Indexed OCR Text

Pages 441-460

صَخْن حلوى ، قال : وكان يحضر عنده فى المولد أَعيانُ العلماء والصوفية فيخلع عليهم
ويُطْلق لهم (١) . وكان يَصْرف على المولد فى كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وكانت له دار
ضيافة للوافدين من أى جهة على أى صفة . فكان يصرف على هذه الدار فى كل سنة مائة
ألف دينار وكان يَفْتكّ(٢) من الفرنج فى كل سنة بمائتى ألف دينار، وكان يصرف على
الحرمين والمياه بدرب(٣) الحجاز فى كل سنة ثلاثين ألف دينار، وهذا كله سوى صدقات
السرّ .
وحكت زوجته ربيعة خاتُون بنت أيوب أخت الملك الناصر صلاح الدين أَن قميصه
كان من كِرْباس غليظ لا يساوى خمسة دراهم . قالت : فعاتبته فى ذلك فقال : أَلبس
ثوبًا بخمسة دراهم وأَتصدَّق بالباقى خير من أَن أَلبس ثوبا مثمنا وأَدَع الفقير والمسكين (٤).
وقد أثنى عليه الأئمة، منهم الحافظ أبو شامة شيخ النَّووى فى كتابه (( الباعث على
1
إِنكار البِدَع والحوادث )) وقال: مثل هذا الحسَن يُندب إليه ويُشكر فاعله ويُثْنى عليه .
قال ابن الجوزىّ: لو لم يكن فى ذلك إلا إرغام الشيطان وإدعام أهل الإيمان .
وقال العلامة ابن ظَفَر - رحمه الله تعالى - : بل فى الدرّ المنتظم : وقد عمل المحبون
للنبي - صلى الله عليه وسلم - فرحًا بمولده الولائم - ، فمن ذلك ما عمله بالقاهرة المعزّية
من الولائم الكبار الشيخُ أَبو الحسن المعروف بابن قُفْل قدس الله تعالى سره ، شيخ شيخنا
أبى عبد الله محمد بن النعمان ، وعمل ذلك قبلُ جمال الدين العجمى الهمذانى وممن عمل
ذلك على قدر وسعه يوسف الحجّار بمصر وقد رأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو
يحرِّض يوسفَ المذكور على عمل ذلك .
قال : وسمعت يوسف بن على بن زُرَيْق الشامى الأصل المصرى المولد الحجَّار بمصر
فى منزله بها حيث يعمل مولد النبى (٥) - صلى الله عليه وسلم - يقول: رأيتُ النبيَّ - صلى الله
عليه وسلم - فى المنام منذ عشرين سنة وكان لى أَخ فى الله تعالى يقال له الشيخ أبو بكر
(٢) يطلق لهم: يعطيهم الأموال. يقال: أطلق يده بخير: فتحها. وأطلق الشىء: أعطاه . ( القاموس).
وفى مرآة الزمان : ثم يخلع فيه على الأعيان ويفرق فيه الأموال على أقدارهم .
(٢) ط: يستفك. والمراد يفك أسرى المسلمين لدى الفريج بالمال أو بالمبادلة بأسرى الفريج لدى المسلمين.
(٣) ت م : بدور .
( ٤) مرآة الزمان لسبط ابن الجوزى ص ٦٨٢ .
(٥) ط : مولد رسول الله.
٠
- ٤٤٠ -

الحجَّر فرأيت كأَنى وأبا بكر هذا بين يدى النبى - صلى الله عليه وسلم - جالسين ،
فأَمسك أبو بكر لحية نفسه وفرقها نصفين وذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم- كلامًا لم أفهمه
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مجيبا له: لولا هذا لكانت هذه فى النار . ودار إِلىّ
وقال : لَأَضْربنك. وكان بيده قَضِيب فقلت: لأَى شئ يا رسول الله؟ فقال: حتى لا تُبْطل
المؤْلد ولا السُّنن . قال يوسف : فعملته منذ عشرين سنة إلى الآن. قال: وسمعت يوسفَ
المذكور يقول: سمعت أَخى أبا بكر الحجَّار يقول: سمعت منصورًا النشَّار يقول: رأَيت
النبي - صلى الله عليه وسلم - فى المنام يقول لى : قل له لا يُبْطله . يعنى المولد ما عليك
من أَكل ومن لم يأكل . قال : وسمعت شيخنا أبا عبد الله بن أبى محمد النُّعمان يقول:
سمعت الشيخ أَبا موسى الزَّرْهُونِيّ يقول : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فى النوم
فذكرت له ما يقوله الفقهاء فى عمل الولائم فى المولد فقال - صلى الله عليه وسلم : من
فَرِحِ بنا فرِحْنا به .
وقال الشيخ الإمام العلاّمة نصير الدين المبارك الشهير بابن الطبّاخ فى فتوى بخطه :
إِذا أَنفق المنفِقِ تلك الليلة وجمع جمعًا أَطعمهم ما يجوز إطعامه وأَسمعَهم ما يجوز سماعه
ودفع للمسْمِعِ المشوِّق للآخرة ملبوسا ، كلُّ ذلك سرورا بمولده - صلى الله عليه وسلم - فجميع
ذلك جائز ويُثَاب فاعله إِذ أحسن القصد ، ولا يختص ذلك بالفقراء دون الأغنياء، إِلا أَن
يقصد مواساة الأَحوج فالفقراء أَكثر ثوابا ، نعم إن كان الاجتماع كما يَبْلغنا عن قُرّاءِ(١)
هذا الزمان من أَكْل الحشيش واجتماع المرْدَان وإبعاد القَوَّال إِن كان بلحية وإنشاد المشوِّقات
للشهوات الدنيوية وغير ذلك من الخزى والعياذ بالله تعالى فهذا مجْمع آثام .
وقال الشيخ الإمام جمال(٢) الدين بن عبد الرحمن بن عبد الملك المعروف(٣) بالمخلِّص
الكُتَانى(٤) - رحمه الله تعالى - مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبجَّل مكرَّم، قدّس
يوم ولادته وشرِّف وعظم ، وكان وجوده - صلى الله عليه وسلم - مَبْدأ سبب النجاة لمن
اتبعه وتقليل حظٍّ جهنم لمن أُعِدّ لها لفرحه بولادته - صلى الله عليه وسلم - وتَمَّت بركاتُه
(١) ط : عن فقراء.
(٢) ص ت م : جلال الدين.
(٣) ص ت م : الشهير .
(٤) ص ت م: الكشافى. وما أثبته من ط . والكتانى : نسبة إلى كتانة، ناحية بالمدينة.
- ٤٤١ -
٥٦ - سبل الهدى والرشاد

على من اهتدى به ، فشابَه هذا اليومُ يومَ الجمعة من حيث أن يوم الجمعة لا تُسَعَّر فيه جهنم ،
هكذا ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - فمن المناسِب إظهار السرور وإنفاق الميْسور وإِجابة
من دعاه ربُّ الوليمة للحضور .
وقال الإِمام العلاَّمة ظَهِير الدين جعفر التزْمَنْتِىّ(١) - رحمه الله تعالى - : هذا الفعل لم
يقع فى الصَّدْر الأول من السلف الصالح مع تعظيمهم وحبهم له إِعظامًا ومحبةً لا يبلغ جَمْعُنا
الواحدَ منهم ولا ذرَّة منه ، وهى بدعة حسنة إذا قصد فاعلها جَمْع الصالحين والصلاة على
النبى - صلى الله عليه وسلم - وإطعام الطعام للفقراء والمساكين ، وهذا القَدْر يثاب عليه
بهذا الشرط فى كل وقت ، وأَما جَمْع الرعاع وعمل السَّمَاع والرقص وخلع الثياب على القوَّال
بمُرُوديَّته وحُسْن صوته(٢) فلا يُنْدَب بل يقارِب أَن يُذَمّ ، ولا خير فيما لم يعمله السلف الصالح،
فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يُصْلح آخرَ هذه الأُمة إلا ما أَصلَحِ أَوّلَها)) .
وقال الشيخ نَصِير الدين أيضا : ليس هذا من السُّنَن ، ولكن إِذا أُنْفق فى هذا اليوم
وأُظهر السرور فرحًا بدخول النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الوجود واتخذ السماع الخالى
عن اجتماع المردان وإنشاد ما يثير نارَ الشهوة من العِشْقيات والمشوّقات للشهوات الدنيويّة
كالقَدّ والخَدّ والعَيْن والحاجب، وإنشاد ما يشوِّق إلى الآخرة ويزهِّد فى الدنيا فهذا اجتماعٌ
حسَن يُثَاب قاصد ذلك وفاعله عليه ، إلا أَن سؤال الناس ما فى أيديهم بذلك فقط بدون
ضرورة وحاجة سؤالٌ مكروه، واجتماع الصُّلَحاء فقط ليأكلوا ذلك الطعام وَيَذكروا الله
تعالى ويصلّوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضاعف(٣) لهم القُرُبات والمثوبات.
وقال الإِمام الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأَبى شامة فى كتابه :
(( الباعث على إِنكار البِدَع والحوادث)) قال الربيع: قال الشافعى - رحمه الله تعالى ورضى
عنه : المحدثات من الأمور ضربان : أَحدهما ما أُحدث مما يخالف كتابا أو سُنة أَو أَثرا
أو إجماعا ، فهذه البدعة الضلالة . والثانية : ما أُحْدث من الخير مما لا خلاف فيه لواحد
من هذا فهى محدثة غير مذمومة ، وقد قال عمر - رضى الله تعالى عنه - فى قيام رمضان
نعمت البدعة هذه . يعنى أنها محدثة لم تكن ، وإِذا كانت فليس فيها ردّ لما مضى .
(١) ص ت م: الشربينى. والتزمنى نسبة إلى تزمنت، بلد من أعمال البهنسا بمصر.
(٢) ط : وحسن صورته .
(٣) ط : يضاعف القربات.
- ٤٤٢٠ -

قلت : وإنما كان كذلك لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - حث على قيام شهر رمضان وفعله
هو - صلى الله عليه وسلم - واقتدى به فيه بعضُ أصحابه ليلة أُخرى. ثم تَرَك النبى - صلى الله
عليه وسلم فِعْلها بالمسجد جماعة ، لما فيه من إحياء هذا الشِّعار الذى أَمَرَ به الشارع وفعله
والحثِّ عليه والترغيب فيه . والله تعالى أعلم .
فالبدعة (١) الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها ورجاء الثواب لمن حَسُنت
نيّته فيها ، وهى كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالِف لشئُ منها ولا يَلْزم من
فعله محذور شرعى. وذلك نحو بناء المنابر والرُّبُط والمدارس وخانات السبيل وغير ذلك
من أنواع البِرّ التى لم تُعهد فى الصَّدْر الأول ، فإنه موافق لما جاءَت به الشريعة(٢) من
اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى . ومن أحسن ما ابتُدع فى زماننا هذا من هذا
القَبِيل ما كان يُفعل بمدينة ((إِرْبل)) جبّرها الله تعالى، كلَّ عام فى اليوم الموافق ليوم مولد
النبى - صلى الله عليه وسلم- من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه
من الإحسان إلى الفقراء مُشْعِر بمحبة (٣) النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمه وجلالته فى قلب
فاعله وشكر الله تعالى على ما مَنَّ به من إيجاد رسول (٤) الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله
رحمةً للعالمين- صلى الله عليه وسلم - وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد المَلاّ أحد الصالحين المشهورين
وبه اقتدى فى ذلك صاحب إربل وغيرهم رحمهم الله تعالى .
وقال الشيخ الإمام العلامة صدر الدين مَوْهوب بن عمر الجزَرِىّ الشافعى رحمه الله تعالى:
هذه بدعة لا بأس بها ولا تُكْره البِدَعُ إلا إذا راغمت السُّنة، وأَما إذا لم تراغمها فلا تُكره ،
ويُثَابِ الإِنسان بحسَب قصده فى إظهار السرور والفرح بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم .
وقال فى موضع آخر : هذا بدعة ، ولكنها بدعة لا بأس بها ، ولكن لا يجوز له أن يسأل
الناسَ بل إِنْ كان يَعْلم أَو يغلب على ظنه أن نفس المسئول تّطِيب بما يعطيه فالسؤال لذلك
مباح أرجو أن لا ينتهى إلى الكراهة (٥) .
(١) ط : فالبدع .
(٢) ط: لما جاءت به السنة.
(٤) ط : من إيجاد رسوله .
(٣) ص ت م : مستشعر لمحبة النبى.
(٥) ط : إلى الكراهية.
- ٤٤٣ -

وقال الحافظ - رحمه الله تعالى -: أُصل عمل المولد بِدْعة لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح
من القرون الثلاثة، ولكنهامع ذلك قد اشتملت على محاسن وضِدِّها، فمن(١) تحرَّى فى عمله المحاسن ؛
وتجنّب ضدَّها كان بدعةً حسنة ومن لا فلا. قال: وقد ظهر لى تخريجها (٢) على أصل ثابت، وهوما ثبت
فى الصحيحين من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدِمِ المدينة فوجد اليهودَ يصومون عاشوراءَ فسأَلهم
فقالوا : هذا يومٌ أَغرق الله فيه فرعون وأَنْجَى فيه موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى .
فقال: أَنا أَحقُّ بموسى منكم . فصامه وأمر بصيامه . فيستفاد من فعل ذلك شكراً لله تعالى
على ما منَّ به فى يوم معين من إِسداء نعمة أَو دفع(٣) نقمة ، ويعاد ذلك فى نظير ذلك اليوم
من كل سنة ، والشكر لله تعالى يحصل بأَنواع العبادات والسجود والصيام والصدقة
والتلاوة ، وأَىّ نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الكريم نبيِّ الرحمة فى ذلك اليوم ؟
وعلى هذا فينبغى أن يتحرّى اليومُ بَعْيْنه حتى يطابِقِ قصةً موسى - صلى الله عليه وسلم -
فى يوم عاشوراء ، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالى بعمل المولد فى أى يوم من الشهر ، بل
توسَّع قوم حتى نقلوه إلى أَىّ يوم من السَّنة . وفيه ما فيه .
فهذا ما يتعلق بأصل عمل المولد .
وأَما ما يُعمل فيه فينبغى أن يقتصر فيه على ما يُفْهِم الشكرَ لله تعالى من نحو ما تقدم
ذِكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شىء من المدائح النبوية والزُّهْدية (٤) المحرِّكة
للقلوب إلى فعل الخيرات والعمل للآخرة وأما ما يتْبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك
فينبغى أن يقال ما كان من ذلك مباحا بحيث يتعيَّن السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه
به ، ومهما كان حراما أَو مكروها فيُمْنع وكذا ما كان خلاف الأَوْلى(٥) . انتهى.
وقال شيخ القراء الحافظ أبو الخير ابن الجزَرى(٦) رحمه الله تعالى: قد رُئِى أَبو لهب بعد
موته فى النوم فقيل له : ما حالك ؟ فقال : فى النار إلا أنه يخفَّف عنَى كل ليلة اثنين
وأَمصُّ من بين إِصبعىّ هاتين ماءً بقدر هذا - وأشار لرأسى إصبعيه - وإِن ذلك بإِعتاقى
(١) ص ت م : من تحرى فى عمل المحاسن . وما أثبته من ط.
(٢) كذا فى ط . وفى هامش ص: تحريرها. وفى ت م : تحريها .
(٣) ط : ورفع .
(٤) ص ت م : والزهرية .
(٦) ص ت م : ابن الجوزى . محرفة .
(٥) ص ت م : خلافا للأولى.
- ٤٤٤ -

لُوَيْبة عندما بشَّرتنى بولادة محمد - صلى الله عليه وسلم - وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب
الكافر الذى نزلَ القرآنُ بذَمِّه جُوزى فى النار لفرحه ليلة مولد محمد - صلى الله عليه وسلم -
فما حال المسلم الموحِّد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ببِشْره(١) بمولده وبَذْل ما تصل إليه
قُدْرته فى محبته ؟ لعمْرى إِنما (٢) يكون جزاؤه من الله الكريم أن يُدْخله بفضله جنة النعيم .
وذكر نحوه الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقى - رحمه الله تعالى -
ثم أنشد :
وتَبَّت يداه فى الجحيم مُخَلِّدًا
إذا كان هذا كافرٌ جاءَ ذُّه
يُخَفَّف عنه بالسرور (٣) بأَحمدًا
أتى أنه فى يوم الاثنين دائماً
بأَحمد مسرورا ومات موحِّدًا
فما الظن بالعبد الذى كان عمره
وقال شيخنا - رحمه الله تعالى - فى فتاويه : عندى أن أصل المولد الذى هو اجتماع الناس
وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة فى مبدأ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -
وما وقع فى مولده من الآيات ثم يُمدّ لهم سِمَاط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك
من البدع الحسنة التى يثاب عليها صاحبها ، لما فيه من تعظيم قَدْر النبى - صلى الله عليه
وسلم - وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
قال : وقد ظهر لى تخريجه على أصل آخر غير الذى ذكره الحافظ ، وهو ما رواه
البيهقى عن أنس - رضى الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عَقَّ عن نفسه بعد النبوة
مع أنه ورد أَن جده عبد المطلب عَقَّ عنه فى سابع ولادته ، والعقيقة لاتُعاد مرة ثانية ،
فَيُحْمَل ذلك على أن هذا فعله .- صلى الله عليه وسلم - إظهاراً للشكر على إيجاد الله تعالى إِياه
رحمةً للعالمين وتشريعاً لأُمته - صلى الله عليه وسلم -، كما كان يصلِى على نفسه لذلك،
فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده - صلى الله عليه وسلم - بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو
ذلك من وجوه القُربات والمسرّات .
وقال فى شرح سُنّن ابن ماجه : الصواب أنه من البدع الحسنة المندوبة إذا خلاً عن
المنكرات شرعا . انتهى .
(١) ص ت م : يبشر .
(٣) ط : السرور.
(٢) ص ت م : أن يكون .
- ٤٤٥ -

ويرحم (١) الله تعالى القائل :
لِمَوْلد خير العالمين جلالُ
فيا مُخْلِصا فى حق أحمد هذه
فحقَّ علينا أن نعظِّم قدره
فُنُطْعِم محتاجا ونكسوَ عارياً
فتلك فِعَال المصطفى وخلاله
لقد كان فعل الخيرِقُرّةِ عَيْنه.
والقائل أيضاً :.
لقد غَشِىَ الأَكوانَ منه جمال
لَيالٍ بدًا فيهن منه ھلالُ
فَتَحْسِنْ أَحوالٌ لنا وِفِعَال
ونَرْفِدَ مَن أَضْحَى لَدیْه عیال
وحَسْبك أفعالٌ له وخِلَالُ
فليس له فيما سِواه مجَالُ .
بك راحةُ الأَرواح والأجسادِ
يا مَوْلد المختار أَنت ربيعُنا.
يا مَوْلداً فاق الموالدَ كلَّها
شَرفاً وسادَ بسيِّد الأسيادِ
يعتاد فى ذا الشهر كالأعيادِ
لازال نُورك فى البريَّةِ ساطعاً
بسماع ما نَرْويه فى الميلادِ
فى كل عام للقلوب مَسرَّةٌ
. شَوْقا إليه حضورَ ذا الميعادٍ.
فلذاك يشتاق المحبّ ویشتھی
٠ ٠٠
وزعم الإِمام العلامة تاج الدين الفاكهانى المالكى - رحمه الله تعالى - أن عمل المولد بِدْعق
مذمومة وأَلَّف فى ذلك كتاباً قال فيه : الحمد لله الذي هدانا لاتباع سيد المرسلين ، وأَيَّدنا
بالهداية إلى دعائم الدِّين، ويسَّر لنا اقتفاء آثار السلف(٢) الصالحين، حتى امتلأَّت قلوبنا
بأنواع عِلْم الشرع وقواطع الحق المبين، وطهَّر سرائرنا مِن حدَث الحوادث والابتداع
فى الدين. أَحمده على ما مرَّبه من أنوار اليقين، وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل
المتين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - عبده
ورسوله سيد الأولين والآخرين . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين
صلاةٌ دائمة إلى يوم الدين .
أما بعد : فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذى يعمله بعضُ الناس
(١) ط : ورحم.
(٢) كذا فى ط . وفى ص ت م : اتباع السلف الصالحين.
- ٤٤٦ -

فى شهر ربيع الأول ويسمونه المَوْلد : هل له أَصلٌ فى الشرع أو هو بِدْعة حدثت فى الدين ؟
وقصدوا الجواب عن ذلك مُبيّنا والإِيضاحَ عنه معيَّنا. فقلت وبالله التوفيق: ما أَعْلِمٍ(١)
لهذا المولد أَصلاً فى كتاب ولا سُنة، ولا يُنْقل عملُه عن أَحد من علماء الأُمة ، الذين هم
القُدْوة فى الدين المتمسّكون(٢) بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أَحدثها البطَّالون، وشهوة
نفس اعتنى بها الأَكَّلون، بدليل أَنا أَدَرْنا عليه(٣) الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون
واجباً ، أَو مندوباً، أَو مُبَاحاً، أَو مكروها أَو محرَّماً . وليس بواجب إجماعاً ، ولا مندوبا ،
لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذمٌّ على تَرْكه ، وهذا لم يَأُذن فيه الشرع ولا فعله
الصحابة ولا التابعون المتديّنون فيما علمت . وهذا جوابى عنه بين يدى الله تعالى إِن عنه
سئلت . ولاجائز أن يكون مباحاً لأَن الابتداع فى الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين ،
فلم يَبْق إِلا أَن يكون مكروها أَو حراماً وحينئذ يكون الكلام فيه فى فصلين والتفرقة
بين حالين : أحدهما : أَن يعمله رجل من عَيْن ماله لأَّهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون
ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئاً من الآثام فهذا(٤) الذى وصفناه بأنه بدعة
مكروهة وشناعة إذ لم يفعله أحد من متقدِّى أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإِسلام وعلماء
الأَنامِ سُرُج الأزمنة وزَيْن الأمكنة .
والثانى : أن تدخله الجناية وتَقْوى به العناية حتى يعطى أحدهم الشىء ونفسه تَتْبعه
وقلبه يؤلمه ويوجعه لمَا يجد من ألم الحَيْف، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: أَخْذ المال
بالحياء كأخذه بالسيف، لاسيّما إن انضاف إلى ذلك شىء من الغناء من البطون الملأى بآلات
الباطل (٥) من الدُّفوفِ والشَّبَّابَاتِ واجتماع الرجال مع الشباب المُرْد والنساء الغانيات(٦)
إما مختلطات بهن أَو متشرِّفات(٧) والرقص بالتثنِّى والانعطاف والاستغراق فى اللهو ونسيان
يوم المخاف ، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالنَّهنيك والنِّطْريب
(٢) ط : المستمسكون .
(١) ط : لا أعلم .
(٣) مت ط : عليها .
(٤) الأصل : وهذا .
(٥) كذا فى ط . وفى ص ت م: من الغناء والإطراء بالملاهى بآلات الباطل.
(٦) ط: والنسج الفاتنات.
(٧) ص ت م : أو مشرفات . وما أثبته من ط .
- ٤٤٧ -
۔
:

٠
فى الإنشاد والخروج فى التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد ، غافلات عن قوله تعالى :
((إِن رَبَّك لَبِالمرْصاد (١))) وهذا الذى لا يختلف فى تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذو المروعة
الفتيان، وإِنما يحلو(٢) ذلك بنفوس مَوْقَى القلوب وغير المسْتقيلين من الآثام والذنوب ،
وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأُمور المنكَرات المحرَّمات (٣). فإنا لله وإنا إليها
راجعون ، بدأَ الإِسلام غريباً وسيعود كما بدَأَ! ولله درّ شيخنا القُشَيْرى رحمه الله تعالى
حيث يقول فيما أَجازَناه :
معروف فى أَيامنا الصَّعْبَهْ
قد عُرف المنكَر واستُنْكر الـ
وصار أَهلُ الجهل فى رُتْبه
وصار أَهلُ العلم فى وَهْدَةٍ
سادوا (٤) به فيما مضى نسبه
حادوا عن الحق فما للذى
والدِّين لما اشتدّت الكُرْبه
فقلت للأبرارِ أَهلِ التّقَى
نَوْبتكم فى زمن الغُربه !
لا تُنكروا أحوالكم قد أتتْ
ولقد أحسن الإِمام أَبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى حيث يقول : لا يزال الناس
بخير ما تعجِّب من العجب ! .
هذا مع أن الشهر الذى ولد فيه - صلى الله عليه وسلم - وهو ربيع الأول هو بعينه
الشهر الذى توفى فيه ، فليس الفرح بأَوْلىَ من الحزن فيه . وهذا ما علينا أن نقول ومن
الله تعالى نرجو حسن القبول .
هذا جميع ما أَوره الفاكهانى - رحمه الله تعالى - فى كتابه المذكور .
وتعقّبه الشيخ - رحمه الله تعالى - فى فتاويه فقال: أَمّا قوله: لا أَعلم لهذا المولد أصلاً
فى كتاب ولا سُنَّة فيقال عليه : نَفْى العلم لا يَلْزم منه نَفْى الوجود ، وقد استخرج له
إِمام الحفاظ أبو الفضل بن حجَر أصلاً من السنة واستخرجتُ أَنا له أصلا ثانيا . قلت :
وتقدم ذِكرهما .
وقوله بل هو بدعة أَحدثها البطَّالون إلى قوله: ((ولا العلماء المتدينون)) يقال عليه :
(١٠) سورة الفجر ١٤.
(٣) ص ت م : المحسوسات .
(٢) ص ت م : وإنما يحل.
(٤) ط : ساروا به .
- ٤٤٨ -

إِنما (١) أَحْدَثه ملك عادل عالِمٍ وقصدَ به التقرّبَ إِلى الله تعالى ، وحضر عنده فيه العلماء
والصُّلَحاء من غير نَكِير منهم. وارتضاه ابن دِحْية - رحمه الله تعالى - وصنف له من أجله
كتابا ، فهؤلاء علماء متديّنون رَضُوه وأَفرّوه ولم ينكروه .
وقوله: ((ولا مندوباً لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع)) يقال عليه : إِن الطلب
فى المندوب تارةٌ يكون بالنصّ وتارة يكون بالقياس ، وهذا وإِن لم يرد فيه نص ففيه
القياس على الأصلين الآتى ذكرهما .
وقوله: ((ولا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع فى الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين))
كلام غير مستقيم لأن البدعة لم تنحصر فى الحرام والمكروه ، بل قد تكون أيضا مباحة
ومندوبة وواجبة. قال النووي - رحمه الله تعالى - فى (( تهذيب الأسماء والُّلغات: البِدْعة
فى الشرع : هى ما لم يكن فى عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهى منقسمة إلى حسَنة
وقبيحة . وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله تعالى - فى القواعد : البدعة
منتمسمة إلى واجبة وإلى محرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة . قال : والطريق فى ذلك أن
نَعْرض البدعة على قواعد الشَّرْع، فإِذا دخلت فى قواعد الإِيجاب فهى واجبة ، أَو فى قواعد
التحريم فهى محرَّمة، أَو الندب فمندوبة ، أَو المكروه فمكروهة أَو المباح فمباحة ، وذكر
لكل قسم من هذه الخمسة (٢) أمثلة منها: إِحداث الرُّبُط والمدارس وكل إِحْسَان لم يُغْهَدِ
فى العصر الأول . ومنها التراويح والكلام فى دقائق التصوّف وفى الجدَل ومنها جَمْع المحافل
للاستدلال فى المسائل إن قُصد بذلك وجه الله تعالى .
وروى البيهقى بإسناده فى ((مَنَاقب الشافعى)) عن الشافعى - رحمه الله تعالى ... ورضى عنه قال:
المحدثات من الأمور ضربان: أَحدهما ما أُحدث مما يخالف كتاباً أَو سُنةً أَو أَثْرًا أَو إِجماعًا فهذه
البدعة الضلالة والثانى: ما أُحدث من الخير لاخِلاَف فيه لواحد من هذا. وهذه مُحْدَثَة غير مذمومة .
وقد قال عمر - رضى الله تعالى عنه - فى قيام شهر رمضان : نِعمتْ البدعة هذه . يعنى أنها
محدَثة لم تكن وإذا كانت ليس فيها ردًّ لما مضى. هذا آخر كلام الشافعى ، فَعُرف بذلك
منع قول الشيخ تاج الدين: ((ولا جائز أن يكون مُبَاحا)) إلى قوله: ((وهذا الذى وصفناه
(١) ص ت م : إنه أحدثه .
(٢) ص ت م : من هذه الجملة.
- ٤٤٩ -
٥٧ - سبل الهدى والرشاد

بأنه بدعة مكروهة)) الخ لأَن هذا القسم مما أُحدث وليس فيه مخالفة لكتاب ولا سُنّة
ولا أَثر ولا إِجماع ، فهى غير مذمومة كما فى عبارة الشافعى وهو من الإِحسان الذىهه
لم يُعهد فى العصر الأول ، فإِن إِطعام الطعام الخالى من اقتراف الآثام إِحسان ، فهو من البدغ
المندوبة كما فى عبارة ابن عبد السلام .
وقوله : والثانى الخ هو كلام صحيح فى نفسه غير أن التحريم فيه إنما جاءً من قِبَل
هذه الأَشياء المحرَّمة التى ضُمت إِليه ، لا من حيث الاجتماع لإظهار شعائر المولد ، بل لو
وقع مثل هذه الأمور فى الاجتماع لصلاة الجمعة مثلا لكانت قبيحة شنيعة ، ولا يلزم من
ذلك تحريم(١) أَصل الاجتماع لصلاة الجمعة وهو (٢) واضح. وقد رأينا بعض هذه الأمور
تقع فى ليال من رمضان عند اجتماع الناس لصلاة التراويح فلا تَحْرُم التراويح لأجل هذه
الأمور التى قُرنت بها ، كلا بل نقول: أَصْل الاجتماع لصلاة التراويح سُنّة وقُرْبة وما ضُمّ
إِليها من هذه الأمور قبيحٌ شنيع ، وكذلك نقول: أَصل الاجتماع لإظهار شعائر المَوْلد
مندوبٌ وقُرْبة. وما ضُمَّ إِليه من هذه الأمور مذموم وممنوع. وقوله مع ((أن الشهر الذى وقع فيه))
الخ. جوابه أن يقال: إِن ولادته - صلى الله عليه وسلم - أعظم النعم علينا ووفاته أعظم
المصائب لنا، والشريعة حثَّتْ على إظهار شكر النِّعَم والصبر والسُّكون(٣) والكتم عند المصائب.
وقد أَمر الشرع بالعقيقة عند الولادة وهى إظهار شكر وفرح بالمولود ولم يأمر عند الموت بذبح
ولا غيره ، بل نهى عن النِّياحة وإظهار الجزع ، فدلَّت قواعد الشريعة على أنه يحسن فى هذا
الشهر إظهار الفرح بولادته - صلى الله عليه وسلم - دون إظهار الحزن فيه بوفاته - صلى
الله عليه وسلم - وقد قال ابن رجب رحمه الله تعالى - فى كتاب ((اللطائف)) فى ذمّ الرافضة
حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتما لأَجل قتل الحسين - رضى الله تعالى عنه - لم يأمر الله تعالى
ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً فكيف بمن هو دونهم؟
وقد تكلم الإمام أبو عبد الله بن الحاجّ - رحمه الله تعالى - فى كتابه ((المدْخَل)) على
عمل المولد فأَتقن الكلام فيه جدا وحاصله : مَدْح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر ،
(١) ط: ولا يلزم من ذلك ذم أصل الاجتماع. وما أثبته من ص
(٢) ط : كما هو واضح.
(٣) ت م : والسكوت .
- ٤٥٠ -

وذُمُّ ما احتوى عليه من محرَّمات ومنكرات . وأنا أَسوق كلامه فصلاً فصلاً . قال : فصل
فى المولد(١): ومن جملة ما أَحْدثوه من البدَع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار
الشعائر(٢) ما يفعلونه فى شهرربيع الأول من المولد وقد احتوى ذلك على بدع ومحرَّمات جملة .
فمن ذلك : استعمال المَغَانى ومعهم آلات الطرب من الطَّار المُصَرْصِر(٣) والشَّبَّابة
وغير ذلك مما جعلوه آلةً للسماع ومضوا (٤) فى ذلك على العوائد الذَّميمة فى كونهم يَشْغلون
أكثر الأَزمنة التى فضَّلها الله تعالى وعظَّمها ببدع ومُحْدثات ، ولا شك أن السماع فى غير هذه
الليلة فيه ما فيه، فكيف به إِذا انضمَّ إِلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذى فضله الله تعالى
وفضلنا فيه بهذا النبى الكريم الذى مَنَّ الله علينا فيه بسيّد الأَوَّلين والآخرين، وكان يجب أن
يُزداد(٥) فيه من العبادة والخير شكراً للمولى على ما أَوْلَانا به من هذه النِّعم العظيمة
وإِن كان النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات .
وما ذاك إلا برحمته- صلى الله عليه وسلم - لأمته ورفقه بهم لأَنه - صلى الله عليه وسلم- كان يَتْرك
العمل خشية أن يُفرض على أُمته رحمةً منه بهم ، لكن أَشار - صلى الله عليه وسلم - إِلى فضيلة
هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذى سأَلُه عن صوم يوم الاثنين: ((ذاك يومُ ولدتُ فيه))
فتشريف هذا اليوم متضمن تشريف (٦) هذا الشهر الذى ولد فيه فينبغى أن نحترمه حق
الاحترام ونفضِّله بما فضَّل الله تعالى به الأَشهر الفاضلة وهذا منها، لقوله .. صلى الله عليه وسلم -.
(أَنا سيِّد ولد آدم ولا فخر، آدمُ فمَنْ دُونَه تحت لوائى)) وفضيلة الأزمنة والأمكنة
بما خصَّها الله تعالى به من العبادات التى تفعل فيها، لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تَشْرُف
لذاتها . وإِنما يجعل التشريف بما خُصَّت به من المعانى .
فانظر إلى ما خصَّ الله به هذا الشهر الشريف ويوم الاثنين، ألا ترى أن صوم هذا اليوم
فيه فضلٌ عظيم لأَنه - صلى الله عليه وسلم - ولد فيه ؟
فعلى هذا ينبغى إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يكرّم ويعظّم ويُحْترم الاحترام اللائق
(١) كذا فى ط موافقا للمدخل ٢٦١/١ وفى بقية النسخ: فى فصل المولد .
(٢) ط : وإظهار الشرائع .
(٣) المصرصر: الشديد الصوت. والشبابة: آلة موسيقية.
(٤) ت م : ونصوا .
(٥) المدخل : أن يزاد فيه .
(٦) ط : لتشريف .
- ٤٥١ -

به، اتباعًا له - صلى الله عليه وسلم- فى كونه كان يخصُّ الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البرّ
فيها وكثرة الخيرات .. ألا ترى إلى قول ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما: ((كان رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - أَجْودَ الناس بالخير، وكان أجود ما يكون فى رمضان)) فنَمْتثل (١)
تعظيم الأوقات الفاضلة بما امتثله على قدر استطاعتنا .
فإن قال قائل: قد التزَم - صلى الله عليه وسلم - فى الأوقات الفاضلة ما التزمه فى غيره
فالجواب : أَن ذلك لِمَا عُلِمٍ من عادته الكريمة أنه(٢) يريد التخفيف عن أمته سيما فيما
كان يخصه ، أَلا ترى إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - حرَّم المدينة مثلَ ما حرَّم إبراهيمُ مكة،
ومع ذلك لم يَشْرع فى قتل صيده ولا شجره الجزاء تخفيفاً على أمته ورحمة بهم ، وكان
ينظر إلى ما هو من جهته وإِن كان فاضلاً فى نفسه فيتركه للتخفيف عنهم .
فعلى هذا : تعظيمُ هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات
إلى غير ذلك من القُربات ، فمن عجَز عن ذلك فأَقلُّ أَحواله أَن يجتنب ما يحرَّم عليه
ويُكْره له تعظيما لهذا الشهر الشريف ، وإن كان ذلك مطلوباً فى غيره إِلا أَنه فى هذا الشهر
أكثر احتراما، كما يتأَكَّد فى شهر رمضان وفى الأشهر الحُرم فيترك الحدث فى الدِّين
ويجتنب مواضع البديغ وما لا ينبغى .
وقد ارتكب بعضهم فى هذا الزمان ضدَّ هذا المعنى، و[هو ](٣) أَنه إِذا دخل هذا الشهر
الشريف تسارعوا فيهَ إِلى اللهو واللعب بالدُّفّ والشبابة وغيرهما .
وياليتهم عملوا المغانى ليس إلا، بل يزعم بعضهم أنه يتأَدّب فيبدأ المولد بقراءة
الكتاب العزيز وينظرون إِلى من هو أكثر معرفة بالتهوُّك(٤) والطُرق المهيِّجة لطرب النفوس،
وهذا فيه وجوهٌ من الفساد(٥).
ثم إنهم لم يقتصروا على ماذُكر، بل ضمَّ بعضهم إلى ذلك الأَمرَ الخطِر، وهو أن يكون
المغنىِّ شابًّا نظيف الصورة حسَن الصوت والكُشْوةَ والهيئة، فينشد التغزُّل ويتكسَّر فى صوته
(١) الأصل: فيمتثل. وما أثبته من المدخل لابن الحاج ٢٦٢/١.
(٣) من المدخل ٢٦٢/١.
(٢) ص ت م : أن يريد .
(٤) فى ط: بالهتوك وفى ص ت م: بالنهوك. وفى المدخل لابن الحاج ٢٦٣/١: بالحنوك. ولعل ما أثبته
هو الصواب، لأن التهوك : ركوب الذنوب والخطايا، أو هو الوقوع فى الشىء بغير مبالاة. اللسان ٤٠٠/١٢.
(٥) فصل ابن الحاج وجوه هذا الفساد فى المدخل ٢٦٣/١.
- ٤٥٢ -

وحر كاته ، فيفتن بعضَ من معه من الرجال والنساء ، فتقع الفتنة فى الفريقين وبثُور
من الفساد ما لا يُحصَى .
وقد يؤول ذلك فى الغالب إلى إِفساد(١) حال الزوج وحال الزوجة ويحصل الفراق(٢)
والنكَد العاجل ويتشَّت أمرهم بعد جمعهم وهذه المفاسد مركَّبة على فعل المولد إذا عُمل
بالسماع. فإِن خَلَا منه وعمل طعامًا فقط ونَوى به المَوْلدَ ودعا إليه الإِخوانِ وسَلِمٍ من كل
ما تقدَّم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط لأن ذلك زيادة فى الدين ، وليس من عمل السلف
الماضين، واتباع السلف أَوْلَى ولم يُنقل عن أحد منهم أنه نوَى المولد ونحن تبع فيسَعنا
ما يسعهم (٣) . انتهى .
وحاصل(٤) ما ذكره : أَنه لم يدمّ الموْلِدَ بل ذَّ ما يحتوى عليه من المحرَّمات والمنكرات ،
وأول كلامه صريح فى أنه ينبغى أَن يُخصَّ هذا الشهر بزيادة فعل البرّ وكثرة الخيرات
والصدقات وغير ذلك من وجوه القربات ، وهذا هو عمل المولد الذى استحسنَّاه ، فإِنه
ليس فيه شىء سوى قراءة القرآن وإطعام الطعام وذلك خيرٌ وبرّ وَقُرْبة .
وأما قوله آخرا: إِنه بدعة: فإما أن يكون مناقضا لما تقدَّم، أو أنه يُحمل على أنه
بدعة حسنة ، كما تقدم تقريره فى صدر الباب ، أَو يُحْمل على أن فعل ذلك خيرٌ والبدعة
منه نيّة المولد كما أشار إليه بقوله: ((فهو بدْعة بنفس نيته فقط ، ولم ينقل عن أحد
منهم أَنه نوَى المولد )) فظاهر هذا الكلام أنه كره أَن يُنْوَى به المولد فقط ولم يكره عمل
الطعام ودعاء الإِخوان إليه . وهذا إذا حقِّق النظر لا يجتمع مع أول كلامه لأنه حثَّ فيه
على زيادة فعل البر وما ذكر معه على وجه الشكر لله تعالى إِذ أَوْجَد فى هذا الشهر الشريف
سيدَ المرسَلين- صلى الله عليه وسلم - وهذا هو معنى نية المولد. فكيف يذم هذا القَدْر مع الحث
عليه أولاً ؟!
وأَما مجرد فعل البرّ وما ذكر معه من غير نية أصلاً فإنه لا يكاد يُتصوّر، ولو تصوّر
لم يكن عبادة ولا ثواب فيه، إذ لا عمل(٥) إِلا بنية، ولا نية هنا إلا الشكر لله تعالى على
(١) ط : إلى فساد.
(٣) ط : ما وسعهم.
(٥) ص ت م : إذ لا يعمل.
(٢) ص ت م : ويحصل الفرقة .
(٤) ط : وحاصله : أنه لم يذم.
- ٤٥٣ -

ولادة هذا النبى الكريم - صلى الله عليه وسلم - فى هذا الشهر الشريف ، وهذا معنى نية ".
المولد فهى نية مُستحسَنة بلا شك . فتأَمَّلْ .
ثم قال ابن الحاج : ومنهم من يفعل المولد لا لمجرد التعظيم ، ولكن له فضة عند الناس
متفرقة كان قد أعطاها فى بعض الأفراح أَو المواسم ويريد أن يستردّها ويستحبى أن يطلبها
بذلك ، فيعمل المولد حتى يكون سببا لأخذ ما اجتمع له عند الناس وهذا فيه وجوه من
المفاسد : أنه يتصف بصفة النفاق ، وهو أَن يُظْهر خلافَ ما يُبْطِن، وظاهر حاله أَنه عمِل
المُوْلدَ يبتغى به الدار الآخرة ، وباطنهُ أَنه يجمع فيه فضةً. ومنهم من يعمل المولد لأَجل
جمع الدراهم أو طلب ثناء الناس عليه ومساعدتهم له، وهذا أيضًا فيه من المفاسد ما (١)
لا يخفى . انتهى .
وهذا أيضًا من نَمط ما تقدم ذِكره ، وهو أَن الذم فيه إنما حصل من عدم النيّة
الصالحة ، لا من أصل عمل المولد . انتهى ما أوردته من كلام الشيخ رحمه الله تعالى .
(١) ص ت م: كما لا يخفى .
- ٤٥٤ -

جَمَاع أَبُوابُ رِضَاعِهِ صَّ الّهُ عَلَيْهِ وَسَلّ
وَزَادَهُ شَرَّفَا وَفَضَلَا

1

الباب الأول
فى مراضعه صلى الله عليه وسلم
جملة من قيل إِنهن أَرضعنه صلى الله عليه وسلم عشر نسوة .
الأُولى: أُمّه صلى الله عليه وسلم أَرضعتْه سبعة أيام . ذكر ذلك جماعة منهم صاحب
الموْرِدِ والغُرر .
الثانية : ثُوَيْبة بضم الثاء المثلثة وفتح الواو وسكون المثناة التحتية بعدها باء موحدة
أرضعته بلبن ابنها مَسْروح بفتح الميم وسكون السين المهملة ثم راء مضمومة وآخره حاء
مهملة . قال ابن مندة: اختلف فى إسلامها وقال أبو نعيم لا نعلم (١) أَحدًا ذكَر إِسلامَها
إِلا ابن مِنْدَة. قال الحافظ: وفى باب من أَرضع النبيَّ صلى الله عليه وسلم من طبقات ابن
سعد ما يدل على أنها لم تُسْلم ، ولكنه لا يدفع نقل ابن مَنْدَة به . انتهى .
وقال ابن الجوزى رحمه الله تعالى : لا نعلم أنها أَسلمت . وقال الحافظ : لم أَقف فى
شىء من الطرق على إسلام ابنها مسروح وهو محتمل . انتهى .
فأَرضعته صلى الله عليه وسلم أيامًا حتى قدِمِتْ حَلِيمة ، وكانت تُوَيْبة أَرضعت قبلَه
حمزة وبعده أَبا سلمة بن عبد الأَسد ، وكانت مَوْلاة أَبى لهب .
روى عبد الرزاق والإسماعيلى والبخارى فى كتاب النكاح فى باب ((وأمهاتكم اللاتى
أَرضعنكم)) عن عروة: ثويبة مولاة أَبى لهب ، كان أبو لهب أَعتقها فأَرضعت النبيَّ صلى
الله عليه وسلم ، فلما مات أبو لهب أُرِيه بعضُ أَهلِه بشرّ حِيبَة فقال له : ماذا لقيتَ ؟ قال
أبو لهب : لم أَلْق بعدكم. زاد عبد الرزاق: راحة. ولفظ الإسماعيلى: لم أُلق بعد رخاءً
وحذف المفعول فى جميع روايات البخارى. ((غير أنى سُقيتُ فى هذه )) زاد عبد الرزاق -
وأشار إلى النقْرة التى تحت إبهامه بعَتَاقتى تُويْبةٍ(٢)
(١) ص ت م: لا أعلم .
(٢) صحيح البخارى ٢٠٢/٣ (ط الأميرية)، وطبقات ابن سعد ٦٧/١ (القسم الأول).
- ٤٥٧ -
٥٨ - سبل الهدى والرشاد

وذكر السهيلى وغيره أن الرائى له أَخوه العباس ، وكان ذلك بعد سنةٍ من وفاة أَبى
لهب بعد وقعة بدر : أَن أَبا لهب قال للعباس ؛ إنه ليُخفَّف علىَّ فى يوم الاثنين . قالوا :
لأَّنه لما بشرتْه ثُوَيْبَة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أَعتقها من ساعته ،
فجوزى بذلك لذلك .
قال فى الغُرر: واختلفوا متى أَعتقها . فقيل: أَعتقها حين بشَّرتْه بولادة رسول الله
صلى الله عليه وسلم . وهو الصحيح . وقيل إن خديجة سألت أبا لهب فى أَن تبتاعها منه
لتعتقها (١) فلم يفعل. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أعتقها أَبو لهب.
وهو ضعيف. انتھی
وقال الحافظ : واستدل بهذا على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح فى الآخرة ، وهو
مردود بظاهر قوله تعالى : ((وقدِمْنا إلى ما عَمِلوا من عَمل فجعَلْناهُ هَبَاءٍ منثورا(٢))) لا سيما
والخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدَّثه به . وعلى تقدير أَن يكون موصولا فلا 4
يحتجّ به. إِذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعى ، لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبى
صلى الله عليه وسلم مخصوصا من ذلك ، بدليل التخفيف عن أبى طالب المروى فى الصحيح .
قلت : وعلى هذا الاحتمال جرى جَمْع كما ما سَبق، نُقل ذلك عنهم . قال البيهقى :
ما ورد من بُطْلان الخَيْر للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلّص من النار ولا دخول الجنة ،
ويجوز أَن يُخَفّف عنهم من العذاب الذى يَسْتوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سِوى
الكفر ، بما عملوه من الخيرات .
وأَما عِيَاض رحمه الله تعالى فقال : انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم
ولا يُثَابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب ، وإن كان بعضهم أَشدَّ عذابا من بعض ، قال
الحافظ : وهذا لا يردّ الاحتمال الذى ذكره البيهقى ، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق
بذَنْب الكُفْر ، وأَما ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه .
وقال القُرْطبي رحمه الله تعالى : هذا التخفيف خاص بهذا أو بمن ورَد النصُّ فيه .
(١) ص ت م: فى أن يبتاعها منه ليعتقها، محرفة.
(٢) سورة الفرقان ٢٣.
- ٤٥٨ -

وقال ابن المُنَيّر رحمه الله تعالى فى الخامسة(١): هما قضيتان(٢) إِحداهما محال،
وهى اعتبار طاعة الكافر مع كفره ، لأَن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح ، وهذا مفقود
من الكافر . الثانية : إِثبات ثواب على بعض الأعمال تفضلا من الله تعالى وهذا لا يُحيله
العقل ، فإِذا تقرر ذلك لم يكن عِثْقَ أَبِى لهب لتُوَيْبَة قُرْبَة معتبرة ، ويجوز أن يتفضل
الله تعالى عليه بما شاءً كما تفضل على أبى طالب ، والمتبع فى ذلك التوقيف نفيًا وإثباتا .
وقال الحافظ : وتتمة هذا أن يقع التفضّل(٣) المذكور إكراما لمن وقع من الكافر
البرّ له ونحو ذلك .
حِيبة : بحاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة وفى لفظ عند السُّهيلى بالخاء
المعجمة المفتوحة .
عَتَاقتى : بفتح العين المهملة : أَحد مَصادر عتق العبدُ الذى هو فعل لازم وإنما عبِّر
فى هذا الحديث بالعتاقة دون الإعتاق وإِن كان المناسب الإعتاق لأنها أَثره : فلذلك أضافها
إلى نفسه بقوله : عتاقى . قاله الترمذى فى شرح العمدة .
النُّقْرة : قال ابن بطال رحمه الله تعالى : يعنى أن الله سقاه ما فى مقدار نقرة إبهامه
لأَّجل عتق ثُوَيْبَة. كما ذكر فى حديث أبى طالب أَنه فى ضَحْضَاح من نار لا فى النار،
بسبب حفظه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بخلاف أبى لهب فإنه كان يؤذيه فكان نصيبه
من الرفق والرحمة دون أَبى طالب . قال غيره : أَراد بالنقرة التى بين إبهامه وسبابته إذا
مد إبهامه فصار بينهما نقرة(٤) يُسقى من الماء بقدر ما يسع تلك النقرة نقل ذلك فى غَرِيبَى
الهَرَوىّ (٥) .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخديجة يُكْرمان ثُوَيْبة و كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يبعث إليها من المدينة بكسوة وصِلّة حتى ماتت بعد فتح خيبر، فسأل عن
ابنها مَسْروح فقيل قد مات فسأل عن قرابتها فقيل لم يبق منهم أحد .
(١) كذا بالأصول ، ولعله يريد الخامسة من أمهاته من الرضاع .
(٢) ص ت م : هما قصتان .
(٣) ص ت م : أن يقع التفصيل.
. (٤) ص ت م: فصارت بينهما قوة، محرفة .
(٥) يريد كتاب ((الغريبين)» الهروى فى غريب القرآن والحديث.
- ٤٥٩ -
٠