Indexed OCR Text

Pages 381-400

الغاية من العمر قبضه الله، وعاش مائتى سنة وعشرين(١) سنة قال السهيلى: وفى زمنه كان
بَدْءُ عبادة الأصنام(٢).
ابن قينن
قَيْنن : بقاف مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فنونين الأولى منهما مفتوحة وزن جَعْفر
ويقال قينان بالأَلف (٣) قال فى التيجان : قينان عبرانى وتفسيره باللسان العربى مستوى(٤)
واسمه فى الإِنجيل قانيان وتفسيره بالعربى عيسى. وهو وصى أَبيه. وخليفته . وقام بحق
الله تعالى ، وبلغ من العمر مائة سنة وعشرين سنة قال فى النَّور : قال بعض مشايخى
إِن قينان هو الذى بنى أنطاكية .
ابن يانش
يانَش : بمثناة تحتية فنون مفتوحة فشين معجمة . ويقال أنوش بفتح الهمزة وضم
النون . قال فى التيجان: هو باللسان السريانى: إِنوش بكسر الألف وتفسيره باللسان العربى
صادق. وهو ولِيَ [أَمرَ](٥) الله تعالى فى الأرض فعمل بطاعة الله حتى بلغ من العمر تسعمائة
وخمسين سنة . قال السهيلى : وهو أول من غرس النخلة وبوَّب الكعبة وبذر الحبة (٦).
وقال أَبو الحسن بن الأشرف أبى العباس أحمد بن القاضى الفاضل رحمه الله تعالى أَول
من زرع الحبة آدم ، فإِنه كان يحرث ويزرع قال الجوانى: وأَمه لبود بنت آدم وله
إِخوة بنون وبنات انقرضوا .
ابن شيث
شيث : بشين معجمة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فثاء مثلثة ويقال فيه شياث بإمالة
الشين وبالصرف فيهما ويقال بلا صرف. ويقال فيه شَيّث بفتح الشين وتشديد الياء
بلا صرف وتفسيره هِبَة الله ويقال عطية الله . وقال ابن هشام : نُصب لأَن عليه وعلى
ذريته نُصبت الدنيا، وكان أجمل ولد آدم وأفضلهم وأَشْبَههم به وأَحبَّهم إليه، وكان
(١) التيجان ص ٢١.
(٣) ص ، ت، م : بألف.
(٥) التيجان ص ٢١.
(٢) الروض ١٠/١.
(٤) فى التيجان : مشترى .
(٦) الروض ١٠/١
- ٣٨٠ -

وصىَّ أَبيه وولىَّ عهده، وهو أَبو البشر كلهم ، وإِليه انتهت أَنساب الناس ، وعاش تسعمائة
سنة وإِثنتي عشرة سنة .
ابن آدم
آدم صلى الله عليه وسلم: يكنى أبا البشر وآدم والخليفة. فأَّما آدم فقيل إنه سريانّ
وهو عند أهل الكتاب آدام بإِشباع فتحة الدال بوزن خاتام ، ووزنه فاعال وامتُنع من
الصرف للعُجْمة والعلمية . وقال الثعلبى : التراب بالعبرانية آدام فسمى به آدم ، وحذفت
منه الألف الثانية وقيل هو عربى ، وجزم به الجوهرى والجواليقى . ولم يحك فى المَطْلع
غَيْرَه .
واختلف فى اشتقاقه فقيل هو بوزن أَفْعَل من الأُدْمة وقيل من الأَدِيم لأَنه خُلق من أديم
الأَرض . رواه الفِرْيابى وابن سعد وابن جرير وابن أبى حاتم والحاكم وصححه(١) .
وروى ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال :
تدرون لم سمّى آدم ؟ لأَّنه خُلق من أَدِيم الأَرض (٢) ووجَّهوه بأَن يكون كأَغْيَن(٣) ومنع
من الصرف للوزن والعلمية، وقيل هو من أَدَمْتُ بين الشيئين إِذا خلطتُ بينها ، لأَّنه
كان ماء وطينا فخلطا جميعا. وقال قاسم بن ثابت فى الدلائل عن محمد بن المستنير قطْرب :
إنه لو كان من أَدِيم الأَرض لكان على وزن فاعل وكانت الهمزة فيه أصلية فلم يكن يمنعه
من الصرف مانع ، وإِنما هو على وزن أفعل من الأدمة . قال السهيلى : وهذا القول ليس
بشىْ لأَنه لا يمتنع أن يكون من الأَديم ويكون على وزن أفعل تدخل(٤) الهمزة الزائدة على
الهمزة الأصلية كما تدخل على همزة الأدمة (٥) .
وأما الخليفة فلقوله تعالى: ((إِنِّى جاعلٌ فى الأَرضِ خَلِيفةٌ)) (٦) والخَلِيفِ والخليفة:
من يَخْلُف مَنْ تقدَّمه، وكان آدم خلف قومًا من الخلق يسمون الجان ، ولأَّنه ناب مناب
ملائكة السماء .
(١) طبقات ابن سعد ٩/١ (القسم الأول)
(٣) كذا فى ط . وفى ص، ت، م: كما عين.
(٤) ص : فدخل .
(٦) سورة البقرة ٣٠.
(٢) طبقات ابن سعد ٩/١
(٥) الروض ١٠/١
- ٣٨١ -

وأَما البشر فلقوله تعالى: (إِنى خالقٌ بشرًا من طين(١) ) وقيل: وسمى بشرًا لمباشرته
أَعظمَ الأُمور . وقيل لِمَا كان فى وجهه من البِشْر والبَشَاشة .
وأَما الإِنسان فلقوله تعالى : (هل أتى على الإِنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئا مذكورا(٢)
وسمى بذلك لأُنْسه بجنسه فإِن الإنسان من اجتمع فيه اثنتان(٣): أُنْسه بالغير وأُنس
الغير به . وقيل : اشتقاقه من النَّوس وهو الحركة لكثرة حركته فيما يتحراه . وقيل :
من الإِيناس وهو الإِبصار لأنه يدرك ببصره الظاهر وببصره الباطن .
واختلفت الآيات فيما بدئ من خلق آدم ، ففى موضع : ( خلَقه من تراب (٤) ) وفى
موضع ( من طينٍ لازبٍ (٥) ) وفى موضع ( من حَمَأْ مَسْنون(٦)) وفى موضع ( من صَلْصَالِ
كالفخَّر (٧) ) قال العلماء: وهذه الآيات راجعة إلى أصل واحد وهو التراب الذى هو أَصل
الطين ، فأَعلمنا الله تعالى أنه لمّا خلقه من تراب جعله (٨) طينا، ثم انتقل فصار حماً
مسئونا ، ثم انتقل . فصار صَلْصالا كالفخَّر. قال الثعلبى فى قوله تعالى حكاية عن إِبليس
أَنه قال: ( خَلَقْتَنِى من نار وخَلَفْته من طِينٍ (٩) ) قال العلماء أَخطأً عدو الله تعالى فى
تفضيله النار على الطين، لأَن الطين أفضل من النار، لوجوه (١٠) أَحدها : أَن من جَوْهر
الطين الرزانةَ والسُّكون والوقار والحِلْمِ والأَنَاة والحياء والصبر ، وذلك سبَّب توبة آدم.
وتواضعه فأَورثه المغفرة والاجتباء والهداية . ومن جوهر النار الخِفَّةُ والطيش والحِدّة
والارتفاع والاضطراب، وذلك سبَّب استكبار إبليس فأَورثه اللعنة والهلاك.
الثانى : أَن الجنة موصوفة بأَن ترابها المسك ولم يُنْقل أَن فيها نارا .
الثالث : أنها سبب العذاب بخلاف الطين .
الرابع : أَن الطين سَبب جَمْع الأَشياء والنار سبب تفرقها وفى صحيح مسلم عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إِنّ الله خلق آدم يوم الجمعة(١١))).
(١) سورة ص ٧١ .
(٢) سورة الدهر آية ١.
(٣) فى الأصل: إنسان. محرفة .
(٤) سورة آل عمران ٥٩
(٥) سورة الصافات ١١.
(٦) سورة الحجر ٢٨ .
(٧) سورة الرحمن ١٤.
(٩) سورة ص ٧٦ .
(٨) ط : جعل.
(١٠) غير ط : أفضل لوجوه .
(١١) صحيح مسلم كتاب الجمعة حديث رقم ١٨،١٧.
- ٣٨٢ -

وفضَّل الله تعالى آدم بأُمور : خلقه بيده وأَسْجد له ملائكته ، وأسكنه جنته واصطفاه ،
وكرَّم ذريته وعلَّمهم جميع الأَسماء ، وجعله أَول الأنبياء وعلَّمه مالم تعلم الملائكة المقربون ،
وجعل من نَسْله الأنبياء والمرسلين والأولياء والصِّديقين . واشتهر فى كتب التواريخ أنه
عاش ألف سنة صلى الله عليه وسلم . وقد بسطت الكلام على الأنبياء المذكورين فى النسب
الشريف مع تراجم بقية الأنبياء فى كتاب الجواهر النفائِس فى تحبير كتاب العرائس
أَعان الله على إكماله وتحريره .
- ٣٨٣ :-

الباب الخامس
فى معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((أَنا ابن العَواتك والفواطم))
روى سعيد بن منصور والطَّبَرانى وابن عساكر بسند رجاله ثقات وصححه الحافظ
الناقد ضياء الدين المقْدِسىّ فى المختارة عن سِيَابة بن عاصم رضى الله تعالى عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَنا ابنُ العَوَاتك من سُلَيْم (١) )) سِيَابة بمهملة مكسورة
ثم مثناة تحتية مخففة فموحدة .
وروى ابن عساكر عن قتادة مرسلا أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى بعض غزواته
((أَنا النبى لا كذِب، أَنا ابن عبد المطلب أنا ابن العواتك)) (٢)
وروى عن على رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَجْرَى فرسَه مع
أبى أيوب الأنصارى فسبقه فقال: أَنا ابن العواتك إِنه لهُو الجواد البَحْر)) يعنى فرسه.
وروى ابن عساكر عن أبى بكر بن البَرْقى قال حدثنى بعض الطالبيين قال: يُرْوى
أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أُحد: «أنا ابن الفَواطم »
قال فى القاموس: عتَك يَعْتِك: كرَّ فى القتال. ثم قال: وعتكت المرأةُ: شَرُفت ورَأَسَتْ.
ثم قال : والعاتك: الكريم والخالص من الألوان . ثم قال : : والعاتكة (٣) من النخل التى
لا تتأَبَّرِ (٤) والمرأة المُحْمَرَّة(٥) من الطيب.
وقال ابن سعد : العاتكة فى اللغة: الطاهرة . قال فى الصحاح والقاموس : العواتك من
جدات النبي صلى الله عليه وسلم تسع: ثلاث من [ بنى ] (٦) سليم : عاتكة بنت هلال
ابن فالج أَى بالجيم [ بن هلال ] أم جدّ هاشم وعاتكة بنت مُرّة بن هلال بن فالج أُم
(١) مجمع الزوائد ٢١٨/١ قال الهيثمى: ورجاله رجال الصحيح.
(٢) تاريخ ابن عساكر ٢٨٨/١.
(٤) القاموس : التى لا تأتبر.
(٣) ص ، ت ، م : والعاتك .
(٥) ص، ت، م ((الخمرة)). وط: ((المجمرة)). وهو تحريف وما أثبته من القاموس ( عتك).
(٦) ليست فى ط .
- ٣٨٤ -

هاشم . وعاتكة . بنت الأَوْقَص بن مُرّة بن هلال أُم وهب أُم عبد مناف بن زهرة جد
رسول الله صلى الله عليه وسلم من قِبَل أُمّه آمنة بنت وهب .
وسائر العواتك أمهات رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير بنى سُلَيْم .
وجرى فى النهاية على أن العواتك من بنى سليم ثلاثة ، لكنه قال عاتكة بنت هلال
ابن فالج هى أُم عبد مناف أَبو(١) قُصَى وعلى ما ذكره فى الصحاح والقاموس تكون أُم قصى
والد عبد مناف وعلى كل حال فقد قيل فى اسم أُم قصى وأُم ولده عبد مناف غير ذلك
كما تقدم . فإما أن يكون لكل واحدة منهما إِسمان، أَو أَحدهما (٢) الاسم والآخر اللقب .
قال فى النهاية : فالأُولى من العواتك عمة الثانية ، والثانية عمة الثالثة .
وروى ابن عساكر عن أبى عبد الله العدوى رحمه الله تعالى أن العواتك من جداته
صلى الله عليه وسلم أربع عشرة: ثلاث قرشيات وأربع سلميات وعدوانيتان وهُذَلية وقَحْطانية
وثَقَفية وأسَدية أسد خزيمة وقُضَاعية .
وذكر (٣) ابن سعد رحمه الله تعالى أَن الفَوَاطم من الجدات عَشْرِ وسَردهن(٤) ولكثرة
الخلاف فى أسماء آباء العواتك والفواطم أَضربتُ عن ذكرهن .
والحاصل أنهن من جملة الجدات الطاهرات ، وخُصصن بالذكر إما لمزيد شرفهن على
غيرهن ، وإِما لشهرتهن ، وإِما لغير ذلك .
قال الإِمام الحليمى رحمه الله تعالى : لم يُرد صلى الله عليه وسلم بذلك الفخر إنما أراد
تعريف منازل المذكورات ومراتبهن . كرجل يقول : كان أَبى فقيها . لا يريد به الفخر
وإنما يريد به تعريف(٥) حاله دون ما عداه . قال: وقد يكون أراد به الإشارة لنعمة الله
تعالى على نفسه (٦) وآبائه وأمهاته على وجه الشكر، وليس ذلك من الاستطالة والفخر فى
شىء(٧) والله تعالى أعلم .
(١) ط: من قصى. وت م: أم قصى. وما أثبته من ص.
(٢) ط : أو إحداهما الاسم والأخرى اللقب .
(٣) ط : وروى .
(٤) طبقات ابن سعد ٣٢/١ (القسم الأول)
(٥) ط: ((التعريف دون ما عداه)).
(٦) ط: ((فى نفسه)).
(٧) ط: انتهى. بدلا من: والله تعالى أعلم.
- ٣٨٥ -
٤٩ - سبل الهدى والرشاد

..

جَمَاع أبُوَابِ مَوْلِدَةِ الشّرِيّفْ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّ
٠

சு

الباب الأول
فى سبب تزويج عبد المطلب ابنه عبد الله امرأة من بنى زَهْرة
روى ابن سعد وابن البرْقى والطبرانى والحاكم وأَبو نُعَيْم عن العباس بن عبد المطلب
عن أبيه قال : قدمنا اليمنَ فى رحلة الشتاء فنزلت(١) على حَبْر من اليهود فقال لى رجل
من أَهل الزَّبور ، يعنى الكتاب : ممن الرجل ؟ قلت من قريش . قال من أيهم ؟ قلت : من
بنى هاشم. قال: أَتأُذن لى أَن أَنظر إلى بعضك ؟ قلت: نعم ، ما لم يكن عورة . قال
ففتح إِحدى مِنْخَريَّ فنظر فيه ثم نظر فى الآخر فقال : أَشهد أَن فى إحدى يديك مُلْكا
وفى الأُخرى نبوة وإنا نجد ذلك فى بنى زُهْرة فكيف ذلك . قلت : لا أُدرى قال هل لك
من شاعة قلت : وما الشاعة ؟ قال الزوجة . قلت ؛ أَمّا اليوم فلا . فقال: إذا رجعت فتزوج
منهم فلما رجع عبد المطلب إلى مكة تزوج هالة بنت أُهَيْب ابن عبد مناف وزوَّج ابنَه
عبدَ الله آمنة بنت وهب فولدت له رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. فقالت قريش: فَلَج
عبدُ الله على أَبيه(٢).
الشاعة : بشين معجمة وعين مهملة : الزوجة سميت بذلك لمتابعتها الزوجَ وشِيعة
الرجل أتباعه وأَنصاره . فَلَج بفتح أوله وثانيه : ظفر بما طلب .
وروى البيهقى وأبو نعيم عن ابن شهاب رحمه الله تعالى قال : كان عبد الله أحسنَ رجل
رُثِى قط ، خرج يوما على نساء قريش فقالت امرأة منهن: أَيتكنَّ تتزوج بهذا الفتى فتَصْطَبَّ
النورَ الذى بين عينيه فإنى أَرى بين عينيه نورا؟ فتزوجته آمنة بنت وهب (٣).
تصطب : تَسْكُب وتُدْخل .
(١٠) ص، ت، م : فنزلنا .
(٢) دلائل النبوة لأبي نعيم ص ٨٨. والخصائص الكبرى ٩٩/١ والوفا ٨٤/١.
(٣) دلائل النبوة لأبي نعيم ص ٩٢ والخصائص الكبرى ١٠٤/١.
- ٣٨٩ -

وروى الزُّبَيْر بن بكّار عن(١) أَن سَوْدة بنت زُهْرة بن كلاب الكاهنة قالت يوما لينى.
زهرة : إن فيكم نذيرة أو تلد نذيرا فاعرضوا علىّ بناتكم . فعرضْنَ عليها فقالت فى كل
واحدة منهن قولا ظهر بعد حين(٢) ، حتى عُرضت عليها آمنة بنت وهب فقالت هذه:
النذيرة أو تلد نذيرا له شأن وبرهان منير . ولما سئلت عن جهنم قالت : سيُخْبركم عنها
النذير .
(١) بياض بالأصل.
(٢) كذا فى ط وفى ص: ظهر به حتى عرضت إلخ. وفى ت م: ظهر به حين حتى عرضت.
- ٣٩٠ -

الباب الثانى
فی حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم وما وقع فى ذلك من الآيات
روى البيهقى من طريق يونس ابن بُكَيْر عن ابن إسحاق رحمه الله تعالى قال : إن
عبد المطلب أَخذ بيد إبنه عبد الله فمرْ به فيما يزعمون على امرأة من بنى أسد بن عبد العُزَّى
ابن قُصَىّ فقالت له حين نظرت إلى وجهه أين تذهب يا عبد الله ؟ فقال مع أبى. فقالت
لك(١) عندى من الإِبل مثل الذى نُحرتْ عنك وقَعْ علىَّ الآن فقال لها: إنى مع أبى لا(٢)
أَستطيع خِلافه ولا فراقه ولا أُريد أَن أَعصيه شيئًا . فخرج به عبد المطلب حتى أتى به
وهبَ بن عبد مناف بن زُهْرة ووهبٌ يومئذ سيِّد بنى زهرة نسَبًا وشرفا فزوَّجه آمنةً بنت
وهب بن عبد مناف، وهى يومئذ أفضل امرأة من قريش نسبًا وموضعا . فذكروا أنه (٣)
دخل عليها حین أُمْلِکها مگانه ، فوقع عليها عبدُ الله فحملتْ برسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ثم خرج فمرَّ على تلك المرأة التى قالت له ما قالت فلم تقل شيئًا ، فقال لها : ما لك
لا تعرضين علىّ اليوم مثلَ الذى عرضتِ بالأمس؟ فقالت : فارقك النورُ الذى كان معك
بالأمس فليس لى بك اليوم(٤) حاجة .
وكانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصَّر [ فى الجاهلية(٥) ] واتبع
الكتب يقول : إنه لَكائِن فى هذه الأُمة نبيّ من بنى إسماعيل. فقالت فى ذلك شعرًا واسمها
أم قَتَّال :
علیه وفارقك النور الذى جاءنى(٧)پِگا
الآنَ وقد ضيعت(٦) ما كنت قادراً
هناك لغَيْرِى فالْحَقَنَّ بشأْتِكَا
غدَوْتَ علينا حافلا فلا قد بذَلْتَه
أُصبتُ جنینًا منك یا عبد داركًا
ولا تَحْسَنِّى اليومَ خِلْوًا وليتنى
(١) ط : له عندى.
(٣) ص ت م : فذكروا له أنه . وأما أثبته من ط.
(٦) ط : وقد صفيت .
(٥) ليست فى ط .
(٢) ص ث م : إنى لا أستطيع .
(٤) غير ط : فليس لى اليوم.
(٧) ط : حاء بكا .
- ٣٩١ -

ولكنَّ ذاكم صار فى آل زُهْرة
وقالت أيضا :
به يَدْعَمِ (١) اللهُ البريّةٌ ناسكَا
وآمنةَ التى حَملتْ غُلَامَا
عليك بآل زُهرة حيث كانوا
ونورًا قد تقدَّمه أَمَامَا
ترى المهدِىَّ حين ترى عليها
يَسُود الناسَ مُهْتديا إِماما
فكلُّ الخلق يَرْجوه جميعا
فأَذهب نُوره عنا الظَّلاَمَا
براه الله من نورٍ صفاءً
إذا ما سارَ يومًا أَو أَقَامَا
ويَفْرِض بعد ذلكم الضِّيامَا(٤)
وذلك صُنْعِ ربى(٢) إِذ حمَاه
فِيَهْدِى(٣) أَهلَ مكةً بعد كُفْرٍ
قصة أخرى .
روى أبو نُعَيْم والخرائطىّ وابن عساكر من طريق عطاء عن ابن عباس والبيهقى ،
وأبو نعيم ، وابن عساكر عن عِكْرمة عنه ، وابن سعد ، عن أبى الفَيَّاض الخَشْعمى وابن
1
1
سعد ، عن أَبى يزيد المدِينَّ ، أن عبد المطلب لمّا خرج بابنه ليزوجه مرّبه على امرأة كاهنة
من أَهل تبَالة متهوّدة قد قرأت الكتب يقال لها فاطمة بنت مُرَ الخَثْعمية فرأَت نورَ النبوة
فى وجه عبد الله فقالت: يا فتى هل لك أَن تقع علىَّ الآن وأُعطيك مائة من الإِبل ؟ فقال
عبد الله :
والحِلَّ لاحِلَّ فأَسْتَبينَهُ
أَمّا الحرامُ فالممات دُونَه
يحمى الكريم عِرْضه ودِينَهُ
فكيف بالأمر الذى تَبْغينه
(١٠) فى ط، ت م: به قد أعم اللّه وفى ص: به أدعم اللّه. ولعل ما أثبته هو الصواب.
(٢) ط : صنع ربك.
(٣) ص ت م : : فهدى. وما أثبته من ط .
(٤) هذا الخبر الذى ينسب إلى ابن اسحق لا يمكن الإطمئنان إليه، ويمكن نقد متنه، وخاصة أنه من حيث الإسناد
لا قيمة له ، فليس متصلا ولا مرفوعا ، فهو من جهة يناقض ما يثبت فى الأحاديث الصحيحة من طهارة آبائه وشرفهم ،
ولا يعقل أن منهم من يرضى بالزنا أو يعرضه وهو حديث عهد بعرس !والله أعلم حيث يجعل رسالته . كذلك فإن الشعر
الوارد فى هذا الخبر ركيك مصنوع وليس ثابتا عند أحد من أهل العلم بالشعر . وكل ما فى الأمر أن بعض الوضاعين أراد
أن يثبت فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم فأخطأ فى الوسيلة وناقض الصحيح. ويدل على اصطناع هذا الخبر أن المرأة التى تذكر
فيه تسمى فى بعض الروايات: ((ليلى العدوية)) وفى بعضها ((الخثعمية))، وفى بعضها فاطمة بن مر))، وفى بعضها ((أم قتال))
وفى بعضها: ((كاهنة من أهل تبالة متهورة)). وذلك كله يسقط الخبر ويدل على اضطرابه. ويدل على ذلك قول بن اسحق
فى سياقه الخبر: ((فيما يزعمون)).
- ٣٩٢ -

ثم مضى مع أبيه فزوَجه آمنة بنت وهب فأَقام عندها ثلاثا ، ثم مرَّ على تلك المرأة
فلم تقل له شيئًا ، فقال لها : مالِك لا تعرضين علىّ ما عرضت(١) على بالأمس؟ (١) فقالت :
من أنت ؟ قال : أَنا فلان . قالت : ما أَنت هو ، ولئِن كنت ذاك لقد رأيتُ بين عينيك
نورًا ما أَراه الآن، ما صنعتَ بعدى ؟ فأخبرها . فقالت: والله ما أنا بصاحبة ريبةٍ ولكن
رأَيت فى وجهك نورًا فأردتُ أن يكون فىَّ وأبى الله إلا أن يجعله حيث أَراده (٢) اذهب
فَأَخْبِرْها أنها حملت خيرَ أَهلِ الأَرض ثم أَنشأت تقول :
إِنِّى رأَيتُ مَخِيلةً لمَعَت فَتلَأَلاَتْ بِحَنَاتِمِ القَطْرِ
ما حَوْله كإضاءة البدرِ
فلمائها نوْرٌ يضئ له
ما كلُّ قادِحِ زِنْده ◌ُورِى
ورجوتُها فخرًا أَبُوء به
ثوبيك ما استلبتْ وما تدرِى
لله ما زُهْريّة سلَبْت
وقالت أيضا :
بنى هاشم قد غادرتْ من أخيكم
كما غادر المصباحُ بعد خُبُوِّه
وما كلُّ ما يَحْوى الفتى من تِلاَده
فأَجملْ إِذا طالبتَ أَمرًا فإنه
سَيَكْفيكه(٣) إِما يَدُ مَقْفِعِلَّة
ولما قضَتْ منه أُمَيْنة ما قضَتْ
أُمَيْنة إذ لِلْباه يَعْتلجان
فَتَائل قد مِيثَتْ له بدهانِ
بحَزْم ولا ما فاته بتواني
سَيَكْفيكه جَدَّان يَصْطرعانِ
وإِما يَدٌ مَبْسوطة ببنَانِ
نبا بَصرى عنه وكَلَّ لسانِى (٤)
وروى ابن سعد ، عن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زَمْعة عن عمه ، والبيهقى عن
ابن إسحاق رحمهما الله تعالى قال : كنا نسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حملت
به آمنة كانت تقول : ما شعرت أنى حملتُ به ولا وجدت ثِقَله كما تجد النساء إلا (٥) أَننى
أَنكرت رفع خَيْضتى وربما ترفعنى وتَعُود وأَتانى آتٍ وأَنا بين النائم واليقظان فقال [ لى (٦) ]
(١) ط : ما عرضت بالأمس.
(٢) ت م : حيث أراد .
(٤) طبقات ابن سعد ٥٨/١ (القسم الأول)
(٣) ص ت م : سيكفيه.
(٥) ص : ولكنى.
(٦) من ت م: ودلائل النبوة لأبي نعيم ص ٩٠ والوفا ٨٨/١.
- ٣٩٣ -
٥٠ - سبل الهدى والرشاد

هل شعرتٍ أَنك حملت ؟ فأقول : ما (١) أَدرى فقال : إِنك حملتٍ بسيد هذه الأمة ونبيها
وذلك يوم الإثنين وآية ذلك أنه (٢) يخرج معه نور يملأًّ قصور بُصْرى من أرض الشام،
فإِذا وضع فسمِّيه محمدا . قالت : فكان ذلك مما يَقَّن(٣) عندى الحملَ، ثم أَمهلنى حتى
إذا دنتْ ولادتى أَتانى ذلك فقال قول :
أُعیذه بالواحد من شرِّ كل حاسدٍ
قالت : فكنت أَقول ذلك فذكرته لنسائى(٤) فقلن: تعَلَّقِى عليكِ حديدا فى عضديك
وفى عنقك . ففعلتُ فلم يكن يُتْركِ(٥) على إلا أياما فأَجده قد قُطع، فكنت لا أَتَعلَّقه(٦)
[ولبعضهم شعر (٧): ]
وتباشَرتْ كلُّ الأَنَامِ بُقْربهِ
حملَتْه آمنةٌ وقد شَرُفْت به
وتباشرت وَحْشُ الفَلاَ فرحًا بهِ
حَمْلاً خفيفا لم تجدْ أَلما به
وهو الغِيَات ورحمةٌ من ربِّهِ.
واستبشرتْ من نورهن و کیف لا
قولها : ولا وجدتُ له ثقلا : قال فى الزَّهْر فى حديث شدَّاد عكسه، وجُمع بأَن الثقل
فى ابتداء الحمل والخفة عند استمراره ليكون ذلك خارجاً عن المعتاد . قلت : وبذلك
صرَّح الحافظ أبو نُعَیْم رحمه الله تعالى .
وعن بُرَيْدة وابن عباس رضى الله تعالى عنهما قالا : رأَت آمنة وهى حامل برسول
الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها : إنك حبلى بخير البرية وسيد العالمين ، فإذا ولدتيه
فسميه أَحمد أَو محمدا أَو علقى عليه هذه . فانتبهت وعند رأسها صحيفة من ذهب
مكتوب عليها :
من شرِّ كل حاسد
أعيذه بالواحد
من قائم وقاصدِ (٨)
وكل خلق زائد
(١) من ت م : فما.
(٢) ص، ت، م: أن يخرج.
(٣) ص، ت م : تيقن.
(٤) ط ; أقول ذلك لنسائى.))
(٥) ص ت م : ينزل. محرفة والتصويب من ط .
(٦) طبقات ابن سعد ٦٠/١ (القسم الأول) والوفا /٨٨/١.
(٧) ليست فى ط .
(٨) كذا وفى دلائل النبوة لأبي نعيم : من قائم وقاعد.
- ٣٩٤ -

عن السبيل حائدٍ(١) على الفسادِ جاهدِ
وكلٍّ خَلْقٍ ماردٍ
من نافث أَو عاقدٍ
فى طرق المواردٍ
يأخذ بالمراصد
أنهاهم عنه بالله الأعلى، وأَخُوطه منهم باليد العليا والكنف الذى لا يُرَى، يدُ الله فوق
أيديهم وحجاب الله دون عاديهم، لا يَطْردونه ولا يَضُرّونه فى مَقْعد ولا منَام ولاسَيْر
ولا مُقَام ، أول الليل وآخر الأَيام .
رواه أبو نُعَيْم (٢) وسنده واه جدًا، وإِنما ذكرته لأنّه عليه لشهرته فى كتب المواليد .
قال الحافظ أبو الفضل العراقى فى مولده إِن من قوله: وعلقى عليه هذه)) إلى آخره
أَدرجه بعضُ القُصَّاص.
وروى البيهقى عن أبى جعفر محمد بن على رضى الله تعالى عنهما قال : أُمرت آمنة
وهی حُبْلی برسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمیه أحمد .
وروى الحاكم وصححه والبيهقى عن خالد بن مَعْدَان عن أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنهم قالوا ؟ يا رسول الله أَخْبرنا عن نفسك. قال: (( أَنَا دعوةُ أَبى إبراهيم
وبُشْرى عيسى ، ورأَت أمى حين حملتْ بى كأَنّه خرج منها نورٌ أَضاءت له قصورُ بُصْرَى
من أرض الشام(٣)
وروى ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن آمنة قالت :
لقد عَلِفْتُ به فما وجدت له مشقةً حتى وضعته (٤) .
واختلفوا فى يوم ابتداء الحمل فقيل : فى أيام التشريق . وعليه فيكون مولده فى رمضان
وقيل فى عاشوراء وقيل غير ذلك .
قال أبو زكريا يحى بن عائذ رحمه الله تعالى فى مولده : بقى صلى الله عليه وسلم فى
بطن أمه تسعة أشهر كُمَّلاً لا تشكو وجعًا ولا مغصًا ولا ريحًا ولا ما يَعْرض لذوات الحمل
من النساء
(١) كذا فى ص. وفى ط: عائد. وفى ت م : عائد.
(٢) دلائل النبوة ص ٩٤ .
(٣) طبقات ابن سعد ٩٦/١ (القسم الأول)
(٤) طبقات ابن سعد ٦٠/١ (القسم الأول )
- ٣٩٥ -

قال فى الْغُرَر : وهو الصحيح . وقيل : كانت مدة الحمل عشرة أشهر . وقيل ثمانية .
وقيل سبعة .
*
تنبيهات
الأول قال الحافظ أبو الفضل العراقى رحمه الله تعالى: وسيأتى أنها رأت النور أيضا
خرج منها عند الولادة . وهذا أولى لتكون (١) طُرُقُه متصلة . ويجوز أن يكون خرج منها
النور مرتين مرة حين حملت به ومرة حين وضعته ولا مانع من ذلك . ولا يكون بين
الحديثين تعارُض انتهى .
وقال الشيخ رحمه الله تعالى: قوله حين ((حملت به)) هى رؤيا منام وقعت فى الحمل،
وأَما ليلة المولد فرأت ذلك رؤية عين كما سيأتى .
الثانى : فى شرح غريب ما تقدم :
الآن: اسم للوقت الذى أَنت فيه : جاء فعل ماضى قصَره للنظم . بِكًا : بمعنى مع .
أَى فارقك النور الذى كان معك . حافلا : بالحاء المهملة أَى ممتلئا من النور أَو المنّى .
الشأن: الأَمر والحال والخطب. خلْوًا : أَى خالية من الزوج. أَصبت: أَدر كت . جنينا
بالجيم كما فى خط مغلطاى فى الزهر . وفى نسخة صحيحة من دلائل النبوة بالحاء المهملة
وموحَّدتين. قد أَعم. بعين مهملة . وفى نسخة : به يَدْعم الله البرية بمثناة تحتية فدال
فعين مهملتين أَى يتموِّمها. البَرِيّة: الخلق تَرًا عليها: أَى واقعها(٢) برَاه: خلعه . الصفاء:
ممدود خلاف الكدر. حباه بالمهملة والموحدة أَى أَعطاه. تَبَالة. بتآءَ مثناة فوقية فباء موحدة
مفتوحتين : بلد صغير من اليمن . مَخِيلة بميم مفتوحة فخاء معجمة مكسورة . موضع الخيل ،
وهو الظن، كالمظِنَّة، وهى السحابة الخليقة بالمطر ويجوز أن تكون مسماة بالمخيلة التى
هى المصدر كالمحبسة من الحبس .
الحنَاتم : بحاء مهملة فنون فأَلف فمثناة فوقية : سحائب سُود ، لأن السواد عندهم
(٢) ت م : أى واقا : محرفة .
(١) ط : أولى لكون .
- ٣٩٦ -

خضرة. أَبُوء به: أَرجع. الزَّنْد وزان فَلْس: الذى يُقدح به النار وهو الأَعلى، وهو
مذكر والسفلى زِنْدة بالهاء ويجمع على زِنَاد . يُورِى : يوقد .
غادرت : تركت أُمَيْنة تصغير آمنة . خبوه. طَفْئة مِيثَتْ: بمثناة تحتية فثاء مثلثة
يقال : مات فلان الدواء يَميثه مَيْئا. ويَمُوثه مَوْئاً (١) مَرَسَه (٢) التُّلَاَد والتالد والتليد:
المال القديم. وخِلاَفه: الطارفُ والطَّرِيف .
جَدَّان: الجد بفتح الجيم الحظ . والجد: الغنى. مُقْفَعِلَّة: بقاف ففاء فعين مهملة :
أى منقبضة يقال اقفعلت يده إذا انقبضت وتشنجت . البنَان: الأصابع وقيل أطرافها
الواحدة بنانة. نبا : ارتفع. كَلَّ يقال: كَلَّ من الإِعياء كلالا وكَلاَلَةً . والبصرُ واللسان كلَّةً
وكلولاً. ما شعَرَتْ. بفتح أَوله وثانيه : أَى ما علمت . ثَقلَه بثاء مثلثة فقاف فلام مفتوحات
أَى ثقلا وفتورا حيضتى . بكسر الحاء المهملة: الاسم من الحيض والحال التى تلزمها
الحايض من التجنب ، فأَما الحَيْضة بالفتح فالمرة الواحدة من رفع(٣) الحيض ونوبه .
وقولها : وأَنا بين النائم واليقظان على إرادة الشخص . والله تعالى أعلم .
(١) ص ت م : ويموسه موسا. محرفة.
(٢) كذا فى ط . وفى ص ت م: فرشه. محرفة.
(٣) ط : من دفع .
- ٣٩٧ -

الباب الثالث
فى وفاة عبد الله بن عبد المطلب
قال(١) ابن إسحاق رحمه الله تعالى. ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب أن توفى وأكم
رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به(٢) .
1.
هذا ما جزم به ابن إسحاق ورجحه الواقدى وابن سعد والبلاذرى ، وصححه الذهبى
وقال ابن كثير إنه المشهور. و[ قال] ابن الجوزى: إِنه الذى عليه مُعْظم أَهل السِّير ، ورواء
الحاكم وصححه ، وأقره الذهبي عن قيس بن محزمة رضى الله تعالى عنه .
قال غير(٣) ابن إسحاق: وذلك حين تمَّ لها شهران . وقيل إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان فى المُهْد حين توفى أَبوه. وعليه فقيل وله شهران. وقيل ثمانية وعشرون شهرا . وقيل
تسعة أشهر ، ونقل السُّهيْلىّ عن الدُّولابىّ أَنه قول الأكثرين (٤) قلت: والحق أنه قول كثيرين
لا أَكثرين
وروى ابن سعد عن محمد بن كعب ، وعن(٥). أيوب بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة
رحمهما الله تعالى قالا : خرج عبد الله إلى الشام إلى غزة (٦) فى عير من عيرات قريش يحملون
تجارات ، ففرغوا من تجاراتهم ، ثم انصرفوا فمروا بالمدينة وعبد الله يومئذ مريض ، فقال :
أتخلف عند أَخوالى بنى عَدِى بن النجار. فأَقام عندهم مريضاً شهرا ومضى أصحابُه فقدِموا
مكة فسأَلهم عبد المطلب عن ابنه فقالوا : خلَّفناه عند أَخواله بنى عدى بن النجار مريضا ،
فبعث عبد المطلب أكبرَ ولده الحارث فوجده قد توفى ودفن فى دار النابغة فرجع فأخبره
فَوَجِد عليه عبدُ المطلب وعماته . وإخوته وأخواته وجْدًا شديدا . ورسولُ الله صلى الله عليه
وسلم حَمْل ، ولعبد الله بن عبد المطلب يومَ توفى خمس وعشرون سنة(٧) .
(٢) سيرة ابن هشام ١٥٨/١. (٣) كذا فى ط. وفى ص ت م: قال عن ابن أسحق.
(١) ط : روى .
(٤) الروض ١٠٧/١ وعبارة السهيلى: وذكر أنه مات أبوه وهو حمل وأكثر العلماء على أنه كان فى المهد. ذكره
(٥) ص ت م : عن أيوب .
الدولابي وغيره .
(٦) ص ت م : إلى غيره . محرفة.
(٧) طبقات ابن سعد ٦١/١ (القسم الأول)
- ٣٩٨ -

قال الواقدىّ: وهذا أثبت الأقاويل فى وفاة عبد الله وسنّه . وقال الحافظ العلائىّ وابن
حَجَر إِن عمره كان يوم توفى ثمانى عشرة سنة قال الواقدى : ولم يتزوج عبدُ الله قط
غير آمنة . وآمنة لم تتزوج قط غير عبد الله .
برسوله الفَرْدِ اليتيم رحيمًا
أَخذَ الالهُ أَبا الرسول ولم يَزَلْ
والدُّ أَحسنُ ما يكون يتيمًا
نفسِى الفِداءُ المُفْرَد فى يُثْمِه
٠٠٠
لطيفة : نقل أبو حَيَّان فى بحره وغيره عن جعفر الصادق رضى الله تعالى عنه قال .
إنما يتم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لئلا يكون عليه حقٌّ لمخلوق .
وقال ابن العِمَاد فى كشف الأسرار : إنما ربَّاه يتيما لأَن أساس كل كبير صغيروعقبى
كل حقير خطير. وأيضا لينظر صلى الله عليه وسلم إذا وصل إِلى مَدَارج ◌ِزَّه إلى أوائل
أَمْره ليعلم أن العزيز من أَعزَّه الله تعالى وأَن قُوَّته ليست من الآباء والأمهات ولا من المال
بل قُوّته من الله تعالى . وأيضا ليرحم الفقير والأيتام .
وقالت آمنة أُم رسول الله صلى الله عليه وسلم تَرْنى زوجَها . كما ذكر ذلك ابن إسحاق
فى المبتدأ وابن سعد فى الطبقات. رحمهما الله تعالى.
وجاوَر لَحْدًا خارجا فى الغَمَاغِ
عفا جانبُ البَطْحاء من ابن هاشم.
وما تركتْ فى الناس مثلَ ابن هاشم
دَعتْه المنَايَا بغتةً فأجابها.
يُعَاوره(١) أصحابه فى التزاحم(٢)
عشيّة راحوا يَحْملون سريره
فقد كان مِعْطاءً كثير التراحمٍ (٣)
فإِن يَكُ غالَتْه المنايا ورَيْبُها
وقالت أيضا ، أورده القاسم الوزيرى المغربى رحمه الله تعالى ورضى عنه ترثى عبدَ الله
زوجها والد(٤) رسول الله صلى الله عليه وسلم :
فى حُفرة (٥) بين أحجارٍ لدى الحصرِ
أَضْحَى ابنُ هاشم فى مَهْماء مُظْلِمة
غيثٌ أَحمّ الدَّرَى ملآن ذو قَررٍ
سقَى جوانبَ قبرٍ أَنت ساكنُه
(١) ص ت م : يعاوده.
(٣) طبقات ابن سعد ٦٢/١ (القسم الأول)
(٥) ص : إلى حقيرة أحجار لدى الحصر.
(٢) ص ت م: فى التراحم.
(٤) الأصل: قاله . محرفة.
- ٣٩٩ -