظة : بشين معجمة مفتوحة فميم ساكنة فظاء معجمة .
يوم العَبْلاء : بعينَ مهملة مفتوحة فباء موحدة ساكنة فلام فألف ممدودة .
يوم شَرَب : بشين معجمة قراء مفتوحتين قباء موحدة .
- ٢٠٦ -

الحُرَيْرة : بحاء مهملة تصغير حُرّة .
الأربعة أسماء أماكن .
العَنّابس: بعين مهملة فنون مخففة فألف فباء موحدة مكسورة فسين مهملة جمع عَنْبس
وهو الأَسد . قال فى الصِّحَاح : العنابيس من قريش : أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر
وهم ستة حَرْب وأبو حرب وسُفْيان وأبو سفيان وعمرو وأَبو عمرو، وسُمُّوا بالأَسد والباقون
يقال لهم الأَغْياص بعين مهملة فمثناه تحتية. فصاد مهملة وهم أولاد أمية بن عبد شمس
الأكبر وهم أربعة : العاص وأبو العاص والعِيص وأبو العيص.
نخلة بلفظ واحدة شجر النخل: موضع قريب من مكة . فى حِجْره: بكسر الحاء وفتحها.
ضَنَّ به : بضاد معجمة مفتوحة ساقطة فنون مشددة : بخل به .
أَشفق : خاف .
يشعر : يعلم .
تَفانّوْن: بمثناة فوقية حذف منه أُخرى مأخوذ من الفَنّاء.
رُهُنا بضم الهاء والراء .
- ٢٠٧ -

الباب الحادى عشر
فى شهوده صلى الله عليه وسلم حلف الفُصُول
كان هذا الحلف فى ذى القعدة قبل المبعث بعشرين سنة مُنْصَرف قريش من الفِجَارِ
ولرسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عشرون سنة. وكان أكرم حِلْف سُمع به وأَشْرِفَه
فى العرب .
وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه
وسلم . وكان سببه أن رجلا من زَبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاصى بن وائل
السَّهْمى وكان ذا قَدْر وشرف بمكة فحبس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيدىُّ الأَ حلافَ عبد
الدار ومخزوما وجُمَحا وسَهْما فأبوا أن يعينوا الزبيدى على العاصى بن وائل وزبَروه ونَهروه
فلما رأى الزبيدى الشرَّ رَقى على أَبِى قُبَيْس عند طلوع الشمس وقريش فى أنديتهم حول
الكعبة فقال بأعلى صوته :
ببَطْن مكة نائى الدار والنفرٍ
یا آل فِھْر لمظلومٍ بضاعته
يا للرجال وبين الحِجْر والحجّرٍ
ومُحْرم أَشعث لم يقض عُمْرِتَه
ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
إنَّ الحرام لمَن تمَّت مسكارمه
فقام فى ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال ألهذا(١) مَتْرك؟ فاجتمعت هاشم وزُهْرة وتّيْم فى
دار عبد الله بن جُدْعان فصنع لهم طعاما فحالفوا فى القعدة فى شهر حرام قياما فتعاقدوا
وتعاهدوا ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بَلَّ بَحْر صوفة
وما رَسَاحِرَاء وثَبِير مكانهما، وعلى التآسى فى المعاش. فسمَّت قريش ذلك الحلف حِلف
الفُضول وقالوا : لقد دخل هؤلاء فى فُضولٍ من الأمر . ثم مشوا إلى العاصى بن وائِل .
فانتزعوا منه سلعة الزبيدى فدفعوها إليه(٢).
(١) كذا والرواية عند ابن هشام وابن كثير: ما لهذا مترك .
(٢) سيرة ابن كثير ٢٥٧/١ .
- ٢٠٨ -

وروى ابن اسحاق عن طلحة بن عبيد الله وابن سعد والبيهقى عن جبير بن مطعم رضى
الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد شهدتُ فى دار عبد الله بن جُدْعان
حِلْفًا ما أُحبُّ أَن لى به حُمر النَّعم ولودُعِى به فى الإِسلام لأجبتُ))(١)
وروى البيهقى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
ما شهدتُ حلفا لقريش إلا حِلْف المطيِّبين شهدته مع عمومتى وما أحب أن لى به حمر النعم
وأَنى كنت نقَضْتُه .
قال بعض رواته : والمطيبون(٢) هاشم وزُهرة ومَخْزوم .
قال البيهقى : كذا روى هذا التفسير مُدْرَجا ولا أدرى من قاله . وزعم بعض أهل
السير أنه أراد حلف الفضول فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يُدْرك حلف المطيِّبين.
الحِلْف : بكسر الحاء المهملة وإسكان اللام وهو العهد والبيعة .
الفضول : اختلفوا فيه فقيل سمى بذلك لأنه كان قد سبق قريشا فيما قاله ابن قتيبة
إلى مثل هذا الحلف جُرْهم فى الزمن الأول فتحالف منهم ثلاثة هم ومن تبعهم أحدهم :
الفضل بن فَضالة. والثانى: الفضل بن وَدَاعة . والثالث: الفضل بن الحارث . هذا قول
القُتَّبِى. وقال الزبير : الفضل بن شراعة والفضل بن قضاعة فلما أَشْبه حلف الآخر
فِعْل هؤلاء الجُرْهميين سمى حلف الفضول، والفضول جمع فَضْل وهى أسماء أولئك الذين
تقدم ذكرهم .
قال السهيلى : وهذا الذى قاله ابن قتيبة حَسَنٌ ولكن فى الحديث ما هو أقوى منه .
روى الحميدى عن سفيان عن عبد الله بن محمد وعبد الرحمن بن أبى بكر قالا : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (( لقد شهدت فى دار عبد الله بن جُدْعان حِلْفاً لو دُعيت به فى
الإِسلام لأَجَبْتُ تحالفوا أن يردُّوا الفضولَ على أهلها ولا يُعَّ ظالم على مظلوم .
قلت : الظاهر أن قوله : تحَالفوا إلى آخره - مُدْرَج من بعض رواته وليس بمرفوع ،
فلا دلالة حينئذ فيه .
(١) سيرة ابن هشام ١٣٤/١.
(٢) بالأصول: والمطيبين .
- ٢٠٩ -
( ١٤ - سبل الهدى والرشاد ج ٢).

وقيل : إنما سمى حلف الفضول لأنهم أخرجوا فضول أموالهم للأضياف .
مُنْصَرف : بفتح الراء .
◌ُدْعان : بضم الجيم وإسكان الدال فعين مهملتين فأَلف فنون .
ما بَلّ بحرصوفةً : يعنى الأَبدَ ، أى ما قام فى البحر ماء ولو قطرة .
حُمْرِ النعَم : بحاء مضمومة فميم ساكنة والنَّعم هنا : الإِبل خاصة .
- ٢١٠ -

الباب الثانى عشر
فى رعيته صلى الله عليه وسلم الغنم
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما بعث الله
نبيًّا إلا راعى غنم)). فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: ((وأَنا رعيتها لأَّهل
مكة بالقراريط» .
رواه ابن سعد والبخارى وابن ماجه (4) .
وعن جابر بن عبدالله رضى الله تعالى عنهما قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
نجنى الكَبَاث ، فقال : عليكم بالأسود منه فإنه أَطْيَبه فإنى كنت أَجْنيه إذ كنت أرعى الغنم.
قلنا : وكنت ترعى الغنم يا رسول الله ؟ قال: نعم . وما من نبى إلا وقد رعاها .
رواه الإمام أحمد وابن سعد والشيخان(٢) .
وروى أبو داود الطيالسى والبغوى وابن منده وأَبو نُعَيم وابن عساكر عن بشر بن
حرب البصرى مرسلا ، والإِمام أحمد وعَبْد بن حُمَيْد عن أبى سعيد رضى الله عنه قالا :
افتخر أَهلُ الإبل والشاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بُعث موسى وهو راعى
غنم وبُعث داود وهو راعى غنم ، وبُعثت وأَنا راعى غنم لأَهلى بأَجْيَادِ(٣)).
تَنْيَهَاتُ
الأول : قال العلماء رضى الله تعالى عنهم : الحكمة فى إِلهام رَعى الغنم قبل النبوة:
أن يحصل لهم التمرُّن برَغْيها على ماسيكلَّفونه من القيام بأمر أُمتهم، ولأن فى مخالطتها ما يحصِّل
(١) طبقات ابن سعد ١٢٥/١. (ط بيروت). وسنن ابن ماجه كتاب التجارات باب ٥. وصحيح البخارى كتاب
الإجارة باب ٢.
(٢) صحيح البخارى كتاب الأطعمة باب ٧٠. وكتاب الأنبياء باب ٢٩.
وصحيح مسلم كتاب الأشربة حديث رقم ١٦٥ . وطبقات ابن سعد ١٢٦/١.
(٣) مسند أحمد ٤٢/٣، ٩٦.
- ٢١١ -

الحِلْم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رَغْيها وجمعها بعد تفرقها فى المرعى ، ونقلها من مَسْرح
إلى مسرح ، ودَفع عدوها من سَبع وغيره كالسارق ، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها
مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة أَلِفوا من ذلك الصبر على الأُمة وعرفوا اختلاف طباعها
وتفاوت عقولها ، فجبروا كَسِيرها(١) ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها ، فيكون
تحمّلهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلِّفوا القيام بذلك من أول وهلة لما تحصَّل لهم من
التدريج على ذلك برعى الغنم، وخُصّت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ولأَن تفرقها
أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها فى العادة المألوفة
ومع أكثرية تفرقها فهى أسرع انقياداً من غيرها . وفى ذكر النبى صلى الله عليه وسلم
لذلك بعد أن عَلِم أَنه أكرم الخلق على الله تعالى ما كان عليه من عظيم التواضع لربه
والنَّصريح بمِنَّته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين .
الثانى : فى فتاوى الشيخ رحمه الله تعالى نقلاً عن الحنفية والمالكية والحنابلة ومقتضى
مذهب الشافعى: أنه يعزّر من قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم راعى غنيم . إذا عيِّر برعيها.
الثالث : فى بيان غريب ما سبق .
رِغْيته بكسر الراء المراد : الهيئة . والغنّم : منصوب مفعول المصدر وهو رِغْيته .
على قراريط : قال الحافظ : على بمعنى الباء ، وهى للسببية . وقيل إنها للظرفية كما
سيتبين . وفى رواية ابن ماجه ، عن سُوَيْد بن سعيد، والإسماعيلى عن حسَّان بن محمد
كلاهما عن عمرو بن يحيى : كنت أَرعاها لأهل مكة بالقراريط قال سويد بن سعيد :
يعنى كل شاة بقيراط . يعنى القيراط الذى هو جزء من الدينار أو الدرهم.
وقال الإِمام أبو إسحاق الحَرْبى : قراريط : اسم موضع بمكة ولم يرد القراريط من
الفضة. وصوَّبه ابنُ الجوزى(٢) تبعا لابن ناصر وخطَّأُ سُوَيداً فى تفسيره.
قال الحافظ : لكن رجِّح الأول بأَن أهل مكة لا يعرفون بها مكانا يقال له قراريط .
(١) ص، ط : كسرها.
(٢) الوفا ١٤٢/١.
- ٢١٢ -

وزعم بعضهم أن فى قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الأخرى: ((وبعثت وأنا راعى غنيم
بأَجْيَاد)) رَدّ لتأويل سُوَيد لأنه ما كان يرعى بالأجرة لأَّهله ، فتعيَّن أنه أراد المكان فعبر
تارة بأجياد وتارة بقراريط .
وليس الردّ بجيّد إذ لامانع من الجمع بأن يرعى لأُهله بغير أجرة ولغيرهم بأجرة .
والمراد بقوله: ((أهلى)) أهل مكة فيتحد الخَبَران ويكون فى أحد الحديثين بيّن الأجرة
وفى الآخر بيَّن المكان فلا تنافى فى ذلك .
وقال بعضهم : لم تكن العرب تعرف القراريط الذى هو من النقد ، ولذلك جاء فى
الصحيح: ((ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط(١) وليس الاستدلال لما ذكر من نفى
المعرفة بواضح . انتهى كلام الحافظ .
قلت : تأويل سعيد هو الذى فهمه الإمام البخارى وهو الأجرة ، ولذا ذكره فى
الإجارة .
الكَبَاث - بكاف فباء موحدة مفتوحتين فأَلف فياء مثلثة: النَّضِيج من ثَمَر الأراك.
جِيَاد : موضع بأسفل مكة معروف من شِعَابِها، ذكّره بغير هَمز البكْرىُّ فى معجمه .
أَجياد : بفتح أوله وإسكان ثانيه وبالمثناة التحية والدال المهملة : كأنه جمع
جيّد ، موضع من بطحاء مكة من منازل قريش ، فإذن يقال له جِيَاد وأجياد بالهمز وعدمه .
(١) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة حديث رقم ٢٢٦، ٢٢٧.
- ٢١٣ -

الباب الثالث عشر
فى سفره صلى الله عليه وسلم مرة ثانية إلى الشام
قال ابن إسحاق : وله من العمر خمس وعشرون سنة .
زاد غيره : لأربع عشرة ليلة من ذى الحجة .
وروى ابن سعد وابن السَّكَن وأَبو نُعَيم عن نفيسة بنت مُنْيَة قالت: لما بلغ رسول الله
صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين لِمَا تكامَل فيه من
خصال الخير ، قال له أبوطالب : يابن أَخى أَنا رجل لامال لى وقد اشتد الزمان علينا
وأَلحَّتْ علينا سِنُون مُنْكرة وليست لنا مادة ولا تجارة ، وهذه عِيرُ قومك قد حضر
خروجها إلى الشام وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك فى عيراتها فيتَّجرون لها
فى مالها ويصيبون منافع، فلوجئتها وعرضتَ نفسك عليها لأَّسرعتْ إليك وفضَّلتك على غيرك،
لِمَا يبلغها عنك من طهارتك وإن كنت أَكره(١) أَن تأتى الشامَ، وأَخاف عليك من يهود ،
ولكن لا تجد من ذلك بُدًّا .
وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة تبعث بها إلى الشام
فيكون عِيرها كعامة عير قريش ، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم الأموال مضارِبَةً ،
وكانت قريش قوما تجارا ومن لم يكن تاجرا من قريش فليس عندهم (٢) بشىء فقال له
رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلعلها ترسل إلىّ فى ذلك . فقال أبو طالب : إِنِى أَخاف
أَن تولّى غيرك فتطلب أمرا مُدْبرا . فافترقا .
وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له وقَبْل ذلك ما كان من صدق حديثه وعِظَم
أمانته وكرم أخلاقه ؛ فقالت : ماعلمتُ أَنه يريد هذا .
(١) ص، ط: لأكره. وما أثبته من ت، م.
(٢) ت م : لم يكن عندهم .
- ٢١٤ -

ثم أرسلت إليه فقالت : إنه دعانى إلى البعث إليك ما بلغنى من صِدْق حديثك وعِظَم
أَمانتك وكرم أخلاقك ، وأَنا أعطيك ضِعْف ما أعطى رجلا من قومك .
ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لتى عمَّه أبا طالب فذكر له ذلك فقال: إِن هذا
لَرزقٌ ساقه الله إليك .
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غلامها مَيْسرة ، وقالت خديجة لميسرة : لاتَعْص له
أمرا ولا تخالف له رأيا .
فخرج هو وميسرة وعليه غَمامة تظله وجعل عمومته يُوصون به أهل العِير .
فخرج حتى قدم الشام فنزلا فى سوق بُصْرَى فى ظل شجرة قريبا من صومعة راهب
يقال له نَسْطورا . فاطَّع الراهب إلى مَيْسَرة - وكان يعرفه - فقال: ياميسرة من هذا الذى
نزل تحت هذه الشجرة ؟ فقال ميسرة : رجل من قريش . فقال الراهب : ما نزل
تحت هذه الشجرة قطّ إلا نبى ، أَفى عينيه حُمْرة ؟ قال ميسرة : نعم لا تفارقه . فقال
الراهب : هو هو ، وهو آخر الأنبياء ، وياليت أنى أدركه حيث بُؤْمر بالخروج .
وعند أبى سعد النيسابورى فى الشَّرف: فلما رأى الغمامة فَزِع وقال : ما أنتم ؟ قال :
ميسرة غلام خديجة ، فدنا إلى النبى صلى الله عليه وسلم سرًّا من ميسرة وقبَّل رأسه وقدميه
وقال : آمنت بك وأنا أشهد أنك الذى ذكره الله فى التوراة . ثم قال: يا محمد
قد عرفت فيك العلامات كلها خلا خَصْلة واحدة فأَوضحْ لى عن كتفك . فأوضح له ، فإذا
هو بخاتم النبوة يتلألأ ، فأقبل عليه يقبِّله ويقول : أَشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك
رسول الله النبي الأُمى الذى بشّر بك عيسى بن مريم فإِنه قال : لا يَنْزِل بعدى تحت هذه
الشجرة إلا النبى الأمى الهاشمى العربى المكى صاحب الحَوْض والشفاعة وصاحب لواء
الحمد . انتهى .
فوعى ميسرة ذلك .
ثم حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم سوق بُصْرى فباع سلعته التى خرج بها
واشترى ، فكان بينه وبين رجل اختلافٌ فى سلعة فقال الرجل : احلف باللات والعزى .
فتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما حلفتُ بهما قط . فقال الرجل : القولُ قولك .
- ٢١٥ -

ثم قال لميسرة وخلا به : يا ميسرة هذا نبىُّ هذه الأُمة والذى نفسى بيده إنه لهو تجده
أَحبارُنا مَنْعوتاً فى كتبهم ، فوعى ميسرة ذلك .
ثم انصرف أَهلُ العير جميعا ، وكان ميسرة يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى مَلَكين يُظِلاَّ نه من الشمس وهو على بعيره . وكان الله
تعالى قد ألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة من ميسرة ؛ فكأنه عَبْدُ لرسول الله
صلى الله عليه وسلم .
وعند أبى سَعْد فى ((الشرف)) أَنهم باعوا متاعهم وربحوا ربحا لم يربحوا مثله قط،
فقال ميسرة : يا محمد اتَّجَرْنا لخديجة أربعين سنة ما رأيتُ ربحا قط أكثر من هذا
الربح على وجهك .
فلما كانوا بمَرّ الظهران قال ميسرة للنبي صلى الله عليه وسلم : هل لك أَن تسبقنى
إلى خديجة فتخبرها بالذى جرى لعلها تزيدك تكرّة إلى بكرتيك . فركب النبى صلى الله
عليه وسلم قعودا أحمر فتقدم حتى دخل مكة فى ساعة الظهيرة وخديجة فى عُلِّية (١) لها
معها نساء فيهن نفيسة بنت مُنْيَة فرأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل وهو راكب
على بعيره وملكان يُظِلاَّن عليه فأَرتْه نساءها فعجِين(٢) لذلك.
ودخل عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فخيَّرها بما ربحوا فسُرَّت بذلك وقالت :
أين ميسرة ؟ قال : خلَّفته فى البادية . قالت : عجِّل إليه ليَعجّل بالإِقبال . وإِنما أرادت
أن تعلم أَهو الذى رأَت أم غيره . فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصعدت خديجة
تنظر فرأته على الحالة الأولى فاستيقنت أنه هو ، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت
وأخبرها بقول الراهب نَسْطورا وبقول الآخر الذى خالفه فى البيع .
قال ابن إسحاق: فلما رأت خديجة أَن تجارتها قد رَبحت أَضْعَفتْ له ماسَمَّت(٣).
وكانت قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أَسد بن عبد العُزَّى وكان ابنَ عمها وكان
(١) العلية: الغرفة .
(٢) ت م : فتعجين.
(٣) حديث سفر النبى صلى اللّه عليه وسلم إلى الشام فى تجارة خديجة رواه ابن سعد فى الطبقات ١٢٩/١ (ط بيروت)
وابن هشام فى السيرة ١٨٨/١ (ط الحلبى) وابن كثير فى السيرة ٢٦٢/١. والكلاعى فى الاكتفا ١٩٦/١.
- ٢١٦ -

نصرانيا قد تتبّع الكتب وعلم من علم الناس ، ما ذكّر لها غلامُها مَيسرة من قول الراهب
وما كان يُرَى منه إذا كان الملكان يُظِلاَّنه، فقال ورقة: ياخديجة إن محمدا لنيُّ هذه الأُمة
وقد عرفت أنه كائن لهذه الأُمة نيِىّ يُنتظر ، هذا زمانه. أو كما قال :
وجعل ورقة يستبطىء الأمر(١) وله فى ذلك أَشعار منها مارواه يونس بن بُكَيْر عن
ابن إسحاق :
وفى الصدر من إضارك الحزنَ فادِحُ
أَتُبْكرُ أَمْ أَنت العشية رائِحُ
كأَنك عنهم بعدَ يومين نازحٌ
لِفُرْقة قوم لا أحبُّ . فَراقهم
وأخبار صدق خبِّرت عن محمد
فَتَاكِ الذى وجِّهت يا خير حُرَّة
إلى سوق بُصْرى فى الركاب التى غدثْ
فخبِّرنا عن كل حَبْر بِعِلْمه
بأَن ابن عبد الله أحمد مُرسَل
وظنِّى به أَنْ سوف يُبْعث صادقا
وموسى وإبراهيم حتى يُرَى له
ويَنْبعه حَيًّا لؤىِّ بن غالب
فإن أَبْق حتى يدرك النساسَ أَمرُه
وإلا فإنى يا خديجة فاعلمى
وقال أيضا :
لجَجْتُ وكنت فى الذكرى لَجُوجًا
ووصفٍ من خديجة بعدَ وَصْف
ببطن المكَّتَيْن على رجائى
بما أَخبرتنا من قول قَسّ
يخبِّرها عنه إذا غاب ناصحُ
بغَوْر وبالنجدين حيثُ الصَّحَاصِحِ
وهُنَّ من الأحمال قُعْصٌ دَوالِحُ
ولِلحقِّ أَبوابٌ لهن مفاتحٌ
إلى كل من ضُمَّت عليه الأباطِحُ
كما أُرسِلِ العَبْدِان هودٌ وصالحُ
بَهاءُ ومَنْشور من الدِّكر واضحٌ
شَبَابُهُم والأُشْيَيُون الجَحاجِحُ
فإنى بسه مُْبشر السودِّ فـارِعُ
عن أرضك (٢) فى الأرض العريضة نازح
لهمِّ طالما بعث النَّشيجا
فقد طال انتظارى ياخَدِيجَا
حديثك أن أرى منه خروجًا
من الرهبان أكره أَن يَعُوجًا
(١) ت م،: هذا الأمر.
(٢) ط : عن الدار .
- ٢١٧ -

بأَنَّ محمداً سَيَسُودُ قوماً
ويُظْهر فى البلاد ضياء نُورٍ
فيَلْقِى من يحاربُه خَساراً
فيالَيْتِى إِذا ما كان ذاكم
ولوجًا فى الذى كرهتْ قريشٌ
أَرجِّى بالذى كرهوا جميعا
ويَخْصِم من يكون له حَجِيجَا
يُقِيم به البرِيَّة أَن تَمُوجا
ويلقى من يُسَاله فُلُوجَا
شهدتُ فكنت أَوَّهم وُلُوجَا
ولو عجَّت بمكتها عَجِيجا
إِلى ذى العرش إِن سفلوا عُرُوجَا
بمن يختار من سَمك الْبُروجَا
وهل أَمرُ السفاهة غير كُفْرٍ
فإِن يَبْقوا وأَبْق تكن أمورٌ ... يضجُّ الكافرون لها ضجيجا
وإِنْ أَهْلِك فكلُّ فتى سيلقى من الأَقْدار مَتْلَفةً خروجًا(١)
تَنْبِهَاتٌ
الأول: قول الراهب: ((مانزل تحت هذه الشجرة إِلانيّ)) قال السهيلى: يريد مانزل
تحتها هذه الساعة قط إِلانبى. ولم يرد مانزل تحتها قط إِلانِى لُبُعْد العهد بالأنبياءِ قبلَ ذلك،
وإِن كان فى لفظ الخبر قط فقد يُتكلم بها على جهة التوكيد للنفى ، والشجرة لا تعمِّر فى
العادة هذا العمر الطويل حتى يُدْرَى أَنه لم ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبياءِ،
ويبعد فى العادة أيضا أن تكون شجرة تخلو من أن ينزل تحتها أحد حتى يجىء نبى ، إِلا
أن تصح رواية من قال : لم ينزل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم . وهى رواية عن غير
ابن إِسحاق فالشجرة على هذا مخصوصة بهذه الآية. انتهى. وأقره فى ((الزَّهْر)) و((النُّور)).
وتعقبه الإِمام العلامة عز الدين ابن جماعة بأنه مجرد استبعاد لا دلالة فيه على
امتناع ولا إِحالة، وبأنه استبعاد يُضْعفه معارضةُ ظاهر الخبر وكون متعلَّقات الأنبياء
مظنة خَرْق العادة ، فلا يكون حينئذ ذلك من طول البقاء وصرف غير الأنبياء عن
النزول تحتها ببعيد ، وذلك واضح فتفَطَّنْ .
قلت : ويؤيد ما ذكره الشيخ عز الدين ما سبق نَقْله عن أَبِى سعد ، وما فى أسباب
(١) القصيدتان على ما يظهر مصنوعتان متكلفتان، وقد رواهما عن إبن إسحق - من رواية يونس بن بكير -
الكلامى فى الاكتفا ٢٠١/١. وابن كثير فى سيرته ٢٦٨/١، ٢٦٩.
- ٢١٨ -

النزول للإِمام الواحدىّ أَن أَبا بكر رضى الله عنه صحب النبيِّ صلى الله عليه وسلم فى سفره
إلى الشام فنزلُوا مَنْزلا فيه سِدْرة، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم فى ظِلِّها وذهب أبوبكر يسأل
عن الدِّين ، فقال له الراهب : الرجل الذى فى ظل الشجرة من هو ؟ . قال : محمد بن عبد الله
ابن عبد المطلب، قال : هذا والُّه نبيّ، ما استظل تحتها أَحدُ بعدَ عيسى بن مريم إلا محمد
ابن عبد الله(١).
وذكر العلماء بالنبات أَن الزيتون قد تُعَمَّر الشجرة منه ثلاث آلاف سنة وما يقارب
ذلك والله تعالى أعلم .
٠
الثانى: قال فى (( النور)) لم أَرَ لميسرة ذِكْرا فى كتب الصحابة، والظاهر أنه توفى قبل
البعثة ولو أدرك النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَّأُسْلم والله تعالى أعلم .
قلت : وذكره الحافظ فى الإصابة فى القسم الأول وقال : لم أقف على رواية صحيحة (٢)
بأنه بقى إلى البعثة فكتبته على الاحتمال .
الثالث : فى بيان غريب ما سبق .
نفيسة : صحابية رضى الله تعالى عنها . مُنْية بميم مضمومة فنون ساكنة فمثناة تحتية
فتاء تأنيث .
أَلحَّت علينا : أَقبلت ودامت . مادة الشىء : ما يُمدّه ويقوِّبه .
"السُّنون : القحوط .
عِيراتها : جمع عير : الإِبل التى تحمل المِيرة .
المُضَارَبة: والمقارضة والقِرَاض بمعنى واحد. سمِّت مُضَاربة لأَن كل واحد منهما
يَضْرب فى الربح بسَهْم . وقيل غير ذلك .
تِجَار - بكسر المثناة الفوقية وتخفيف الجيم ويجوز ضم التاء وتشديد الجيم ، وهما
(١) أسباب النزول الواحدى صفحة ٢٥٤ ( ط الحلبى).
(٢) ت ، م صريحة.
- ٢١٩ -

لغتان: جمع تاجر . ويقال أيضا : تَجْر كصاحب وصحب . والتجارة : تقليب المال
وتصريفه لأجل النماء .
المحاورة : المجاذبة ، والتحاور : التجاذب .
نَسْطورا - بنون مفتوحة فسين ساكنة فطاء مضمومة مهملتين . قال فى النور : وألفه
مقصورة كذا أُحفظه .
مَرّ الظَّهران: بفتح الميم وتشديد الراء وظاء معجمة مُشَالة بلفظ تثنية الظَّهْر : واد
بين مكة والمدينة وتسمِّيه العامة بطنَ مَرْو .
فى ساعة الظَّهِيرة : هى شدة الحر نصفَ النهار ، ولا يقال فى الشتاء ظهيرة . والجمع
ظهائر .
إضمارك : إِخفاؤك .
الحزنَ : بفتح النون مفعول المصدر وهو إضمارك . فادح - بالفاء والدال والحاء
المهملتين أى ثقيل وفى نسخة من الرَّوْض والعيون: بالقاف . قال فى الصِّحاح : القادِح
الصَّدْع فى العود .
نازح : بعيد . وأخبارِ : بفتح الهمزة وخفض الراء معطوف على فرقة وهو جمع
خبر .
خَبِّرت: بفتح الخاء المعجمة مبنى للفاعل ، فَتَاك : أَى غلامك مَيْسرة .
الغَوْر : المطمئن من الأرض . النَّجْد : المرتفع منها .
الصِّحاصح : بصادين وحائين مهملات : جمع صَحْصَح وهو المكان المستوى .
الرِّكاب : بكسر الراء المشددة : الإبل التى يسار عليها ، الواحدة راحلة لا واحد لها من
لفظها ، والجمع الرِّكْب مثل الكَتْب .
دوالج : بالجيم جمع دالج : السائر أول الليل .
الأُباطِح : جمع أَبطّح .
مَسِيل: مُتَّسع فيه دِقَاق الحصى .
- ٢٢٠ -