Indexed OCR Text

Pages 241-260

ان إبراهيم حرَّم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده ، أو أَن الله قضى يوم خلق
السموات والأرض أَن إبراهيم سيحرّم مكة. أَو المعنى: أَن إِبراهيم أولُ من أَظهرَ تحريمها
بين الناس وكانت قبل ذلك عند الله حراما، وأَولُ من أَظهره بعد الطوفان .
١٠
وقال القرطبى : معنى الأحاديث السابقة : أَن الله تعالى حرَّم مكة ابتداءً من غير سبب
يُنسب لأَّحد. ولا لأَّحد فيه مدخل، ولأجل هذا أَكَّد هذا المعنى بقوله: ((ولم يحرِّمها
الناس)). والمراد بقوله: ولم يحرمها الناس أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه ..
أو المراد : أنها من محرَّات الله تعالى فيجب امتثال ذلك، وليس ذلك من محرَّمات الناس،
يعنى فى الجاهلية كما حُرَّمُوا أَشياء من عند أنفسهم ، فلا يَسُوغ الاجتهاد فى تركه . وقيل
معناه: أَن حرمتها مستمرة من أَول الخَلْق وليس مما اختصت به شريعة النبى - صلى الله
عليه وسلم :
- ٢٤٠ -

الباب الثانى عشر
فى حج الملائكة وآدم والأنبياء وتعظيمهم للحرم
روى الأزرقى عن عثمان بن ساج رحمه الله تعالى قال : أخبرنى سعيد أن آدم لما فَرغ
من حجته لقيتْه الملائكة بالمأُزِمين فقالوا: ((بَرَّ حجُّك يا آدم فلقد حَجْجنا هذا البيتَ
قبلَك بأَلْفى عام(١).
١
المأزِمين : تثنية مَأْزِم بالهمز والزاى : المضيق فى الجبال .
وروى الأزرقى عن أبى هريرة - رضى الله تعالى عنه - أن آدم - صلى الله عليه وسلم -
لما فرغ من حجه لقيته الملائكة بالرئْم(٢) فقالوا: بَرَّ حجّك يا آدم، إنا قد حَجْجنا
هذا البيت قبلك بأَلفى عام . قال : فما كنتم تقولون حوله ؟ فقالوا : كنا نقول : سبحان
الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فكان آدم إذا طاف قال هذه الكلمات (٣).
الرّدْم بفتح الراء وسكون الدال المهملتين : موضع بمكة.
وروى الأَزرقى عن عمرو بن يسار المكّى - رحمه الله تعالى - قال: بلغنى أن الله تعالى
إذا أراد أن يبعث ملكا من الملائكة لبعض أموره فى الأرض استأذنه ذلك الملك فى الطواف
ببيته ، فهبط الملك مُهِلَّ(٤) .
وروى الأَزرقى وابن المنذر والجندى عن وهب بن مُنَّه رحمه الله تعالى قال: قرأت
فى كتاب من الكتب الأُوَل ذكِرفيه أَمرُ الكعبة وأنه ليس من ملَك بعثه الله تعالى إلى الأرض
إِلاَّ أَمره بزيارة البيت فينقضّ من عند العرش مُخْرِما ملِّيا حتى يستلم الحجر ، ثم يطوف
سبعاً بالبيت ويصلى فى جوفه ركعتين(٥).
(١) أخبار مكة ص ١٣.
(٢) كذا بالأصل. والذى فى أخبار مكة : لقيته بالمأزمين.
(٣) أخبار مكة ص ١٣ (ط جوتنجن). (٤) أخبار مكة ص ٦، وفى الأصل: مهللا، وما أثبته من أخبار مكة.
(٥) أخبار مكة ص ٩ .
- ٢٤١ -
٣١ - سبل الهدى والرشاد

وروى الطبرانى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : أولُ من طاف بالبيت
الملائكة .
وروى الأَزْرَقى عنه أَن جبريل عليه السلام وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه
عصابة خضراء قد علاها الغبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا الغبار الذى أَرَى.
عليك ؟ قال : إِنى زرتُ البيت فازدحمت الملائكة على الركن فهذا الغبارُ الذى تَرى مما تُثيرٍ (١).
بأجنحتها(٢).
فائدة : قول الملائكة : بَرَّ حجِّك. قال فى النهاية : الحج المبرور الذى ليس له ثواب
إلا الجنة هو الذى لايخالطه شىء من الإثم. وقيل : هو المقبول المقابَل بالبِرّ وهو الثواب
يقال بَرَّ حجُّه وبُرَّ حجه، ويَرَّ اللّه حجَّه وأَبَرَّهُ بِرًّا بالكسر وإِبْرارا.
حج آدم صلى الله عليه وسلم
روى سعيد بن منصور عن عطاء بن أبى رباح رحمه الله تعالى أن آدم صلى الله عليه
وسلم هبط بأَرض الهند ومعه أربعة أعواد من الجنة ، فهى هذه التى يتطيّب بها الناس .
وأنه حجَّ هذا البيتَ وطافٍ بين الصفا والمروة وقضَى مناسك الحج .
وروى الأَزْرِقى عن عثمان بن ساج قال: أَخبرنى سعيد رحمه الله تعالى أن آدم صلى الله
عليه وسلم حجَّ على رجليه سبعين حجةٌ ماشيًا(٣).
وروى أيضا عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: حج آدم صلى الله عليه وسلم
فقضى المناسكَ ، فلما فرغ قال : يارب إنّ لكل عامل أجراً (٤) . قال الله تعالى: ياآدم.
أَمّا أَنت فقد غفرتُ لك، وأَما ذريتك فمن جاء منهم هذا البيت فباء بذَنْبه فقد غفرتُ له(٥)
باء بذنبه : اعترف به .
وروى ابن خُزَيْمة وأَبو الشيخ فى العظمة والدَّيْلِىّ عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن آدم أنى هذا البيت ألف أتْية لم يركب قط
(٢) أخبار مكة ٤/١ ( ط مكة).
(١) ت م : مما تشر.
(٣) أخبار مكة ١٢/١ (ط مكة)، وص ١٤ ( ط جوتنجن).
(٤) ت م : جزاء.
(٥) أخبار مكة ١١/١، (ط مكة)، وص ١٣ ( ط جوتنجن).
- ٢٤٢ -.

فيهن من الهند على رجليه ، ثلاثمائة حجة وسَبْعمائة عُمرة ، وأول حجة حجّها آدم وهو
واقف بعرفة أَتاه جبريل فقال : يا آدم بَرَّ نُسكك، أَمّا نحن فقد طُفْنا بهذا البيت قبل
أَن تُخلق بخمسين ألف سنة .
وروى الأزرق والجندى وابن عساكر عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: حج
آدم فطاف بالبيت سبعا فلقيتْه الملائكة فى الطواف فقالوا: بَرَّ حجك ياآدم ، إنا قد
حجَجْنا هذا البيت قبلك بأَلْفى عام . قال : فماذا كنتم تقولون فى الطواف ؟ قالوا : كنا
نقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. قال آدم : فزيدوا فيها: ولا حول
ولا قوة إلا بالله . فزادت الملائكة فيها ذلك .
ثم حج إبراهيم بعد بنائه البيتَ فلقيتْه الملائكة فى الطواف فسلَّموا عليه فقال لهم :
ماذا كنتم تقولون فى طوافكم ؟ قالوا : كنا نقول قبلَ أَبيك آدم : سبحان الله والحمد لله
ولا إله إلا الله والله أكبر. فأَعلمناه بذلك فقال: زيدوا: ((ولا حول ولا قوة إلا بالله))
فقالوها . فقال إبراهيم : زيدوا فيها : العلىّ العظيم. فقالت الملائكة ذلك(١).
حج أبراهيم واسماعيل واسحاق صلى الله وسلم عليهم
تقدم ذلك فى قصة بناء إبراهيم البيت صلى الله عليه وسلم حجَّ نوح وهود وصالح
وشعيب عليهم الصلاة والسلام :
روى الأُزْرقى عن عبد الرحمن بن سابط مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : کان
النبى من الأنبياء إذا هلكتْ أُمتُه لَحِقٍ بمكة فيعبد الله تعالى فيها ومن معه حتى يموت ،
فمات فيها نوح وهود وصالح وشعيب . وقبورهم بين زمزم والحِجْر(٢) ..
وروى ابن الجَوْزى فى ((مُثير العَزْم الساكن إلى أشرف الأماكن)) عن عروة بن الزبير
رحمه الله تعالى أن نوحاً صلى الله عليه وسلم حج البيت قبلَ الغرق .
وروى الأَزْرقى عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى أَن هودا وصالحا وشُعَيْبا حجُّوا البيت
بمن آمن معهم ، وأنهم ماتوا بمكة، وأن قبورهم غربىّ الكعبة بين دار النَّدوة ودار بنى
هاشم (٣).
(١) أخبار مكة ص ١٤ ( ط جوتنجن).
(٣) أخبار مكة ص ٣٩ ( ط جوتنجن).
(٢) أخبار مكة ص ٣٤ ( ط جوتنجن).
- ٢٤٣ -

تنبيه : وردت أحاديث وآثار بحج هود وصالح عليهما الصلاة والسلام . وهو أقوى
أسانيد من حديث: ((ما من نبيِّ إِلاَّ وقد حجَّ البيت إلا ماكان من هود وصالح)): قال
الشيخ رحمه الله تعالى : فإِن إِسناده ضعيف .
حج موسى ويونس صلى الله عليهما وسلم
عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : سِرْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين
مكة والمدينة فمررنا بوادٍ فقال : أَىّ وادٍ هذا ؟ قالوا : وادى الأزرق . فقال : كأَنِى أَنظر.
إِلى موسى واضعاً إِصبعه فى أذنه له جُؤَار إلى الله تعالى بالتَّلْبية مارًّا بهذا الوادى . قال:
ثم سرنا بالوادى حتى أتينا إِلى ثَنِيّة فقال: ما هذه الثنية؟ قيل: ثنية هَرْشَى. فقال:
((كأَنى أنظر إلى يونس على ناقة حمراء خُطَام ذاقته ليف خُلْبة ، وعليه جبة له من صوف
يُهلّ نهارا بهذه الثَّنية ملبيًّا)).
رواه الشيخان وابن حِبَّان(١).
الجوار بجيم مضمومة فهمزة مفتوحة : رفع الصوت بالاستعاذة. ليف خُلْبة: بخاء معجمة
مضمومة فلام ساكنة فباء موحدة مفتوحة . يروى بتنوين الكلمتين على البدل ، وبإِضافة
الأول للثانى. قال فى التقريب: وكأَّنه على الإضافة(٢) مقلوب. قال فى الصحاح: الخُلْب
حَبْل رقيق من ليف أَو قنب (٣)، فالوجه بخُلْبة ليف.
هَرْشى بهاء مفتوحة فراء ساكنة فشين معجمة مفتوحة فألف مقصورة : جبل قريب
من الجُحْفة .
وعن عبد الله بن مسعود(٤) رضى الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((كأَنى أنظر إلى موسى بن عمران فى هذا الوادى مُحْرما يلِّى بين قَطْوانيّتين)»(٥).
رواه أبو ذر الهرَوى فى مناسكه .
قطوانيتين : تثنية قَطْوانية ، وهى عَباءة (٦) بيضاء قصيرة .
(١٠) صحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم ٢٦٨ ، ٢٦٩، ومسند أحمد ٢١٦/١، وسنن ابن ماجه كتاب المناسك
باب الحج على الرحل ( حديث رقم ٢٨٩١)، وصحيح البخارى ١٠٧/٢ ط الأميرية.
(٢) كذا فى ط وفى ت م: على الإخبار، محرفة. (٣) ت م: أو نسب. (٤) ط: وعن ابن مسعود.
(٥) ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد ٢٠٤/٨ وقال: رواه الطبرانى، وفيه يزيدبن سنان الرهاوى وهو متروك.
(٦) ت م : وهى عباء.
- ٢٤٤ -

وعن مجاهد رحمه الله تعالى قال : حجَّ موسى صلى الله عليه وسلم على جمل أحمر فمر
بالرَّوْحاء عليه عباءتان قطوانيتان مؤتزراً بإحداهما مُرْتديا بالأُخرى، فطاف بالبيت ثم طاف
بين الصَّفا والمروة إذ سمع صوتا من السماء وهو يقول: لَبَّيْك عبدى وأَنا معك. فخرَّموسى ساجداً .
رواه الأَزْرَقی(١).
وعن مجاهد رحمه الله تعالى قال: حج البيتَ سبعون نبيًّا فيهم موسى صلى الله عليه وسلم
عليه عباءتان قَطْوانيّتان، وفيهم يونس يقول : لَبَّيْك كاشفَ الكَرْب .
رواه سعيد بن منصور .
حج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير من سمى
روى ابن أبى شَيْبة عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: كانت الأنبياء إِذا أَنت حكم
الحرم نزعوا نعالَهم .
وروى أَبو ذَرّ الخُشَنى فى مناسكه عن عبد الله بن الزبير رضى الله تعالى عنهما قال :
حج البيتَ أَلِفُ نبى من بنى إسرائيل لم يدخلوا مكة حتى وضعوا نِعَالَهم بذى طُوَى .
ذو طُوَى بضم الطاء المهملة وفتح الواو وألف مقصورة : وادٍ معروف عند باب مكة
وعن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: مرَّ بصِفَاحِ الرَّوْحاء سبعون
نبيًّا حُجاجاً عليهم لياس الصوف إِبلهم مُخَطَّمة بالليف .
وفى رواية : لقد سلَك فجَّ الرَّوْحاء سبعون نبيا حُجاجا عليهم لباس الصوف خُطم
إبلهم الليف .
رواه الأَزْرقی (٢).
صِفَاحُ الرَّوْحاء : جانبها . الروحاء : بفتح الراء وبالحاء المهملة : ممدود : اسم قرية .
الفج بفتح الفاء والجيم : الطريق الواسع .
وروى أيضا عن عثمان بن ساج قال : أَخبرنى صادق أنه بلغه أَن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : مرَّ بفجّ الروحاء سبعون نبيا على نوق حُمْر خُطمهم الليف لبوسهم العَباء
وتلبيتهم شَتَّى. أَى متفرقة(٣).
(١) أخبار مكة ص ٣٦ (ط جوتنجن).
(٣) أخبار مكة ص ٣٨ ( ط جوتنجن).
(٢) أخبار مكة ص ٣٧ ( ط جوتنجن ).
- ٢٤٥ -

وروى أيضا عن مجاهد قال: حج خمسة وسبعون نبيا كل قد طاف بالبيت وصلَّ(١)
فى مسجد مِنّى ، فإن استطعت أن لا تفوتك الصلاة فى مسجد منى فافعل(٢).
وروى أيضا عن عبد الرحمن بن سابط رحمه الله تعالى قال : سمعت عبد الرحمن:
ابن ضَمْرة السَّلُولى(٣) يقول: ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبرُ سبعين نبيا جاءوا
حجاجاً فقُبروا هنالك .
حج بنى اسرائيل وغيرهم
روى أبو نُعَيم عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: كان(٤) يحج من بنى إسرائيل مائة ألف
فإذا بلغوا أَنْصاب الحرم خلعوا نعالهم ثم دخلوا الحرم حُفاة .
وروى ابن أبى شيبة والأَزْرقى عن عبد الله بن الزبير رضى الله تعالى عنهما قال : إِنْ
كانت الأُمّة من بنى إسرائيل لَتَقْدم مكة فإذا بلغت ذا ◌ُوى خلعت نعالها تعظيما للحرم (٥).
وروى الأزرقى وابن عساكر عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : حجِّ الحواريّون
فلما دخلوا الحرم مَشَوْا حُفَاةً تعظيمًا للحرم .
حج ذى القرنين رضى الله تعالى عنه
روى الأزرقى عن عطاء بن السائب رحمه الله تعالى أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم رأى
رجلا يطوف بالبيت فأنكره فسأله ممن أنت ؟ قال من أصحاب ذى القرنين . قال : وأين
هو ؟ قال: بالأَبْطَح. فتلقَّاه إبراهيم فاعتنقه فقيل لذى القرنين: ألا تركب(٦) ؟ قال:
ما كنت لأَركب وهذا يمشى. فحج ماشياً(٧).
وروى ابن أبى حاتم عن عَلْباء بن أحمر رضى الله تعالى عنه أَن ذا القرنين قدِم مكة
فوجدِ إبراهيمَ وإسماعيل يبنيان الكعبة فاستَفْهَمهما عن ذلك فقالا: نحن عبدان مأموران .
فقال : من يشهد لكما ؟ فقامت خمسة أَكْبُش فشهدت فقال : قد صدقما . ولهذا تتمة
تأتى فى باب أسئلة المشركين رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أشياء على وجه العناد(٨).
(١) ط : ولي.
(٣) ت م : السكونى .
(٢) أخبار مكة ص ٣٥ (ط جو تنجن).
(٤) ت م : كنا نحج محرفة.
(٥) أخبار مكة ص ٣٩١ (ط جوتنجن).
(٦) ت م : لم لا تركب .
(٨) ت م : على وجه الفساد .
(٧) أخبار مكة ص ٣٩ (ط جوتنجن).
- ٢٤٦ -

حج عيسى صلى الله عليه وسلم بعد نزوله وأصحاب الكهف
روى ابن أبى حاتم عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((لَيُهلَّن ابنُ مريم بفَجِّ الرَّوْحاء حاجًّا أو معتمراً)).
وروى سعيد بن منصور رحمه الله تعالى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : لا تقوم الساعة حتى يمرّ عيسى بن مريم ببطن الرَّوْحاء حاجاً أَو معتمراً يلبى: لبيَّك
اللهم لبيك .
وروى ابن الجوزى فى ((المثير)) عن عطاف بن خالد رحمه الله تعالى قال: ((يحج عیدی
ابن مريم إذا نزل فى سبعين ألفا فيهم أصحاب الكهف فإنهم ماتوا ولم يحجّوا)).
- ٢٤٧ -

الباب الثالث عشر
فى قصة إهلاك أصحاب الفيل(١)
وذلك عام ولادته صلى الله عليه وسلم على الصحيح الذى عليه أكثر العلماء .
وكان إهلاكهم (٢) تشريفاً له صلى الله عليه وسلم ولبلده ، وإلا فأَصحابُ الفيل كانوا
نصارى أهل كتاب ، وكان دينهم إذ ذاك أَقربَ حالا مما كان عليه أهل مكة ، لأَن أَهل
مكة كانوا عُبَّاد أوثان ، فنصرهم الله تعالى نصرا لاصُنْع للبشر فيه ، ولسان حال القدَر
يقول : لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخَيْريتكم عليهم ، ولكن صيانةً للبيت
العتيق الذى نشرّفه ونعظّمه ونوقره ببعثة النبي الأُمىّ خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
قال الله سبحانه وتعالى. بسم الله الرحمن الرحيم ((أَلَمْ تَرَ)) الخطاب للنبي صلى الله
عليه وسلم . أى : ألم تعلم . قدّره على وجودٍ علمه بما يَذْكر . وقيل : الاستفهام هنا
للتعجب إذا هو أَمرٌ منقول نقلَ المُتَواتِر. فكأنه قيل: قد علمتَ أَو تعجّب(٣) ((كيف
فعل ريُّك)) عبّر بكيف دون ما . لأَن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال
عِلْم الله تعالى وقُدْرته وعزة بيته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم فإنها من الإرهاصات
النبوّته، إذ مجىء تلك الطيور على الوصف المنقول من خوارق العادات والمعجزات المتقدمة
بين أيدى(٤) الأنبياء صلى الله وسلم عليهم ((بأصحاب الفيل)) محمود. ((أَلم يَجْعَلْ ))
أى يجعل كيدهم فى هدم الكعبة ((فى تَضْليل)) خسَار وهلاك بأَن أَحرق البيت الذى بنوه
قاصدين أن يرجع حجُّ العرب إليه ، وبأَن أهلكهم لمّا قصدوا هدمَ الكعبة بيت الله تعالى
((وأرسلَ عليهم طَيْراً)) اسم جمع يجوز تأنيثه وتذكيره ((أَبَابِيل)) جماعات قيل لا واحد له
وقيل واحده: أَبُول. أَو إيّال. أَو إِبِّيل كعَجُول. ومفتاح، ومسكين. وعلى تذكير
الطير قرى(٥): ((ترميهم)) بالمثناة التحتية. وقيل الضمير للرب سبحانه ((بحجارة ))
(١) فى هامش ط: قال الحافظ الدمياطى فى سيرته: ((كان بين الفيل وبين مولد النبى صلى الله عليه وسلم خمس وخمسون ليلة)).
(٣) ت م: علمت وأتعجب، محرفة.
(٢) ت م : هلاكهم .
(٤) ت م : بين يدى .
(٥) ت م : وهى، محرفة .
- ٢٤٨ -
N

فوق العدسة ودون الحمصة ، كما فى أكثر الآخبار ، مكتوب على كل حجر اسم مَرَميّة ،
يحمل كلُّ طائر ثلاثةَ أحجار: واحدًا بمنقاره وحجرين برجليه ((من سِجِيل)) طين مطبوخ
((فجعلهم كعَصْف مأكول)) كورق زرع أَكلته الدواب وراثَتْه فيبس وتفرقت أجزاؤه
شبه تفرق أَجزائهم بتفرق أجزاء الرَّوْث .
الاشارة الى القصة على وجه الاختصار :
كان ذو نُوَاس آخر ملوك اليمن مشركا ، وهو الذى قَتل أصحابَ الأخدود ، وكانوا
نصارى قريبا من عشرين ألفا فنجا منهم دَوْس ذو ثلعبان ، فذهب فاستغاث بقيصر
ملك الروم (١) وكان نصرانيا فكتب له إلى النجاشى ملك الحبشة لكونه أقرب
إليهم ، فبعث معه أَميرين : أَرياط وأبرهة بن الصباح أَبا يَكْسوم فى جيش كثيف ،
فدخلوا اليمن فجاسوا خلالَ الديار واستلبوا الملك من حِمْير ، وهلك ذو نُوَاس غريقا فى
البحر .
واستقل الحبشةُ بملك اليمن وعليهم هذان الأَميران أَرْيَاط وأَبْرهَة ، فاختافا فى
أَمرهما وتصاوَلا وتقاتلا، وتصَافّا ، فقال أبرهة لأَرياط : إِنه لا حاجة بنا إلى اصطلام
الجيش بيننا ، ولكن ابرزْ إِلىّ وأبرزُ إِليك، فأَيُّنا قتلَ الآخرَ استقل بالملْك بعده. فأَجابه
إِلى ذلك ، فتبارزًا وخلْف كل واحد منهما فتاه ، فحملَ أَرياطُ على أبرهة فضربه
بالسيف فشرمَ أَنفه وشق وجهه وحمل عَتودة مَوْلَى أَبرهة على أَرياط فقتله ، ورجع أبرهة
جريحا ، فداوى جرحه فبرئ واستقلَّ بملك الحبشة باليمن .
فكتب إليه النجاشى يلومه على ما كان منه ويتوعده وحلف لَيطأَنَّ بلاده وليَجُزَّنَّ
ناصيته ، فأرسل إليه أبرهة يترفَّق له ويصانعه ، وبعث مع رسوله بهداياوتحف وبجراب
فيه من تراب اليمن (٢)، وجزَّ ناصيته وأَرسلها معه ويقول فى كتابه: لِيطَأُ الملِك على
هذا التراب فيبَرَّ قسَمه ، وهذه ناصيتى قد بعثت بها إِليك، وأَنا عبدُ الملك .
فلما وصل ذلك إِليه أَعجبه ورضِى عنه وأَقَرَّه .
ثم إن أبرهة رأى الناسَ يتجهزون أَيامَ الموسم للحج إلى بيت (٣) الله الحرام فسأل:
(١) ت م : ملك الشام.
(٣) ط : إلى البيت الحرام.
(٢) ت م : وبجراب فيه تراب .
- ٢٤٩ -
٣٢ - سبل الهدى والرشاد

أين يذهب الناس ؟ فقيل له: يحّجون إلى بيت الله بمكة. قال : ما هو ؟ قالوا من حجارة ؟
قال : فما كسوته؟ قالوا : ما يأتى من هاهنا من الوصَائل. قال: والمسيح لأَبْنيَّن لكم خبراً.
منه
فبنى لهم كنيسة هائلة بصنعاء رفيعة البناء مزخرفة الأَرجاء ، فسمتها العرب القُلَيْس (١).
لارتفاعها لأن الناظر إليها ، يكاد تسقط قلنسوته عن رأسه لارتفاع بنائها ، ونقل من قصر
بلقيس ما تحتاج(٢) إليه، واستذَلَّ أَهلَ اليمن فى بنيان هذه الكنيسة ، وبناها بالرخام
المجرَّع والأبيض والأحمر والأصفر والأَسود، وحلاَّه بالذهب والفضة وفصَل بينهما
بالجواهر ، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة ونصب فيها صُلْبانا من الذهب والفضة
ومنابر من العاج والآبنس ، وكان يوقد فيها بالمندل ويلطخ جُدرها بالمسْك، وكان حُكمه
فى العامل إِذا طلعت عليه الشمسُ قبل أن يأخذ فى عمله أن يقطع يده ، فنام رجل منهم
ذات يوم حتى طلعت الشمس فجاءت معه أمّه وهى امرأة عجوز فتضرعت إِليه تشفع لابنها
فأَبى(٣) إِلا أَن يقطع يده ، فقالت: اضرب بمِعْولك اليوم لك وغدا لغيرك. فقال: ويحك
ما قلت ؟ قالت : نعم ، صار هذا الملك من غيرك إليك، وكذلك يصير إلى غيرك: فأَخذته
موعظتُها وأَعفَى الناسَ من ذلك ..
ثم كتب إِلى النجاشى: إنى قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يُبْن مثلها لملك قبلك،
ولست بِمُنْتِهٍ حتى أَصْرف حج العرب إليها. فأَمر الناسَ فحجوها، فخجه كثير من قبائل العرب
سنين ، ومكث فيها رجال يتعبدون ويتأَلَّهون ونسكوا له .
قال ابن إِسحق رحمه الله تعالى : فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشى
غضب رجل من النَّسَأَّةِ أَحد بنى فُقَيْم فخرج إلى القُلَيْس فقعد فيها ، يعنى أَحْدَث ،
ثم خرج فلحق بأرضه .
وقال ابن سعد رحمه الله تعالى: وكان نُفَيْل بن حبيب الخَثْعمى يُوَرِّض(٤)له ما يكره،
فَأَمْهَل حتّى إِذا كان ليلة من الليالى لم ير أحدا يتحرك فقام فجاء بعَذِرة فلطخ بها قِْته
وجمع ◌ِيَفا فألقاها فيها .
(١) ت م : قليس ...
(٢) ت م : ما يحتاج .
(٤) ط : يروض .
(٣) ط : وأبى .
٠- ٢٥٠ -

وفال مقاتِل رحمه الله تعالى : إِن فتية من قريش دخلوها فأَطلقوا فيها ناراً وكان
يوماً فيه هواء شديد فاحترقت وسقطت . انتهى .
فأُخبر بذلك أبرهة فقال : من صنَع هذا : قيل : صنعه رجالٌ من أَهل هذا البيت
الذى يحجه العرب ، يعنى أنها ليست لذلك بأهل .
٠٠
فغضب غضباً شديدا وحلَف لَيسيرنَّ حتى يهدم الكعبة وينقضها حجراً حجراً، وكتب
إلى النجاشى يخبره بذلك ويسأله أين يبعث إليه بفيله ، وكان له فيل يقال له محمود ،
وكان فيلا عظيما لم يُرَ مثله فى الأَرض عِظَما وقوة، فبعث به إِليه، فأَّمرِ الحبشة فيتجهَّزت
فى ستين ألفا ثم سار نحو أرض مكة .
فلما سمعت العرب ذلك أَعْظموه وفَظِعوا به ورَأَوا جهاده حتمًّا عليهم حين سمعوا
أَنه يريد هَدْم الكعبة .
فخرج له رجل من أَشراف اليمن يقال له ذو نَفْر ، فدعا قومَه ومن أَطاعه من سائر
العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله تعالى وما يريدمن هدمه وخرابه ، فأجابه
من أَجابه إلى ذلك، ثم عرَض له فقاتله، فهزِم ذو نَفْر وأصحابه(١) وأُخذ له(٢) ذو نفر
فأتى به إليه أَسيرا، فلما أراد قتله قال له ذو نفر : أَيها الملِك لا تقتلنى فإِنه عسى أن يكون
بقائى معك خيرا لك من القتل. فتركه وحبسه عنده فى وثَاق.
ثم سار أبرهةُ يريد ما خرج له ، حتى إذا كان بأَرض خَثْتم عرض له نُفَيْل بن
حبيب الخَتْعمى فى قومه ومن أَطاعه من قبائل العرب فقاتله ، فهزمه أبرهة وأُخذ له نُفَيْل
أَسيرا فأُنى به ، فلما همَّ بقتله قال له نفيل : أيها الملك لا تقتلنى فإنى دليلك بأرض(٣)
العرب. فخلىَّ سبيله .
وخرج أبرهة يريد مكة، حتى مرّ بالطائف فخرج إليه مسعود بن مُعِّب فى رجال
من ثَقِيف فقالوا : أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ، وليس لك عندنا
خلاف وليس بَيْتُنا البيت(٤) الذى تريد ، يعنون اللات، وهو بيت الطائف كانوا
(١) ص ت م : فهزمه أبرهة . وما أثبته من ط .
(٢) ص ت م : وأخذ ذا نفر فقال له .
(٣) ت م : لأرض العرب .
(٤) ابن هشام: وليس بيتنا هو البيت، وفى ت م: وليس بيتنا إلا الذى تريد، محرفة .
- ٢٥١ -

يعظِّمونه نحو تعظيم الكعبة ، إنما تريد البيت الذى بمكة ، ونحن نبعث معك من يدذلك
عليه . فتجاوزَ عنهم فبعثوا معه أَبا رِغَال يدلّه على الطريق إلى مكة ، فخرج أبرهةُ ومعه
أَبو رِغَالِ حتى أَنزله بالمُغَمِّس، فلما أَنزله به مات أبو رغال فرجمت العربُ قبره ، فهو
القبر الذى يرجم الناس بالمغمِّس .
فلما نزل أبرهة بالمغمِّس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خَيْل
له حتى انتهى إلى مكة فساق أَموالَ تِهَامة من قريش وغيرها ، وأصاب فيها مائتى بعير
لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهُذَيْل
ومن كان بذلك الحرم بقتاله ، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم بحَرْبه .
وبعث أَبرهةُ حُنَاطَةَ الحِمْيرى إلى مكة وقال له : سَلْ عن سيد أَهل البلد وشريفهم ،
ثم قال له : إِن الملِك يقول: إنى لم آت لحربكم ، إنما جئت لهدم هذا البيت ، فإن لم
تَعْرضوا دونه بحرب فلا حاجة لى بدمائكم، فإن هو لم (١) يُردْ حَرْبی فأننى به.
فلما دخل حنَاطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها ، فقيل : عبد المطلب بن هاشم .
فجاءه فقال له ما أَمره به أبرهة، فقال عبد المطلب: والله ما نريد حَرْبه وما لنا بذلك من
طاقة ، هذا بيتُ الله الحرامِ وبيتُ خليله إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فإن يَمْنعه فهو
بيته وحَرَمه وإِن يخلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا دَفْع عنه. قال حُنَاطة : فانطلقْ إِليه فإِنه
قد أمرنى أن آتيه بك . فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأَل
عن ذى نَفْر وكان صديقا له ، فدخل عليه وهو فى مجلسه فقال له : يا ذا نفر هل عندك
غنّاء من شىء مما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر: ما (٢) غناء رجل أسير بيد ملِك ينتظر قتله
غدّوا وعشيًا، والله ما عندى غناء من شىء مما نزل بكم إِلا أَن أُنَيْسًا سائس الفيل صديق لى
فأرسلُ إليه فأُوصيه بك وأعظّم عليه حقَّك(٣) وأَساله أن يستأذن لك على الملك فتكلِّمه
بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير إِن قدر عليه . فقال : حسبى .
فبعث ذو نَفْر إِلى أُنَيْس فجاء فقال : هذا عبد المطلب سيد قريش وصاحب عَيْن مكة ،
(١) ص ت م: فإن هو لا لم يرد، محرفة، والتصويب من ط .
(٢) ت م : ومن .
(٣) ت م : حبك.
- ٢٥٢ -

يطعم الناسَ بالسَّهْل والوحوشَ فى رءوس الجبال ، قد أصاب الملكُ له مائتى بعير ،
فاستأُذِن له عليه وانفعه عنده بما استطعتَ . قال : أَفعل .
فكلّم أُنَيْس أَبرهة فقال : أَيها الملِك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك ، وهو
صاحب عَيْن مكة ، يُطْعم الناسَ بالسهلِ والوحوش فى رءوس الجبال فائذن له عليك فليكلمك
فى حاجته . فأَذِن له أبرهة .
وكان عبد المطَّب أَوسمَ الناس وأَجْملهم وأعظمهم، فلما رآه أبرهة أَجلَّه وأكرمه عن
أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سريره ، فجلس على بُساطه وأجلس
عبد المطلب معه إلى جنبه .
وفى ((الدرّ المنظّم)) أَن عبد المطلب لما دخل على أبرهة سجد له فيلُ من الفيلة ، وكان
لا يسجد لأبرهة كغيره من الفيلة ، فتعجب أبرهةُ من ذلك ودعا بالسحرة والكهان فسألهم.
عن ذلك فقالوا : إنه لم يسجد له وإِنما سجد للنور الذى بين عينيه . انتهى .
ثم قال(١) لترجمانه : قل له ما حاجتك ؟ ففعل الترجمان ، فقال : حاجتى أن يردّ علىّ
الملكُ مائتى بَعِير أَصَابها لى . فلما قال له ذلك قال أَبرهة لترجمانه : قل له : قد كنتَ
أعجبتنى حين رأيتك ثم قد زهدتُ فيك حين كلَّمتنى فى مائتى بعير أَصبتها لك وتترك
بينًا هو دِينك ودين آبائك جئتُ لخدمه لا تكلّمنى فيه ؟!
قال عبد المطلب: أَنا ربُّ الإِبل وإِن للبيت ربًّا سيمنعه . قال : ما كان ليمتنع منىّ .
قال : أَنت وذاك .
قال ابن السائب ومقاتِل رحمهما الله تعالى : ثم إنّ عبد المطلب عرَض على أبرهة
أموال تهامة ويرجع عن خراب البيت، فأَبى، وردّ أَبرهةُ على عبد المطلب الإِبل التى (٢) أَصاب
فقلَّدها وأَشعرها وجلَّلها وجعلها هَدْيًا للبيت وبثَّها فى الحرم ، فعمد القوم إليها فحملوا
عليها وعقروا بعضَها ، فدعا عليهم عبد المطلب .
قال مقاتل : فقال عبد المطلب :
لا هُمَّ أَخْزِ الأسودَ بن مَقْصود
الآخذ الهَجْمة بعد (٣) التَّقلْيد
(١) ط : وقال.
(٣) ابن هشام : فيها التقليد .
(٢) ت م : الذى .
- ٢٥٣ -

فتلَّها (١) إِلى طَمَاطِم سُودْ بين نَبير وحِرَاً والبِيدْ
يُهَدِّم البيت الحرام المقصودْ
والمرْوَتين والمسَاعِى السُّود
أَخْفِرْهُمُ رَبِّى وَأَنت المحمودْ
قد أُجمعوا أَن لا یکون لك عید
وذكر ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - نحوها لعكرمة بن عامر وهو من مُسْلمة الفتح
فالله تعالى أعلم .
ثم انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرّز
فى شعف الجبال والشِّعاب خوفا عليهم من مَعَّرة الجيش ..
ثم قام عبد المطلب فأَخذ بحَلْقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش يدعون الله تعالى
ويستنصرونه على أبرهة وجنده ، فقال عبد المطلب :
لا هُمَّ إِن المرء (٢) يَمْ منَعُ رَحْله فامنع حِلالكْ
ومِحَالهم عَدْوًا مِحَالَكْ
لا يَغْلبن صَلِيبهم
سب وعابِديه اليوم آلَكْ
انصُرْ على آلِ الصَّلِيـ
سبتنا(٣). فأمرٌ ما بدالَكْ
إِنْ کنت تار کھم و گَفْ
وعند البيهقى رحمه الله تعالى أن عبد المطلب قام يدعو على الحبشة فقال :
يا ربّ لا أَرجو لهم سِوَاكا يا ربِّ فامنع منهمُ حِمَاكًا
امنَعْهم أَن يُخْربوا قُرَاكا إِنّ عدوَّ البيت من عادَا كا
قال ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - : ثم إِن عبد المطلب انطلق هو ومن معه من قريش
إلى شَعَف الجبال فتحرّزوا فيها ينظرون ما أَبرهة فاعلٌ بمكة إذا دخلها .
وذكر مقاتل - رحمه الله تعالى - أن عبد المطلب لم يخرج معهم بل أقام بمكة وقال :
لا أَبْرح حتى يقضى الله تعالى قضاءه. ثم صعد هو وابن مسعود الثقفي على مكان عال لينظر
ما يفعله أبرهة .
فلما أصبح أبرهة تهياً لدخول مكة وهيأً فيله وعبّأَ جيشه .
قال ابن جرير - رحمه الله تعالى: ويقال كان معه ثلاثة عشر فيلا هلكت كلها .
(١) ابن هشام : فضمها .
(٣) رواية الواقدى وابن هشام: وقبلتنا .
(٢) ابن هشام: إن العبد .
- ٢٥٤ -

ونقل الماوردىّ عن الأكثرين أنه لم يكن معهم إلا فيل واحد اسمه محمود (!). وعن
الضحاك كان معه ثمانية أَفيلة .
وأبرهة مُجْمع لهَدْم البيت . زاد مقاتل: وجعل الفيل مُقَابل(٢) الكعبة ليعظّم ويعبد
كتعظيم الكعبة. وقال غيره : بل ليجعل السلاسل فى أركان الكعبة وتوضع فى عنق الفيل ثم
يُزْجر ليُلْفِى الحائطَ جملةٌ واحدة .
فلما وجَّهوا الفيل نحو الكعبة أَقبل نُفَيْل بن حَبِيب(٣) فأَخذ بأُذنه وقال : يامحمود
أَنت بحرَم الله . ثم خرج نُفَيْل يشتدّ حتى أَصْعَد فى الجبل فبرَك الفيل فضربوه بالطَّبَرْزين
ليقوم فأَبى فأَدخلوا مَحَاجِنَ لهم فى مراقٌه فبزَغوه بها ليقوم فأَبى ، فوجَّهوه جهة اليمن فقام
يُهَرْول، ووجَّهوه نحو الشام ففعل مثلَ ذلك ، ووجهوه نحو المشرق ففعل مثل ذلك ،
ووجهوه إلى جهة مكة فبرك وألقى جِرَانه إِلى الأَرض وجعل يعجُّ عَجًا .
وفى رواية يونس بن بُكَيْر عن ابن إسحاق أَن الفيل لما ربَض جعلوا يُقْسمون له بالله
أنهم رادُّوه إلى اليمن فيحرك لهم أُذنيه - كأَنه يأخذ عليهم بذلك عهدا - فإِذا أَقسموا عليه (٤)
قام يهرول فيردّوه إلى مكة فيربض ، فيحلفون له فيحرك أذنيه كالمؤكد عليهم القسم ،
ففعلوا ذلك مرارا .
وفى معانى القرآن للزَّجاج أن دوابَّهم لم تَسِر نحو البيت ، فإِذا عطَفوها راجعين
سارت ، فوعظهم الله تعالى بأبلغ موعظة .
فأقاموا على قَصْد أن يخربوا البيت فلم يزالوا يعالجون الفيل حتى غَشِيهم الليل .
وفى رواية يونس عن ابن إسحاق أنهم استشعروا العذاب فى تلك الليلة، لأنهم نظروا
إلى النجوم كالحةً إليهم تكاد تكلمهم من اقترابها منهم ، فلما كان السَّحَر أرسل الله الطير
الأَبابيل من البحر أَمثال الخَطَاطيف مع كل طير منها(٥) ثلاثة أَحجار يحملها، حجرٌ
فى منقاره وحجران فى رجليه أمثال العدس والحمص ، ثم جاءت حتى صفَّت على رؤوسهم،
(١) الذى فى أعلام النبوة للماوردى ص ١٣٤: فساروا بالجيش مع الفيل، وليس فيه ذكر لاسمه.
(٢) ص ت م : مكان الكعبة .
(٣) وقيل هو نفيل بن عبد الله بن جزء بن عامر، كما فى الروض الأنف ٤٥/١.
(٤) دّ م: فإذا أقسموا له .
(٥) ط : منهم.
- ٢٥٥ -

فلما رأوها أَشفقوا منها وسُقِط فى أيديهم ، فصاحت وألقت ما فى أرجلها ومناقيرها ، فما من
حجرَ وقع على جنب رجل إلا خرج من الجنب الآخر ، وإِن وقع على رأسه خرج من دبرها
ولا تصيب شيئاً إِلا هشمتْه وإلا سقط ذلك الموضع. فكان(١) أول مارُنَى الجُدرى والحَصْبة،
وبعث الله تعالى ريحا شديدة فضربت بأَرجلها فزادتها قوة .
وروى أبو نُعَيْم عن عطاء بن يسار رحمه الله تعالى قال: حدثنى من كلَّم قائد الفيل
وسائسه قال : إنهما أخبرانى خبر الفيل قالا : أَقبلنا معنا فيل الملِك الأَكبر لم يسرْ به
قط إِلى جَمْع إِلاَّ هزمهم ، فلما دنونا من الحَرم جعلنا كلما نوجهه إلى الحرم يَرْبض ، فتارة
نضربه فيهبط وتارة نضربه حتى نملّ ثم نتركه . فلما بلغ المغَمِّس ربض فلم يقم فطلع
العذاب ، فقلت : نجا غير كما (٢) ؟ قالا : نعم ليس كلهم أصابهم العذاب(٣).
وولّى أبرهة ومن تبعه يريد بلاده ، فكلما دخل أرضاً وقع منه عضو حتى انتهى إلى بلاد
خثعم وليس عليه غير رأسه فمات . وأَفلت وزيره وطائره يتبعه حتى وصل إلى النجاشى
فأخبره بما جرى للقوم ، فلما فرغ رماه الطير بحجره فمات بين يدى الملك (٤).
وروى سعيد بن منصور عن عِكْرمة رحمه الله تعالى أَن رءُوس هذه الطيور مثل رءُوس
السِّباع لم تُرَ قبل ذلك ولابعده ، فأَثرت فى جلودهم فإِنه لأَوْل(٥) مارئى الجدرى.
وروى أيضا عن عُبَيْد بن عُمَيْر(٦) رحمه الله تعالى أنها كالخطاطيف بُلْق.
وروى عَبْد بن حُمَيْد وابن المنذر عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: دعا الله
تعالى الطيرَ الأَبَابيل فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين ، فلما حاذتهم صفَّت عليهم ثم
رمتهم(٧)، فما بقى منهم أحد إِلا أَخذته الحِكَّة فكان لايحك إنسان منهم جِلْده إلا تساقط
لحمه .
وروى الفِرْيائيّ وعبد بن حميد وابن أبى حاتم عن عُبَيْد بن عمير رحمه الله تعالى
أَنْها خرجت من قِبَلَ البحر كأنها رجال الهند معها حجارة أمثال الإِبل البوارك ، وأَصغرها
(١) ت م : وكان .
(٢) ت م : غير هما .
(٣) ليس فى دلائل النبوة لأبي نعيم المطبوع، انظر فصل ذكر ما جرى على أصحاب الفيل ص ١٠٠ .
(٤) خبر أبرهة فى سيرة ابن هشام ٤٥/١، والاكتفا ١٢٨/١. وسيرة ابن كثير ٢٨/١.
(٥) ط : فلأول .
(٦) ت م : عن عبيد الله بن عمير.
(٧) ت م : ورمتهم .
- ٢٥٦ -

مثل رؤوس الرجال ، لاتريد أحدا منهم إلا أصابته ولا أَصابته إلا فتلته . والأبابيل :
المتتابعة .
وروى أبو نُعَيْم عن نوفل بن معاوية الدِّيلى رضى الله تعالى عنه قال : رأيت الحصى
التى رُبى بَهَا أَصحاب الفيل ، حصى مثل الحمص وأكبر من العدس حُمْر مختمة كأَّها
جَزْعِ ظَفَارِ(١) .
وروى أيضا عن حكيم بن حزام رضى الله تعالى عنه قال: كانت فى المقدار بين الحمصة
والعدسة حصى به نضح أحمر مُخَنَّم كالجَزْع :
وروى ابن إِسحاق والواقدى وأَبوَ تُعَيْم والبيهقى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت :
لقد رأيت قائدَ الفيل وسائسه أَعميَيْن مُفْعَدين يستطعمان الناسَ (٢).
وروى أبو نعيم وابن مردويه عن أبى صالح رحمه الله تعالى أنه رأى عند أم هانىء بنت
أبى لهب من تلك الحجارة نحواً من قَفِيز مخطَّطة كأنها جَزْع ظَفَار مكتوب فى الحجر
اسمه واسم أبيه .
قال ابن إِسحاق رحمه الله تعالى : وليس كلهم أُصيب . فخرجوا (٣) هاربين يبتدرون
الطريقَ الذى جاءوا منه يسألون عن نُفَيْل بن حبيب ليدلَّهم على الطريق ، فقال نُفَيَل
ابن حبيب فى ذلك :
أَين المقَرُّ والإِلهُ الغالِبُ وَالأَشْرِمُ المغلوب ليس الغالبُ
وخرجوا يتساقطون بكل طريق ويَهْلكون على (٤) كل مَنْهل .
وأُصيب أبرهة فى جسده وخرجوا به معهم يَسْقط(٥) منه أنملة أنملة ، كلما سقطت
أُنملة أتبعتها مِدّة ودم وقيح حتى قَدِموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع
قلبه .
ولما أصبح عبدُ المطلب أَشرف ومعه أبو مسعود يقوده. فقال له أبو مسعود : انظر نحو
البحر . قال : أَرى طيرا بيضا. فقال : ارمقها ببصرك أين قَرارها ؟ قال : قد دارت
(٢) ابن هشام ٥٧/١ .
(١) ت م : أظفار.
(٣) ت م : وخرجوا.
(٤) كذا فى ط موافقاً لابن هشام ، وفى سائر النسخ : بكل منهل.
(٥) ت م : فسقط .
- ٢٥٧.
٣٣ - سبل الهدى والرشاد

فوق رؤوسنا. قال : هل تعرفها ؟ قال : لا. قال: ما هى بنَجْدية ولاتِهَامية ولا يَمَانية ولا شامِيّةِ
وإِنها لَطير بأَرضنا غير مُؤْنسة. قال : ما قَدْرِها؟ قال: أَمثال الْيَعَاسيبِ فى مَنَاقيرها الحصى
كحصى الخَذْف وهى أَبَابيل يَتْبع بعضها بعضا، أَمام كل رفَّة منها طائر يقودها أحمر
المنقار أَسود الرأس طويل العُنق ، حتى إذا جازت عسكرَ القوم ركدت فوق رؤوسهم . فقال
أبو مسعود : لأَمرٍ ما هو كائن .
ثم إِن عبد المطلب أرسل ابناً له على فرس له سريع لينظر ما جرى للقوم فذهب الفرسُ
نحوهم(١) فرآهم مشدّخين جميعا فرجع يرفع فرسه (٢) كاشفاً عن فخذه فلما رأَى ذلك
عبدُ المطلب قال : إِنَّ ابنى لأَفرس العرب وما كشف عن عورته إِلا بَشِيرا أَو نذيرا . فلما
دنا منهما قالا له : ما وراءك؟ قال : هلكوا جميعا. فانحطًا من الجبل ربوة أَو ربوتين
فلم يُؤْنسا أَحدا ، فلما دنَيا من العسكر وجَدا القومَ خامدين ، فعمد عبد المطلب وأخذ فأساً
وحفر حتى أَعمق فى الأرض وملاً من الذهب والجوهر وحفر أَيضا لصاحبه حَفِيرة وملأها
كذلك ، وجلس كل واحد على حفرته ، ونادى عبد المطلب فى الناس فتراجعوا وأصابوا
من ذلك ما ضاقوا به ذرعا .
وازداد عبد المطلب عِظَما لعدم خروجه من مكة .
وأَرسل الله سبحانه وتعالى سَيْلا عظيما فاحتمل جثث الحبشة فألقاهم فى البحر .
ولما أَهلك الله تعالى الحبشة عظَّمت العربُ قريشا وقالوا: أَهلُ الله تعالى ، قاتَل عنهم
وكفاهم مُؤْنَة عدوٌّهم وقالوا فى ذلك أَشعارا كثيرة، منها قول عبد المطلب كما ذكره البلاذرى
ورجح الزبير أنها لمغيرة :
إِنَّ ذا الأَشرم غِرٌّ بالحرَمْ
قلت والأُشرم يَرْدِى خَيْله
حِمْيَرِ والحىُّ من آل قدمْ
رامَه تُبَّع فيمن جمَّعت
جارض أمسك منه بالكلَمْ
فانثنى عنه وفى أَوْداجه
لم نَزَلْ فيها على عهد إِدْرَهَمْ
نحن آلُ الله فى بلدته
أَشار عبد المطلب إلى قصة تُبَّع، وخلاصتها - كما ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى
(١) ت م : فدهم نحوهم .
(٢) ت م : يرفع رأسه .
- ٢٥٨ -

وغيره : أَن تُبَّعا لما توجه راجعا لبلاده أَتاه نفر من هُذَيل بن مدركة بن الياس بن مضر
فقالوا له : أيها الملك أَلّ ندلك على بيت مال دائر أَغفلته الملوكُ قبلك ، فيه اللولؤ والزبرجد
والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى. قالوا: بيتٌ بمكة (١). وإنما أراد الهُذَليون هلاكه
بذلك ، لِمَا عرفوا من هلاك من أراده بسوء وبغى عنده. فراح تُبَّع وهو مُجْمع لهدم البيت
فبعث الله تعالى عليهم ريحاً فعقفت يديه ورجليه وشنجت جسده ، فأرسل إلى من كان
معه من يهود فقال : ويحكم ما هذا الذى أَصابنى. فقالوا: أَحْدَثْت شيئاً. فقال: ما أَحدثت ؟
فقالوا : حدّثْتَ نفسك بشىء. قال : نعم . فذكر ما أجمع عليه من هدم البيت وإصابة
ما فيه . قالوا : ذاك بيت الله الحرام ومن أراده هلك. قال: ويحكم وما المخرج مما دخلتُ
فيه ؟ قالوا : تحدِّث نفسك أن تطوف به وتكسوه وتعظمه . فحدَّث نفسه بذلك فأطلقه
الله تعالى ، فسار حتى دخل مكة فطافه وسعى بين الصفا والمروة وحلق رأسه ، وأقام بمكة
ستة أيام ينحر فيها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل. وأُرى فى المنام أَن يكسوه فكساه
الخصف ، ثم أُرِى أَن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعَافِر ، ثم أُرى أَن يكسوه أحسن من
ذلك فكساه المُلَاء والوصَائل . وذكر القصة .
تَنْيَهَاتُ
الأول: أَكثر الآثار على أن الحجارة كانت أكبر من العدسة ودون الحمصة ، وفى بعضها
أنها كانت أكبر من ذلك، فكأَّها والله تعالى أعلم كان فيها الكبير والصغير، فحدِّث كلُّ
راءٍ (٢) بما رأى أو سمع .
الثانى: إِن قيل : قد وقع فى زمن يزيد بن معاوية لما أُرسل الحُصيْن بن نمير السَّكُونِيِّ
فنصب المنجنيق على أبى قُبَيْس وغيره من جبال الكعبة ورمى الكعبة وكسر الحجر الأسود
واحترقت الكعبة حتى انهدم جدارها وسقط سقفها ، إلى غير ذلك .
فالجواب : إنما لم يمنعوا لأن الدعوة قد تمت والكلمة قد بلغت والحُجّة قد ثبتت فأَخَّر (٣)
(١) ت م: بيت مكة .
(٢) ط : كل راو بما سمع.
(٣) ت م : وأخر .
- ٢٥٩ -٠