Indexed OCR Text

Pages 141-160

هنا هى الآكنة وليست المأكولة ، ولذلك فسرها بالحبشة الذين غلبوا على اليمن(١).
طفلة بفتح الطاء واللام وسكون الفاء بينهما . والبَنان: أَطراف الأصابع ، وقد يعبّر بها
عن الأصابع كلها . قال فى الصِّحاح : الطَّفل بالفتح : الناعم . يقال : جارية طفلة أَى
ناعمة . وبنان طفل وإِنما جاز أَن يوصَف البَنانُ وهو جَمْع بالطَّفل وهو واحد : لأَن كل جمع
ليس بينه وبين واحده إلا الهاء فإنه يوحَّد ويذكَّر .
نجْران ، بنون مفتوحة وجيم ساكنة : قال أبو عُبَيد البكرى : مدينة بالحجاز من شق
اليمن معروفة ، سمّيت بنجْران بن زيد بن يَشجُب بن يَعْرب ، وهو أول من نزلها .
وقال فى النهاية : موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن .
وبغلام ليس بدَنِىّ ولامُدَنّ بضم الميم وفتح الدال المهملة - وهو بنون، وسَكَّنه هنا للسجع ،
قال الخُشنى : هو المقصِّر فى الأمور . وقال غيره : هو الذى جمع الضعف مع الدناءة .
وما فيه أَمْض : بفتح الهمزة وسكون الميم والضاد المعجمة أى ما فيه شكّ ولا ارتياب .
قال السُّهيلى رحمه الله تعالى: كان سَطِيح جسداً مُلقَى لا جوارح له فيما يذكرون ،
[ قال وكذلك شِقّ (٢)] إنما له يد واحدة ورِجْل واحدة وعين واحدة.
ويُذكر عن وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - أنه قال: قيل لسَطِيح: أَنَّى لك هذا
العلم ؟ فقال لى صاحب من الجن استمع(٣) أخبار السماء من طور سيناء حين كلَّم الله تعالى
فيه(٤) موسی فهو يؤدِّی إلىّ من ذلك ما يؤديه .
وولد شِقّ وسَطِيح فى اليوم الذى ماتت فيه طرِيفة الكاهنة ، ودعَت بسطيح قبل أنه
تموت ، فأُتْيَتْ به فتفلت فى فيه وأخبرت أنه سَيْخلُفها فى عِلْمها وكهانتها ، وكان وجهه
فى صدره ، ولم يكن له رأس ولا عنق . ودعتْ بشِقّ ففعلت به مثلَ ما فعلت بسَطيح ثم ماتتِ
وعمر سَطِيح زمانا طويلا حتى أدرك مولد النبى صلى الله عليه وسلم(٥) ورأى كسرى
أَنُو شرْوان.
قلت : روى أبو نُعَيْم وابن عساكر عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال :
خلق الله سطيحا لحماً على وَضَم ، وكان يُحَمل على وَضَمَة فيؤتى به حيث يشاء ، ولم يكن
(١) شرح السيرة لأبي ذر ص ٨ .
(٣) ت م : يستمع .
(٢) سقطت من ط .
(٥) الاكتفا ١١٩/١.
(٤) ت م : منه .
- ١٤٠ -
.

فيه عَظْم ولا عصَب إِلا الجمجمة والعنق والكفَّين. وكان يُطْوَى من رجليه إلى تَرْقُوته
كما يُطوى الثوب، ولم يكن فيه شيء يتحرك (١) إِلا لسانه(٢).
الوضَم بفتحتين: كل شئْ يُحمل عليه اللحم من خشب أو بارِيّة (٣).
وقال ابن عساكر : بلغنى أَن سَطِيحا ولد فى أيام سَيْل العَرِم وتوبى فى العام الذى ولد فيه
سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه عاش خمسمائة سنة . وقيل ثلاثمائة سنة .
ورَوى ابن سعد وأبو نُعَيْم وابن عساكر عن أبى نملة - رحمه الله تعالى - قال : كانت
يهود بنى قريظة يدرسون ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى كتبهم ويعلِّمونه(٤)
الولدان بصفته واسمه ومُهَاجَره إلى المدينة(٥) . فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم
حَسدوه وبَغْوا وأَنكروا(٦) .
ورَوى ابن سعد عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - عن أُبَىّ بن كعب - رضى الله
تعالى عنه - قال : لمّا قدم تُبّع المدينة ونزل بقناة(٧) بعث إِلى أَحبار يهود فقال: إنى
مخرّب هذا البلد . فقال له سامول (٨) اليهودى وهو يومئذ أعلمهم(٩) : أيها الملِك إن هذا
البلد يكون إِليه مُهاجَر نبيّ من بنى إسماعيل مولده بمكة اسمه أَحمد ، وهذه دار هجرته ،
إِن منزلك هذا الذى أنت به يكون به من القتلى والجراح أَمر يَكْثر (١٠) فى أصحابه
وفى عدوّهم .
قال تُبَّع: ومن يقاتله يومئذ ؟ قال : يسير إليه قومُه فيَقْتتلون هاهنا . قال : فأين
قبره ؟ قال : بهذا البلد . قال: فإذا قُوتل لمن تكون الدَّبْرة ؟ قال : تكون مرةً له ومرةً عليه ،
وبهذا الذى أَنت به تكون عليه ويُقتل أصحابُه مَقْتلة لم يُقتلوا فى مَوْطن مثلها ، ثم تكون له
العاقبة ثم يظهر فلا ينازعه فى هذا الأمر أحد .
قال : وما صفته ؟ قال : رجل لا بالطويل ولا بالقصير ، فى عينيه حُمْرة ، يركب
(١) ت م : شىء متحرك.
(٢) دلائل النبوة لأبى نعيم ٨٣ .
(٥) ابن سعد : ومهاجره إلينا .
(٣) البارية : الحصير المنسوج .
(٤) دلائل النبوة لأبي نعيم : ويعلمون .
(٦) دلائل النبوة ٤٠، وطبقات ابن سعد ١٠٤/١.
(٧) فى أعلام النبوة للماوردى ص ١٠٨: ونزل بسفح أحد.
(٨) ص ت م: سامور. وما أثبته من ط ، موافقاً لابن سعد.
(٩) ت م : أعظمهم.
(١٠) ابن سعد: أمر كثير .
- ١٤١ -

م
البعير ويلبس الشَّمْلة سيفُه على عاتقه، لا يُبَالى من لاقَى [ أخًا أَو ابن عم أَوعمًا)(١) حتى
يظهر أمره (٢).
قَذَاة ، بقاف مفتوحة بعدها نون : قال البَكْرى : وادٍ من أودية المدينة .
وذكر ابن ظَفَرِ (٣) عن سفيان بن مُجَاشِع أنه رأى قومًا من تميم اجتمعوا على كاهنة لهم
فسمعها تقول : العزيزُ من والاه ، والذليل من خالاه(٤)، والموفور من مالَاه (٥) ، والموتورُ منّ
عادَاه . فقال سفيان : من تذكرين لله أبوك؟ فقالت: صاحب حِلِّ وحِرْم(٦) وهُدَى وعِلم،
وبطش وحِلْم ، وحرب وسِلْم، رأس رءوس وأبيض شُموس وماحِى بُوس وماهِد وعوس ؟!
وناعش مَتْعوس .
فقال سفيان: لله أبوك من هو؟ قالت؛ نبيّ مؤيّد، قد أَتَى حِينُ يوجَد. ودنا أَوان
يولد ، يُبعث إلى الأحمر والأسود بكتاب لا يُفَنَّد ، اسمه محمد . فقال سفيان: لله أَبوك
أَعرابى (٧) هو أَم عجَمى ؟ قالت: أَما والسماء ذات العِنَان والشجرات ذات الأَفْنان إِنه لمنّ
مَعَدّ بن عدنان. فَقَدْك ياسفيان. فأَمسكَ عنها ثم ولد له غلام فسماه محمدًا رجاء أن يكون،
* الموصوف .
( تفسير الغريب )
خالَاه : بانخاء المعجمة : برئ منه وتركه . حِلّ وحَرِمَ : أَى حلال وحرام .
رأس رءوس : أَى سيد سادة(٨). والرأُس: السيد.
ماحِى بُوس : أَى مُذْهِبِه. والمحْو : القَشْر . وبه سميت المِمْحاة (٩).
الوعوس : جمع وَعْس وهو من صفة الرمْل الذى يَشُقّ السَّيْر فيه .
(١) من طبقات ابن سعد .
(٢) الطبقات ١٠٣/١. والوفا ٤٨/١، والخصائص ٦٦/١.
(٣) ابن ظفر: محمد بن عبد الله أبى محمد بن محمد بن ظفر الصقلى المكى، أبو عبد الله، ولد بصقلية سنة ٤٩٧ هـ،.
ونشأ بمكة ، ثم دخل المغرب وجال فى أفريقية والأندلس ، ثم عاد إلى الشام فأقام بحماة، وتوفى بها سنة ٥٦٥ ٨. من كتبه :
((خير البشر بخير البشر))، و ((سلوان المطاوع فى عدوان الأتباع)). ترجمته فى وفيات الأعيان ٥٢٢/١، والوافى
بالوفيات ١٤١/١، ولسان الميزان ٣٧١/٥، وتاريخ ابن الوردى ٧٨/٢ .
(٤) ت م : من خلاه.
(٦) الحرم : الحرام.
(٥) ط : من والاه.
. (٧) كذا ولعلها : أعربى.
(٨) ص ت م : سيد سادات .
(٩) العبارة محرفة فى ص ت م. والتصويب من ط .
- ١٤٢ -

ناعِش : بالنون والشين المعجمة من نعَشه الله نَعْشا : رفعه . المتعوس: العاثر، والمستعمل
فى هذا: تعِس وأَنعسه الله(١) فجاء على مثال مسعود .
لا يُغَنَّد : أى لا يُخَطَأ ولا يضعَّف رأيه .
العَنان بفتح العين المهملة بعدها نون : السحاب ، الواحدة عَنَانة .
الأُفنان : هى الأَغصان ، الواحدة : فَنَّن .
فقَدْك يا سفيان : أَى حَسبك وكفاك .
وروى عن عمرو بن عَبَسة - بعين وبسين مهملتين بينهما باء موحدة مفتوحات
- رضى الله تعالى عنه : قال رَغِيتُ عن آلهة قومى فى الجاهلية، ورأيت الباطلَ يعبدون
الحجارة، فلقيت رجلاً من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدِّين(٢) فقال: يخرج رجل
بمكة ويرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها ، وهو يأتى بأفضل الدين فإِذا سمعت به
فاتبعه . فلم يكن بى هَمَّ إلا مكة آتِيها فأسأل: هل حدَث فيها أَمرُ ؟ فيقولون لا . فإِنى
لقَاعِد على الطريق إِذ مرَّ بِى راكب فقلت : من أين جئتَ ؟ قال : من مكة . قلت : هل
حدَث فيها خَبر ؟ قال : نعم ، رجلٌ رَغِب عن آلهة قومه ودعا إلى غيرها . فقلت : صاحبى
الذى أُريد. فأتيته فوجدته مُسْتخفيًا، فقلت (٣): ما أنت؟ قال: نبىٌّ . قلت: وما النبىّ ؟
قال : رسول. قلت : مَن أَرسلك؟ قال: الله. قلت: بماذا أَرسلك؟ قال: أَن نُوُصَل
الأَرحام وتُحْقن الدماء وتؤمَّن السُّبُل وتُكسر الأَوثان ويُعْبَد الله ولا يُشرك به شيئا . دلت:
نِعْم ما أرسلك به ، أُشهدك أنى قد آمنت بك وصدَّقتك أَفَأَمكث (٤) معك ما ترى ؟ قال:
ترى كراهة(٥) الناس لما جئت به فامكث فى أهلك، فإذا سمعتَ أَنى قد خرجت مَخْرَجا
فاتبعنى . فلما سمعت به صلى الله عليه وسلم خرج إلى المدينة سِرْتُ حتى قدِمت عليه .
رواه ابن سعد(٦) وأبو نعيم وابن عساكر .
وروى أبو نُعَيم وابن عساكر عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال : بلغنى أَن بنى
(١) العبارة محرفة فى ص ، ت، م، والتصويب من ط .
(٢) ما بين الرقمين ساقط من ت م ..
(٣) ط : قلت .
(٤) كذا فى ط . وفى ص ت م: أن أمكث .
(٥) ت م : فراهة . محرفة .
(٩) طبقات ابن سعد؛ القسم الأول ص ١٥٧، ودلائل النبوة لأبى نعيم ٢١٠، والوفا ٥٩/١ .
- ١٤٣ -

إِسرائيل لمّا أَصابهم ما أَصابِهِم من ظهور بُخْتَنَصَّرَ - وفُرْقتهم وذُلِّهم تفرّقوا، وكانوا.
يجدون محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثا فى كتبهم وأنه سيظهر فى بعض
القُرَى العربية فى أرضٍ ذات نخل ، ولما خرجوا من أرض الشام جعلوا يتقرَّوْن كلَّ قرية
من تلك القرى العربية بين الشام واليمن يجدون نَعْتها نَعْت يَثْرب ، فنزل بها طائفة منهم
ويَرْجون أَن يَلْقوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيتبعونه ، حتى نزل من بنى هارون بيثرب
منهم طائفة ، فمات أولئك الآباء وهم مؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - أنه جاء
ويحثُّون أَبناءهم على اتَّباعه إِذا جاء ، فأَدركه من أدركه من أبنائهم فكفروا به وهم يعرفونه(١)
بُخْت بضم الموحدة وإِسكان الخاء المعجمة ثم مثناة فوقية ونَصَّر بفتح النون والصاد
المهملة المشددة . قال فى القاموس : بُخْت معناه: ابن . ونَصّر كبقَّم كان عند الصنم ولم
یوجد له أب فنسب إليه (٢) .
ـضـ
ورَوَى أَبو نُعَيم عن حسّان بن ثابت - رضى الله تعالى عنه - أنه قال: والله إنى لَفِى
منزلى ابنَ سبع سنين وأَنا أَحفظ ما أرى وأَعِى ما أَسمع وأنا مع أبى إذ دخل علينا فتى منا
يقال له ثابت بن الضحاك ، فتحدث فقال: زعم يهودى فى بنى قريظة الساعة وهو يُلاحينى .:
قد أَظلَّ زمانُ خروج نبيّ يأتى بكتاب [ مثل كتابنا (٣)] يقتلكم قتلَ عادٍ وإِرَم . قال حسان:
فوالله إِنّ لعلَى فارِعِ، يعنى أُطُمًا، فى السَّحر إِذ سمعتُ صوتا لم أسمع قط صوتا أَنْفَذ منه،
فإِذا يهودىّ على ظهر أُثُم من آطام المدينة معه شعلة من نار، فاجتمع إليه الناسُ فقالوا}:
مالك ويلك : قال : هذا كوكب أحمد قد طلع ، هذا كوكب لا يطلع إلا للنبوة ، ولم يبق
من الأنبياء إِلا أَحمد . قال : فجعل الناس يضحكون ويعجبون بما يأتى به .
وكان حسان - رضى الله تعالى عنه - عاش مائةً وعشرين سنة ، ستين فى الجاهلية
وستين فى الإِسلام(٤).
(١) الخصائص الكبرى ٦٢/١.
(٢) عبارة القاموس مادة (نصر): وكان وجد عند الصنم ولم يعرف له أب فنسب إليه، وشكلت (بختنصر.)
فى القاموس ( بخت، نصر) بضم التاء، والأشهر أن الجزء الأول من المركب المزجى يبنى على الفتح، كما فى شرح
الأشمونى لألفية ابن مالك : ١١٣/١.
(٣) من دلائل النبوة لأبي نعيم ص ٣٧ .
(٤) دلائل النبوة لأبي نعيم ٣٦.
- ١٤٤ -

يُلاحِينى: أَى يخاصمنى وينازعنى. الفارع بالفاء والراء والعين المهملتين: المرتفع(١)
العالى . والأُطُم بالضم : بناء مرتفع .
وروى الواقدىّ وأَبو نُعَيْم عن حُوَيّصة بن مسعود - رضى الله تعالى عنه - وهو بضم
الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية ، وقيل يجوز تخفيفها ، قال : كنا ويهود(٢) فينا
كانوا يذكرون نبيًّا يُبعث بمكة اسمه أَحمد ، ولم يبق من الأنبياء غيره ، وهو فى کتبنا
وما أُخذ علينا(٣) صفته كذا وكذا. حتى يأُنُوا على نعْته. قال: وأَنا غلام وما أرى أَحفظ
وما أَسمع أَعِى (٤) إذ سمعتُ صياحًا من ناحية بنى عبد الأشهل ، فإِذا قوم فزِعوا وخافوا أن
يكون أَمْرٌ حدث ، ثم خفِىَ الصوتُ ثم عاد فصاح ففهمنا صياحَه : ياأهل يثرب هذا
كوكبُ أَحمد الذى وُلِد به . قال : فجعلنا نعْجب من ذلك ، ثم أَقمنا دهرًا طويلا ونسينا
ذلك ، فهلك قومٌ وحدَث آخرون وصرتُ رجلاً كبيرا ، فإِذا مثل ذلك الصياح بعينه :
ياأهل يثرب قد خرج محمد وتنبَّأَ وجاءه الناموسُ الأَكبر الذى كان يأتى موسى عليه الصلاة
والسلام. فلم أُنشب(٥) أَن سمعت أن بمكة رجلاً خرج يدّعى النبوّة ، وخرج من خرج من قومنا
وتأخر من تأخر وأسلم فتيان منا أحداث ولم يُقض لى أن أُسلم ، حتى قدم رسول الله صلى الله
عليه وسلم [ المدينة (٦) ].
.٠
أَنشب : أَى لم ألبث ..
وروى أبو نُعَيم عن أبى سعيد(٧) مالك بن سِنَان الخُدْرى بالخاء المعجمة والدال المهملة
- رضى الله تعالى عنه - قال: سمعت أبى يقول: جئت بنى عبد الأشهل يومًا لأُتحدث فيهم ،
فسمعت يوشَع اليهودى يقول: أَظلَّ خروج نبيّ يقال له أحمد يخرج من الحرم . فقيل(٨)
له : ما صفته ؟ قال : رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ، فى عينيه حُمرة يلبس الشَّملة
ويركب الحمار ، سيفه على عاتقه ، وهذه البلد مُهاجَره . فرجعت إلى قومى بنى خُدْرة
وأَنا أَتعجّب مما قال ، فأُسمع رجلا منا يقول : ويوشع يقول هذا وحده ؟ كلَّ مود يثرب
(١) نت م : الرفيع .
(٣) أبو نعيم : وما أخذ علينا منه .
(٢) تم : کان یهود .
(٥) ت م : فلم ألبث .
. (٤) ت م : وما أعى أسمع.
(٦) زيادة من دلائل النبوة لأبى نعيم ص ٣٨. والخصائص الكبرى ٦٤/١.
(٧) الذى فى دلائل النبوة لأبى نعيم: ((عن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى، عن أبيه قال: سمعت أبى مالك بن سنان
(٨) الدلائل: ((فقال له خليفة بن ثعلبة الأشهلى، كالمستهزئ)).
يقول )» .
- ١٤٥ -
١٩ - سبل الهدى والرشاد

تقول هذا . فخرجت حتى جئت بنى قريظة فأَجد جَمْعا فتذاكروا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
فقال الزَّبِير بن باطًا : قد طَلع الكوكبُ الأَحمر الذى لم يطلع إلا لخروج نبى وظهوره.،
ولم يبق من الأنبياء أَحدٌ إِلا أَحمد وهذه مُهاجَره (١).
أَظلَّ : قرب .
وروى ابن عساكر عن كعب - رحمه الله تعالى - قال: كان إسلام أبى بكر الصديق
- رضى الله تعالى عنه - سببه وحى من السماء ، وذلك أنه كان تاجراً بالشام فرأى رؤها
فقصَّها على بحيرى الراهب فقال له : من أين أنت ؟ قال : من مكة . قال : من أيّها ؟
قال : من قريش. قال: فأَّىّ شئْ أَنت ؟ قال : تاجر. قال : صدَّق الله تعالى رؤياك، فإنه
يُبعث نبى من قومك تكون وزيّره فى حياته وخليفته بعد موته. فأَسرَّها أبو بكر حقى
بُعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد ما الدليل على ما تَدَّعى؟ قال:
الرؤيا التى رأيت بالشام. فعانقه وقَبل بين عينيه وقال: أَشهد أَنكِ رسول اله(٢).
ورَوَى أَبو نُعيم والبيهقى من طريق عُفَيْرِ (٣) بن زُرْعة بن سَيْف بن ذى يَزَن عن أَبيه
قال : لما ظهر سيفُ ذى يزَن على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بسنتين ، أَناه وفود العرب وأَشرافها وشعراؤها لتهنئه وتَذْكر ما كان من بلائه وطلبه
بثأر قومه . وأَتاه وفد قريش منهم عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وعبد الله
ابن جُدْعان وأَسد بن عبد العُزَّى ووهب بن عبد مناف وقُصىّ بن عبد الدار ، فدخل عليه
آذِنُه وهو فى رأْس قصر يقال له غُمْدان، وهو الذى قال فيه أُمَيّةُ بن أَبِى الصَّلْت الثقفى :
اشربْ هنيئًا عليك التاجُ مُرْتَفِقًا فى رأس غُمْدان دار منك مهلالا
وأَسِْلِ الْيَوْمَ فى بُرْدَيْك إِسْبَالاً
واشرب هنيئًا فقد شالَتْ نعَامتُهم
شِيبًا بماءٍ فعادًا بعدُ أَبوالاً
تلك المكارمُ لا تَعْبان من لَبَنٍ
قال: والملك مُتَضمِّخ بالعَبير يَلْصفُ وَبِيصُ المِسْك فى مَفْرق رأسه، وعليه بُرْدان
أَخضران مرتديًا بأَحدهما موتزرًا بالآخر، سيفُه بين يديه، وعن يمينه وعن شماله الملوك
والمقاول. وأُخبر بمكانهم فأَذِن لهم فدخلوا عليه ، ودنا منه عبدُ المطلب فاستأذنه فى الكلام
(١) دلائل النبوة ٤٠. والوفا ٤٢/١، والخصائص ٦٥/١.
(٢) الخصائص ٧٢/١. عن ابن عساكر.
(٣) ت م : عمير .
- ١٤٦ -

فقال: إِن كنتَ ممن يتكلم بين يدَى الملوك فقد أَذِنَّالك (١). فقال: إِن الله عز وجل قد
أَحلَّك أيها الملك محلاً رفيعا شامخا باذخا مَنِيعا ، وأَنْبتك نباتًا طابت أَرُومته وعَظُمت
جُرثومته، وثَبت أَصلُه وبَسق فَرْعه، فى أَطْيب موضع وأكرمٍ مَعْدِن، وأَنت أَبَيْتَ اللَّعن
ملِك العرب الذى إِليه تَنْقَاد وعَمُودها الذى عليه العِماد ومَعْقلها الذى تلجأُ إِليه العِبَاد ،
سلفُك خير سلف ، وأَنت لنا منهم خير خلف فلن يهلك ذِكْر من أَنت خَلَفه ، ولن يَخْمُل
ذكر من أَنت سَلفه، نحن أهلُ حَرم الله وسَدَنةُ بيته، أَشْخصَنا إليك الذى أَبهجنا من
كَشْفَك الكربَ الذى فدَحنا ، فنحن وفد التهنئة لا وفد المَرْزئة .
قال له الملك : من أنت أيها المتكلم ؟ قال: أَنا عبد المطلب بن هاشم. قال : ابن أُختنا ؟
قال : نعم. قال: أُدنه. ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مَرْحبا وأَهلا - فأرسلَها مثلا،
وكان أَولَ من تكلم به - وناقةً ورَحْلا ومُسْتَناخا سهلا وملكا رِبَحْلاَ يعطِى عطاءٍ جَزْلا ،
قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقَبِل وسيلتكم ، فإنكم أَهلُ الليل والنهار ولكم
الكرامة ما أَقمتم والحِبَاء إِذا ظَعَنْم . .
ثم أُنْهِضوا (٢) إِلى دار الضيافة والوفود وأُجرى عليهم الأَنزال ، فأَقاموا بذلك شهرا
لا يَصِلون إِليه ولا يؤذن لهم بالانصراف .
ثم انتبه لهم انتباهةً فأَرسل إِلى عبد المطلب فأدناه ثم قال له : يا عبد المطلب إِنى
مُفْض إليك من سِرّ علمى أَمراً لو غيرك يكون لم أَبُحْ له به ، ولكن رأيتك مَعْدنه فأُطلعتك
طِلْعَه(٣)، فليكن عندك مُخَبّاً حتى يأذن الله عز وجل فيه ، إِى أَجد فى الكتاب المكتوب والعلم
المخزون الذى ادّخرناه لأنفسنا واحتجَيْناه دون غيرنا خبرًاً عظيما وخطرا جَسِيما فيه شرفُ الحياة
وفضيلة الوفاة للناس عامةً ولرَهْطك كافةً ولك خاصّةً . فقال له عبد المطلب : مِثْلك أيها
الملك سَرَّ وبَرّ، فما هو؟ فداك أَهلُ الوبَر زُمَرًا بعد زُمَر. قال: إِذا ولِد بتهامة غلام بين
كتفيه شامة ، كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة . فقال له عبد المطلب :
أَيِها الملك أُبْتُ بخيرٍ ما آبَ بمثله وافدُ قوم، ولولا هيبةُ الملك وإجلاله وإِعظامه لسأَّلته
من سارّه إِياى كما أزداد به سرورا . فقال له الملِك : هذا حينه الذى يولد فيه أَوقد ولد ،
(١) تم : فقد آذناك، تصحيف.
(٢) ت م : ثم نهفوا ..
(٣) أى أعلمتك به. يقال: أطلعنى على الأمر، وأطلعتك طلعه أساس البلاغة ٢٨٣.
- ١٤٧ -

اسمه محمد ، بموت أبوه وأمه ويكفله جَدّه وعَمُّه، ولدناه مِرارًا والله باعثه جِهارا وجاعِلٌ
له منا أَنصارا ، يُعزبهم أولياءه ويذل بهم أعداءه ، ويضرب بهم الناس عن عُرْض ويستفتح
بهم كرائم أَهلِ الأَرض ، عبد الرحمن ويدْحض أَو يَدْحر الشيطان ويُخْمد النيران ويكسر
الأَوثان. قولُه فَصْل وحكْمه عَدْل ، ويأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويُبْطله.
قال له عبد المطلب: عَزَّ جِدّك ودام مُلْكك وعلا كعبك، فهل الملِك سارِّى بإِفصاح
فقد وضح لى بعض الإيضاح قال له سيف بن ذى يزن : والبيت ذى الحجُب والعلامات
على النُّقُب (١) إِنك لجَدّه يا عبد المطلب غير كَذِب .
قال : فخرَّ عبدُ المطلب ساجدا ، فقال له سيف بن ذى يَزن : ارفع رأسَك ثَلج صدرك
وعلا كعبك ، فهل أَحَسْت بشىء مما ذكرتُه لك؟ قال : نعم أيها الملك إِنه كان لى ابن
وكنت به مُعْجَبا وعليه رفيقا وإنى زوَّجْته كريمة من كرائِم قومى آمنة بنت وهب بن
عبد مناف بن زُهْرة ، فجاءت بغلام فسمَّيْته محمدا مات أبوه وأمه وكفلته أَنا وعمه .
فقال له سيف ابن ذى يزن: إِن الذى قلت كما قلت فاحتفظ من ابنك واحذر عليه
اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا واطْوِ ما ذكرتُه لك عن هؤلاء الرهط
الذين معك فإِنى لست آمَن أَن تتداخلهم النَّفاسة من أن تكون له (٢) الرياسة ، فينْصبون
له الحبائلَ ويَبْغون له الغوائل ، وهم فاعلون ذلك أَو أبناؤهم غير شك ، ولولا أَنى أعلم أن
الموت مُجْتاحِى قبل مَبْعثه لسِرْت بخيلى ورَجِلى حتى أَصِير بيثرب دار ملكه(٣) فإِنِى أَجد فى
الكتاب الناطق والعلم السابق أَن بيثرب استحكامَ أَمره وأَهلَ نصرته وموضع قبره ، ولولا
أَنى أَفِيه من (٤) الآفات وأحذر عليه العاهات لأَّعلنت على حداثة سِنِّه أَمرَه ولأَوطأُت على أَسنان
العرب كَعْبه ، ولكنى سأَصْرف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك .
ثم دعا بالقوم وأَمَر لكل واحد منهم بعشرة أَعْبد سودَ وعشرة إِماء سود وحلَّتين من
حُلَل البرود، وعَشْرة أَرطال ذهب وعشرة أرطال فضة ومائة من الإِبل، وكَرِش مملوءا عنبرًا ،
وأَمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك. ثم قال : إِذًا حال الحولُ فَتنى بخبره وما يكون
من أمره .
(١) وتروى: على النصب. بالصاد.
(٣) ت م : دار ملكى. محرفة."
(٢) كذا. ولعلها لكم. كما فى المراجع .
(٤) ليست فى ط .
- ١٤٨ -

قال : فمات سيف بن ذى يَزن قبل أن يَحُول عليه الحول .
قال : وكان كثيرا ما يقول عبد المطلب : يا معشر قريش لا يَغْبطنى رجل منكم بجزيل
عطاء الملِك وإِن كَثُر فإنه إلى نفاد، ولكن لِيَغْبطنى بما يَبْقى لى ولِعَقِى ذِكْرِه وفَخْره . فإذا
قيل : وما هو ؟ قال : سيُعْلم ما أقول ولو بعد حين(١).
قال البيهقى - رحمه الله تعالى : وقد روى هذا الحديث أيضا عن الكلبى عن أبى صالح
عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما .
تفسير الغريب
بلاؤه : أَى إِحسانه. مُرْتفقًا : أَى متكثًا أَو من الرِّفْق .
غُمْدان بضم الغين المعجمة : قصر باليمن . مِحْلَالا من الحلول ويروى مِهْلالا(٢) أَى
متهلِّلا . شالَتْ نَعامتهم : قال فى النهاية : النعامة : الجماعة إِذا تفرقوا . وفى الصحاح :
يقال للقوم إذا ارتحلوا عن مياههم أو تفرّقوا : قد شالَتْ نَعامتهم .
متضمِّخ : متلطخ . العَبِير بعين مهملة فباء موحّدة فمثناة تحتية : نوع من الطيب .
يَلْصف بالصاد المهملة والفاء: مضارعِ لَصَف لَصْفا ولَصيفًا إِذا بَرق. الوَبِيص: البَرْق
أيضا . المقاول : جمع قَيْل وهو الملِك من ملوك حِمْير ، دون الملك الأعظم. شامخًا :
مرتفعا . باذِخًا بالذال والخاء المعجمتين : أَى عاليًا. الأَّرُومة وزن الأَكُولة : الأصل. الجُرثومة
بضم الجيم والثاء المثلثة الأَّصل أَيضا. بَسَق: طال. أَبَيْت اللعن: أَى أَبيت أَن تأتى من الأُمور
ما تُلْعن عليه(٣). فدَحَنا بفاء فدال فحاء مهملتين فنون مفتوحات . أَثْقلنا. السَّدَنة : بسين
فدال مهملتين فنون : الخَدَمة . رِبَحْلاً : براء مكسورة فموحدة فحاء مهملة مفتوحة (٤):
الكثير العطاء .
أَهلُ الليل والنهار: أَى لا يُحْجَبون ليلاً ولا نهارا . الحِبَاء بكسر الحاء المهملة وبالمد :
العطاء . احتجَيْناه بحاء مهملة فمثناة فوقية فجيم فتحتية فنون أَى اكتتَمْناه . أُبْتُ بكسر
(١) خبر سيف بن ذى يزن فى الاكتفاء ١٧٨/١، ودلائل النبوة لأبى نعيم ٥٦، والوفا ١٢٢/١، وسيرة ابن كثير
٣٣٤/١، والخصائص ٢٠٢/١.
(٢) روى البيت فى ص ١٤٦، وفيه مهلالا مكان محلالا، وإذا كان ينبغى أن تكون محلالا هى الرواية الأخرى ..
(٤) يجعلها فى القاموس على وزن قطر ، فالحاء ساكنة.
(٣) ت م : عليها .
- ١٤٩ -
٠

أوله. رجعت . سارّه إِیاى: أَى مُسَارَرَتِه لى. النُّقُب بضم النون جمع نَقْب وهو الطريق .
الزَّعامة بفتح الزاى : أَى السيادة .
عن عُرْض : بضم العين المهملة أى لا يُبَالون من لَقَوْا دونه ولا يخافون أَحدًا بل يضربون.
كلَّ من عرَض لهم دونه بشَرّ. وعُرْض الشئ ناحية منه. علا كعبُك: هو دعاء له بالشرف
والعلوّ، والأَّصل فيه كَعْب القناة وهو أُنبوبتها ، وما بين كل عقدتين منها كعب ، وكل
شئ علا وارتفع فهو كعب .
مُجْتاحى بجيم فمثناة فوقية وحاء مهملة: أَى مُسْتأُصلى ومُهْلكى .
ورَوَى أَبو نُعَيمْ عن طريقٍ محمد بن عمر الأَسْلَمى عن شيوخه . قالوا : بينما عبد المطلب
يومًا فى الحِجرْ وعنده أَسْقُفّ نجران ، وكان صديقاً له وهو يحادثه ويقول : إِنا نجد
صفةَ نبى بَقِى من ولد إسماعيل ، هذا البلد مَوْلِده ، من صفته كذا وكذا . وأَتى رسولُ الله
- صلى الله عليه وسلم - فنظر إليه الأسْقُفّ وإِلى عينه وإلى ظهره وإلى قدميه فقال : هو هذا ،
ما هو منك ؟ قال : ابنى . قال : لا، ما نجد أباه حيًّا . قال: هو ابن ابنى وقد مات أبوه
وأُمه حبلى به(١). فقال: صدقتَ. قال عبد المطلب لبَنِيه: تحفّظوا بابن أَخيكم ، أَلا تسمعون
ما يقال فيه (٢).
والأحاديث والآثار فى هذا الباب كثيرة وفيما ذكر كفاية (٣).
(١) ت م : فيه .
(٢) ليس فى دلائل النبوة لأبى نعيم المطبوع.
(٣) وأكثر هذه الآثار لا يرجع إلى أصل صحيح وخاصة ما ينتسب إلى الكهان .
- ١٥٠ -

٠٠
الباب العاشر
فى بعض منامات رئيت تدل على بعثته صلى الله عليه وسلم
١
رَوَى أَبو نُعَيمْ من طريق أَبى بكر بن عبد الله بن أَبىّ الجَهْمِ عن أبيه عن جده قال :
سمعت أبا طالب يحدِّث عن عبد المطلب قال : بينما أنا نائم فى الحجْر رأيت رؤيا هالتنى
ففزعت منها فزعًا شديدا فأَتيت كاهنة قريش [ وعلىَّ مِطْرف خَزّوجمَّتى تضرب منكبی(١)]
فقلت لها إنى رأيت الليلة كأَن شجرةً نبتَت قد نال رأسُها السماء وضربت بأَغصانها المَشْرِق
والمغرب وما رأَيت نورا أَزْهَر منها ، أَعظم من نور الشمس بسبعين ضِعفا ، ورأيتُ العربَ
والعجمَ لها ساجدين وهى تَزْداد كلَّ ساعةٍ - عِظَما ونورا وارتفاعا، ساعةٌ تَخْفَى وساعةً
تظهر ، ورأيت رَهْطا من قريش قد تعلقوا بأَغصانها ورأيت قومًا من قريش يريدون قَطْعها
فإذا دَنْوا منها أَخَذهم شابٌّ لم أَر قط أحسن منه وجهًا ولا أَطيبَ منه رِيحًا فيكسر أَظْهُرهم
ويَقْلِعِ أَعينهم، فرفعتُ يدى لأَتناول منها نصيبا فلم أَقْدر فقلت : لمن النصيبُ ؟ قال :
النصيب لهؤلاء الذين تعلَّقوا بها . وسبقوك. فانتبهتُ مذعورا. فرأيت وجه الكاهنة قد
تغيَّر ثم قالت : لئن صدَقتْ رؤياك لَيخرجنّ من صُلبك رجلٌ يَمْلك المشرق والمغرب ويَدين
له الناس . فقال عبد المطلب لأبى طالب: لعلك أن تكون [ عم ](٢) هذا المولود.
فكان أبو طالب يحدِّث بهذا الحديث والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد خرج ويقول :"
كانت الشجرة والله أبا القاسم الأَمين. فيقال له: أَلا تؤمن به؟ فيقولى السُّبَة والعار (٣).
وذكر ابن ظَفَر أَن مَرْئَد بن عبد كَلاَلَ رأَى رؤيا أَخافته وأَذْعَرته وهالَتْه فى حال منامه
فلما انتبه نَسِيها حتى ما يذكر منها شيئا ، ثم إنه أَحضر الكُّان فجعل يخلو بكاهن
كاهن ثم يقول : أَخبرنى عمّا أُريد أَن أَسأَلك عنه. فيجيبه الكاهن بأَنّه لا علم عنده عنها .
(١) من دلائل النبوة لأبي نعيم.
(٢) من الوفا .
(٣) دلائل النبوة لأبي نعيم ٦٠، والوفا ٧٩/١، والخصائص ٩٨/١.
- ١٥١ -

فلم يكن عند واحد منهم جوابها ، ثم إنه خرج يتصيّد بعد ذلك فأَوْغل فى طلَب الصيد
وانفرد عن أصحابه ، فرُفِعت له أَبياتٌ فى ذَرَى جبل فقصد بيتًا منها ، فبرزت له عجوز
فقالت له : بالرَّحْب والسَّعَة والجَفْنة المدُعْدعَة والعُلْبة المُتْرَعة . فنزل فلما احتجب عن
الشمس نام فلم يستيقظ حتى تصرَّم الهَجِير ، فإذا بين يديه فتاة لم ير مثلها جمالا فقالت
له : أَبيتَ اللعن أيها الملك الهُمَام هل لك فى الطعام ؟ فخاف على نفسه لمّا رأَى أَنها عرفتْه
فقالت : لا حَذر فداك البشَر . وقرَّبت إليه ثَرِيدًا وقامت تَذُبُّ عنه حتى انتهى أَكله ،
ثم سقَتْه لبنا صَريفا وضَريبا، فشرب ما شاء وجعل يتأَملها مُقْبلة ومُدْبرة فملأَت عينيه
حُسْنا وقلبَه هَوَّى فسأَّها عن اسمها فقالت : عفيراء . فقال : يا عفيراء من الذى دعَوْتِيهُ
بالملِك الهُمَام؟ فقالت: مَرْتَد العظيم الشّأُن حاشر الكواهن والكُّان، لمُعْضلة بَعِل بها الجان أ.
قال يا عُفَيْراء أَتعلمين ما تلك المعضلة ؟ فقالت : نعم أيها الملك ، إنها رؤيا منام ليس بأضغاثُ
أَحلام ، رأيت أَعَاصير زَوَابع بعضها لبعض تابع، فيها لَهَب لامع ، ولها دُخَان ساطع
يَقْفوها نهر مُتَدَافِعِ رَوِى جارِعٌ وغرق كارِعٍ ، وسمعت فيما (١) أَنت سامع دعاء ذى جَرْس
صادع هلموا إلى المَشَارِع. قال الملك: نعم هذه رؤياى(٢) فما تأويلها؟ قالت: الزَّوابع: ملوكٌّ
تَتَابع. والنَّهر: عِلْم واسع. والداعى: نبيٌّ شافع. والجارِع: ولىُّ له تابع. والكارِع: عدوّله مُنازِع
فقال الملك : أَسِلِم هذا النبيّ أَم حَرْب؟ فقالت: أُقسم برافع السماء ومن أَنزل الماء من العماء
إنه لَمُبْطِل الدماء ومُنْطق العقائل نُطْقَ الإِماء . قال الملك : إلى ماذا يدعو ؟ قالت : إِلى
صيامٍ وصلاة وصلة أَرحام، وكَشْر أَصنام ، وتعطيل أَزْلام، واجتناب آثام . قاله
الملك : من قومُهُ؟ قالت: مُضَر بن ◌ِزَار ولهم نَفْع مُثَار يُجلَّى عن قَتْلٍ وإِسَار. قال: ياعُفيراء
إذا ذبَح قومَه فمن(٣) أَعْضادُه؟ قالت: أَعضاده ◌َطَاريف يَمَانُون طائِرهم به مَيمْون يعزّبهم
فيعزُّون ويدِّث بهم الحُزُونَ(٤) وإلى نَصْر يَعْتَزُونَ .
فأَطرقَ الملك يُؤْامر نفسه فى خطبتها فقالت (٥) أَبيت اللعن إِن تابِعِى غَيُّور، ولأُمرى
صَّور ونا کِی مَقْبور ، والگلِف بی تَبُور .
فنهض الملك مبادرا فجال فى صهوة جواده وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كَوْماءً .
(١) ت م: فيها . محرفة .
(٤) ت م : ولا يدمن بهم المحزونون . محرفة .
(٣) ت م : من . تحريف.
(٢) ط : هذه رؤيا .
(٥) ت م : قالت .
- ١٥٢ -

تفسير الغريب
أَوْغَل فى طلب كذا : تابَع(١) فى ذلك. والوغول: الدخول فى الشىء بالقوة .
الذَّرَى : بوزن الحصَى : كل ما يستتر به الشخص . والذّرْوة بالكسر والضم من كل
شئْ أَعلاه .
والجَفْنة المُدَعْدَعة : هى التى مُلئت ثم حُرّكت حتى تراصَّ ما فيها ثم ملئت بعد ذلك
والعلبة المتْرعة : هى إِناء من جلد والإِتراع : الامتلاء .
الأَرْواح : الرياح. الصَّرِيف : اللبن المحْض يحلب أَوان الحلاَب يُصْرف عن الضرع
إِلى الشارب. الضَّريب من اللبن . الرائب يُحلب عليه فيَسْتضرب أَى يَغْلظ .
بَعِل بها الجانّ : بفتح الباء وكسر العين المهملة بعدها لام، قال فى النهاية: بَعِل بالأمر
إِذا دَهِش .
أَعاصير زوابع: هى من الرياح ما يثير الترابَ فيُعْليه فى الجو ويثيره . ساطع : مرتفع .
الجَرْس : الصوت . المشَارع : المَداخل إلى النهر .
رَوِىَ جارع: أَى من شرب منه جَرْعاً رَوِىَ. وغَرِق كارع : أَى من أَمعَن غَرِق .
تَتَابع : جمع تُبّع ، وهو لقب كان لملوك اليمن وهو من الاتباع، لأن بعضهم كان يتبع
فى الملك والسِّيرة بعضا. والتَّبع زعموا أنه اسم للظل(٢).
العَماء : الغيم والغمام. العقائل: الكرائِم من النساء يَسْبيهنّ فَيَشْدُدْن النُّطُق على
أوساطهن للمِهْنة والخدمة . النَّقْع : الغبار يثيره المتحاربون والخيل وغيرها .
الأَعضاد: الأَنصار : الغَطَاريف : السادة والتغطرف : التكبّر .
يدمّث : يسهل ، يَعْتزون : ينتسبون .
يُؤَامر نفسَه : هكذا يقال ويراد به يُعارض الرأيين المتضادّين فى النفس .
ولأَمرى صَيّور : أَى عاقبة يَصير إِليها، يقولونه على جهة التعظيم.
جال : وثب . الصَّهْوة : مقعد الفارس من ظهر الفرس. كَوْماء : عظيمة السِّنَام.
#
#
وروى ابن سعد وابن الجوزى عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص رضى الله
(٢) ت م: انتفاء الظلم . محرفة .
(١) ت م : بالغ .
- ١٥٣ -
٢٠ - سبل الهدى والرشاد

تعالى عنها قالت ، قبيل مَبْعث النبي صلى الله عليه وسلم : كان خالد بن سعيد بن العاص ذات
ليلة نائما فقال : رأيت كأنه قد غَشِيْت مكةَ ظُلْمة عظيمة حتى لايُبْصر امرؤ كفَّه ، فبينما
هو كذلك إذ خرج نور من زمزم ثم علا فى السماء فأَضاء فى البيت ، ثم أضاءت مكة
كلها(١) ثم ضرب إِلى نخل يَثْرب فأَضاءها حتى إنى لأَّنظر إلى البُسر فى النخل. فاستيقظتُ
فقَصصْتها على [أَخى](٢) عمرو بن سعيد وكان جَزْل الرأى فقال: يا أَخى إِن هذا لأَمر
يكون فى بنى عبد المطلب ، أَلا ترى أنه خرج من حُفْرِة أَبيهم .
قال خالد : فإِنه(٣) لمِمّا هدانى الله للإِسلام. قالت أُم خالد: فأَول من أَسلم ابنى وذلك
أنه ذكر رؤياه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يا خالد: أنا والله ذلك النور وأَنا
رسول الله . فقصَّ عليه ما بعثه الله به فأَسلم خالد وأسلم عمرو بعده (٤).
ورَوى ابن سعد عن حرام بن عثمان الأَنصارى - رضى الله تعالى عنه - قال : قدِم
أَسْعد بن زُرَارة من الشام تاجرا فى أربعين رجلا من قومه ، فرأَى رؤيا أَن آتياً أَتاه فقال :
إِن نبيًا يخرج بمكة يا أبا أمامة فاتبعه وآية ذلك أنكم تنزلون منزلا فيصاب أَصحابك
فتنجو أَنت وفلان يُطعن فى عينه ، فنزلوا منزلا فبيّتهم فيه الطاعون فأُصيبوا جميعا غير
أبى أمامة وصاحب له طُعن فى عينه (٥) .
وروى أيضا وابنُ الجوزى، عن عمرو بن مُرّة الجُهَنىّ رضى الله تعالى عنه قال : خرجتُ
. حاجًا (٦) فى جماعة من قومى فى الجاهلية فرأيت فى المنام وأَنا بمكة نورا ساطعا [ خرج من
الكعبة حتى أَضاء لى ](٧) من الكعبة إلى جبل يثرب وأَشْعر جُهَيْنة فسمعت صوتا فى النور
وهو يقول : انقشعت الظُّلَم وسَطع الضياء وبُعث خاتم الأنبياء . ثم أَضاء إضاءةً أُخرى
حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن فسمعت صوتا فى النور وهو يقول : ظهر
الإِسلام وكُسرت الأصنام ووصلت الأَرحام .
فانتبهتُ فَزِعاً فقلت القومى : والله لَيحْدثنّ فى هذا الحىّ من قريش حدَث. وأخبرتهم
(١) ت م : ثم أضاء فى مكة كلها .
(٣) الأصل: لما وما أثبته من الوفا
(٥) طبقات ابن سعد ٣ قسم ٢ ص ١٣٩ ( ط ليدن).
(٧٠) من الوفا.
(٢) من الوفا .
(٤) الوفا ٨٠/١، وطبقات ابن سعد ١٠٩/١.
(٦) ت م : فى حاجة.
- ١٥٤ -

بما رأيت . فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا خبر أَن رجلا يقال له أَحمد قد بُعث . فخرجت
حتى أتيته فأخبرته بما رأَيت فقال : يا عمرو بن مرة أَنا النبى المرسل إلى العباد كافة
أَدعوهم إلى الإِسلام وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج
بيت الله وصيام شهر رمضان [شهر] (١) من اثنى عشر شهرا ، فمن أجاب فله الجنة ومن
عصى فله النار ، فآمِنْ بالله يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من هول جهنم . فقلت يا رسول الله ،
آمنتُ بما جئتَ به من حلال وحرام . ثم أَنشدته أَبياتا قلتها حين سمعت به وهى :
شهدتُ بأَنَّ الله حقٌّ وأَننى
لَآَمَة الأَصنام (٢) أَولُ تاركِ
لِأَصْحَبَ خيرَ الناسِ نَفْساً ووالداً
رسول مليك الناس فوق الحبائك (٣)
وروى أبو نُعَيْم عن كعب ووهب بن مُنَبّه رحمهما الله تعالى قالا: رأَى بُخْتَنَصَّر فى منامه
رؤيا عظيمة أَفزعته فلما استيقظ أُنْسِيها ، فدعا كهنته وسَحرته فأَخبرهم بما أصابه من
الكَرْب فى رؤياه وسأَّهُم أَن يَعْبُروها له، فقالوا: قُصَّها علينا . فقال(٤): قد نسيتُها.
قالوا : فإنا لا نَقْدر على تأويلها حتى تقصّها. فدعا دانيالَ فأَخبره [ بها] (٥) فقال
إنك قد رأيت صما(٢) عظيما رِجْلاه فى الأَرض ورأْسه فى السماء أَعْلاه من ذهب ووسطه من
فضة وأَسفله من نحاس وساقاه من حديد ورجلاه من فَخَّر ، فبَيْما أَنت تنظر إليه قد
أَعجبك حُسنه وإِحكام صنعته قذَفه الله بحجر من السماء فوقع على قُنَّة رأْسه، قذفه حتى
طحَنه فاختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخَّاره ، حتى تخيّل إِليك أَنه لو اجتمع
الإِنس والجن على أن يميّزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك ولو هبَّت ريحٌ لأَذْرته،
ونظرتَ إِلى الحجر الذى قُذف به يَرْبو ويَعْظم وينتشر حتى ملأَّ الأَرض كلَّها ، فصرتَ
لا ترى إلا السماء والحجر .
(١) من الوفا .
(٢) الوفا: لآلهة الأحجار .
(٣) الوفا ٨١/١، وهو هناك بتمامه، وسيرة ابن كثير ٣١٤/١ نقلا عن الطبر انى فى الكبير.
(٤) ط : قال .
(٥) ليست فى ط .
(٦) ط : رأيت ثوراً عظيما.
- ١٥٥ -

قال بُخْتَنصَّر : صدقت ، هذه الرؤيا التى رأيتُها فما تأويلها ؟ قال: أَمّا الضم . فأُمم
مختلفة فى أول الزمان وفى وسطه وفى آخره . وأَما الحجَر الذى قَذف الله به الصنم فدین
الله تعالى يقذف به هذه الأُمم فى آخر الزمان ليُظْهره عليها ، فيبعث الله تعالى نبيًّا أُمّا
من العرب فيدوّخ الله تعالى به الأُمم والأديان كما رأَيت الحجرَ دوَّخ أَصناف الضم
ويظهر على الأَّديان كما رأيت الحجر ظهر على وجه الأرض(١).
قال فى الصحاح : داخ البلاد يَدُوخها قهرها واستولى على أهلها و كذلك دوَّخ البلاد .
(١) دلائل النبرة لأبي نعيم ٤٥، والخصائص الكبرى ٦٠/١.
- ١٥٦ -

الباب الحادى عشر
فيما وجد من صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مقرونةً بصور الأنبياء
قبله صلى الله عليه وسلم
روى البيهقى وأبو نعيم عن هشام بن العاص رضى الله تعالى عنه قال: بُعثت أنا ورجل(١)
من قريش زمنَ أبى بكر الصديق رضى الله عنه إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإِسلام ،
فخرجنا حتى قدِمْنا الغُوطة ، يعنى دمشق ، فنزلنا على جبلة بن الأَّيْهم الغَسّانى، فدخلنا
عليه وإِذا هو على سرير له ، فأرسل إِلينا برسول نكلمه، فقلنا : والله إنا لانكلم رسولا
إِنما بُعثنا إِلى الملِك فإن أذن لنا كلَّمناه وإلا لم نكلم الرسول . فرجع إليه الرسول فأَخبره
فأَذِن ، فكلمه هشام ودعاه إلى الإِسلام وإِذا عليه ثيابٌ سُود ، فقال له هشام : ما هذه
الثياب التى عليك ؟ قال : لبستُها وحلفتُ أَن لا أَنْزعها حتى أُخرجكم من الشام . فقلنا(٢):
ومجلسَك هذا والله لنأُخذنَّه منك ولنأُخذن ذلك الملك الأَعظم إن شاء الله تعالى ، أَخبرنا
بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم. [ قال: فأَنتم إِذاً السمراء. قلنا: السمراء؟](٣) قال لستم بهم
هم قوم يصومون بالنهار ويفطرون بالليل، فكيف صومكم؟ فأخبرناه فملئ وجهه سواداً فقال:
قوموا. وبعث معنا رسولا إلى الملك، فخرجنا حتى إذا جاء بقُرْب المدينة قال الذين أرسلهم معنا:
إِن دوابكم هذه لاتدخل المدينة فإن شئتم حَمَلْناكم على براذين أَو بغال. فقلنا: والله لا ندخل
إِلا عليها. فأرسلوا إلى الملك بذلك بأنهم يأْبَوْن. فدخلنا على رَوَاحلنا متقلِّدين سيوفنا حتى انتهينا
إلى غرفة له فأَنخنا فى أَصْلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فلقد تنفَّضت
الغرفة حتى صارت كأَّنها عِذْق تَعْصفه الرياح . ثم دخلنا عليه فقال : ما كان عليكم
لو جئمتونى بتحيتكم فيما بينكم ؟ قلنا : إِن تحيتنا فيما بيننا لا تحلّ لك وتحيتك التى أَنت
(١) فى دلائل النبوة لأبي نعيم ١٨: أن هشام بن العاص، ونعيم بن عبد الله، ورجلا آخر قد سماه بعثوا إلى ملك الروم
(٣) من دلائل النبوة لأبى نعيم ١٩.
(٢) ط : قلنا .
- ١٥٧ -

بها لا يَحل لنا أن نحيِّيَك بها. قال: كيف تحيتكم؟ قلنا: السلام. قال: كيف تحيّون
مَلِككم . قلنا: بها . قال : وكيف يردّ عليكم؟ قلنا: بها . قال : فما أَعظمُ كلامكم ؟
قلنا : لا إله إلا الله والله أكبر. فلما تكلمنا بها تنفَّضت الغرفة حتى رفع رأسه إِليها . قال:
فهذه الكلمة التى قلتموها حيث تنفَّضت الغرفة كلما قلتموها فى بيوتكم تنفضت هكذا ؟
قلنا : لا. وما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك . قال: ودِدْت أَنكم كلما قلتم تنفَّض عليكم
كلُّ شيء وأنى خرجت من نصف مُلكى. قلنا لم؟ قال: لأَّنه كان أَيْسَر لشأنها وأَجدر أَن
لا يكون من أمر النبوة وأَن يكون من حِيَل الناس .
ثم سألنا عمّا أراده فأخبرناه. قال: قوموا. فقمنا فأَمر لنا بمنزل حسَن ونُزل كثير،
فأَقمنا ثلاثا ثم أرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه فاستعاد قولنا فأَعدناه ثم دعا بشئ كهيئة
الربعة العظيمة مُذَهَّبة فيها بيوت صِغَار عليها أَبواب، ثم فتح(١) بابا فاستخرج حَرِيرة
سوداء فنثرها فإِذا فيها صورة حمراء وإِذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم أَر مثل
طول عنقه وإِذا ليست له لحية وإِذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله تعالى. فقال: أَتعرفون
هذا ؟ فقلنا : لا. قال: هذا آدم عليه الصلاة والسلام وإذا هو أكثر الناس شعرا، ثم فتح
بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإِذا فيها صورة بيضاء وإِذا فيها رجل ذو شعر كشعر
القطط أَحمر العينين ضخم القامة حسن اللحية قال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال: هذا
نوح . ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإِذا فيها رجل شديد البياض حسن
العينين صَلْت الجبين طويل الخدين أبيض اللحية كأَّنه يتبسم ، فقال: أَتعرفون هذا ؟
قلنا : لا . قال : هذا إِبراهيم . ثم فتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء وإذا فيها
صورة بيضاء وإِذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : أتعرفون هذا ؟ قلنا : نعم ، هذا
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بكينا. فوالله لقد قام لها قائما ثم جلس وقال :
والله إنه لهو ؟ قلنا : نعم إنه لهو . فأَمسك ساعة ثم قال : أَما إِنه آخر البيوت ، ولكن
عجَّلْته لأَنظر أَتعرفون ذلك أم لا . ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإِذا
فيها صورة أَدْماء شحماء وإِذا رجل جَعْد قَطط غائر العينين حديد النظر عابس مُتراكب
مے
(١) ط : ثم انفتح.
- ١٥٨ -

الأسنان مُقَلَّص الشفة كأَنه غضبان . فقال : أَتعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا موسى
ابن عمران . وإلى جنبه صورة تشبهه إلا أنه مُدْهانُّ الرأس عريض الجبين فى عينيه قَبَل ،
قال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا هارون . ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه
حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل آدم سبْط ربعة كأَنّه غضبان. فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا. قال : هذا لوط . ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة فإذا فيها صورة رجل
مشرب بحمرة أقنى الأنف خفيف العارضين حسن الوجه. قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال:
هذا إسحاق، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة تشبه إسحاق
إلا أنه على شفتيه(١) خال. فقال(٢): هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا يعقوب ثم فتح بابا
آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أَقْنَى الأَنف
حسن القامة يعلو وجهه نور يعرف فى وجهه الخشوع يقرب إِلى الحمرة . فقال : هل
تعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال : هذا إسماعيل جَدّ نبيكم، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه
حريرة بيضاء فيها صورة كأنها صورة آدم كأَن وجهه الشمس فقال : هل تعرفون هذا ؟
قلنا : لا . قال: هذا يوسف عليه الصلاة والسلام. ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة
بيضاء فيها صورة رجل أَحمر حَمِش الساقين أَخفش العينين ضخم البطن ربعة متقلد
سيفا قال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا داود. ثم فتح باباً آخر فاستخرج
منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل متخم الأليتين طويل الرجلين راكب فرسا ، فقال !
هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا سليمان عليه السلام ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه
حريرة سوداء فيها صورة بيضاء وإِذا رجل شابّ شديد سواد اللحية كثير الشعر حسَنْ
الوجه فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا عيسى بن مريم . قلنا : من أين
لك هذه الصور لأَنَّا نعلم أنها صورّت على ما صورت عليه الأنبياء لأَنا رأينا صورة نبيِّنا
صلى الله عليه وسلم مثله(٣) فقال: إِن آدم صلى الله عليه وسلم سأل ربَّهُ أَن يريه الأنبياء من
ولده فأَنزل عليه صُوَرهم وكانت فى خزانة آدم عند مَغْرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين
فدفعها إِلی دانیال .
ثم قال: أَمَا والله وددت أن نفسى طابت بالخروج من مُلكى وأنى كنت عبدًالأُشرّ كم
مِلْكةً حتى أموت . ثم أجازَنا فأَحسن جائزتنا وسرَّحنا .
(١) ط : على شفته .
(٣) ت م : شمله.
(٢) ط : قال .
- ١٥٩ -
.-