Indexed OCR Text

Pages 161-180

فلما أَتينا أبا بكر رضى الله تعالى عنه أَخبرناه بما رأيناه وبما قال لنا فبكى أبو بكرا
وقال: مسكين ! لو أراد الله تعالى به خيرا لفعل. ثم قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليها
وسلم أن اليهود يجدون نَعْت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم(١)
ورَوَى ابن عساكر نحوه عن دِحْية - رضى الله تعالى عنه وذكر ابن ظَفَر فى ((خَيْر
البِشَر)) نحوه عن حكيم بن حِزَام رضى الله تعالى عنه .
ورَوى البخارى فى التاريخ والبيهقى عن جُبَيْر بن مُطْعِمٍ - رضى الله تعالى عنه - قال :
لما بعَث الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - وظهر أَمرُه بمكة. خرجتُ إلى الشام فلما
كنت ببُصْرَى أَتتنى جماعةٌ من النصارى فقالوا : أَمِن الحرم أَنت ؟ قلت : نعم . قال :
أَفتعرف هذا الذى تنبَّأَ فيكم؟ قلت: نعم. قال: فأَخذوا بيدى وأدخلونى ديرًا فيها
تماثيل وصُوَر فقالوا : انظر هل ترى صورته ؟ فنظرت فإذا أَنا بصورة النبى - صلى الله عليه
وسلم - وإِذا أَنا بصفة أبى بكر وصورته وهو آخذ بِعَقِب النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا :
هل ترى صفته ؟ قلت: نعم. قالوا : هو هذا، وأشاروا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه
وسلم قلت : اللهم نعم ، أَشهد أَنه هو. قالوا : أَتعرف هذا الذى أَخذ بعَقِبه ؟ قلت : نعم .
قالوا : نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده(٢).
تفسير الغريب
تنفضت الغرفة بالفاء والضاد المعجمة : أَى تحرَّكت .
صَلْت الجَبِينِ : أَى واسعه. وقيل: الصَّلْت: الأَمْلس. وقيل : البارز. قاله فى النهاية .
وفى الصحاح : هو الواضح .
وصورة أَدْماء : أَى سمراء. شحماء : سوداء. وشعر جَعد: ضد السبط، فإِن وصف بالقَطَط
بفتحتين فهو شديد الجعودة كشعر السودان .
وفى عينيه قَبَل: بفتح القاف والباء وهو إقبال السواد على الأنف. وشَعْرُ رَجْل بفتح
الراء وكسر الجيم وفتحها وسكونها . وسَبْط بفتح أوله وسكون ثانيه وكسره وفتحه ؟
هو المسترسل . ورَبْعة : براء مفتوحة وموحدة ساكنة: أَى مربوع الخلق لا قصير ولاطويل .
وحَمِش الساقين بحاء مهملة وشين معجمة دقيقهما. وأَخفش العينين: صغيرهما . والله أعلم.
(٢) الوفا ١/ ٥٦ .
(١) دلائل النبوة لأبي نعيم ١٨، والخصائص الكبرى ١٢٧/٢.
- ١٦٠ -

جَمَاعُ أَبْوَابْ بَعَضِ فَضَائِلِ بَلْدُهُ المنيف وَمَسْقِطَ رَأْسِهِ الشّريف
زَادَهُ اللَّه تَعَالَى فَضْلًا وَشَرَفًا
٢١ - سبل الهدى والرشاد

....

لمّا كان صلى الله عليه وسلم حاويًا للفضائل ومنه كَوْنُ بلد مولده صلى الله عليه وسلم
أفضل من غيرها حَسُن ذكر بعض أخباره وفضائله - وأيضا فإن جماعة ممن ألف فى السِّير
منهم أبو الرَّبيع (١) رحمه الله تعالى تعرَّضوا لبعض ذلك فتبعتهم والله تعالى أعلم .
الباب الأول
فى بدء أمر الكعبة المشرفة
(( قال الله تعالى: ((إِنَّ أَوَلَ بيتٍ وُضِع للناسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ(٢)).
ورَوى ابنَ أَبِى شَيْبة والإِمام أَحمد وعَبْد بن حميد والشيخان وابن جَرِير والبيهقى
فى الشُّعبَ عن أَبِى ذَرِّ - رضى الله تعالى عنه - قال: (( قلت يا رسول الله أَىّ مسجد وضِع
أَوَّلُ ؟ قال : المسجد الحرام. قلت : ثم أَىّ ؟ قال: المسجد الأقصى . قلت : كم بينهما ؟
قال أربعون سنة (٣) ))
ورَوى ابن المنذر وابن أبى حاتم بإسناد صحيح عن على - رضى الله تعالى عنه - فى
الآية قال : كانت البيوت قَبْله ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى .
ورَوى ابن جرير عن الحسن فى الآية قال : إِن أول بيت وضع للناس يعبد الله تعالى
فِيه ◌َلَّذی بِبَكَّة .
ورَوى ابن أبى حاتم والأَزْرقى عن كَعْب الأخبار - رضى الله تعالى عنه قال: كان
البيت غُثَاءً على الماء قبل أن يخلق الله تعالى الأَرضَ بأربعين عاما ومنه دُحِيت الأرض (٤).
(١) هو الكلاعى انظر ترجمته فى مقدمة هذا الكتاب .
(٢) سورة آل عمران : ٩٦ .
(٣) صحيح البخارى (١٨٩/٢ ط الأميرية) كتاب بدء الخلق باب (يزفون النسلان فى المشى). وصحيح مسلم كتاب
المساجد حديث رقم (١) (ط الحلبى)، ومسند أحمد ١٥٠/٥، وسنن ابن ماجه ٢٤٨/١ حديث رقم ٧٥٣ ، كتاب
المساجد ، باب أى مسجد وضع أول .
(٤) أخبار مكة للأزرق ١/١ (ط مكة) سنة ١٣٥٢هـ.
- ١٦٣ -

الغُثَاءِ كُغُرَاب : ما جاء به السَّيْل من نبات قد يَبِس .
ورَوى ابن جَرِير وأَبو الشيخ فى العظمة ، عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال :
وُضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أَن تُخْلق الدنيا بأَلْفى عام، ثم دُحِيت الأَرض
من تحت البيت .
وروى عبد الرّزاق والأَزْرقى والجندىّ فى تاريخهما عن مجاهد - رحمه الله تعالى .-
قال : خلق الله تعالى موضعَ البيت الحرام من قَبْل أن يخلق شيئاً من الأَرض بأَلفى سنة
وأركانه فى الأَرض السابعة(١). زاد عَبْد بن حُمَيْد: ودحيت الأرض من تحت الكعبة .
وروى ابن جرير وابن المنذر والطبرانى والبيهقى فى الشُّعَب عن ابن عمر - رضى الله
تعالى عنهما - قال : خلق الله تعالى البيت قبل الأَرض بأَلفى سنة ، وكان إِذا كان عرشه
على الماء زبدة بيضاء ، وكانت الأَرض تحته كأنها خَشفة ، فدحيت الأَرض من تحته .
الخَشَفة بمعجمتين : واحدة الخشَف وهى حجارة تنبت بالأرض نباتا . ويروى : بحاء
مهملة والعين بدل الفاء(٢)، وهى أَكَمة لاطئة بالأرض والجمع خشف. وقيل : هو ما غلبت
عليه السهولة ، أَى ليس بحجر ولا طين . ويروى حشفة بالحاء المهملة والفاء ، وهو اليابس
الفاسد من التمر .
ورَوى ابن المنذر عن أبى هريرة - رضى الله تعالى عنه قال : إِن الكعبة خُلقت قبل
الأَرض بأَلفى سنة وهى من الأَرض إنما كانت خشفة على الماء عليها ملكان من الملائكة
يسبِّحان ، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الأَرض دحَاها منها فجعلها وسط الأَرض .
ورَوى البيهقى فى الشُّعَب عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (( أول بقعة وضعت فى الأَرض موضع البيت ثم مُدت منها الأَرض .
وإن أول جبل وضعه الله - تعالى - على وجه الأرض أَبو قُبَيْس ثم مُدَّت منه الجبال)) .
ورَوى ابن أبى حاتم عن عطاء وعمرو بن دينار - رحمهما الله تعالى - قالا: بعث الله
. تعالى ريحا فسفقت الماءَ فأَبرزت موضع البيت على خشفة بيضاء فمدَّ الله تعالى الأَرض
منها فلذلك هى أُمّ القرى .
(١) أخبار مكة ١/١.
(٢) كذا فى النسخ، ولم نعثر على مادة حشع فى المعاجم التى بين أيدينا. والظاهر أنها تحريف خشعة بضم فسكون وهى
الأكمة اللاطئة بالأرض كما فى القاموس .
- ١٦٤ -

وروى ابن مردويه عن بريدة رضى الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ؛ (( أَمُّ القُرَى مكة)) .
قال السُّهيلى رحمه الله تعالى: وفى التفسير أَن الله - سبحانه وتعالى - لما قال للسموات
والأَرض ( ائتِيَا طَوْعًا أَو كَرْهًا قالتًا أَتَيْنا طائِعِين)) (١) لم يجبه (٢) بهذا إِلا أَرض الحرم(٣))).
وروى عَبْد بن حُمَيْد والأَزْرقىّ واللفظ له عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال: لمّا
كان العَرش على الماء قبل أن يخلق الله عز وجل السموات والأرض بعث الله - تعالى -
ريحا صفَّاقة فصفقت الريحُ الماء فأَبرزت (٤) عن حشَفة فى موضع البيت كأَّهَا قُبّة ، فدحا
الله تعالى الأَرضَ من تحتها فمادَتْ ثم مادت فأَوْتَدها الله تعالى بالجبال ، فكان أول جبل
وضع فيها أَبو قُبَيْس فلذلك سميت [ مكة ](٥) أَم القرى (٦)
سفَقْت يقال بالسين والصاد المهملتين : أَى ضُرب بعضه ببعض .
وروى الأَزرقى من طريق ابن جُرَيْج عن مجاهد رحمه الله تعالى قال : بلَغنى أَنه لمَّا
خلق الله تعالى السموات والأرض كان أول شىء وضعه فيها البيت الحرام ، وهو يومئذ
ياقوتة حمراء جَوْفاء لها بابان أَحدهما شرقىٌّ والآخر غربىُّ، فجعله مُسْتَقْبِل البيتِ المعمور ،
فلما كان زمن الغرق رفع فى ديباجتين فهو فيهما إِلى يوم القيامة واستودع الله تعالى الركن
أَبَا قُبَيْس (٦)
ورَوى عبد الرزَّاق فى المصنَّف (٧) وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء بن أبى رباح
- رحمه الله تعالى - قال: لما أَهبط الله تعالى آدم كان رجلاه فى الأَرض ورأسه فى السماء
يسمع أَهلُ السماء دعاءه فأَنِس بهم ، فهابت الملائكة منه حتى شكت إِلى الله - تعالى - فى
دعائِها وفى صلاتها فأَخفضه الله إِلى الأَرض ، فلما فقدَ ما كان يسمع منهم استوحش حتى
شكا إلى الله عز وجل - فى دعائه وفى صلاته فتوجَّه إلى مكة فكان موضع قدميه قرية وخطوه
مفازة حتى انتهى إلى مكة ، وأَنزل الله - تعالى - عليه ياقوتة من ياقوت الجنة فكان على
موضع البيت الآن فلم يزل يطاف به حتى أنزل الله - تعالى - الطوفان فرفعت تلك الياقوتة.
(١) سورة فصلت، الآية ١١.
(٣) الروض الأنف ١٢٨/١.
(٢) ص ت م : لم يجب .
(٤) نت م : فأبرزته تصحيف.
(٥) من أخبار مكة ٢/١.
(٦) أخبار مكة ١٦/١ .
(٧) ص ت م: فى المصنف. وهكذا فى كل موضع يرد فيه ذكر كتاب المصنف لعبد الرزاق. والتصويب من ط.
- ١٦٥°-
٠٠٠

وروى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر من طريق معمر عن قتادة وابن المنذر
والأزرقى عن وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - قال : وضع الله تعالى البيت مع آدم .
أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض وكان مهبطه بأَرض الهند وكان رأسه فى السماء ورجلاه
فى الأرض ، وكانت الملائكة تَهابه فنُقص إلى ستين ذراعا ، فحزن آدم إِذ فقد أصوات
الملائكة وتسبيحهم . فشكا ذلك إِلى الله تعالى فقال الله تعالى: ياآدم إنى قد أهبطتُ بيتاً
يطاف به كما يطاف حول عرشى ويُصلَّى عنده كما يصلَّ عند عرشى فاخرجْ إليه. فخرج
إليه آدم ومُدَّ له فى خطوه وقُبض له ما كان فيها من مَخاض أَو بحر ، فجعله خطوة فلما
يضع قدميه فى شىء من الأَرض إلا صار عُمرانا وبركة حتى انتهى إلى مكة ، وكان قبل
ذلك قد اشتد بكاؤه وحزنه لِمَا كان من عظم المصيبة حتى إن كانت الملائكة لَتبكى لبكائه
وتحزن لحزنه ، فعزَّاه الله - تعالى - بخيمة من خيام الجنة وضعها الله - تعالى - له بمكة
فى موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة ، وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة
فيها ثلاث قناديل من ذهب فيها نور يلتهب من نور الجنة ، ونزل معها يومئذ الركن
وهو ياقوتة بيضاء من رَبَض الجنة وكان كرسيا لآدم - صلى الله عليه وسلم - يجلس
عليه ، فلما كان آدم - صلى الله عليه وسلم - بمكة حرسه الله - تعالى - له وحرس له تلك
الخيمة بالملائكة . كانوا يحرسونها ويدرءون عنها سكان الأرض ، وساكنوها يومئذ الجن
والشياطين ولا ينبغى لهم أن ينظروا إلى شىء من الجنة، والأَّرض يومئذٍ طاهرة طيبة نقية
لم تنجس ولم يسفك فيها الدم(١) ولم يعمل فيها بالخطايا فلذلك جعلها الله تعالى مَسْكن
الملائكة وجعلهم فيها كما كانوا فى السماء يسبِّحون الله - تعالى - بالليل والنهار لا يَفْترون،
وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفًّا واحدا مُسْتديرين بالحرم كله ، الحِلُّ من خلفهم
والحرم كله من أمامهم ، ولا يجوزهم جن ولا شيطان من أجل مقام الملائكة حُرِّم الحرم.
حتى اليوم. وكان آدم - صلى الله عليه وسلم - إذا أَراد لقاء حوَّاء ليُلمّ بها لأجل الولد خرج
من الحرم حتى يَلْقاها، فلم تزل خَيْمة آدم مكانها حتى قُيض آدم ، ورفعها الله تعالى
إليه(٢). وذكر الحديث .
(١) ت م : الدماء .
(٢) أخبار مكة ٦/١ .
- ١٦٦٠ -

. تفسير الغريب
قال الحافظ رحمه الله تعالى: أَولُ بضم اللام . قال أبو البقاء : وهى ضمة بناء لقطعه
عن الإضافة مثل قبلُ وبعد ، والتقدير: أَولُ كلِّ شيء ويجوز الفتح مصروفا وغير مصر وفه
ثم أَىّ: بالتنوين وتركه . وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِع
للناسِ لَلَّذِى بَبَكَّة) ويدل على أَن المراد بالبيت بيت العبادة لا مُطْلقَ البيوت وقد ورد
ذلك صريحا عن علىّ - رضى الله تعالى عنه - أخرجه إسحاق بن راهويه وابن أبي حاتم
بإسناد صحيح عنه قال : كانت البيوت قَبْله ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى .
وتقدم فى أول الباب وسيأتى الكلام على الأقصى فى الكلام على تفسير أول سورة
الإسراء فى أبواب المعراج .
قوله: ((أربعون سنة)) قال ابن الجوزى: فيه إشكال ، لأن إبراهيم بنى الكعبة وسليمان
بنى بيت المقدس ، وبينهما أكثر من ألف سنة . قال الحافظ رحمه الله تعالى: ومستنده
.فى أن سليمان هو الذى بنى المسجد الأقصى ما رواه النَّسَائى من حديث عبد الله بن عمرو
ابن العاص - رضى الله تعالى عنهما - مرفوعا بإسناد صحيح أن سليمان - صلى الله عليه وسلم -
. لا بنى بيت المقدس سأل(١) الله تعالى خلالا ثلاثا . الحديث ..
وفى الطبرانى من حديث رافع بن عُمَيْر أَن داود - عليه الصلاة والسلام - ابتدأً بناء
بيت المقدس ، ثم أوحى الله - تعالى - إليه: إنى لأَقضى بناءه على يد سليمان. وفى الحديث
قصة .
قال ابن الجوزى - رحمه الله تعالى: والجواب: أَن الإِشارة إِلى أَوّل البناء ووضع
أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس ،
فقد رويناً [ أن] أول من بنّى الكعبة آدم ثم انتشر ولده فى الأرض فجائز أن يكون بعضهم
قد وضع بيت المقدس ثم بن إبراهيم الكعبة بنصّ القرآن . وكذا قال القرطبى : إن الحديث
لا يدل على أن إبراهيم وسليمان عليهما الصلاة والسلام لمّا بنيا المسجدين ابتداً وضعهما
لما بل ذلك تجديد لما كان غيرهما أَسّسه .
(١) ت م: من مال الله تعالى. محرفة.
- ١٦٧ -

٠٠
قال الحافظ : وقد مشى ابن حبان فى صحيحه على ظاهر هذا الحديث فقال : فى هذا
الخبر رَدَّ على من زعم أن بين إسماعيل وداود - عليهما الصلاة والسلام - ألف سنة
ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة وهذا عَيْن المحال لطول الزمان بالاتفاق بين
يناء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - البيتَ وبين موسى - عليه الصلاة والسلام. ثم إِن
فى نص القرآن أن قصة داود فى قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة .
وقد تعقَّبه الحافظ ضياء الدين المقْدِسى بنحو ما أَجاب به ابن الجوزى .
قال الخطَّابى: يُشْبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع ، بناه بعض أولياء الله تعالى
قبل بناء داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ، ثم داود وسليمان ، فزادا فيه وسّعاً فأُضيف
إليهما بناؤه . قال: وقد يُنسب هذا المسجد الأقصى إلى إِيلْيَاء، فيحتمل أن يكون هو
بانيه أو غيره ولست أَحقّق لِمَ (١) أُضيفَ إِليه .
قال الحافظ: الاحتمال الذى ذكره أَولا موجّه. وقد رأيت لغيره أَن أَول من أَسسن
المسجد الأقصى آدم صلى الله عليه وسلم . وقيل: الملائكة عليهم الصلاة والسلام وقيلٍ
سام بن نوح - صلى الله عليهما وسلم - وقيل: يعقوب صلى الله عليه وسلم . فعلى الأولين
يكون ما وقع ممن (٢) بعدهما تجديداً كما وقع فى الكعبة. وعلى الأَخيرين - يكون الواقع
من إبراهيم صلى الله عليه وسلم أو يعقوب - صلى الله عليه وسلم - أَصلاً وتأسيسا، ومن داود
- صلى الله عليه وسلم- تجديدا لذلك أو ابتداء بناء، فلم يَكْمل على يديه حتى كمَّله سليمان.
لكن الاحتمال الذى ذكره ابن الجوزى أَوْجَه . وقد وجدت ما يشهد له . ويؤيده قولُ من
قال : إن آدم هو الذى أسس كلّ من المسجدين .
وذكر ابن هشام فى كتاب التيجان أن آدم لما بنى الكعبة أَمَره الله تعالى بالمسير إلى
بيت المقدس(٣) وأَن يبنيه فبناه ونسَك (٤) فيه(٥). وبناء آدم البيت مشهور .
وقيل إنه لما صلى إلى الكعبة أُمر (٦) بالتوجه إلى بيت المقدس فاتخذ فيه مسجدا
(١) ت م : م.
(٢) ت م : من بعدهما.
(٣) فى التهجان لابن هشام: بالسير إلى البلد المقدس فأراه جبريل كيف يبنى بيت المقدس.
- (٤) ت.م: وأنسك. محرفة.
(٦) ت م : أمره .
. (٥) التيجان ١٤.
٠ - ١٦٨ -

وصلى فيه ليكون قبلة لبعض ذريته . وأَما ظَنّ الخطَّابِ أَن إِيلياء اسم رجل ففيه نظر .
بل هو اسم البلد فأُضيف إليه المسجد كما يقال مسجد المدينة ومسجد مكة. وقال أبو عُبَيْد
البَكْرى فى معجم البلدان (١) إِن إيليا مَدينة بيت المقدس فيها ثلاث لغات: مَدّ آخره .
وقَصْره . وحذف الياء الأُولى .
وعلى ما قاله الخطَّبِى يمكن الجمع بأن يقال إنها سميت باسم بانيها كغيرها .
(١) ت م : فى معجم البلاد.
- ١٦٩ .-
٢٢ - سبل الهدى والرشاد

١
الباب الثانى
فى عدد المرات التى بُنِيها البيت
الأَولى : عمارةُ الملائكة .
رَوَى الأَزرقى عن على بن الحسين - رضى الله تعالى عنهما - أن رجلا سأَله: ما بده
هذا الطواف بهذا البيت لم كان ؟ وأنى كان ؟ وحيث كان : فقال: أَمّا بدء هذا الطواف
بهذا البيت فإِن الله تعالى قال للملائكة: ((إِنى جاعل في الأرض خليفةً)) فقال الملائكة:
أى ربّ خليفة مِن غيرنا ممن يفسدفيها ويسفك الدماء ويتحاسدون ويتباغضون ((ويتبادعون(١)
أى رب اجعل ذلك الخليفة منَّا، فنحن لا نفسد فيها ولا نسفك الدماء ولا نتباغض ولا
نتحاسد ، ونحن نسبِّح بحمدك ونقدس لك ونطيعك ولا نعصيك . قال الله سبحانه وتعالى :
( إِىَ أَعْلِمٍ ما لا تعلمون) .
قال : فظنت الملائكة أن ما قالوا ردٌّ على ربهم عز وجل ، وأنه قد غضب عليهم من
قولهم ، فلاذوا بالعرش ورفعوا رءوسهم وأشاروا بالأَصابع يتضرَّعون ويبكون إِشفاقا لغضبه
فطافوا بالعرش ثلاث ساعات ، فنظر اله تعالى إليهم فنزلت الرحمةُ عليهم ، فوضع الله
سبحانه وتعالى تحت العرش بيتًا على أربع أَسَاطين من زبرجد وغشَّاهن بياقوتة حمراء
وسمَّى البيت الضُّراح ثم قال للملائكة: طوفوا بهذا البيت ودَعُوا العرش. فطافت الملائكة
بالبيت وتركوا العرش فصار أَهْون عليهم ، وهو البيت المعمور الذى ذكره الله تعالى ،يد خله
كل يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا .
ثم إن الله سبحانه وتعالى بعث ملائكة فقال: ابنوالى بيتًا فى الأَرض بمثاله وقَدْره .
فأَمر الله سبحانه وتعالى مَن فى الأَرض من خَلْقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل
السماء بالبيت المعمور (٢).
(١) ليست فى ط .
(٢) أخبار مكة للأزرق ٠٢/١
- ١٧٠ -

الضَّراح بضم الضاد المعجمة فراء فألف فحاء مهملة . ويأتى لهذا مزيد بيان فى باب
حج الملائكة . .
#
*
المرة الثانية : عمارة آدم صلى الله عليه وسلم .
٠
٠
أ
روى البيهقى فى الدلائل عن ابن عمر - رضى الله تعالى عنهما - قال : قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - : بعث الله تعالى جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لى بيتًا .
فخط لهما جبريل -. فجعل آدم يحفر وحواء تنقل - حتى أجابه الماء ونودى من تحته :
حسبك يا آدم . فلما بناه أَوحى الله تعالى إليه أن يطوف به وقيل له : أَنت أول الناس ،
وهذا أول بيت [ وضع ] (١) ثم تناسخت القرون حتى حجّه نوح ، ثم تناسخت القرون ،
حتى رفع إبراهيم القواعد من البيت .
ورواه ابن أبى حاتم وابن جَرِير والطبرانى موقوفا . وزادوا : زعم الناس أن آدم بناه
من (٢) خمسة أَجبل من (٢) حراء ولبنان وطور زيتا وطور سيناء والجُودِىّ.
وروى الأَزرقى وأبو الشيخ فى العظمة وابن عساكر عن ابن عباس - رضى الله تعالى
عنهما - قال: لما أَهبط الله تعالى آدم إلى الأَرض من الجنة كان رأسه فى السماء ورجلاه فى
الأَرض وهو مثل الفَلك من (٣) رَعْدته فطأُطأَ الله عز وجل منه إلى ستين ذراعا فقال :
يارب مالى لا أسمع أصوات الملائكة ولا أُحِسُّهم ؟ قال : خطيئتك يا آدم ، ولكن اذهب
فابن لى بيتًا فطف به واذكرنى حَوْله كما رأيت الملائكة تصنع حولَ عَرْشى. فأَقبل آدمُ
يتخطَّى فطُويت له الأَرض وقبض الله تعالى له المفازة فصارت كل مفازة يمرّ بها خطوة
وقبض الله تعالى ما كان فيها من مخَاض أَو بحر فجعله له خطوة ولم يقع (٤) قدمه فى
شىء من الأرض إلا صار عُمرانا وبركة ، حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام وإن جبريل
عليه السلام ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أُسّ ثابت على الأَرض السابعة فقذفت فيه
الملائكة الصخر ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا ، وإنه بناه من(٥) خمسة أَجبل :
من لبنان ، وطورزيتا ، وطور سيناء ، والجودى ، وحراء ، حتى استوى على وجه الأرض ،
(١) من ت م
(٣) ت م : فى رعدته .
(٥) ص ت م : بين. وما أثبته من ط موافقاً للأزرق.
(٢) ت م : بين. محرفة .
(٤) ت م : ولم يضع.
- ١٧١ -

فكان أول من أَسَّس البيت وصلى فيه ، وطاف به آدم صلى الله عليه وسلم حتى بعث الله
تعالى الطوفان وكان غضبا. ورِجْسًا (١) فحيثما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم صلى الله
عليه وسلم ولم يقرب الطوفان أَرضى السند والهند ، فدرس موضعُ البيت فى الطوفان حتى
بعث الله تعالى إِبراهيم واسماعيل فرفعا قواعده وأعلامه (٢).
الفَلك : قيل موج البحر المضطرب وقيل أَراد فَلْكةِ المِغْزل حال دورانها .
وروى الأَزرقى عن عبد الله بن أبي زياد رحمه الله تعالى قال : لما أهبط الله تعالى آدم
من الجنة قال : يا آدم ابن لى بيتا بحِذَاء بيتى الذى فى السماء تتعبّد فيه أَنت وولدك كما
تتعبد ملائكتى حول عرشى ، فهبطت عليه الملائكة فحفر حتى بلغ الأرض السابعة ، فقذفت
فيه الملائكة الصخر حتى أَشرف على وجه الأرض ، وهبط آدم بياقوتة حمراء مجوّفة
لها أربعة أركان بيض. فوضعها على الأَساس ، فلم تزل الياقوتة كذلك حتى كان زمن
الغرق فرفعها الله تعالى (٣).
المرة الثالثة : عمارة أولاد آدم صلى الله عليه وسلم .
رَوى ابن المنذر والأَزْرقى عن وهب بن منبه-رحمه الله تعالى - أَن آدم صلى الله عليه وسلم
لما توفىّ رفع الله تعالى إليه الخيمةَ التى تقدَّم ذكرها . قال: وبنى بنو آدم من بعدها
مكانها بيتًا بالطين والحجارة فلم يزل معمورا يَعْمرونه ومن بعدهم حتى كان زمن نوح
فنسَّقه الغرق وخَفِى مكانه(٤).
وذكر السُّهيلى .. رحمه الله تعالى - أَن الذى بناه شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم.
*
المرة الرابعة : عمارة سيدنا إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم :
وجزم ابن كثير بأَن الخليل أول من بنى البيت مطلقا ، وقال : إنه لم يَثْبت خبرٌ عنّ
معصوم أن البيت كان مبنيًّا قبل الخليل(٥). انتهى. وفيه نظر ◌ِمَاذُ كر من الآثار السابقة واللاحقة.
ورَوى ابن سعد عن أبى جَهْم بن حذيفة بن غانم رضى الله تعالى عنه والإِمام أحمد
وعبد بن حميد والبخارى وابن جرير وابن أبى حاتم والجندى وابن شيبة وابن مردويه
(١) الأصل: ورحباً. محرفة، والتصويب من ((أخبار مكة)).
(٣) أخبار مكة ١٢/١.
(٢) أخبار مكة للأزرق ٧/١.
(٤) أخبار مكة للأزرقى ٨/١.
(٥) قصص الأتبيا لابن كثير ٠.٢٣٥/١
٧٢٠ ٧-
.....

والبيهقى عن ابن عباس . رضى الله تعالى عنهما - واللفظ له : أن أول ما اتخذ النساء
المناطق من قِبَل أَم اسماعيل اتخذت مِنْطَقا لتعفِّى أَثرها عن سارة. وفى لفظ : أَول ما اتخذت
العرب جرّ الذيول عن أم إسماعيل. قال الحافظ : والسبب فى ذلك أن سارة كانت وهبت
هاجر لإبراهيم - صلى الله عليهم وسلم - فحملت منه بإسماعيل.
قال أبو جهم : و کان سن إِبراهيم حينئذ سبعون سنة و کان إِسماعیل بِكْر أَبيه . انتهى
فلما ولدته غارت منها سارة فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فاتخذت هاجر مِنْطقا
فشدَّت به وسطها وهربت وجرَّت ذيلها لتخفى أَثرها على سارة. ويقال: إِن إِبراهيم - صلى
الله عليه وسلم - شفع فيها ، وقال لسارة: حَلِّ عن يمينك بأَن تثقبى أذنيها وتَخْفضيها
وكانت أول من فعل ذلك .
ويقال أن سارة اشتدت بها الغيرةُ فخرج إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة . انتهى
كلام الحافظ .
وفى حديث أبى جَهْم أن الله سبحانه وتعالى أَوحى إلى إِبراهيم - صلى الله عليه وسلم -
يأمره بالمسير إلى بلده الحرام فركب إِبراهيم البُرَاق وجعل إسماعيلَ أَمامه - وهو ابن سنتين -
وهاجرَ خَلْفه ومعه جبريل يدلُّه على مَوْضع البيت ومَعالم الحرم ، فكان لا يمرّ بقرية إِلا
قال إبراهيم : بهذه أُمرتُ يا جبريل ؟ فيقول : لاحتى قدِمِ مكة ، وهى إذ ذاك عِضَاه
وسَلَمَ وسَمُر ، والعَمَاليق يومئذ حول الحرم، وهم أول من نَزَل مكة(١) ويكونون بعرفة ،
وكانت المياه يومئذ قليلة وكان موضع البيت قد دَثَر وهو رَبْوة حمراء مَدَرة ، وهو
يُشْرف على ما حَوْله ، فقال جبريل - صلى الله عليه وسلم - حين دخل من كَدَاء ، وهو
الجبل الذى يُطْلعك على الحَجُون والمقبرة: بهذا أُمرتَ . قال إبراهيم بهذا أمرتُ ؟ قال نعم.
فانتهى إبراهيم إلى موضع البيت فعمد إلى موضع الحِجر فآوى فيه هاجَرَ وإسماعيل
وأَمرها أَن تتخذ [ فيه] (٢) عَرِيشا. انتهى .
وفى حديث ابن عباس أن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم جاء بهاجر وبابنها (٣) إسماعيل
وهى ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دَوْحة فوق زمزم فى أَعلى المسجد .
(١) ت م : بمكة.
(٣) ت م : وابها .
(٢) من الاكتفا ٥٢/١، وقد أورد خبر أبى الجهم عن الواقدى.
- ١٧٣ -

قلت : ولا مخالفة بين الكلامين كما زعمه فى شفاء الغرام ، لاحتمال أن يكون إبراهيم
- صلى الله عليه وسلم - أَنزلهما أولاً عند الدوحة، ثم نقلهما إلى موضع الحجر، أو بالعكس
والله - تعالى - أعلم. وليس بمكة أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا
فيه تمر وسقاء فيه ماء. ثم قفل(١) إِبراهيمٌ ..
وفى حديث أبى جهم : ثم انصرف إِبراهيم راجعا إلى أهله بالشام . انتهى .
وترك إسماعيل وأُمَّه عند البیت . فتبعته أُمُّ إِسماعیل فأَدر کته بگداء ، فنادته ثلاثا
يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا فى هذا الوادى الذى ليس فيه إنس ولا شىء؟ إلى من
تَدَعنا ؟ فقالت ذلك مرارا وجعل لا يلتنمت إِليها ، فأجابها فى الثالثة : إِلى الله تعالى
قالت : آلله أَمَرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إِذًا لا يضيعنا حَسْبِى.
وفى لفظ : رضيتُ تركتنا إلى كاف . ثم رجعت .
وفى حديث أَبِى جَهْم : فجعلت عَرِيشا فى موضع الحِجْر من سَمُر وثُمَام ، وانطلق
إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حتى وقف على كَدَاء ولا بناء ولا ظل ولا شىء يَحُول دون
ابنه فنظر إليه فأَدركه ما يدرك الوالدَ من الرحمة .
وفى حديث ابن عباس : أَنه لما تَوارى عنهما استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء
الكلمات ورفع يديه ، قال : ( رَبِّ إِنِّى أَسكَنْتُ من ذُرِّيتى بوادٍ غيرِ ذِى زَرْعٍ عِنْدَ بيتِك
المحرَّمُ ربَّنا لِيُقيموا الصَّلاةَ فَاجْعالْ أَفْئِدَةً مِنَ الناسِ تَهْوِى إِليهم وارزقْهُمْ من الثَّمرات
لعلَّهم يَشْكُرون(٢)).
وجعلت أُم إسماعيل تُرْضعه وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نَفِدٍ ما فى السِّقَاء عطشتٌ
فانقطع لبنُها ، وعطش إسماعيل، وجعلت تنظر إليه يتلوَّى. وفى لفظ: يتلبط . وفى لفظ
• يتلمَّط. وفى لفظ: فلما ظمى جعل يضرب بعَقبيه كأَنّه يَنْشَغَ(٣) لِلموت، فانطلقت
كراهية أن تنظر إليه، وقالت : يموت وأَنا غائبة عنه أَهْون علىّ وعسى الله أن يجعل فى
مَمْشاى خيرا ، فوجدت الصِّفَا أَقربَ جبل فى الأَرضِ إليها ، فقامت عليه والوادى يومئذ
عميق ، فقامت تستغيث ربها وتدعوه، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا،
(١) ت م : ثم فعل. محرفة.
(٣) ت م : ينشق .
(٢) سورة إبراهيم ٣٧ .
- ١٧٤ -

فهبطت من الصفا حتى جاوزت الوادى ثم أنت المروة فقامت عليها . ونظرت هل ترى
أَحدا ففعلت ذلك سبع مرات .
قال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلذلك سعى(١) الناس بينهما.
وكان ذلك أول ما سعى بين الصفا والمروة .
وفى حديث أَبى جَهْم : وكانَ مَن قبلها يطوفون بالبيت ولا يسعون بين الصفا والمروة
ولا يقفون بالمواقف(٢) انتهى:
وكانت فى كل مرة تتفقَّد إسماعيل وتنظر ما حدث له بعدها فلما أَشرفت على المروة
سمعت صوتا فقالت : صه ، تريد نفسها ، ثم تسمَّعت فسمعت أَيضا فقالت : قد أَسمعتَ .
إِن كان عندك غَوَات، فإِذا هى بالملك. وفى لفظ: جبريل. وفى حديث علىّ عند الطبرانى
بإِسناد حسن: فناداها جبريل : من أنت ؟ قالت: هاجر أُم ولد إبراهيم ، قال : فإلى من
وكَلكما ؟ قالت: إِلى الله تعالى . قال: وكلكما إلى كافٍ .
وفى حديث أبى جَهْم : فلما كان الشوط السابع ويئست سمَعَتْ صوتا فاستمعت فلم تسمع
إلا الأَول (٣): فظنتٍ أَنه شىء عَرض لسَمْعها من الظمأ والجَهْد ، فنظرت إلى ابنها وهو
يتحرك ، فأقامت على المروة مَلِيًّا، ثم سمعت الصوت الأول فقالت : إنى سمعت صوتك
فَأُعجَبنى ، إن كان عندك خير فأَغِثْنى، فإنى قد هلكتُ وهلك ما عندى. فخرج الصوتُ
يصوّت بين يديها وخرجت تَتْلوه قد قَوِيتْ له نفسُها حتى انتهى الصوتُ عند رأس إسماعيل
ثم بدَا لها جبريلُ صلى الله عليه وسلم فانطلق بها حتى وقف على موضع زمزم . انتهى .
فبحث بَعِقبه أو قال: بجَناحه. وفى لفظ: فقال بعَقِبه هكذا : وغمز عقّبه فى الأرض، وفى
لفظ: فركَض جبريلُ برجله. وفى لفظ: ففحص الأَرض بإصبعه. فنبعتْ زَهْزَمُ حتى ظهر
الماء ، وفى لفظ: ففاض الماء ، وفى لفظ: فانبثق الماءُ فوق الأرض. فدهِشت أمُّ إسماعيل
فجعلت تحفر وفى لفظ تُحّوضه. وفى لفظ: فجعلت تفحص الأرض؛ بيديها وتقول:
هكذا وهكذا . وفى لفظ، تُحَظِّر الماء بالتراب خشية أَن يَفُوتها قبل أن تأتى بشَنَّتها وجعلت
تَغْرف من الماء فى سقائها وهو يَفُور بعد ما تغرف ..
(١) ت م : فلذلك يسعى .
(٢) الاكتنفا ٥٣/١: ولا يقفون المواقف حتى كان إبراهيم.
(٣) ط: فلم تسمع الأول. ولعله هو الصواب.
- ١٧٥ -

قال ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم
الله أُمَّ إسماعيل لوتركت زمزم - أَو قال: لولم تَغْرِف من الماء - كانت زمزم عينًا مَعِينا
٠
وفى لفظ : ظاهرا.
فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافى الضَّيْعة فإِن ها هنا بيت الله يبنيه
هذا الغلام وأبوه . وأشار لها إلى موضع البيت .
وكان البيت مرتفعا من (١) الأَرضُ كالرابية تأتيه السيولُ فتأُخذ (٢) عن يمينه
وشماله وإن الله لا يضيع أهله .
وفى حديث أبى جَهْم : فكان تَذْياها يَقْطران لبنًا وكان ذلك اللبن طعاما وشرابا لإسماعيل
وكانت تجتزئ بماء زمزم وقال لها الملك: لا تخافى أَن يَنْفدَ(٣) هذا الماءُ وأَبشرى فإِن ابنك
سيشبّ ويأتى أبوه من أرض الشام فيبنيان هاهنا بيتًا يأتيه عبادُ الله تعالى من أقطار
الأَرض مُلَبِّين الله جلَّ ثناؤه شُعْتاغُبْرا فيطوفون به، ويكون هذا الماء شرابا لضِيفان الله تعالى
الذين يزورون بيته . فقالت : بشّرك الله تعالى بخير . وطابت نفسها وحمدت الله تعالى
وأَقبل غلامان من العماليق يريدان بعيرًا لهما أخطأَهما وقد عطشا ، وأَهلُهما بعرفة
فنظرا إلى طير تهوى(٤) قِبَل الكعبة فاستنكرا ذلك وقالا: أَنَّى يكون الطير على غير ماء ؟ !
فقال أحدهما لصاحبه : أَمْهلْ حتى نُبْرد ثم نسلك فى مَهْوى الطير . فَأَبْرَدا ثم تروَّجا
فإذا الطير تَرِدُ وتَصْدُر فاتَّبعا الواردة منها حتى وقفا على أَبى قُبَيْس فنظرا إلى الماء وإِلى
العَرِيش فِنزلا وكلَّما هاجر وسأَلاها متى نزلت فأخبرتهما. وقالا لمن هذا الماء؟فقالت : لى
ولولدى فقالا : من حقَره ؟ فقالت: سُقْيًا من الله تعالى. فعرفا أَن أَحدا لا يَقْدر أَن يحفظ
هناك ماء وعَهْدُهما بماء هناك قريب وليس به ماء، فرجعا إِلى أَهلهما من ليلتهماء فأخبراه
فتحولوا حتى نزلوا معهما على الماء فأَنِست بهم ومعهم الذرية فنشأً إسماعيل بين ولدانهم .
. وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يزور هاجر فى كل شهر على البُرَاق يغدو غدوةٌ
فيأى مكة ثم يرجع فيَقِيل فى منزله بالشام.، فزارها بعدُ ونظر إلى مَن هناك مِن العماليق
(١) ت م: مرتفعاً على من الأرض محرفة.
(٣) ت م : أن يفقد.
(٢). ت م : فيأخذون ، ويبدو أنه تحريف .
(٤) ط : يهوى .
- ١٧٦ -

وإِلى كثرتهم وغَمارة(١) الماء فسُرَّ بذلك.
ولما بلغ إِسماعيل تزوج امرأةً منهم من العماليق فجاء إِبراهيم زائرا لإسماعيل وإسماعيلُ فى
ماشيته(٢) يرعاها ويخرج متنكّبا قوسه فيرمى الصيد مع رعيته ، فجاء إِبراهيمُ إلى منزله فقال:
السلام عليكم يا أهل البيت. فسكتت امرأة إسماعيل فلم تردّ إلا أن تكون ردّت فى نفسها. فقال:
هل من منزل؟ فقالت : لاها الله إِذن. قال: فكيف (٣) طعامكم وشرابكم ؟ فذكرت جَهْدًا
فقالت: أَمّا الطعام فلا طعام وأَما الشراب فإِنما (٤) نحلب الشاة المصْر(٥) أَى الشَّخْب
وأَما الماء فعلى ما ترى من الغِلَظ. قال : فأَّين ربُّ البيت ؟ قالت : فى حاجته . قال :
فإذا جاء فأَقْرئيه السلام وقولى له : غيِّر عَتَبة بابك (٦). ورجع إِبراهيم إلى منزله .
وأَقبل إِسماعيل راجعا إلى منزله بعد ذلك بما شاء الله عز وجل، فلما انتهى إلى منزله سأل
امرأته : هل جاءك أَحدٌ : فأخبرته بإِبراهيم وقوله وما قالت له(٧) ففارقها وأقام ما شاء
الله أن يقيم ."
وكانت العماليق هم وُلَاة الحكم بمكة ، فضيَّعوا حرمة الحرم(٨)، واستحلُّوا فيه أُمورا
عظيمة ، ونالوا ما لم يكونوا ينالون . فقام فيهم رجل منهم يقال له عَمَّوق فقال : يا قوم
أَبقوا على أنفسكم، فقد رأيتم وسمعتم من أُهْلِك من هذه الأُمم ؛ فلا تفعلوا وتواصّلوا (٩)
ولا تَسْتَخَقُوا بِحَرَم الله تعالى وموضع بيته . فلم يَقْبلوا ذلك منه وتمادَوْا فى هلكة أنفسهم.
ثم إِن جُرْهما وقَطُوراء وهما (١٠) أَبناء عم خرجوا سَيَّارة من اليمنِ أَجدَبَتْ عليهم
بلادهم فساروا بِذَارَاريهم وأموالهم، فلما قدموا مكة رأَوا فيها ماءٍ مَعِينا، وشجرا مُلْتَفًّا،
وبناء كثيرا ، وسعَةٌ من المال(١١) ودفئا فى الشتاء. فقالوا: إِن هذا الموضع يجمع لنا
ما نريد فأَعجبهم ونزلوا به. وكان لا يخرج من اليمن قومٌ إِلا وعليهم ملِك يقيم أمرهم ،
(١) الأصل: وعمارة الماء. وما أثبته من الاكتفا ٥٤/١، وعمارة الماء: كثرته.
(٢) ت م : فى ماشية.
(٣) ت م : كيف .
( ٤ ) طَ : فإنا :
(٥) ص ت م: الشاة المصراة. محرفة والتصويب من ط موافقاً للاكتفا ٥٥/١، ونص الاكتفا: ((وأما الشاة
فإنما نحلب الشاة بعد الشاة المصر)) هذا والمصر: الحلب بأطراف الأصابع. وناقة مصور بطيئة خروج الدر لا تحلب إلا مصراً.
وقد فسر فى الرواية هنا بالشخب ، وهو السيلان .
(٦) ط : عتبة بيتك.
(٨) نتم : حرمة البيت.
(١٠) ت م : وهم.
(٧) ت م : وقوله ما قالت له .
(٩) الاكتفا : تواصلوا.
(١١) الاكتفا : وسعة من البلاد.
- ١٧٧ -
٢٣ - سبل الهدى والرشاد

سُنَّة فيهم جَرَوْا عليها واعتادوها (١) ولو كانوا نَفرًا يسيرا . وكان مُضَاض بن عمرو
على قومه من جُرْهم، وكان على قَطُوراء السَّمَيْدع رجل منهم ، فنزل مُضَاض بمن معه من
جُرْهم على مكة بِفُعَيْفِعان فما حاز(٢)، ونزل السَّمَيْدعِ بَقطُوراء أسفل مكة بأَحْيَاد
فما حاز .
وذهب العماليق إلى أن ينازعوهم أمرهم، فعلَتْ أَيديهم على العماليق . فأَخرجوهم من
الحرم كله فصاروا فى أطرافه ولا يدخلونه(٣)، و کلٌّ على قومه لا يدخل أحدهما على صاحبه
وكانوا قومًا عَربًا، وكان اللسان عربيا. وكان إبراهيم يزور إسماعيل. ونظر إسماعيل
إلى رَعْلة بنت مُضَاض فأعجبته ، فخطبها إلى أبيها . انتهى .
هكذا فى حديث أبى جَهْم ذكر العَماليق وأَن إسماعيل تزوَّج منهم الأُولى ، وأن الثانية
من جُرْهِمْ، وليس ذلك فى حديث ابن عباس ، بل فيه : أَن الأُولى والثانيةُ من جُرْهُمْ
ونصه- بعد أن ذكر قصة زمزم : وكانت أُم إسماعيل كذلك حتى مرَّت بهم رُفْقة من جرْهُم
أَو أهل بيتٍ من جرهم مُقْبلين من طريق كَدَاء ، فنزلوا فى أسفل مكة فرأوا طائرا عائِفًا
فقالوا : إن هذا الطائر لَيدور على ماء ، لَعَهْدُنا بهذا الوادى وما فيه ماء. وفى لفظ
كانت جُرْهم يومئذ بوادٍ قريب من مكة ، فأرسلوا جَرِبًا أَو جريّيْن ، فإذا هم بالماء ؛
فرجعوا فأخبروهم بالماء ، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا : تَأُذنين لنا أَن تَنْزل
عندك ؟ قالت : نعم ، ولكن لا حقَّ لكم فى الماء . قالوا : نعم.
قال ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال: النبى صلى الله عليه وسلم: فَأَلْفّى (٤)
ذلك أمَّ إسماعيل وهى تحب الأنس ، فنزلوا فأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم ، حتى إذا
كان بها أَهلُ أَبيات منهم وشبَّ الغلام ونشأً بين ولدانهم ، وتعلم العربيّةً منهم وألِفهم
وأعجبهم حين شَبَّ ، فلما أَدرك زوَّجوه امرأةً منهم ، وماتت أم إسماعيل .
فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيلُ يطالِع تَرِ كته فلم يجد إسماعيلَ ، فسأَل زوجته
(١) الأصل: واعتادوا. وما أثبته من الاكتفا ٥٦/١.
(٢) ط: فماجاز. وت م: فما جاوز. وما أثبته من الاكتفا.
(٣) الاكتفا ٥٦/١ : لا يدخلونه .
(٤) الأصل : فألفت. مخرفة . والتصويب من صحيح البخارى .
-أ
:
- ١٧٨ -
٢٠

عنه ، فقالت : خرج يَبْتِغِى لنا، وفى لفظ: وكان عيش إِسماعيل الصيد، يخرج يتصِّيد ،
فسألها عن عيشهم، فقالت : بشرِّ نحن فى ضِيق وشدة. وشكَتْ إِليه. قال: إِذا جاء زوجك
فاقرنىِ عليه السلام وقولى له: يغيِّر عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأَنه آنسَ بشىءٍ(١)
فقال : هل جاءكم أَحد ؟ قالت : نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، كالمستخفَّة بشأنه ، فسأَلنا
عنك (٢) فأَخبرتُه وسألنى كيف عَيْشنا فأَخبرته أَنَّا فى جَهْد وشدة (٢) فقال لها : هل أَوصاك
بشىء؟ قالت نعم ، أمرنى أن أقرأ عليك السلام ويقول لك : غيِّر عتبة بابك. قال : ذاك
أبى وأَمرنى(٣) أَن أَفارقك فالحتى بأهلك. فطلقها (٤). وتزوج منهم امرأة أخرى .
فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى ، ثم أَتاهم بعد ذلك ، فلم يجده، فسأَل امرأته
عنه ، فقالت : خرج يبتغى لنا . قال : كيف أنتم ؟ وسأَّها عن عيشهم وهيئتهم فقالت : .
نحن بخير وسَعة ، وأَثْنَتْ على الله تعالى . قال: ما طعامكم ؟ قالت : اللحم واللبن . قال :
فما شرابكم ؟ قالت: الماء . قال : اللهم بارك لهم فى اللحم واللبن والماء . وفى لفظ: فى طعامهم
وشرابهم. قال النبى صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لهم يومئذ حَبُّ؛، ولو كان لهم حبّ
لدعًا لهم فيه. قال: فهما (٥) لا يَخْلو عليهما أَحدُ بغير مكة إِلا لم يوافقاه .
وفى حديث أبى جَهْم : فجاء إبراهيم زائراً لإسماعيل فجاء إلى بيته فقال : السلام
عليكم يا أهل(٦) البيت ورحمة الله. فقامت إِليه المرأة فردَّت عليه ورخَّبَتْ به، فقال :
كيف عيشكم ؟ فقالت : خيرُ عيشٍ بحمد الله عز وجل ، نحن فى لبن كثير ، ولحم كثير،
وماؤنا طيِّب. قال: هل من حَبِّ ؟ قالت : يكون إِن شاء الله تعالى ، ونحن فى نِعَم . قال :
بارك الله لكم. قالت : فانزل رحمك الله(٧) فاطْعَمْ واشرب. قال: لا أَستطيع النزول . قالت
فإِنِى أَراك شَعِئًا أَفلا أَغسل رأسك وأَدهنه ؟ قال: بلى إِن شئت. فجاءت (٨) بالمقام وهو
يومئذ حَجر رَطْب أبيض مثل المَهَاةَ (٦) مُلْقى فى بيت إسماعيل، فوضع عليه قدمه اليمنى
وقدَّم إِليها شِقَّ رأسه وهو على دابته ، فغسلت شِق رأسه الأيمن ، فلما فرغ حوّلت له
(١) البخارى: كأنه آنس شيئاً.
(٣) البخارى: وقد أمرنى.
(٥) أى اللحم والماء .
(٧) ت م : فأنزل رحلك.
(٩) المهاة : الشمس .
(٢ - ٢) سقطت من ت م .
(٤) ط : وطلقها.
. (٦٠) ط : أهل البيت.
(٨) ت م: فجاء ..
:
- ١٧٩ -